2017-09-25

بلفور وتداعياته الكارثية .. من هم الهمج نحن أم هم؟

(الحلقة – الثالثة عشر)

سعيد مضية

التحديث ثقافة مقاومة

تورطت المقاومة الفلسطينية عبر عقود القرن الفائت في عدة اشكاليات نجمت عن موروثات التخلف الدهري، أبرزها قيادات عشائرية ابوية تقدم الولاء على الإنجاز وتفضل القيادة الأوامرية ،تبخس الديمقراطية وحراك الجماهير. النظام الأبوي، يقصر سلطة التفكير وسلطة القرار على الرئيس، أيا كانت الرئاسة،  للدولة او المنظمة او الحزب.

السمة الرئيسة للقيادة الأبوية تنزيل الأوامر وتقريب الموالين مع استبعاد الكفاءات؛ بذلك يسود الرياء والتزلف وترتفع مكانة المتسلقين والجواسيس الماهرين في التزلف والمداهنة، حتى لقد باتت المجتمعات العربية طاردة للكفاءات وللغيرة الوطنية والاجتماعية.  إدارة الرئيس أوامرية لا تقبل الحوار او المساءلة او النقد، بنبذ ثقافة الحوار تغدو الانشقاقات داخل الحركات السياسية عادة متأصلة. كل نقد او تحذير يُؤوّل شق عصا الطاعة وزندقة متواطئة مع المكائد الأجنبية، يفتقد الحوار والتفاوض والتنازلات المتبادلة للتوصل إلى الحلول الوسط، تكررت الأخطاء رغم ما ألحقته من هزائم ونكسات، فتجلى ذلك كله في العصر الحديث بقوانين الطوارئ وبانشقاقات الحركات السياسية.

المراجعة النقدية مغيبة عن النشاط السياسي الفلسطيني، شأن التفكير الاستراتيجي، إذ تتكرر العمليات المرتجلة والتصرفات الانفعالية. ابتليت المجتمعات العربية بحركات ردة إلى الماضي السحيق بعقَدِه وإشكالياته المعيقة للتحديث الثقافي والاجتماعي: إشكالية الفقر وإشكالية الاستلاب وإشكالية الأمية الدينية وإشكالية التعليم المجافي للعقل.

دخلت كل هذه الأعطاب في نشاط المقاومة الفلسطينية فتواصلت مقاومة متعثرة تعاني الهزائم والانتكاسات. وُظفت علاقة  التبعية بالكولنيالية الغربية الغاما فجرت المقاومة الفلسطينية في مختلف مراحلها، وما زالت تزيد إشكالياتها تعقيدا. مرت المقاومة لفلسطينية بعدة اطوار. عملت في البداية معزولة لكن مستقلة؛ ثم نزلت الأوامر من الجامعة العربية تشتت العمل الوطني الفلسطيني وتورده موارد العنصرية والعنف المسلح القائم على ردود الفعل الارتجالية  والعفوية مقبل التخطيط الاستراتيجي فأسفر ذلك عن تحطيم المجتمع الفلسطيني. الهبت النكبة الفلسطينية حركات التحرر الوطني في النصف الثاني من القرن الماضي. تصاعد المد الوطني ودخلت الجماهير في الحياة السياسية المناهضة للتبعية والاستبداد السياسي لنظم الحكم وضد الأحلاف العسكرية، واحتضنت كل حركة وطنية، خاصة في دول المواجهة، الموضوع الفلسطيني.

اتخذت القضية الفلسطينية موقعها الصحيح جزءا عضويا من حركة التحرر الوطني ضد النفوذ الامبريالي في المنطقة ، وكانت واضحة في أهدافها –  تصفية مصالح الامبريالية واتباع نهج  الوحدة القومية والديمقراطية والتحولات الاجتماعية الجذرية. وجدت جماهير الفلسطينيين في مواقع الشتات نفسها منخرطة في النضالات الوطنية – الديمقراطية للمجتمعات العربية.

تعرض النضال الوطني الديمقراطي عبر العقود لقهر الأنظمة الأبوية أصاب المقاومة الفلسطينية بتصلب الشرايين ونبذ الثقافة وعلاقاتها الديمقراطية. لم تتبلور النضالات الجماهيرية عن استراتيجية كفاحية للقضية الفلسطينية تصمد بوجه عدوانية دولة إسرائيل، وتخاطب بها حركات التحرر والتقدم في الخارج. هذا علاوة على انخداع بعض حركات التحرر بالمشروع الصهيوني وبدولة إسرائيل، نظرا لذاكرة الهولوكوست وتدخلات حزب العمل وحكوماته لدى الاشتراكية الديمقراطية وبعض حركات التحرر بادعاء أن إسرائيل أقيمت نتيجة نضال ضد السيطرة الكولنيالية البريطانية.

تعاظم عدوانية إسرائيل على دول الجوار ثم اعتداءات إسرائيل على الأقطار العربية المجاورة، وانفراد بن غوريون بسحب المياه العربية من نهر اليرموك وبحيرة طبرية إلى النقب، واستفحال تسلط الأنظمة اقتضى عزل الموضوع الفلسطيني عن القضايا الاجتماعية والوطنية بمسوغ خصوصية الصراع مع إسرائيل. تدريجيا تحول هذا الصراع إلى صراع فلسطيني – إسرائيلي. كان لبروز منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المسلحة دور في إبراز القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني على المسرح الدولي، لكن بذريعة استقلالية القرار الفلسطيني تطورت عزلة النضال الفلسطيني عن حركات التحرر العربية؛ استمر هذا النضال ملتصقا بالأنظمة الأبوية بمسوغات التمويل والتماهي مع الأنظمة. وحيث أن لكل خطة استراتيجية خطة تنظيمية، فإن تنظيم الفصائل كافة لم يفصح عن خطة إلحاق هزيمة بالاحتلال الإسرائيلي تضطره للتسليم بالحقوق الفلسطينية. راهنت جميع الفصائل على النضال الدبلوماسي، يسخر العمليات المسلحة للضغط على إسرائيل. يتضح ذلك من الأشكال التنظيمية؛ سهلت احتواء الفصائل من قبل الأجهزة السرية  الإسرائيلية. ونظرا للتنسيق مع الحكومات وبعد ان أدخلت منظمة التحرير عضوا مراقبا في الجامعة العربية فقد جمح بها التماهي إلى حرق المراحل والتصرف كدولة ذات ا جهزة بيروقراطية واقتصاد ريعي، عزلت قيادة المنظمة النضال الفلسطيني عن حركات التحرر العربية، وفضلت أن تسير كتفا لكتف مع الأنظمة.

علاوة على ما تقدم فقد ألقى تواجد قواعد انطلاق الكفاح المسلح في أقطار المواجهة لإسرائيل على انظمة المواجهة أعباء لم تحتملها فراحت تكيد للكفاح المسلح الفلسطيني. قلبت رأسا على عقب العلاقة الجدلية بين الثورة والحراك الجماهيري. الأصل ان يكون العمل المسلح تتويجا لحراك جماهيري متصاعد، وفرض المبدأ الثوري المتقادم "النضال المسلح أرقى أشكال الثروة"، فانطلق الكفاح المسلح بغير تأهيل الجماهير للحراك؛ بالعكس وضعت الجماهير في انتظار المخلص – الفدائي. باسم استقلالية القرار الفلسطيني اختطت حركة فتح قائدة النضال نهج الانعزال عن حركات التحرر العربية، وقادها التفكير الملغم بعقد النقص وحرق المراحل للتماهي مع الأنظمة ونقل عدوى الإدارة الأبوية للمقاومة تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة. غابت اليقظة الثورية كليا عن المقاومة الفلسطينية، وجففت عروق التواصل مع الجماهير. أخضعت الهيئات الشعبية، الأجزاء المكونة لكيان منظمة التحرير، لقيادة كوتات لم تنتخب من القواعد، فباتت تلك القيادات ترقب نبض القيادة وتغفل نبض جماهير المنظمات.

تكلست القيادة وانسدت شرايينها وتحولت المنظمات إلى هياكل فارغة. غياب الوعي واليقظة كرس التخلخل في التنظيم والفلتان الذي اوهن اندفاعة المقاومة وحرفها إلى جداول متناثرة. 

ألحت قيادة المقاومة على العناصر الوطنية العربية ان تعمل تحت مظلتها بذريعة تشكيل الكفاح المسلح ارقى أشكال النضال لتكون له دور راس حربة النضال العربي ضد الامبريالية، أفاقت المقاومة الفلسطينية من جنون العظمة على عزلتها اثناء العدوان على لبنان عام 1982 والحصار فلا تجد غير صمت الرضى من جانب الأنظمة. ولدى الرحيل عن لبنان قيل ان الاستخبارات الغربية فقدت نوافذ تطل منها على الحركات الثورية في العالم.

تجلى حرق المراحل والتماهي مع الأنظمة في سلوك القيادة الفلسطينية ودعايتها، حسب رؤية تشومكي "لم تراع الحالة الأميركية وكان مفعولها سلبيا، وسبب ذلك الذهنية الإقطاعية المرشدة للسياسات الفلسطينية. لا ترى في السياسة سوى صفقات بين القادة وتجاهلوا العمل في أوساط الجمهور". مقابل مكانة متميزة لإسرائيل "لم يعد مسموحا توجيه النقد لإسرائيل. هكذا اكتسبت إعادة إحياء المحرقة أهمية استثنائية؛ قدم السياق الذي من خلاله يجب التفكير بصدد إسرائيل – فلسطين.(11)

في كتاب بوب وودوورد حروب السي آي إيه الصادر عام 1987 يسهب الصحفي الأميركي في نشر تفاصيل الترتيبات الأمنية التي قامت بها بعثات الاستخبارات الأميركية بموافقة الأنظمة العربية بعد ثورة إيران. وخلال تنظيم شبكاتها هالها ما كشفته من تغلغل الموساد الإسرائيلي في الأقطار العربية. فإذا سعت  إسرائيل للتحكم بمجريات الأمور في الأقطار العربية عبر وكلائها من الأجهزة السرية فهي قد أفرزت الجهد الأعظم  لتخريب الأوضاع الفلسطينية. وقد جاءت الانتفاضات الشعبية التي تعاقبت بعد العام 2011 كتعبير ساطع عن تفجّر الأزمة في قطبيها: أزمة القيادة الأبوية التي خذلت الجماهير واحتكرت المال العام فوجهت الجماهير لها أصابع الإدانة وطرحت شعار الشعب يريد إسقاط الحكم . وكشفت الهبات أيضا أزمة البديل الثوري الذي عجز عن توظيف الأحداث والتأثير الفاعل في تقرير مصيرها. 

اكتشف مستعربون ينشطون داخل داعش وفي ميدان التحرير إثر هبة يناير 2011 وفي السودان بجانب الانفصاليين. ليست هذه العناصر سوى قمة الجبل الجليدية لتغلغل الاستخبارات المعادية في النشاط الوطني الفلسطيني والعربي، بهدف حرفه عن غايته. من خلال مكافحة حركة الشعب الفلسطيني بعد حزيران 1967 راكمت إسرائيل خبرات واخترعت معدات تنصت وتجسس تتلهف الدول السلطوية على استيرادها . غدت إسرائيل مصدرا  رئيسا لخبرات الأمن ومكافحة التحركات الجماهيرية على صعيد العالم، وتُعقد سنويا في إسرائيل مؤتمرات تستعرض الجديد من الخبرات العملية و المعدات التقانية المتطورة للتجسس والمراقبة عن بعد، تستضيف لحضورها ممثلي هيئات امنية. غدت إسرائيل مركزا لمكافحة التحركات الجماهيرية تغذي وتعززعلاقاتها الاقتصادية والسياسية الدولية. تعاقبت العقود لتتعاظم كفاءة أجهزة الأمن الإسرائيلية، بينما تتقهقر الكفاءة والقوة النسبيتين للمقاومة الفلسطينية، ولا تقوم الأخيرة بجردة حساب او مراجعة نقدية.

متاهة  امتدت وعمقت عوامل الإعاقة لدى المقاومة الفلسطينية، فقط ردود الفعل العفوية الشعبية وغريزة الحفاظ على البقاء غدت نمط حياة للشعب الفلسطيني على الأراضي المحتلة وفي مخيمات اللاجئين في الأقطار المجاورة. إن الإصرار على مقاومة الجريمة المتفاقمة للتحالف الامبريالي –الصهيوني متجذرة في الوجدان العام والإرادة الجمعية للفلسطينيين . المقاومة رد فعل طبيعي غير مرشد على الجور وسلب الحقوق والتهديد بالتهجير. كشفت الحركات الشعبية للتضامن مع الأسرى في إضرابهم الشامخ، ثم هبة الدفاع عن الأقصى وجود احتياطات كامنة وطاقات كفاحية مجمدة بسبب الفجوة بين الجماهير والفصائل السياسية.

لم تدخل المقاومة السلفية -حركة حماس والجهاد الإسلامي - إضافة نوعية إلى المقاومة الفلسطينية، علاوة على نخبوية متعالية تضمر الحقد تجاه فصائل المقاومة المسلحة، فقد اختطت قيادة اوامرية أملاها الشكل المسلح للنضال وطبيعة نظام الحركات السلفية في الولاء والطاعة.

اختزنت الجماهير المستجيبة لخطاب الإسلام احتياطات لمظاهر القوة والتنافس الانتخابي على صناديق الاقتراع. وقدمت حادثة استشهاد المجاهد محمد سدر إحدى الشهادات على انقطاع المقاومة المسلحة عن حركة الجماهير. صدف ان أذاع راديو مونت كارلو صباح ذات يوم عن رصد الاحتلال تحركات محمد سدر وطاردته فلجأ إلى مسكن ضرب جيش الاحتلال حوله حصارا. عرجْتُ على مكتب صديق وتوجهنا بسيارته إلى موقع الحصار وهالنا ما شاهدناه: حشود فوق أسطح المنازل وفي الطرقات تتفرج مكتوفة الأيدي! هكذا عُوِدت انتظار الفدائي المخلص. الجماهير غير ملومة ، فهي ضحية نهج أبعدها منذ عقود عن المشاركة في النضال. فصائل العمل المسلح اغفلت قاعدة جوهرية تقول إن الكفاح المسلح تتويج لتنامي حركة جماهيرية ثورية، تظل تغذي الكفاح المسلح وترفده بالطاقات، وتستمد منه تغذية ارتجاعية.

منطلق حماس هو ما اعتبره قادتها شريعة إسلامية، واعتبروا كل من حاد عن طريقهم كافرا. وبنظرتهم هذه نصبوا العراقيل بوجه وحدة المقاومة الفلسطينية. عناصر حماس مناضلون يتميزون بالصلابة ويستلهمون روح التضحية، ولكن توجهات القيادة  وتوجيهاتها - شأن فتح -  تقصر النشاط على العمل المسلح الفردي غير المستند الى حركة جماهيرية  متعاظمة ترفد الكفاح المسلح بسيل لا ينضب.

لم تعبر مقاومة حماس عن تربية سياسية وعملياتيه لجماهيرها الغفيرة، تكاثفت شعبيتها بحكم تدين الجمهور الفلسطيني وتجاوبه مع دعوة الدين،غير ان الجمهور رُكِن جانبا لأغراض استعراضات القوة الانتخابية . حتى منظمة "الجهاد الإسلامي" ينظر إليها ميثاق حماس الذي أقرته بعد ثمانية اشهر من انطلاقتها في 8 آب/ أغسطس 1988، على انها حصيلة "العاطفة المؤقتة" و"التسرع المذموم"(22). تحجم حماس عن النشاط الجماهيري في المناسبات مثل يوم الأرض او حركة التضامن مع الأسرى في إضرابهم. ونظرا لسطحية رؤيتها السياسية تعجز عن مراعاة الرابطة العضوية بين الصهيونية والامبريالية ويمكن ان تستدرج بسهولة لمنازلة عنفية غير متكافئة مع جيش الاحتلال. ومثال أحداث عامي 2000 و2001 مثال صارخ على ارتجال المواقف والاستجابة لإغراء الشعبوية المدمر للمصير الوطني.

مارست حماس والفصائل الأخرى الكفاح المسلح، كما تجلى أثناء ما سمي الانتفاضة الثانية، عمليات فردية استهدفت المدنيين، الأمر الذي ارتد بنتائج سلبية للغاية ؛ إذ جلب التعاطف مع اسرائيل ووضع المقاومة الفلسطينية في خانة الإرهاب في زمن هيمنة ثقافة مقاومة الإرهاب. نظرة حماس لذاتها نخبوية حتى بصدد تخلفها عن النضال؛ وقادتُها بذلك يحتكرون الحكمة وينفردون بفهم الشريعة القويمة.

تزعم قيادة جماعة الإخوان المسلمين أنها "تمتاز بالفهم العميق والتصور الدقيق لشتى مجالات الحياة"، لكن تحرير فلسطين "قضية دينية"، كما ورد في البند الرابع من ميثاقها. هذا، بينما "علمانية "منظمة التحرير ترفضها قيادة حماس، نظرا لكونها "مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، كما انها جاءت نتيجة الغزو الفكري الغربي". يضيف خالد مشعل احكاما تقذف الآخرين باتهامات لا تورد حيثياتها. على المسلمين أن يعلموا "كيف مارس أصحاب الفكر الشيوعي والماركسي دورهم الخياني على ارض فلسطين، وكيف خان البعثيون قضية فلسطين، وكيف باعت القومية العربية فلسطين بثمن بخس لليهود، وكيف ان الاتجاه الوطني لن يقدم للقضية أي شيء(...) ان كثيرا من أصحاب هذه الاتجاهات قد استخدموا قضية فلسطين واستثمروها من اجل نشر أفكارهم الجاهلية الفاسدة" (22/80). ماذا تبقى لميدان الكفاح غير الجماعة؟!! دفع العداء للشيوعية خالد مشعل إلى تحميل الشيوعيين إفكا عاد واقترفه بعد عظيم خراب.

كتب في ثمانينات القرن الماضي يعيب على "شيوعيي الثورة الفلسطينية هم اول من فرق بين من هو يهودي ومن هو صهيوني (22/81) "، وذلك من منطلق "مناهج شيوعية كافرة"(22/82). عاد وميز من منطلق منهج إسلامي، اليهودية عن الصهيونية كي يدرأ عن حماس تهمة اللاسامية ، التي تجرمها ثقافة البرجوازية التي يتودد  لها السلفيون كافة. ميز بين اليهودية والصهيونية كمن يخترع العجلة في الوثيقة الجديدة المعلنة في شهر أيار 2017، ولم يعتذر لمن قذفهم بالتجريم إذ اهتدوا قبله إلى الحقيقة.

فرغم جهود الصهاينة ورغم النجاحات العسكرية والاقتصادية والعلمية التي حققتها إسرائيل بقيادتهم لم يقدم إلى إسرائيل سوى 35 بالمائة من يهود العالم، حسب تقديرات ابراهام بورغ الرئيس الأسبق للكنيست والوكالة اليهودية، وغادر إسرائيل عازفا أعداد غفيرة من اليهود.

ان مراعاة حماس  للوضع الدولي، وسعيها لدى الولايات المتحدة ، كي تنال القبول، وكذلك استخدامها تعابير التحديث الثقافي العلمانية مثل الديمقراطية والانتخابات والوطن والتحررالخ، ينقض "طهارتها" "المنقاة" من "آثام" العلمانية. النظرة الأمينة للعلمانية وشقيقتها المادية لا تعدو المراعاة العقلانية للعالم المحيط ، الاجتماعي والطبيعي. حتى قبل إعلان وثيقتها الجديدة، تمارس حماس "رذيلة" العلمانية على مدار الساعة  بينما تشبعها شتما وتعزيرا وتخوينا.

يقصد بكلمة "المادة" في اللغة الدارجة شهوانية شرهة، وفي الفيزياء تعني كل ما يشغل حيزا وله ثقل؛ اما في الفلسفة  فيقصد بها إخضاع العالم المحيط وكل ما يمكن وعيه عن طريق الإدراك الحسي للملاحظة والتفكير العقلاني، باعتبار وجودها وحركتها موضوعيان يعملان بمعزل عن العقل، وعلى العقل اكتناهها، وصولا لتسخيرها للمنفعة. التفاعلات الكيميائية لا تشغل حيزا، لكنها مادة في عرف الفلسفة ، لأنها تتم بمعزل عن الإنسان وحين يعيها الإنسان تغدو طوع إرادته . والحياة الروحية للجماهير هي أيضا مادة في عرف الفلسفة ينبغي ان تؤخذ بنظر الاعتبار. من خلال إعمال العقل والممارسة العملية تجري عمليات تفسير وتحليل وصولا إلى فهم الخصائص ونواميس الحركة المفضية للسيطرة من أجل التغيير. جدل الفكر والممارسة العملية يسخر معطيات البحث والاكتشاف - نتائج التفكير الجدلي – لترشيد الممارسة ، مثلما يسخر الممارسة للتأكد من علمية البحث وصدقية الممارسة. المعرفة قوة وسيطرة، وهذا أيضا مضمون المادية. العقلانية مظهر للحداثة، تعي الواقع او البيئة  المحيطة، وتدرك طبيعة حركته.

قد تأخذ الحركة الشكل الميكانيكي، او الشكل الفيزيائي او الكيماوي او  البيولوجي، وحركة المجتمع أرقى أشكال حركة المادة ، التي هي المجتمع من وجهة النظر الفلسفية. بذا فالماركسية كتيار سياسي رؤية موضوعية للواقع وحركته، بعيدا عن اعتبارات ذاتية تترفع على الواقع، تتجاهله او تنقضه. والعلمانية كناية عن مراعاة العالم المحيط أي نواميس البيئة الطبيعية والاجتماعية وظواهرهما واخذها بنظر الاعتبار حين التقرير في أي مشكلة، من مهنة الراعي حتى عمليات التغيير الاجتماعي. كل مزارع ماهر أو راعي ماشية متمرس أو مهني او حرفي متميز او مناضل ديمقراطي إنما يراعي خصائص  المادة في متناول يديه، مدركا قوانينها ونواميسها كي يتقن تغييرها ويحولها إلى قيمة نافعة.

اشتطت الدعاية المناهضة للشيوعية فادعت ان شعار الشيوعيين لا إله والحياة مادة. الحقيقة تؤكد ان الحياة –النباتية او الحيوانية او الاجتماعية – هي أحد اشكال حركة المادة وليست المادة كما يزعم التلفيق الذي رفع بتقليد ببغاوي بوجه الشيوعيين طوال قرن مضى، لتصوير الشيوعية شهوانية شرهة، إلى جانب تلفيق تهم الإباحية وتخريب الأسرة والعبث بالقيم. لفقت الأكذوبة دعاية الامبريالية في عشرينات القرن الماضي وتلقفتها بعفوية ببغاوية القوى المحافظة، المناهضة للتحرر والتقدم. مناهضة الشيوعية بالتكفير والشيطنة والمطاردة البوليسية نهج ابتكرته الامبريالية ردا على موقف الدولة السوفييتية الداعم لحركات التحرر من نير العبودية الامبريالية. والمعروف ان لينين هو الوحيد بين مفكري عصره اعتبر الامبريالية حركة رجعية تسعى لاستعباد الشعوب والصهيونية احدى مخرجاتها. برهن لينين  كذب الامبريالية إذ تزعم  أن رسالتها تحضير الشعوب. رؤية لينين للكولنيالية الامبريالية صائبة لأنها موضوعية وثبتت صحتها من خلال معاناة شعوب العالم بانها استعباد للشعوب وتجلب الحروب والكوارث، وبذا فنضال  الشعوب ضد الهيمنة الامبريالية مشروع ويستحق الدعم. وانكر لينين على الصهيونية انها حركة تحرر قومي، فتبعيتها للامبريالية تدمغها بمناهضة مصالح اليهود ومختل شعوب العالم. الامبريالية والصهيونية وعملاؤهما بذلوا اقصى طاقتهم لحجب النظرة اللينينية عن الشعوب المضطهدة عبر أكداس الأكاذيب والتلفيقات المشوهة. ولما برز حسن البنا عام 1928 وجّه نشاط حركته ضد مختلف الأحزاب المصرية ، وخاصة الشيوعيين وحزب الوفد، وعلى ذلك كافأته شركة قناة السويس بدفعة مالية، كما حظي بدعم الإنجليز. ثم غدا تزييف الشيوعية مادة محورية في ثقافة الحرب الباردة، التي انتهت بحرب أفغانستان .

الماركسية تحض على الالتفات للمجتمع وللحياة الدولية بالتحليل العلمي والتعمق في كنهها، ومواكبة التبدلات على طبيعتها كي تكتشف عوامل حركتها واتجاهاتها والعناصر المتشابكة في سيرورتها، تعمق بذلك الثقافة السياسية للمجتمع، وصولا للتحكم في سيرورته وإدارة الصراع باتجاه التقدم  وسعادة البشر. التاريخ صيرورة دائمة لن تنتهي ومطلوب منا أن نخوض غمارها كي نعيها ونتفهم كنه حركتها واتجاه الحركة فنكتسب بذلك ثقافة سياسية علمية. وهذا أحد تجليات التحديث .

التفكير العلمي مظهر حداثي، وتتأكد علمية الثقافة السياسية عندما يستند أصحابها إلى معطيات العلوم الاجتماعية فى تفسير ظواهر الواقع وعلاقاتها، فالعلم هو القوانين التى تحكم وجود وتطور الظاهرة من داخلها وفى علاقاتها بالظواهر الخارجية. ولما كان المجتمع هو المجال الأساسى للثقافة السياسية، فإن العلوم الاجتماعية والسياسية وعلم الاقتصاد السياسى هى الكفيل له بإكساب هذه الثقافة مضمونها العلمي، عندما يستند إليها فى فهم ظواهر المجتمع وعلاقاتها، خاصة أن هذه العلوم هى التى تدرس وتفسر فى الأساس تطور الهيكل الاجتماعى لمجتمع ما، بنيته الطبقية، طبيعتها، وعلاقاتها، والتحولات التى تطرأ عليها، وما يعكس ذلك من ظواهر اجتماعية سلبية أو إيجابية على مجمل جماعات وأفراد المجتمع، بحكم تقدمه أو تطوره تيسيرا أو تعويقا لهذا التطور. كما أنها تدرس ظاهرة الدولة ومؤسساتها والنظم الاقتصادية والاجتماعية وتطورها.

لدى الحديث عن دور المجتمع المدنى فى تطوير الثقافة السياسية فذلك يعني الثقافة السياسية الديمقراطية، التى يسهم انتشارها وتطويرها فى تمكين الشعب من القيام بدور أساسى فى التأثير على القرار السياسي. وهذا افتراق حداثي عن التقليد المتبع في تجميد حركة الجماهير وتبخيس الإنسان. حركة الجماهير قوة تغيير ، والجماهير ، بما يتوفر لديها من معارف وآراء وتوجهات قادرة على إدراك حركة الواقع ومعرفة الضرورة التي بمقتضاها يتم اختيار الحكام ومحاسبتهم وتغييرهم دوريا من خلال انتخابات حرة ونزيهة باعتبار هذا الحق هو جوهر الديمقراطية.

إن تطوير الثقافة السياسية فى المجتمع لتكون ثقافة ديمقراطية هو شرط أساسى لتقدم هذا المجتمع وتطوره وتمكينه من مواجهة العديد من التحديات التى تواجهه: تحديات التنمية والتحديث والتحول الديمقراطى وإشاعة العقلانية، بالإضافة إلى تحديات ومخاطر الوجود الصهيونى التوسعي، والهيمنة الأمريكية، والتهميش المتزايد للأقطار العربية فى ظل العلاقات الدولية الاقتصادية والسياسية المعاصرة التى فرضتها العولمة الرأسمالية تحقيقا لمصالح الرأسمالية العالمية الكبري. طبيعة هذه التحديات والمخاطر تتطلب أوسع تعبئة ممكنة لجماهير الشعب باعتبارها الطرف الأساسى فى المواجهة، وتحديد أولوياتها؛ غير أن الأنظمة الأبوية حرمت الجماهير من القيام بهذا الدور. يشترك الوطن العربى كله فى ظاهرة تجميد المشاركة الشعبية واستبدالها بالأوامرية، وقد دفعت الشعوب العربية ثمنا باهظا وتحملت الأعباء المترتبة على انفراد الحكام بمواجهة هذه المخاطر والتحديات، فقدمت آلاف الشهداء فى حروبها ضد إسرائيل عادت عليها بالانكسارات.