2017-09-27

بلفور وتداعياته الكارثية.. من هم الهمج نحن ام هم؟

(الحلقة – الرابعة عشر)

سعيد مضية

كيف نخرج الحالة الفلسطينية من مازقها

حيال مكائد التحالف الامبريالي – الإسرائيلي، ونظرا للعقبات التي أرستها بوجه المقاومة الفلسطينية لم يعد الثبات على المبادئ مصدا لعوامل نخر تفعل في المجتمع الفلسطيني في ظروف انتظار الذي لن ياتي، وستواصل نخر الوجود العربي على أرض فلسطين. إغفال العلاقة العضوية للصهيونية بالامبريالية ما زال مصدر توريط في المشاكل المستعصية.

من المستحيل ان تسفر الوساطة الأميركية او غير الأميركية عن حل يستجيب للعدالة في فلسطين ضمن اختلال القوى الحالي لصالح الأبارتهايد وشطط الاستعمار الكولنيالي. ليس غير قرار من مجلس الامن ملزم بموجب المادة السابعة يفرض على إسرائيل الانصياع للشرعية الدولية .

وهذا لا يتحقق في ظرف الحماية الأميركية للأبارتهايد. تحضر في هذا السياق عبارة قالها وزير خارجية نظام الأبارتهايد في جنوب افريقيا للسفير الأميركي عام 1960:"نحن معزولون، وكل الدول تصوت ضدنا ولكن صوتا واحدا يهمنا هو صوت الولايات المتحدة. طالما نحظى بالدعم الأميركي فلن يهمنا الآخرون". وهذا بالضبط لسان حال سدنة النظام الوريث في إسرائيل.

عبر المتاهة التي ابتلعت طاقات المقاومة الفلسطينية، تكشفت حقائق ملزمة لتسليك درب المقاومة الفلسطينية:

أولاها ان الفلسطينيين وحدهم قد يصدون الأنشطة العدوانية، غير أن التحرير وتحقيق العدالة في فلسطين من خلال تحطيم نظام الأبارتهايد يأتي حصاد مجهود عربي وأممي. الاستيطان الإسرائيلي يموله رأسمال مالي احتكاري لا حدود لقوته وإسرائيل تحظى بدعم ومساندة قوى الهيمنة الكونية والليبرالية الجديدة على صعيد العالم. وتحظى إسرائيل بمساندة ضمنية وصريحة من جانب القوى الاجتماعية للتخلف العربي وعناصره المادية. من الأسس البدهية للتوجه العلمي التقدمي أن تبادر قوى اليسار وما تبقى من قوى حركة التحرّر الوطني العربية لإعادة الاعتبار للعروبة بمفهومها الثقافي غير العرقي، الشامل لجميع مكونات المجتمعات العربية بافق وحدوي تحرري وديمقراطي مقاوم لكافة اشكال التسلّط والاستبداد من اجل بناء الدولة الديمقراطية العلمانية العادلة، في مواجهة سياسات الهيمنة والاستتباع والاستئثار واغتصاب الأرض والتاريخ والثقافة والحقوق، التي يمارسها التحالف الأميركي - الصهيوني – الرجعي وأدواته الداخلية المتنوّعة. 

وبالنظر للدور الوظيفي المسند لإسرائيل لتخريب حركة التحرر الديمقراطي في الأقطار العربية كافة وفي ضوء ما تكشف من دعم إسرائيل للفتن والحروب الأهلية في اكثر من بلد عربي، فإن المقاومة العربية الشاملة تضع إسرائيل الهدف المباشر للنضال العربي المشترك، "فلسطين تشكّل القضية الأساس في هذا التوجه المقاوم، باعتبار القضية الفلسطينية شكّلت، تاريخياً الاستهداف الأساس الذي انعقدت حوله مجمل التدخلات الاستعمارية المتعاقبة التي طاولت المنطقة منذ نشوء الكيان الصهيوني. وبهذا المعنى، فان إعادة الاعتبار للقضية الأم، أي قضية فلسطين، كعنوان مفصلي وجامع لمقاومة المشروع الاستعماري، من شأنها أن تحفّز كلّ من يريد فعلاً أن ينتصر لهذه القضية أن يوجّه بندقيته في الاتجاه الصحيح، أي في اتجاه المشروع الأميركي والعدو الصهيوني والاستيطاني والقوى الرجعية والإرهابية المتحالفة معها، وأن يخلق في الوقت ذاته في كلّ بلد من بلدانه الشروط التي تعزّز الانتصار في هذه المواجهة، ليس بأبعادها العسكرية فقط، بل كذلك بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية."(25)

والحقيقة الثانية، بناء على ما تقدم، فان ظروف التحرر مشروطة بتحديث الحياة العربية لتعزيز قوى الممانعة وتحصين المناعة بحيث تحفز نهوضا عربيا عارما ضد المصالح الامبريالية ولإسقاط النظام الأبوي بالمنطقة .. نضال يتساوق مع تنامي مواقع دولية تضع حدا لاحتكار أميركا الهيمنة والاستثنائية. حينذاك يمكن لقوى التحرر العربية ان تلزم دول الغرب بين خياري فقدان المصالح أو التخلي عن الأبارتهايد الإسرائيلي.

والثالثة مع اتضاح الخطر الذي تشكله إسرائيل على التحرر والديمقراطية والتنمية في بلدان العرب، خاصة دول المواجهة يغدو ضرورة ملحة في خضم النضال المشترك على صعيد قومي مأسسة التضامن مع النضال الفلسطيني والمشاركة العملية في أنشطة المقاومة الفلسطينية يستهل بإنشاء مكتب داخل منظمة التحرير مختص بإدارة التضامن مع العدالة في فلسطين، يُردف بتنظيم  وتخطيط انخراط جماهير المنطقة في المناسبات الكفاحية مثل يوم الأرض وذكرى التقسيم وذكرى عدون حزيران وضد الاعتداءات المتواترة  تتطور إلى اندماج النضال من اجل فلسطين مع قضايا التحرر والتقدم في كل بلد عربي.

والرابعة، تضمين الثقافة الوطنية العربية في كل قطر عربي معطيات البحوث الأثرية في فلسطين ونتائج علوم التاريخ القديم، والتي قوضت أسس الرواية الصهيونية . كل ما لليهود من حقوق ينحصر في حق الوجود كطائفة دينية، ولا يجمعها جذر قومي أو تاريخي مشترك. تكاثر الوجود اليهودي بفلسطين واستجمع القوى بفضل كولنيالية الغرب الاستعمارية، التي سخرته قلعة امامية وذراعا تطال المجتمعات العربية – الإسلامية بالهدم والتخريب. تقضي عملية تحرير المجتمعات العربية وتقدمها الديمقراطي التعايش مع الوجود اليهودي بدون ادعاء قومي مزيف في ظروف الأمن واحترام متبادل للحقوق والمصالح. لكن الاحتكام السياسي لمبدأ توازن القوى يقضي بتحقيق هذه الاستراتيجية على مراحل.

والخامسة ان انعدام الديمقراطية والاستهانة بوطنية الجماهير الشعبية كانت المنفذ لاختراق المجتمعات العربية بالنعرات الطائفية والعرقية وبالفتن المدمرة لنسيج المجتمع ووصلت حد مسعى القضاء على الدولة والمجتمع. الديمقراطية هي العمود المحوري التحديثي المولد لطاقات التحرر والتنمية والوحدة القومية.

اما السادسة فتتعلق باستراتيجية النضال. ما هو العنوان الأشد تعرية لحقيقة إسرائيل: دولة احتلال ام دولة أبارتهايد؟ وما الهدف الأقرب للإنجاز: تفكيك الأبارتهايد ام تصفية الاحتلال؟ أم هو جدل البيضة والكتكوت؟

يقول جيف هالبر، الرئيس السابق لجمعية مناهضة هدم بيوت الفلسطينيين، لولا الاحتلال لبقيت إسرائيل دولة هامشية مثل نيوزيلندة جل اعتمادها على السياحة. الاحتلال عزز نظام الأبارتهايد الوحيد المتبقي على الكرة الأرضية وادانته الأمم المتحدة. أحرز شعار تصفية الاحتلال قبولا واسعا في العالم، وتجسد في قرارات مجلس الأمن الدولي وفتوى محكمة العدل الدولية وقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة بصدد الدولة الفلسطينية وقرارات اليونيسكو بصدد المواقع الأثرية في مدن فلسطين،  وفي القرار 2334 لمجلس الأمن.

غير ان تحويل الضفة إلى مستعمرات تحوي مراكز صناعة تكنولوجيا متقدمة تعتمد الإليكترونيات، قد عزز من أهمية المستعمرات الكولنيالية بالنسبة لإسرائيل. تضاعف قدرات إسرائيل الاقتصادية وتمتنت علاقاتها مع أنظمة تسلطية من خلال تزويدها بخبرات قمع الحركات الشعبية وأجهزة التصنت والمراقبة، فهذه الإنشاءات قد دمجت الضفة بنظام ابارتهايد قائم في إسرائيل منذ اليوم الأول لإنشائها. بات من شبه المستحيل التخلي عن الضفة والمستعمرات المقامة عليها بدون تفكيك نظام الأبارتهايد.

تآكل مكانة إسرائيل الوظيفة

 الأفق مفتوح على تطورات واعدة. بفضل المقاومة الباسلة لعدوان إسرائيل على لبنان صيف 2006، ثم مقاومة موجات العدوان على غزة، واخيرا الجهود الناجحة لتصفية الحركات التكفيرية حيث وضعت المشرق العربي ونضاله التحرري على منعطف تاريخي واعد. لم يعد بمقدور إسرائيل شن عدوان وقتما تشاء استجابة لضرورة التهرب من مشكلة داخلية او مزاودة الأحزاب وتنافسها الضاري لكسب الشعبوية او اداء دور كلب حراسة للمصالح الامبريالية.

تحدث هذه التطورات الإيجابية في زمن يجتاز النظام اللاإنساني لعولمة الليبرالية الجديدة  مرحلة تردي. تتراجع القوة النسبية للولايات المتحدة على المسرح الدولي اقتصاديا وثقافيا، والسيرورة جارية منذ عقود ومتواصلة بلا توقف. والاجراءات التي أقدمت عليها إدارة اوباما في سنتيها الأخيرتين ، بما في ذلك انتقاد نهج حكومات نتنياهو، عبرت عن إدراك المؤسسة او الدولة العميقة (الملأ الأميركي) أن قدرات الولايات المتحدة أضعف من طموحات برنامج القرن الأميركي الجديد، الذي في كنفه تنشط عدوانية إسرائيل ويغطرس صلفها. عبّر اوباما في أكثر من تصريح عن اختلافه مع طروحات المحافظين الجدد. وإذا أفلح هؤلاء في ابتزاز إدارة ترومب وجرها من جديد لزيادة الإنفاق الحربي 56 مليار دولار لهذا العام وزيادة مساهمة اميركا في ميزانية حلف الأطلسي وحث دوله على دفع اشتراكاتها، ثم السعي لتعطيل التسوية السلمية للصراعات في سوريا وفلسطين وسائر دول المنطقة، وتوجيه الضربات العدوانية ضد سوريا بهدف إسقاط النظام وتصعيد المواجهة مع إيران وروسيا والصين، فلن تكون العواقب  سليمة بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، رغم أن سوء التقدير قد يورد البشرية أتون حرب نووية.

ينعكس التصدي المتنامي للعدوانية الأميركية في اضطراد التبدلات على صعيد العالم في النظرة إلى إسرائيل وإلى جوهر الصراع في المنطقة. أولا، تبددت الصورة التي خدعت العالم مع تفجيرات أيلول2001، وتكشفت للرأي العام العالمي حقيقة الصراع بين كولنيالية استيطانية ونظام الهدر وبين شعب يكافح من أجل الحفاظ على إنسانيته والبقاء فوق أرض وطنه. وثانيا، تتنامى على المسرح الدولي موجات تضامن عاتية مع نضال الشعب الفلسطيني، بعضها ينطلق من اعتبارات العلم ومعطيات البحث الآركيولوجي قوضت أركان الرواية الصهيونية بصدد وطن الآباء والوطن التاريخي لليهود؛ كما يصب في مجرى التضامن مع العدالة للشعب الفلسطيني انكشاف حقيقة العدوان المموه بمقاومة الإرهاب، والذي يوجه السياسات الأميركية الخارجية ووقوفها الدائم بجانب الأبارتهايد الإسرائيلي

التصدعات تترى في نظم الليبرالية الجديدة وثقافتها اللاإنسانية ويتسع النضال ضدها، حيث تتكشف عن غنى فاحش وفقر مدقع وظلم فادح للأغلبية الساحقة على صعيد العالم وداخل كل بلد. يتسع بين المثقفين خاصة  الدفاع عن العدالة الدولية مجسدة في القوانين والاتفاقات الدولية  وفي مبادئ القانون الدولي الإنساني ومنظومة قيم العدالة والإنسانية بوجه ثقافة الكراهية والقسوة، حيث تقف محنة الشعب الفلسطيني في مركز الاهتمام. تتنامى حركات التضامن مع الشعب الفلسطيني في اوساط شعبية واسعة لكن تأثيرها ضعيف على صناع القرار السياسي في البلدان المقررة على الساحة الدولية نظرا لقصور نظم الديمقراطية في الغرب. ولكن القوى المضادة لا تقف مكتوفة الأيدي.

 في مجرى الكفاح ضد السلفية التكفيرية وما كشفته من دور امبريالي – صهيوني بالسلاح والخبرات والتنظيم والإعلام اكتسبت الجماهير العربية خبرة إضافية في تمييز مرض الورم عن عافية العضل. فليس كل من حمل علم الدين متميز بالتقوى. ان الانتصار على داعش والحركات التكفيرية يدشن لمرحلة جديدة من تنامي الحركة الوطنية الديمقراطية إذا ما انبرت قوى التغيير الديمقراطية لأخذ موقعها في صدارة النشاط الوطني.  

يتوجب القول ان التضامن وحده ، مهما اتسعت دوائره، لا يثمر بدون مقاومة محلية، لكنه يشكل حماية للمقاومة من تغول غطرسة القوة في إسرائيل، ويوفر مناخا منشطا للمقاومة. حمل التضامن الدولي النصر لشعب جنوب إفريقيا على موجات مقاومته الباسلة بقيادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي. استطاع الحزب ان يجرف النظام العنصري في تياره، حيث حدد استراتيجيته وخطه الكفاحي، راكم القدرات والخبرات الكفاحية واستقطب الحلفاء والأنصار بعيدا عن نفوذ النظام. وقدم حزب الله في لبنان تجربة كفاحية مقدامة تمخضت عن تنظيم ووعي صمدا بوجه القدرة الصدامية العاتية لجيش الاحتلال الإسرائيلي.شاهدت الشعوب العربية والشعب الفلسطيني بابتهاج غامر جيش الاحتلال يعود خائبا من غزواته الهمجية، لم يعد قدرا مطلق القدرة، يغزو هذا البلد او ذاك ومعاقبا ملوحا بالقوة التي لا تقهر. في القدس تصدت الجماهير للقوة الهمجية وأجبرتها على التراجع وتفكيك معدات المراقبة الإليكترونية للمصلين.

في ثمانينات القرن الماضي هاجم ريغان المؤتمر الوطني الإفريقي واعتبره أسوأ منظمة على وجه البسيطة ؛ كان مانديلا داخل زنزانة النظام العنصري. ثم بدات معارضة الأبارتهايد داخل الولايات المتحدة وشرعت الشركات الأميركية تنسحب من جنوب إفريقيا، ثم وجد البيزنس في اميركا  وجنوب إفريقيا ان من الأفضل التخلص من الأبارتهايد مع الاحتفاظ بالنظام الاقتصادي – الاجتماعي بتغييرات طفيفة. "هناك شبه مع هذا في الشرق الأوسط، لكن ليس تطابقا. وإذا قررت الولايات المتحدة سحب البساط من تحت إسرائيل أعتقد انهم سوف يمتثلون للأوامر.

ليس من وسيلة أعظم من الضغوط الشعبية، المنظمة والمثابرة والمخلصة لإحداث تغيير، وهذا عمل شاق(11).

لدينا اوراق مجمدة لم ندخلها ميدان المقاومة، مع أنها تضرب في الصميم الرواية الإسرائيلية.

المفكر و الكاتب اليهودي داعية السلام، اوري أفنيري، يعري فبركات الصهيونية ولا يدعها تمر بدون تحليلات معمقة تكشف زيفها. في مقاله "دولة قومية عجيبة"(13 أيار 2017) بصدد القانون المطروح على الكنيست واخذ دوره حاليا ليصدر في قانون، قال إن القانون الجديد الذي تجري مناقشته في الكنيست يخالف القانون الدولي ويعارض الصهيونية في أصولها . ثيودور هيرتسل اعتبر من يستنكف عن القدوم إلى إسرائيل "تبطل يهوديتهم". وهؤلاء يشكلون أغلبية يهود العالم. "حتى بن غوريون اعتبر فكرة مواصلة زعيم صهيوني أميركي العيش في أميركا شذوذا". ثم يمضي إلى القول "إن شعب إسرائيل قد ولد عبر محادثة بين الرب وإبراهيم في مكان بأرض العراق، هي خرافة بالطبع، ومثلها أجزاء كبيرة من التوراة، بما في ذلك الأنبياء الأوائل والخروج من مصر ومملكة داوود وسليمان.(لم تتم الإشارة لهؤلاء، من خلال مراسلات حكام مصر مع جواسيسهم في أرض كنعان).

دخل علم التاريخ ميدان الصراع بجانب العدالة للشعب الفلسطيني.هناك إجماع بين الأركيولوجيين وعلماء التاريخ على رفض مقولة ارض إسرائيل والوطن التاريخي للشعب اليهودي باعتبار ذلك خرافات واساطير ملفقة. كما رفضت مقولة "شعب يهودي" له حضور قديم.  عارض الباحث الأميركي أتوود،  مقولة نتنياهو التي اطلقها مؤخرا حول تشييد اليهود لمدينة القدس القديمة. كتب في عرض لكتاب الدكتور ساند، "أعلن بنيامين نتنياهو مؤخرا أن الشعب اليهودي كانوا يشيدون القدس قبل ثلاثة آلاف سنة ويقومون الآن بالبناء ... فالقدس ليست مستوطنة". لم يتوقف أتوود عند دحض تزييف نتنياهو للتاريخ القديم ، بل شكك في صلة اليهود بالقدس عبر معظم مراحل التاريخ، فيقول، "اما التنقيبات الأثرية  فتبين أن القدس بناها الوثنيون الذين قدسوا إلههم شاليم واطلقوا على مدينتهم الجديدة "مكان شاليم". وفي زمن الشروع بتشييد المدينة  لم يكن يوجد بشر يمارسون طقوس اليهودية، ونادرا ما حكم اليهود المدينة حقا في أوقات تالية؛ وتعاقبت العهود وخضعت القدس لحكم المصريين والبابليين والأشوريين والفرس واليونان والرومان والعرب والبيزنطيين والكاثوليك الاوروبيين والأتراك والبريطانيين."

تحدى الأميركي باول اتوود ومعه الكندي جون تشوكمان  نظام الأبارتهايد الإسرائيلي بغيرة على الحقيقة التاريخية تدحض ادعاء اليهود ومن حالفهم في وطن الآباء وحق العودة .

البروفيسور ميشيل ويلتون، الأستاذ بجامعة أثاباسكا الكندية من ضمن " الباحثين يناهضون الأبارتهايد الإسرائيلي، بنى الباحث الاميركي، باول آتوود، مدير مركز أبحاث الحروب ونتائجها الاجتماعية لدى قسم الأبحاث الأميركي بجامعة ماساشوسيتش – بوستون ومؤلف كتاب"الحرب والامبراطورية: أسلوب الحياة الأميركي" على منجزات سابقيه. نقل عن بروفيسور ساند مؤلف كتاب  اختراع الشعب اليهودي تأكيده أن غالبية علماء الآثار وعلماء التاريخ القديم متفقون على أن الملك سليمان لم تكن له القصور الفخمة التي آوت زوجاته السبعمائة. ويعزز الاستنتاج ان كتاب التوراة لم يذكر اسم البلدان المشمولة بامبراطوريته. والكتاب اللاحقون هم الذين اخترعوا المملكة القوية الموحدة. 

دانت "رابطة المحامين الديمقراطيين العالمية" الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للضفة الغربية وقطاع غزة، والأعمال العدوانية غير القانونية، بما في ذلك الإغلاق المفروض على غزة، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية العديدة، إضافة إلى انتهاكات إسرائيل للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. أعلنت الرابطة أنها ستعمل جنباً إلى جنب مع الشعب الفلسطيني في سعيه نحو إنهاء الاحتلال غير القانوني والتمتع بحقه في تقرير المصير، من خلال العمل على التنسيق لشبكة دولية من الحقوقيين المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، يتعهدون بتبني قضيته في مختلف المجالات، إضافة إلى استخدام كافة الوسائل القانونية المحلية والدولية المتاحة من أجل كسر الحصانة الإسرائيلية، وإنهاء الاحتلال غير القانوني والإغلاق ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عنهما.

وأشارت الرابطة إلى مساعدة كافة المنظمات أعضاء الرابطة في مختلف أنحاء العالم على المشاركة في تعزيز المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية لإسرائيل، كجزء من الحملة الدولية لمقاطعة وتعرية إسرائيل وفرض عقوبات عليها. طالبت المنظمة الضغط على الولايات المتحدة كي توقف إرسال شحنات السلاح إلى إسرائيل. يجب وقف كل دعم للجيش في الأراضي المحتلة.تزويد إسرائيل بالسلاح امر مخالف للقانون الدولي.

في ميدان القانون الدولي ساند كبار خبراء القانون الدولي باستمرار الحقوق الوطنية لشعب فلسطين، علاوة على عدد كبير من الأكاديميين منبثين في جامعات العالم: بروفيسور جون دوغارد، أستاذ القانون الدولي من جنوب إفريقيا ،أعد بحثا أثبت من خلاله أن ما يمارس ضد الشعب الفلسطيني نظام ابارتهايد يماثل ما كان  يمارسه الأبارتهايد في جنوب إفريقيا. قال أعتقد ان استراتيجية إسرائيل والولايات المتحدة ترمي ببساطة ترك المباحثات تمضي للأبد بينما تقوم إسرائيل بضم الأراضي والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، ولا أتردد في التأكيد أن جرائم إسرائيل  أسوأ مما اقترفه نظام  جنوب إفريقيا.

وكذلك البروفيسور ريتشارد فالك استاذ القانون الدولي ومفوض الأمم المتحدة الخاص بحقوق الشعب الفلسطيني سابقا. وهو واحد من اثنين اعدا تقرير المنظمة الاقتصادية لغرب آسيا(أسكوا) ونشرته ريما خلف، رئيسة المنظمة. منعت إسرائيل فالك من دخول الأراضي المحتلة، ويتعرض باستمرار لهجمات الرسميين في الولايات المتحدة دون مراعاة لمكانته العلمية، وذلك ردا على مواقفه المثابرة في التنديد بممارسات إسرائيل. يقول: بإمكان القانون الدولي إذا اندمج بالمقاومة الشعبية أن يتحدى الأبارتهايد الذي فرضته إسرائيل على الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، ولسوء الحظ فالقانون الدولي لا ينفذ تلقائيا والقيادة الرسمية للشعب الفلسطيني تتباطأ في استثماره. بذا يقع على عاتق المجتمع المدني ضمان تحقق مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان على أرض فلسطين.

وقال أيضا،"يدعم القانون الدولي قضية الشعب الفلسطيني؛ ومن الجوهري ان يكون الفلسطينيون على بينة من القانون الدولي الذي تنتهكه إسرائيل وكل الإجراءات المترتبة عليه الضرورية لفرض هذه الحقوق. ومن الضروري أن يبدي الفلسطينيون مزيدا من الوعي بحقوقهم، وذلك لكي يضمنوا أن  السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية تستثمر بالكامل الآليات التي يوفرها القانون الدولي لاستعادة الحقوق السليبة".

والحقوقي البارز الثالث هو جورج بشارات أستاذ القانون والخبير في قانون الجرائم. "رغم التحدي الذي يسم رفض إسرائيل مراعاة التزاماتها القانونية تجاه شعب فلسطين والعالم فإن القانون الدولي يوفر ورقة اختبار لما هو معقول ومسموح  في العلاقات بين الدول والشعوب؛ ولهذا السبب وحده تقدم خطوطه المرشدة إسهامات حاسمة لنضال الشعب الفلسطيني  من اجل حقوقه الأساس".

تجري حاليا في أميركا وإسرائيل تحديات للسياسات الرسمية. علاوة على حركة حصار إسرائيل ومقاطعتها (بي دي إس) المنتشرة في الجامعات الأميركية ومختلف بقاع العالم، حركات معادية لنهج الدولة الأميركية. تتصاعد داخل الولايات المتحدة الأميركية حركات كسر الصمت حيال تضخم الإنفاق العسكري باستمرار." لنا قول في إنفاق الضرائب المجبية منا، يجب علينا تحدي العسكرية الأميركية". جاء ذلك يوم 4 نيسان/إبريل، الموافق الذكرى الخمسين لخطاب ألقاه المناضل الأميركي من اجل الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ في نيويورك (اغتيل بعد ذلك) استنكر فيه الحرب على فيتنام ودعا إلى تحويل نفقات الحرب لإعانة الفقراء والمرضى. ويقول النداء الموجه في الذكرى إن أمة تواصل الحروب عاما تلو عام وتنفق على العسكرة أكثر مما تنفق على برامج الخدمات الاجتماعية إنما تقترب من الموت الروحي.

وجاء في البيان أيضا، قبل خمسين عاما دعا كينغ إلى كسر الصمت. والولايات المتحدة تشن منذ العام 1994حروبا ضد العراق وسوريا وافغانستان واليمن وليبيا وباكستان، أنفقت خلالها خمسة آلاف مليار دولار. والولايات المتحدة تبدد 900 مليار دولار سنويا على الحروب، أكثر مما تنفقه سبع دول مجتمعة تليها في المجال العسكري، وأضافت إدارة ترمب على النفقات العسكرية السابقة مبلغ 56مليار دولار لهذا العام. وتخفي السياسة الرسمية هذه النفقات عن الجمهور، ويتجاوب معها الجبناء أعضاء الكونغرس،حيث تغطيها بالقروض الخارجية. اقترح ترامب تدبير الزيادات في موازنة الحرب من خلال تقليص خدمات الصحة والتعليم والحفاظ على البيئة والمعونات الإنسانية. هذه الاقتطاعات ستترك اثرا فادحا على تعليم أطفالنا ومعونات الفقراء والمرضى والمسنين".

 إلى جانب المعارضة الصريحة لنهج نتنياهو، الصادرة عن كبار ضباط الأجهزة الأمنية، المطلعين على ما تحت الرماد من نقمة على الاحتلال تتسع حملة توقيعات على مذكرة موجهة لوزير الأمن الداخلي غيلاد إردن، ردا على دعوته لعمل سجلات بأسماء مقاطعي المستوطنات داخل إسرائيل وخارجها. طلب الموقعون على المذكرة من الوزير تسجيل أسمائهم في قائمته السوداء. جاء في المذكرة التي وقع عليها اكثر من ألف شخص، نحن المواطنين الإسرائيليين قلقون للغاية على مستقبل وطننا نتيجة تدهور الحقوق المدنية. دعوتكم لوضع قائمة بمعارضي الاستيطان تأتي في أعقاب قرار الحكومة بمنع أعداء الاستيطان من دخول البلاد. ان قرار مجلس الأمن 2334 يحث الدول على التمييز بين إسرائيل والمستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة. المستعمرات تخلق حالة أبارتهايد وتتسبب في انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني وتفضي إلى التطهير العرقي. وجاء في المذكرة، "إن ردنا على الاستيطان هو دعوة جميع الناس الشرفاء داخل إسرائيل وخارجها إعلان المقاطعة التامة للمستوطنات –اقتصادية وثقافية وأكاديمية، وسنبذل قصارى جهودنا لإقناع الآخرين بالمقاطعة."

في الثاني عشر من يناير 2017سلم وفد من المثقفين الإسرائيليين والسفراء السابقين ونواب سابقين في الكنيست رسالة إلى سفير فرنسا في تل أبيب تحمل تواقيع 1200 شخصية مدنية يدعمون مؤتمر باريس للسلام ويطالبون بالاعتراف بفلسطين في الحال.

هنأ الموقعون حكومة فرنسا للدعوة لعقد المؤتمر، واكدوا  الحاجة الملحة لتجديد عملية السلام وحثوا المؤتمر  لتبني قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2334  والمبادئ الواردة في خطاب وزير خارجية أميركا يوم 28 كانون اول الماضي حول اتفاق سلام .

كما دعا الموقعون في مذكرتهم إلى إنهاء الاحتلال في الحال، بعد أن مضى عليه خمسون عاما، وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة بجانب دولة إسرائيل، وقبول دولة فلسطين عضوا كامل الحقوق في منظمة الأمم المتحدة.

كما دعا الموقعون إلى الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للدولتين ودعوة المجتمع الدولي لتعزيز دعمه لإسرائيل ضمن حدود 1967، وفي نفس الوقت  التمييز  لدى التعامل مع إسرائيل بين دولة إسرائيل الشرعية وبين المستوطنات على الأراضي المحتلة، تلك التي تشكل انتهاكا للقانون الدولي وعقبة رئيسة في درب السلام.

من بين الموقعين دانييل كاهنيمان الفائز بجائزة نوبل وعشرون من الفائزين بجوائز إسرائيلية وخمسة سفراء سابقين، والمدعي العام الأسبق في إسرائيل ميخائيل بن يائير، والوزير السابق يائير زابان، وخمسة من اعضاء كنيست سابقين.

واخترقت جدار الصمت في إسرائيل مظاهرة جماهيرية في تل أبيب في السابع والعشرين من أيار بمناسبة ذكرى عدوان حزيران وبدء الاحتلال. ضمت المظاهرة عشرات من رافضي الاحتلال وتكاليف الاستيطان.

كل ما تقدم لم يدخل ثقافة مقاومة الأبارتهايد ، شهادة على جمود ثقافي يعطل الإرادة الشعبية.

جدل الثقافة والسياسة

البروفيسور فالك، خبير القانون الدولي، مكافح عنيد من اجل العدالة في فلسطين، وكون خبرة من خلال معاناته القاسية في مجال نشاطه الدؤوب مفوضا دوليا من أجل حقوق الفلسطينيين لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. يقول ان "انصار إسرائيل ذوي النفوذ نقلوا النقاش بصدد النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني إلى نمط من الحرب الثقافية العدوانية. وهذا النمط من الحروب يشن بتشجيع من حكومة إسرائيل ويحظى بدعم إيديولوجي من جماعات الضغط المتطرفة مثل إيباك ويو إن ووتش وجي او مونيتور وهيئات اخرى مماثلة في أميركا وبلدان الغرب. يجري خوض هذه الحرب الثقافية على مستوى الشارع مشحونة بالعنف. يحذر البروفيسور فالك، "يجب عدم التقليل من خطورة العواقب السلبية على حرية الفكر والحرية الأكاديمية". ما رصده الدكتور فالك مظهر لعدوانية ثقافة الليبرالية الجديدة. وهي تستهدف الجماهير بالوعي الزائف والقيم المنحطة.  

 جمدت القيادة الفلسطينية حركة الجماهير بانتظار حصيلة التفاوض، وجمدت السلفية الدينية المكافحة للاحتلال حركة الجماهير بالركون إلى العمل المسلح، حيث غدا الفدائي هو المخلص المنتظر.

الحرب الثقافية تصدها مقاومة ثقافية حداثية تتفاعل عبر حركة شعبية ديمقراطية، تنزل الى جماهير الشعب لتضوي حركتها، الاستثمار فيها يعود بأفضل مردود على المقاومة الشعبية. مهمة تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني تستند إلى تنمية طاقاته الكفاحية مسنودة بالطاقات الكفاحية للشعوب الشقيقة متحررة من أنماط التخلف ونماذجه. تحديث الحياة الاجتماعية اقتصادا وثقافة وتعليما وسياسة شرط لخوض مقاومة فاعلة تستند إلى تكثيف النشاط السياسي - الثقافي في أوساط الجماهير لتأهيل القوى المجمدة وتنشيط حراكها السياسي. ربما يرى البعض عمليات التحديث بعيدة المنال وغريبة عن المجتمعات العربية، لكن المراوحة في التخلف غريبة ومستهحنة، ولم تعد تطاق.

ثقافة الكراهية وثقافة الإحباط والتضليل ترمي لافتراس معنويات الشباب وحملهم، في ظروف الحالة الفلسطينية،على التفريط إما ببيع عقارات او العمل مخبرين او الرحيل من اماكن يرغب الأبارتهايد إخلاءها. أوضاع القهر والهدر سلبت الجماهير إرادتها وتفكيرها وأشاعت الفردية والأنانية والقسوة والكراهية في الحياة الاجتماعية. الاستلاب يلقي الجماهير في مهاوي الارباك  والخلود إلى مراقبة الأحداث وابتلاع القهر بصمت. سياسات إسرائيل تترجم ثقافة توزع على المجتمع اليهودي عنصرية وثقافة كراهية وعلى المجتمع الفلسطيني إرباكا وإحباطا. فحين تتطاول إسرائيل على الجوامع والأراضي وتهدم البيوت والمنشئات وتدمر الأشجار والمزارع ويترك اسرى المقاومة يذوون اسابيع متتالية في إضراب عن الطعام دون ان يرتفع بوجهها التحدي المانع، فإن ذلك يبعث القهر الدفين واللواعج المحبطة. الناس يبتلعون نقمتهم على عناصر الواقع الأليم وهي متعددة. الفكر السلفي وليد النقمة ونتاج الأمية الدينية الشائعة ورد فعل غير مستنير على دسائس الامبريالية. في غياب العقلانية والتفكير العلمي تهفو النفوس لليمين وثقافته الهابطة، فيتراوح المزاج الشعبي بين صعود التحدي وهبوط الإحباط. يزيد من تعقيدات الاشكالية الإحباط ومختلف الإعاقات في ظلام  استبداد الأنظمة الأبوية وفسادها.

تحولت اجهزة النظام الأبوي إلى أبواق تنفث على مدار الساعة ثقافة الليبرالية الجديدة، ويحتضن تحالف الامبريالية –الرجعية العربية السلفية الجهادية ويغدق عليها الأموال والأسلحة. وذلك كي تنشغل الشعوب العربية بمشاكلها ويعزل الشعب الفلسطيني ويرفع الراية البيضاء. تتكشف كل يوم روابط الجماعات الإرهابية بكل من إسرائيل ودول الخليج وبالامبريالية الأميركية والبريطانية والفرنسية.