2017-10-01

بلفور وتداعياته الكارثية.. من هم الهمج نحن ام هم؟

(الحلقة - الخامسة عشر والأخيرة)

سعيد مضية

الأزمة ثقافية في جوهرها

ورثت مجتمعاتنا العربية ونشاطنا السياسي ثقافة الفرقة الناجية المتجسدة في شخص الرئيس"الملهم" وحاشيته. سيكولوجيا السلطة علّمت الحاكم ان يحيط  نفسه بأشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه، وتمظهر ذلك في وصوليين يحيطون بالرئيس يتسلل وسطهم جواسيس يتقنون التزلف. استغلت إسرائيل هذه الخاصية بنشر شبكاتها التجسسية في الأقطار العربية، عناصر تخريب وتحريف النشاط السياسي الفلسطيني، والعربي عموما. بلغت جسارة الاستهتار بالعقل العربي ان هربت على الحركات التكفيرية جواسيسها يخطبون في جوامع التكفيريين ويقودون الجماعات المسلحة للعمليات التخريبية.

مأزق تردت فيه الجماهير العربية لن ينتشلها منه غير ثقافة الديمقراطية تشيع الوعي لدى  كل فرد بالمسئولية الوطنية، وتدفعه للخروج على وصاية الأنظمة الأبوية وثقافتها المعاقة. المقاومة الثقافية تتصدر المهمات الكفاحية. إتقان التحاور وتأصيله في الحياة الاجتماعية والسياسية يسفر عن ديمقراطية نقدية مستدامة.على مشارف القرن الماضي غلب النزوع الى الابتعاد عن ثقافة العصر الوسيط وأتباع الحداثة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، وما إن أشرف القرن على نهايته حتى غلبت ردة شاملة احتضنت قيم الماضي ومعاييره وأساليبه وعلاقاته الاجتماعية  وإشكالياته. لم تترسخ في الحياة الاجتماعية – السياسية قيم النهوض السياسي – الثقافي، وجرفها تيار الردة. كان قرن هزائم ورِدّة وإشكالات مستعصية بعثتها الأنظمة الأبوية. وتبددت إنجازات انظمة وطنية لكنها سلطوية مثل نظام جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم وصدام حسين والقذافي والأسد. انجزت مشاريع تنموية وإصلاحات اجتماعية لم تثبت لأن الجماهير الشعبية صاحبة المصلحة في الإصلاحات التقدمية والمدافع الصلب عنها بقيت مغيبة وبعيدة عن صنع القرار السياسي.

يقتضي تطلع الفلسطينيين للظفر بحقوقهم تشبيك نضالهم مع ائتلاف حركات التحرر العربية ومع حركة التضامن العالمية المتصاعدة مع قضيتهم، وكذلك مع الحركات المناهضة للعنصرية والعدوان. تبين بما لا يقبل الجدل أن الشعب الفلسطيني عاجز لوحده عن وقف مدحلة الاستيطان والتهويد المنطلقة بكامل اندفاعتها، وان الأنظمة القطرية هشة تقف امام خياري التشظي او التبعية للامبريالية وإسرائيل. سايكس بيكو وصفة لمزيد من الضعف والتبعية وتعطيل تحديث الحياة الاجتماعية في العالم العربي، وليس من ضمان للتنمية ونشر التحديث وتعزيز المنعة غير العمل العربي المشترك. تصدت القوى المعادية لمشاريع الوحدة وأغرت بتجارب وحدوية  نفرت الجماهير من الوحدة ومفهوم القومية العربية. من المهمات العاجلة والملحة إعادة الاعتبار لمفاهيم التضامن والتعاون والتنمية المشتركة وتوجهاتها على صعيد العالم العربي، او على الأقل ضمن منطقتي  المشرق العربي والمغرب العربي كل على حدة. لا تتوفر في الزمن الراهن شروط حل عادل للصراع الدائر على فلسطين، ولكن تنشيط المقاومة بمنهجية حداثية يعيد الثقة بالطاقات الكفاحية للجماهير المنظمة والواعية بظروف نضالها وملابساته ويوفر الضمانة للصمود بوجه مدحلة الاستيطان والتهجير إلى أن تتغلب رياح التحرر والديمقراطية والتنمية على رياح العولمة الامبريالية وتلحق الهزيمة بالقرن الأميركي الجديد. لن تتوفر ظروف تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني إلا من خلال تصعيد نضال الشعوب العربية  وشعوب العالم، ومن خلالها يتداعى نفوذ الامبريالية بالمنطقة وتكبح النظرات العنصرية المنتشرة في بلدان الغرب الامبريالية ويتقوض نظام الأبارتهايد من الداخل. فعلى القيادة الفلسطينية التخلي عن الكليشيهات مثل "على المجتمع الدولي أن يقوم بواجبه" وتبادر هي للقيام بواجب حفز النهوض الشعبي وحشد وتعبئة الاحتياطي المجمد وقيادة حركة الشعب الديمقراطية وبلورة مؤسسة عربية وأخرى دولية للتضامن مع النضال الفلسطيني. إن مأسسة التضامن العربي والدولي مهمة تقع على عاتق النضال الفلسطيني، تنشيط الديبلوماسية الشعبية داخل منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة تنظيمها على أسس ديمقراطية تحررها من سيطرة فتح المباشرة، لتعبئة الجماهير الشعبية في فلسطين،  ولتستقطب عواطف وإرادات ذوي الضمائر المعارضين لليبرالية الجديدة والأبارتهايد والمتمسكين  بالمشروعية الدولية. قد تتدهور الأوضاع في فلسطين، لكن مهما تدهورت سيبقى شعب فلسطين يعمر وطنه، وستظل القضية الفلسطينية تعمر ضمائر وعقول الشعوب العربية؛ ولكن إزاحة عربة عن المنزلق أهون بكثير من انتشال عربة متدهورة من هاوية سحيقة.

التحرر الوطني والديمقراطية والتنمية والوحدة العربية مفاهيم متداخلة عضويا في عملية التحديث والتقدم الاجتماعي للمجتمعات العربية. وضمن هذه التوليفة تندرج قضية تفكيك الأبارتهايد في فلسطين . إنه مرتبط بتفكيك الوجود الأميركي بالمنطقة والعالم، ومرتبط عضويا بالنضال ضد الليبرالية الجديدة وأنظمتها الجائرة. ومهمة شعب فلسطين تقتضي تعبئة حركة شعبية ديمقراطية ضاغطة؛ المهمة ثقافية بدرجة اولى. فما لم تفارق الجماهير عفوية التصدي وتعي دورها للتحرك بوعي مرشد لوقف مدحلة الاستيطان فإن الكلام عن التحرير والتحرير من النهر إلى البحر كلام عابث يستر التخاذل وضعف الإرادة.

إسرائيل وأنصارها فرضوا القرارات الدولية التي تم تنفيذها بشأن فلسطين دون الرجوع إلى مبادئ القانون الدولي، وإسرائيل تحدت مبادئ القانون الدولي الإنساني وجميع الاتفاقات والقرارات الدولية. لم تلتزم إسرائيل بقرار التقسيم الجائر في الصميم، اعتدت على الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية قبل ان تقرر الدول العربية التدخل، ورفضت تنفيذ قرار عودة اللاجئين إلى ديارهم، مع ان التنفيذ شرط لقبولها عضوا بالأمم المتحدة. تصر إسرائيل في الوقت الراهن على تحدي إجماع مجلس الأمن على شجب الاستيطان والمطالبة بوقفه، وهذا يفرض على أصحاب الحق التمسك بالقرارات الدولية وبالقانون الدولي الإنساني، وعدم الإنجرار خلف وعود مبهمة للدخول من جديد متاهة مفاوضات عبثية تحت وصاية الإدارة الأميركية المحشوة بالصهاينة الليكوديين. تحمل المفاوضات الموعودة في طياتها احتمالات إيقاع المفاوض الفلسطيني في خديعة كتلك التي أسفرت عن اتفاق كامب ديفيد.

 تقتضي اعتبارات العدالة المبنية على القانون الدولي الإنساني ومجمل الاتفاقات والقرارات الدولية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية بان تعود فلسطين – طبعا على مراحل -  دولة لجميع سكانها القابلين بالتعايش السلمي والتكافؤ بين البشر من كل عرق او ديانة. ردد رئيس دولة فلسطين مرارا أننا غير ملزمين باتفاقات أو قرارات ترفض إسرائيل تنفيذها. والقول يتطلب أن يتبع بالعمل، ويتطلب الثقة بأن عولمة الليبرالية الجديدة ليست خاتمة مسيرة الإنسانية. ولدى توفر الإيمان بالقدرة على التدخل في أحداث التاريخ ينمو الوعي تدريجيا بالقوة الذاتية، ويفضي إلى الفعل أو على الأقل إلى وعي بضرورة الفعل.

هناك من يعارضون الإنتظارية بالعمل المسلح حصراَ، وبصورة عفوية وارتجالية يستهويهم استعراض السلاح، متناسين أن العنف المسلح استدرجت إليها المكيدة الصهيونية وأفضى في زمن جد قريب الى هزيمة ساحقة للمقاومة وانطلاقة قوية للتوسع الاستيطاني عجزت القوى المحلية والإقليمية والدولية عن إيقافها. ظروف الاحتلال تبيح لكل شعب ممارسة شتى اشكال النضال المشروعة بموجب القوانين الدولية، غير ان القضية تتركز في انتهاج اسلوب كفاحي يعطل مفعول القوة العسكرية الإسرائيلية، المتأهبة دوما للانقضاض، ويخرجها من الصراع، او على الأقل يحول جيش الاحتلال قوة شرطة لا تلجأ لطائرات الفانتوم والصواريخ. بذلك يتم الحفاظ على زخم الحراك الشعبي ورفع طاقته باضطراد، لتعزيز المنعة  بوجه نوايا فرض الأمر الواقع، بما في ذلك  نتائج مدحلة الاستيطان التي أدانتها الشرعية الدولية. وهي نتائج تمهد للتهجير. يجب عدم نسيان أن إسرائيل يحدوها توق عارم لدولة نقية من العرب، طريقها يمر عبر حروب بالمنطقة، وهي لا تتردد في المبادرة باستخدام القوة المسلحة بهمجية بمسوغ الحرب الوقائية او قمع أبسط معارضة بقسوة شديدة، لكنها تفضل دوما ان تقدم للعالم مبرراَ، صادقا او كاذبا، يتكئ عليه أنصارها لتبرير تصرفاتها الهمجية.

يعتبر تقرير الإسكوا في نظر المراقبين والباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مرجعية بحثية استقصائية علمية معدة بحسب معايير نظام القانون الدولى فى تعريفه لجريمة الأبارتهايد، بل وموثق بالأدلة والشواهد لسياسات إسرائيل وممارساتها نحو الشعب الفلسطينى. وجه  المنتدى العربى الدولى من أجل العدالة لفلسطين  نداء لصحوة وتحرك عربى ــ إسلامى ــ دولى لتبنّى تقرير «الإسكوا»، انطلاقا من قناعته بأنه يعالج جذر القضية المتمثلة فى عنصرية الكيان الصهيونى، وما يشكّله من جريمة ضد الإنسانية، مطالبا محكمة العدل الدولية إصدار رأى استشارى، ومن محكمة الجنايات الدولية إطلاق تحقيق فى هذا المجال. اورد بيان الإسكوا بصدد مكافحة نظام الأبارتهايد في فلسطين"إحالة القضية على محكمة الجنايات الدولية، ودعم حركة مقاطعة إسرائيل.. وإعادة إحياء لجنة ومركز الأمم المتحدة لمناهضة الفصل العنصرى اللذين توقف عملهما العام 1994 حين اعتقد العالم أنه تخلّص من الفصل العنصرى بسقوط نظام الأبارتهايد فى جنوب إفريقيا".

إذا التقطت قوى التحرر الوطني انفاسها واستكملت عدتها الكفاحية وشرعت هجومها تتوفر بذلك فرصة لتنشيط حركة شعبية ديمقراطية محورها القيم الإنسانية من تكافل اجتماعي وترقية التعليم النقدي واضطلاع الدولة بالخدمات الاجتماعية. بهذا يتم تصفية البيئة التي عربدت فيها النزعة العسكرية وكذلك الصناعات العسكرية – الأمنية في إسرائيل. راكمت إسرائيل قدرات اقتصادية وعلمية وعسكرية من ارقى المستويات، وسخرتها لتنمية ثقافة عنصرية نجحت في تأهيل القوى البشرية لمساندة ودعم نهج الأبارتهايد.  وكذلك الليبرالية الجديدة حرضت على الإسلام والمسلمين، وعرضت ملايين المسلمين المهاجرة إلى بلدان الغرب إلى اضطهادات اقتصادية  وتمييز عنصري، فزرعت في اوساطها ثقافة عنصرية مضادة. من خلال الفعل والفعل المضاد تعمقت في أوروبا واميركا الشمالية ثقافة الكراهية بين يمين عنصري لدى البيض وسلفية جهادية لدى المهاجرين المسلمين.

تبدأ المقاومة الفعالة بانتشال الجماهير من إحباطها وقهرها وتحرير وعيها من الانحرافات الداعشية. ينبغي التذكير المستمر أن الحواضن المحلية للسلفية التكفيرية هي الظلم والفساد المقرونين بالحرمان في ظل الأنظمة القهرية. وحيث ان الجماهير الشعبية هي الضحية المباشرة لمنظومات التخلف الاجتماعي الجامحة في المجتمعات العربية غدت تلك المجتمعات حواضن للفكر التفكيري تدعمه بالمال والسلاح قوى الحلف الامبريالي – الصهيونية الساعية لتوريط المجتمعات في الفتن الطائفية والحروب الأهلية، وصل الأمر بتلك القوى العدوانية ان استهدفت تحطيم الدولة والمجتمع في اكثر من قطر عربي. مهدت الحركات السلفية بأفكارها لشيوع الأفكار التكفيرية في المجتمعات العربية، خاصة مع انحسار الفكر العلماني وبعث السادات للحركات السلفية كي تتصدى بجانبه للحركات اليسارية والناصرية. شاعت السلفية في الحياة الفكرية حتى داخل الجامعات، وبذرت بذور ثقافة الكراهية وعدم التسامح والقسوة وأفضت إلى عزوف المواطنين عن المصلحة العامة. تخلت الدولة عن الخدمات الاجتماعية الأساس كالصحة والتعليم والتكافل الاجتماعي لتتولى الحركات السلفية المدعومة بالمال النفطي تلك المهمات. ومن خلال تقديم الخدمات الأساسية نشرت في الأوساط الشعبية، كمسلمات، مفاهيم الولاء والبراء، ومسئولية المسلم عن تبليغ رسالة الدين، سواء أكان من أهل العلم أم لم يكن، ومسئولية المسلم عن إيمان وكفر الآخرين وشعوره الدائم بأنه مسئول عن تغيير اختياراتهم وقناعاتهم، وطبيعة علاقة المسلم مع غير المسلمين فى مجتمعه وخارج مجتمعه، وكذلك مفاهيم الجهاد وحدود حرية الفرد فى ممارسته بعيدا عن سلطة ولى الأمر، ومفاهيم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. تقوض مع إشاعة هذه المفاهيم مبدأ حرمة النفس البشرية وقدسيتها، ومبدأ حرية الإنسان فى الاعتقاد، واستبدلت سلطة الضمير بإرهاب عناصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما فرض وسيط بشري يقرر علاقة الفرد بربه ثم التبشير بالخلافة الإسلامية ومماهاتها بالأحكام السلطوية للأنظمة الأبوية، وتكفير الحكم التمثيلي والديمقراطية. اقامت الحركات السلفية سدا مانعا بين الجماهير الشعبية وأفكار التقدم.

نظرا لأن الثقافة تحيل على النشاط العملي والممارسة السياسية للأحزاب والقوى التقدمية، فإن تحريك الجماهير للنشاط العملي من اجل تغيير اوضاع البؤس يمضي عبر وضع مهام قصيرة الأمد يبعث النجاح في إنجازها حماسة الجماهير ويرفع معنوياتها وثقتها بإمكانية التغيير. المقاومة الشعبية حراك جماهيري موجه يمنح الجماهير ثقة بالنفس وقوة إرادة يتم البناء عليها.

يقتضي تنشيط المقاومة الناجعة للأبارتهايد توفير شروط الصمود بوجه نهج الإفقار وتضييق سبل العيش والحصار التي ينتهجها الاحتلال في الأراضي المحتلة. يتكامل في هذا الميدان نشاط المثقف مع نشاط الأحزاب السياسية. والمثقف النقدي يسهم في توفير شروط تصعيد النشاط السياسي وتنويره.

 التربية الديمقراطية تنطوي على  ثقافة إنسانية وطموح بالاستناد إلى منهجية علمية تعتمد جدل الفكر والممارسة. وفصائل المقاومة مكلفة بتعرية  الثقافة اللاإنسانية، تلك التي توحش البشر وتشيع الفردية العازفة عن الصالح العام، وأكثر من ذلك تعيدهم إلى مرحلة الهمجية، ترصد اتجاهاتها وتكشف عن منابعها. إن تهميج المجتمعات البشرية، والتي رصد بعض معالمها أكاديميون ومثقفون في أميركا والعالم، عملية سياسية انتهجتها الليبرالية الجديدة منذ  سبعينات القرن الماضي. حيال التصحر الوجداني المنتشر على أديم الحياة، تضطلع الثقافة بتوفير الشروط والقيم والممارسات الضرورية للنهوض بالمسئوليات المتوجبة علينا كمواطنين لتعرية ثقافة القسوة  والعنف والتضامن مع ضحاياها، علاوة على مقاومة البؤس البشري واستئصال الظروف المنتجة للبؤس.

في ظروف الجمود الثقافي تخلفت الثقافة الوطنية عن استيعاب منجزات الأبحاث التاريخية والحفريات الأثرية. وبينما يسوغ نتنياهو ممارساته الاستيطانية وتمرده على الشرعية الدولية بالحق الزائف في "وطن الآباء" فإن الفصائل الوطنية تحجم عن الاستعانة بمعطيات الأبحاث الأثرية لترد عليه بمنطق العلم.

التربية موضوع مغفل تماما من قبل السياسة التقدمية، ينتقد علم اجتماع التحرر القومي والاجتماعي، إغفال اليسار التربية في نشاطه السياسي. ووجه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو(1930 -2002)، أحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر،  اللوم إلى شغيلة الثقافة في الغالب الأعم ممن "استهانوا بالأبعاد الرمزية  والتربوية للنضال، ولم يقوموا على الدوام بشحذ الأسلحة  الملائمة للكفاح على هذه الجبهة". يمضي غيروكس على خطى بوردو وفريري في حث مثقفي اليسار على "الاعتراف بأن أهم أنماط  الهيمنة هي ثقافية وبيداغوجية (تربوية) وليست اقتصادية وحسب، وتكمن بجانب المعتقدات والقناعات. ومن المهم ان يتحمل المثقفون على عاتقهم مسئولية ضخمة لتحدي هذا النمط من الهيمنة". نشرت في هذا المجال أبحاث علماء التربية النقدية، باولو فريري من البرازيل وهنري غيروكس من الولايات المتحدة وحامد عمار من مصر، وآخرون كثر. إن إدخال التربية النقدية مناهج التدريس جزءٌ عضويٌ من النشاط السياسي، وقضية اجتماعية سياسية لا تقتصر على المربين، إن ذلك مهمة لا تقبل التأجيل. على الفصائل السياسية المعنية بالتحرر والتقدم ان تدرك دور التربية في تنشئة اجيال تبدع الأفكار الجديدة وتعزف عن السلفية، حين تبحث عن حلول مشاكل الحاضر في منتجات العلم ومعطيات التجربة الإنسانية. الأنظمة الأبوية تطرد المثقف النقدي او تحاول تدجينه وتحويله إلى مثقف تبريري. إن غياب او تغييب الثقافة النقدية قد أخضع المجتمع للأفكار الجاهزة المعلبة، الأمر الذي أفضى إلى انقطاع الثقافة التنويرية وأغرى بالعودة إلى الماضي.

"غدت مهمة التربية تكوين عقل متجدد نحو تنظيم مجتمع متجدد في عالم متجدد. وأهم الوسائل لتحقيق الهدف هي مؤسسات التعليم والثقافة، ويمكن اختزالها في تنمية التفكير العلمي ومناعة الهوية الثقافية"، هذه بعض الوصايا النفيسة التي تركها خبير التربية المصري الراحل الدكتور حامد عمار. إن توظيف التربية لتنشئة مجتمع مطل على واقعه ملم بتفاصيل ما يتوجب عليه وما يحق له يحيل للكتاب وللمطالعة أهمية خاصة. التربية الحقة تستثمر في الطفولة وتعقد علاقة صداقة بين الأجيال والكتاب. الإقبال على الكتاب معيار للتقدم الحضاري. العرب يرسفون في أدنى القائمة بين شعوب العالم من حيث تداول الكتب وطباعتها وترجمة الأدب الأجنبي. وهذا ثمرة مرة للاستبداد السياسي. العلاقة جدلية بين حب الوطن والتمدن، الذي يوفر الحقوق التي تغذي حب الوطن، ومنها الحق في الحرية والعدل والمساواة والحق في التعلم والمعرفة. وبهذه الحقوق وغيرها  يتغذى حب الوطن، يزدهر ويتعزز. تنمية الوعي بالحقوق جزء عضوي من التنمية الاجتماعية، تدخل  الكتاب عنصرا  وعاملا سياسيا أساسيا في عملية التقدم الاجتماعي.

من خلال دمج التقدم الاجتماعي بعلاقة عضوية جدلية مع تعزيز قيمة المواطنة تصفى  العصبوية وكيلة الهيمنة الأجنبية، سواء كان التعصب طائفيا او عشائريا او عرقياَ، من صميم مهام التطور الديمقراطي اضطلاع التربية بمهام تعزيز مناعة المجتمعات ضد التفتيت العصبوي والتركيز على التوجه القومي في مجالات الاقتصاد والثقافة والسياسة مع تضمين مناهج التعليم مساقات تحث على التسامح واحترام الحريات وقبول الآخر. ان ترسيخ هذه القيم في الحياة الاجتماعية يجتث النزعات الانفصالية والتجزيئية، حيث يتغلب الانتماء للدولة وللإنسانية، وليس للقبيلة او الطائفة أو المذهب.

وبذلك ينشط المجتمع المدني وتحترم حقوق الإنسان وتترسخ سيادة القانون ويتأهل المجتمع للتنمية والديمقراطية والتطور المستقل. في هذه الصيرورة يحتل التعليم مكانة محورية في السياسة والحياة الاجتماعية. مناخ الديمقراطية يقتضي ضمان مستوى حياة رفيع للمعلم وتخصيص نسبة عالية من موازنة الدولة للتعليم. من نوافل القول اولوية إطعام الفقراء أو توفير أمن المواطن او بناء المصانع، بناء الإنسان المفكر والمبدع ذي الرؤية النقدية ينبغي ان يحتل أولوية الاهتمام. وعلى المعلم في مدرسته أن يعي  ضرورة تغذية المجتمع باضطراد بنزعات النقد الذاتي والعمل الجمعي ونماذج للمواطنة يلعب فيها الناس دورا جوهريا في النقاش النقدي والإشراف على المصالح العامة. وعلى التعليم ان يزود الطلبة، خصوصا في الجامعات بالمعارف المتنوعة لتوسيع الأفق وتعميق التخصصات. ولما استيقن خليل السكاكيني من ضراوة الصراع القادم مع الاستيطان الكولنيالي فقد طالب أن تكون المدرسة مجالا لتربية حس الكرامة الشخصية والوطنية لدى الأجيال. نادى السكاكيني بدمج الكفاح ضد السيطرة الأجنبية بالتحرر الاجتماعي.

بمقدور المعلم الديمقراطي، بدون قرار سياسي، ان يقيم عملية التدريس على مبدأ الحوار بدل التلقين والتحفيظ. وبالإمكان، بل من الضروري، خلق مناخ ديمقراطي داخل المدرسة يشعر فيه الطلبة بالكرامة ويقبلون على التعلم برغبة في المعرفة وليس خوفا من العقاب. وليس صعبا ولا مكلفا ترقية التعليم الرسمي إلى مستوى التعليم الخاص في المعاهد الأجنبية المتناثرة في أقطار العروبة بقصد ترويج الثقافة العولمية لليبرالية الجديدة.

بتحديث منظومة التعليم الفلسطينية وترقيتها تكتسب  منظمة التحرير الفلسطينية طاقة ثورية تؤهلها لقيادة النضال الفلسطيني بنجاح بالاستناد إلى جماهير واعية ومنظمة. مصادر قوتها في عدالة قضيتها وانسجامها مع الشرعية الدولية واتساع التضامن معها وتحاشي الوقوع في العنصرية او الطائفية كرد فعل لعنصرية إسرائيل وطائفيتها، هو النضال التحرري مرشدا بالعلم وبالثقافة الديمقراطية : التخلص من الإدارة الأبوية للنضال التحرري، والاستناد إلى طاقة الجماهير الكفاحية - تتقن فن الالتصاق بالجماهير وتستوعب  نفسيتها الاجتماعية وتتمكن، من ثم، من حشد مختلف شرائح الشعب الفلسطيني على ارض الوطن وفي الشتات من كادحين ومثقفين ومعلمين ومهنيين وفلاحين ومنظمات نسائية وطلابية وعمالية، وتعبئهم في هيئات اهلية مستقلة لكن مرتبطة بالتوجه السياسي العام. القيادة السياسية الناجحة تثقف جمهورها بأساليب الديمقراطية في إدارة انشطة الهيئات الجماهيرية المنضوية تحت قيادتها. ينبغي الإقلاع عن نظام الكوتات في إدارة الهيئات الأهلية وتركها لصناديق الاقتراع. إن إجتراح نظام ديمقراطي للمقاومة الاقتصادية والثقافية والسياسية كفيل بتحصين الأوضاع العربية كافة ضد تصدير الأزمات والفتن واختطاف مكاسب التحرر وتخريب التنمية الاجتماعية.

أساليب العفوية والارتجال ركنت الجماهير احتياطي فزعات وقت الحاجة – انتخابات او استعراضات قوة، اما النضال الحق فيوظف حركة الجماهير لتسليك مجرى النضال ورفع الحواجز من مجراه، ثم ضمان مصالح الجماهير من مكاسب النضال، وأخيراَ حماية المكاسب الوطنية من ردة الثورة المضادة. أثبتت نكسات العالم العربي ان سقوط الأنظمة وتبديد منجزاتها سيرورة محتمة في غياب الديمقراطية. ولن تفترق حركة التحرر الفلسطينية عن المسار والمصير. بناء على ديمقراطية النشاط السياسي تجتذب المقاومة الفلسطينية الجماهير وتحظى باحترام الأصدقاء والحلفاء على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

موضوعتان مطروحتان على بساط بحث الثقافة العربية، وتبدي الأنظمة الأبوية إصرارا على إغفالهما او التحايل عليها: تحديث التعليم وتجديد الخطاب الديني. يقصد بتجديد الخطاب الديني تأسيسه على العقل وعلى المصلحة العامة. يصعب أن يكون الخطاب الديني دائرة عقلانية في محيط لا يقيم للعقل والعقلانية وزنا. فتسييد العقل من خلال تحديث العملية التعليمية يمضي بالتفاعل مع تحديث الخطاب الديني.

التربية الديمقراطية ترتكز اولا على استيعاب الجماهير مهارات التفكير النقدي الضرورية لمساءلة اكاذيب الدعاية المضادة التي تبثها دعاية الليبرالية الجديدة ووكلائها، إلى جانب الاحتراز من الوعي الزائف. ثقافة الديمقراطية الراديكالية تخوض الصراع لتعزيز التوجه الاجتماعي والإنساني لأفراد المجتمع، وأبرز عناصر التربية النقدية ذات التوجه التقدمي تربية ملكة النقد وتعزيز التخييل العام لنصرة الديمقراطية. لا تنتعش الديمقراطية إلا في مجتمع تتعلم جماهيره تطوير قدرة التفكير النقدي ومهاراته، بحيث يناقش الأكاذيب الرسمية ودعاياتها. هكذا يكتسب التعليم في المدرسة والجامعة أهمية فائقة في بناء حياة اجتماعية  عصية على القهر والاستلاب.

 وحيث ان جوهر أزمة المقاومة الفلسطينية ثقافي، ومكمن قصورها هو غياب أو تغييب الثقافة النقدية واكتفاؤها بالأفكار المعلبة الجاهزة وربما المستهلكة، فإن الرسالة السياسية لقوى التغيير الديمقراطي تتمثل في تناول العملية التربوية قضية سياسية يتم من خلال تحديثها نشر التفكير النقدي ونقل الرؤية العلمية لواقع المجتمع المراد تغييره والحياة الدولية التي تجري فيها عملية التغيير. يفعل الواقع الاجتماعي المحلي، وتحرر الجماهير من الارتباك، وترشدها لخيار التقدم والديمقراطية والتنمية الاجتماعية.

كل خطة سياسية تقتضي خطة تنظيمية وثقافية، حيث يتفاعل التنظيم مع الوعي في وحدة جدلية. نظرا للبيات الشتوي افتقدت سياسات المقاومة رديفها الثقافي، وهي عاهة لازمت النشاط السياسي الفلسطيني منذ عشرينات القرن الماضي، ولهذا منيت بالنكسات. نخلص إلى القول بضرورة توفير إمكانات انتشال الجماهير من الحيرة ومن  تضليل الوعي، واستنهاضها إلى النشاط الوطني لوضع حد لغطرسة إسرائيل. يتوجب على فصائل المقاومة الفلسطينية تجديد ثقافة المقاومة وتنقيتها من الأفكار المتخشبة، عليها العمل على تقديم ثقافة تنويرية تضوي الواقع  وترشد الحراك الاجتماعي. لماذا أُغفِل بيان إعلان الدولة الصادر عام 1988 وحظي بقبول إجماعي من قبل الفصائل الوطنية كافة؟

في العام1919 نصح لينين ممثلي شعوب الشرق أن مهمتهم الأساس تتمثل في انتشال شعوبهم أولا من تخلف العصر الوسيط، ولن يعثروا على المرشد  لنشاطهم الثوري في الكتب الشيوعية، وعليهم من ثم التخلص من الكسل الذهني والبحث عن أجوبة للمشاكل المثارة في معطيات العلوم الإنسانية.

الثقافة مقاومة.