2017-09-25

الثورة من الشمال إلى الجنوب (2)

د. سمير أمين

ترجمة د. عماد الحطبة

سأناقش في هذا المقال أسباب ضعف الطبقة العاملة في المثلث الإمبريالي المركزي، الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. يركز هذا التحليل على الثقافة السياسية للجماهير المعنية، وهذه الثقافة نتاج لتاريخ طويل يرتبط ببلد معين. لعل القارئ سيجد أحكامي قاسية بعض الشيء، وهي كذلك، لكن ملاحظاتي على الجنوب ليست أقل قسوة. عليَّ أن أؤكد هنا أن الثقافة السياسية ليست ثابتة عبر التاريخ، فهي تتغير أحياناً نحو الأسوأ، وغالباً نحو الأفضل، وهذا التغيير باعتقادي ضروري لبناء مجتمع «التقارب بالتنوع» من منظور اشتراكي.

الولايات المتحدة: 

لا تشبه الثقافة السياسية في الولايات المتحدة ما حدث في فرنسا إبان الثورة الفرنسية وعصر التنوير. لقد ترك هذان الحدثان التاريخيان أثرهما – بدرجاتٍ متفاوتة – على التاريخ السياسي لأوروبا، لكن هذا لم يكن الحال في الولايات المتحدة التي تمتلك ثقافتها السياسية سمات مختلفة.

لقد أعطى الشكل الخاص من البروتستانتية الذي تم تبنيه في «نيوانغلند» شرعية للكيان الجديد مكنته من إخضاع القارة الأميركية تحت شعارات دينية مستمدة من الإنجيل. لقد استعملت هذه الشرعية «الإنجيلية» لتبرير الإبادة الجماعية لسكان أميركا الأصليين التي اعتبرت تنفيذاً للمهمة التي أوكلها الله إلى الشعب الجديد. لاحقاً سعت الولايات المتحدة لتوسيع سلطتها ليصبح العالم كله مجالاً لتطبيق المهمة «الإلهية» المناطة بالأميركيين، وأصبح سكان الولايات المتحدة هم «المختارون».

لم تكن الإيديولوجيا الأميركية، بالتأكيد، المسؤولة عن التوسع الإمبريالي الأميركي اللاحق، الذي جاء كاستجابة لمنطق تراكم رأس المال ولخدمة مصالح رأس المال (وهو الأمر الجوهري). لكن تلك الإيديولوجيا جاءت مطابقة لما حدث ومبررة له إلى درجة تدعو للخلط في كثير من الأحيان. كانت الثورة الأميركية حرب استقلال مِنْ دون أي مضمون اجتماعي. عندما ثار الأميركيون ضد المستعمرين الإنجليز لم تدر بخلدهم فكرة تغيير علاقات الإنتاج الاقتصادية أو الاجتماعية، كل ما أرادوه – ببساطة – هو وقف اقتسام الأرباح التي تنشأ عن علاقات الإنتاج تلك مع الوطن الأم. كان هدفهم الأساسي التوسع نحو الغرب، وكانت العبودية في هذا السياق أمراً غير قابل للجدال، بل إن الكثير من قادة الثورة كانوا من مالكي العبيد وكانت قناعتهم بضرورة بقاء العبودية لا تتزعزع.

لعبت موجات الهجرة المتتالية دوراً مهماً في تعزيز الإيديولوجيا الأميركية. لم يكن المهاجرون مسؤولين عن الفقر والجوع والقمع في أوطانهم وهي التي دفعتهم إلى الرحيل باتجاه الولايات المتحدة. لكن تلك الهجرة دفعتهم إلى التخلي عن فكرة النضال التراكمي لتغيير أوضاع اولئك الذي بقوا في أوطانهم الأصلية. لقد تبنى المهاجرون الجدد إيديولوجيا الخلاص والنجاح الفرديان، لقد أدى تبني هذه الإيديولوجيا إلى إعاقة الوصول إلى الوعي الطبقي. لكن مع مرور الوقت كان هؤلاء المهاجرون يبدؤون بإدراك واقعهم الطبقي ويبدأ وعيهم الطبقي بالتشكل، وعندها يجدون أنفسهم في مواجهة موجة جديدة من المهاجرين تجدد الفشل في الوصول إلى الوعي الطبقي والسياسي المطلوب. في نفس الوقت شجعت هذه الهجرات على «تطييف» {من طوائف – المترجم} المجتمع الأميركي، فالنجاح الفردي لا يشترط عدم الاندماج في تجمعات المجتمعات الأصلية، بل لعله يتطلبها، لأنه مِنْ دون هذا الاندماج تكون العزلة الفردية هشة وغير مدعومة. لقد تم تعزيز هذا البعد من الهوية – النظام الأميركي شجعه ودفع باتجاهه – لأنه يعمل على تشكيل مستوى من الوعي يحدد شكلاً جديداً للمواطنة. هذه الايديولوجيات الطائفية لا تستطيع أن تكون بديلاً في حال غياب الايديولوجيا الاشتراكية عن نضال الطبقات العاملة، وهذا الاستنتاج صحيح حتى في أكثر التجمعات تشدداً مثل مجتمع السود.

لقد أدت مجموعة العوامل التي ساهمت في تشكيل المجتمع الأميركي – سيطرة الإيديولوجيا الدينية «الإنجيلية»، وغياب حزب الطبقة العاملة – إلى وجود حكومة أمر واقع أحادية البعد.

ظاهرياً تتشكل الحكومة من طرفين لكنهما في الحقيقة حزب واحد يشترك جميع أفراده في الولاء لقيم الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، ويركز كلاهما على الأقلية التي «تشارك» في العملية الديمقراطية المجتزأة وعديمة الفعالية. لكل طرف مناصروه داخل الطبقة المتوسطة، إذ نادراً ما تشارك الطبقة العاملة في التصويت، وقد طور كل طرف لغة خاصة تناسب مناصريه.

كما يُعنى كل طرف بمجموعة من القطاعات التي تمثل مصالح قوى رأسمالية معينة (لوبيات) إضافة إلى مؤيدين من كافة شرائح المجتمع. نستطيع القول إن الديمقراطية الأميركية تمثل نوعاً من «الديمقراطية قليلة الكثافة» وتعمل على الفصل التام بين إدارة الحياة السياسية، التي تعتمد على الديمقراطية الانتخابية، وإدارة الحياة الاقتصادية، التي تعتمد على قوانين تراكم رأس المال.

الأهم، أن هذا الفصل بين السياسي والاقتصادي ليس موضع نقاش أو جدل على أي مستوى، بل على العكس، فهو يعتبر جزءاً مما يمكن تسميته بالتوافق العام. على أرض الواقع يلغي هذا الفصل أية إمكانية إيجابية كامنة في الديمقراطية السياسية، فهو يضعف (يخصي) المؤسسات التمثيلية من برلمانات وغيرها ويجعلها تقف عاجزة أمام «السوق» ذلك الوحش الذي يقوم بإملاء ما يريد وليس أمام الجميع إلا الطاعة والتنفيذ. لقد اعتقد ماركس أن بناء رأسمالية «نقية» في الولايات المتحدة، أي رأسمالية مِنْ دون إرث رأسمالي، ميزة يمكن أن يستفيد بها البناء الاشتراكي. لكنه كان مخطئاً فهذا الشكل من الرأسمالية مدمّرٌ، وهو العائق الأكبر في وجه النضال والتغيير.

لقد حددت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة القائمة على الهيمنة وعدم التسامح مع أي قوة قادرة على مقاومة أو التمرد على أوامر واشنطن. واعتمدت هذه الاستراتيجية سياسة تفكيك الدول «الكبيرة جداً» وتحويلها إلى أكبر مجموعة ممكنة من الدويلات الذيلية التي تقع فريسة سهلة لفكرة ضرورة إنشاء قواعد عسكرية أميركية لـ«حماية» أراضيها. من حق دولة وحيدة في هذا العالم أن تكون كبيرة، إنها الولايات المتحدة الأميركية التي بنت استراتيجيتها الجديدة على خمسة مبادئ:

1- السيطرة على الأطراف الأخرى في المثلث الإمبريالي (أوروبا واليابان) وتحييد قدرتها على التصرف خارج حدود التحكم الأميركي.

2- تحقيق سيطرة الناتو على الدول التي نشأت عن تفتت الاتحاد السوفييتي السابق، والسيطرة منفردة على الشرق الأوسط ووسط آسيا للتحكم بمخزونات النفط الاستراتيجية.

3- هزيمة الصين اقتصادياً، وتأمين تبعية الدول الكبيرة مثل الهند والبرازيل.

4- منع تشكل الأحلاف والتجمعات الإقليمية التي يمكن أن تعترض أو تفاوض على شروط العولمة والتبعية.

5- تهميش مناطق الجنوب التي لا تمتلك أهمية استراتيجية.

هذه الاستراتيجية الأميركية الطامحة للهيمنة مبنية على أهمية وتعاظم القوة العسكرية لأميركا، وليس على «مزايا» نظامها الاقتصادي. وهي تستطيع أن تصبح من خلال هذه القوة العسكرية زعيمة للمثلث الإمبريالي، وأن تحول قوتها وقوة الناتو العسكرية إلى «القبضة المرئية» التي تهدد العالم وتفرض عليه النظام الإمبريالي الجديد.

رغم كل ما سبق يبقى هنالك شعب، فهو رغم كل مواطن الضعف السياسي موجود. حدسي يخبرني أن شرارة التغيير لن تنطلق من المجتمع الأميركي نفسه، رغم أن ذلك ليس مستحيلاً، هل يمكن أن تؤدي استراتيجية الهيمنة الأميركية إلى صدام مع آخرين من داخل المعسكر نفسه فتكون نقطة الانطلاق لعملية تغيير جوهرية؟

هل يمكن أن تكون كندا واستراليا أي شيء غير كونهما مقاطعتين أميركيتين خارج الحدود؟ من الصعب تصور كندا أخرى، على الرغم من التقاليد السياسية الإنجليزية لكندا الناطقة بالإنجليزية والخصوصية الثقافية لكوبيك، إلا أن القوى السياسية الكبرى هناك مستقطبة – باتجاه عمقها اللغوي – لذلك لا يمكن لنا أن نتصور فصل الاقتصاد الكندي عن اقتصاد الجارة الجنوبية.

اليابان:

تمتلك اليابان اقتصاداً رأسمالياً مسيطراً، لكنها وفي الوقت نفسه، تنتمي إلى سلالة ثقافية غير أوروبية. السؤال المهم، أي من هذين البعدين ستكون له اليد العليا في السياسة اليابانية: التضامن مع الشركاء في «الثالوث» (الولايات المتحدة وأوروبا) ضد بقية العالم، أم الرغبة في الاستقلال، بدعم من فكرة «الآسيوية»؟ يمكن أن تملأ التحليلات – حتى الخيالية الجامحة – حول هذا الموضوع مكتبة بأكملها. إن التحليل الجيوسياسي للعالم المعاصر يقودني إلى الاستنتاج بأن اليابان ستواصل تبعيتها لواشنطن، تماماً مثل ألمانيا، وللأسباب نفسها. وأشير هنا إلى الفعالية الطويلة الأجل لخيارات واشنطن الاستراتيجية بعد الحرب العالمية الثانية. لقد اختارت الولايات المتحدة، حينها، ألا تدمر أعداءها – وهما الوحيدان اللذان كانا يشكلان تهديداً للنمو الحتمي للولايات المتحدة باتجاه الهيمنة العالمية – بل على العكس قامت بالمساعدة على إعادة إعمارهما ودفعهما ليصبحا حلفاءها المخلصين. السبب الواضح هو أنه كان هناك في ذلك الوقت تهديد «شيوعي» حقيقي. ولكن حتى اليوم، لا تزال بكين عدوّاً كما يمكن أن يرى في الصراع على الجزر في بحر الصين الجنوبي.

هل هناك أي مؤشرات على رد فعل شعبي ووطني؟ من المؤكد أن تباطؤ المعجزة الاقتصادية وتكلس الحزب الحاكم الوحيد بالكاد يخدشان الوجه الزائف لهذا الانسياق. ولكن ما خفي أعظم، فوراء ذلك تختبئ، ربما، عقدة الدونية تجاه الصين، والتي غالباً ما تعود للظهور. ومع ذلك، لا يبدو التقارب مع الصين، الذي يحتمل أن يكون مدفوعاً بالتحدي لهذا الانسياق، محتملاً. أولاً، لأن العاصمة الإمبريالية المهيمنة ستبقى في اليابان. ثانياً، لأن الصينيين والكوريين يعرفون ذلك، رغم شكوكهم المبررة تجاه عدوهم السابق.