2017-09-23

بلفور وتداعياته الكارثية .. من هم الهمج نحن أم هم؟

(الحلقة – الثانية عشر)

سعيد مضية

محاولات اختطاف فلسطين    

لم يستطع نتنياهو إخفاء ابتهاجه حين صرح بلا مواربة ان الهجمات الإرهابية "جيدة" بالنسبة للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية وسوف تولد التعاطف السريع "مع القضية الإسرائيلية الداعية لتطهير فلسطين عرقيا من مواطنيها  العرب". ومن تفجيرات 11/9 أعطت الولايات المتحدة نفسها وعملاءها هذا الحق. اندفعت الماكينة الإعلامية في تصعيد حملة تشويه للعرب والمسلمين تمهيدا لوضعهم تحت وصاية الغرب ودولة إسرائيل.

لاحظ البروفيسور ميشيل ويلتون الأستاذ بجامعة أثاباسكا الكندية، "تتمظهر الحرب على الإرهاب حرب المسيحية ضد الإسلام والعرب".

وعبر البروفيسور باول بيلر، الأستاذ الزائر بجامعة جورج تاون لدراسات الأمن، عن قناعته بأن الكثير مما يصدر عن نتنياهو وأعضاء حكومته بصدد المخاطر الأمنية ادعاءات فارغة لا تصمد لنقاش؛ فهي "متعلقة بالحاجة المزعومة لإقامة دفاعات في وادي الأردن. الحاجة مجرد ذريعة للتمسك بالأرض".

اتخذت مكافحة الإرهاب مسوغا للأعمال العدوانية الأميركية على صعيد العالم دون تفويض قانوني من الكونغرس او مجلس الأمن الدولي. هكذا تم غزو العراق عام 2003، حيث برزت داعش في حضن الاحتلال الأميركي للعراق، الذي لم يكن ليتم لولا التحريض الإسرائيلي ونفوذ المحافظين الجدد على السياسات الأميركية. الروابط الأميركية – الإسرائيلية تقوم على قاعدة عريضة ومتينة. "إسرائيل تريد دولة لليهود بدون إزعاج من جانب الفلسطينيين، واميركا تدعمهم؛ ليست الديمغرافيا قضية مهمة. يصادرون وادي الأردن ويشيدون الجدار ويواصلون تشييد المستعمرات ويحشرون الفلسطينيين في كانتونات متباعدة، ثم يتركونهم يتعفنون في معازلهم. بينما يتجول الأميركيون والإسرائيليون عبر طرق لا يدرون بوجود عرب باستثناء ربما راع مع عنزاته فوق تلة.

جنوب إفريقيا رغبت الإبقاء على السود، اما إسرائيل فلا ترغب.... إسرائيل دولة غنية ومتقدمة علميا وتقانيا، تملك صناعة جد متقدمة مندمجة في اقتصاد الهاي تيك الأميركية. وهي قوية عسكريا ترتبط ارتباطا وثيقا بالصناعات العسكرية الأميركية، وبالسياسات العسكرية بوجه خاص. وعندما يصرح اوباما أنه سيزود إسرائيل بطائرات إف 35 فذلك يفيد شركة لوكهيد مارتن، حيث تصب اموال دافع الضرائب الأميركي في خزائن الشركة، ومقابل ذلك يرسلون طائرات من الدرجة الثانية إلى العربية السعودية بدون ممانعة إسرائيل.

توجد علاقات قوية بين الصناعات العسكرية  -الاستخبارية وبين إسرائيل (مثل شركة أنتل صانعة الرقائق) ويتوجه عسكريونا إلى إسرائيل للتعرف على تقنيات الحرب المدنية".

(والتقنيات والخبرات تتراكم على الأراضي المحتلة وعبر  ممارسات الاحتلال) "إسرائيل جانب من قوة الولايات المتحدة في منطقة من العالم هامة استراتيجيا. وفي الدعاية يعقدون علاقة تماثل يبن الهندي المتوحش ذي البشرة الحمراء يحاول منع التقدم والتطور ويهاجم البيض الأبرياء وبين الفلسطينيين. هكذا تجد الدعاية الصهيونية القبول في أميركا، التي كان المهاجرون الأوروبيون إليها يرفعون الكتاب المقدس مدعين انهم أبناء إسرائيل عادوا إلى أرض الميعاد"(11).

حتى تخوم الفرات 

كتب الصحفي الأميركي جيم لوبي في المجلة الإليكترونية "ميديل إيست" يقول ان أقطاب اليمين الجديد في اميركا، وكلهم مؤيدون بقوة لإسرائيل، وجهوا مذكرة تطالب الرئيس اوباما توجيه الضربة العسكرية ضد سوريا. ومن الموقعين على المذكرة ،التي نشرتها مبادرة الشرق الأوسط صقور إدارة بوش الابن، أنصار إسرائيل الكبرى وباول مارك غيريتش، الذي سبق وحرض على غزو العراق، وكتب مقالة في نيويورك تايمز في 27 آب، طالب فيها توجيه ضربة ساحقة لسوريا تستهدف وحدات النخبة في جيش سوريا، خاصة المدفعية، وجميع مخازن الأسلحة  وتنظيم البوليس السري ومساكن كبار المسئولين.

ووقع على المذكرة  أيضا الفرنسي  بيرنارد هنري ليفي عراب الحرب ضد ليبيا، وغاري باور من المسيحيية الأصولية، الذي أسس مع كريستول لجنة الطوارئ من أجل إسرائيل.

عرت الكاتبة الأميركية ديانا جونستون رياء دول الغرب لدى تناول دولة داعش. أوردت في كتاب صدر لها مؤخرا ما صرح به دبلوماسيان من إسرائيل يكشفان مصلحة إسرائيل في قيام داعش واستمرارها. قال احدهما وهو القنصل العام السابق لإسرائيل في نيويورك، "دعهم ينزفون دماءهم، حتى الموت، هذا هو التفكير الاستراتيجي هنا".

 والثاني إفرايم انبار مدير مركز بيغن –السادات للدراسات الاستراتيجية أفصح عن حقده الدفين،  "على الغرب السعي إلى مزيد من إضعاف الدولة الإسلامية ، لكن عدم تدميرها ... إن ترك الأشرار يقتلون الأشرار قد يبدو مريبا، لكنه مفيد وحتى أخلاقي إذا ألهى الأشرار وباتوا بذلك اقل إضرارا للناس الطيبين. علاوة على ان الأزمات والفوضى قد تحمل في طياتها  تبدلات إيجابية.  يبدو ان الإدارة الأميركية لا تستطيع وعي حقيقة ان داعش ربما تفيد كأداة  لتقويض أطماع طهران في الهيمنة على الشرق الأوسط".

أوردت الكاتبة، في آخر كتبها " ملكة الفوضى .. مغامرات هيلاري كلينتون"، ان المراد من التباكي على المدنيين في سوريا منع القضاء على الإرهابيين في حلب وإبقاء سوريا تنزف وتدمر. علينا الطلب من اوباما وقف طائراته بدون طيار من قصف الأبرياء. أما التباكي على المدنيين  فلا يقصد منه سوى منع الجيش السوري من اداء واجبه الوطني.

تعمد التعاون العملي بين الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر وإسرائيل، منذ اندلاع "الفوضى الخلاقة" عام 2011، لضرب جبهة الممانعة، وذلك في المجالات الاستخبارية واللوجستية . وأقر وزير خارجية قطر في تصريح ادلى به إثر تفجر الصراع بين قطر وائتلاف السعودية ان غرفة عمليات أنشئت في عمان وأخرى في تركيا لإدارة التخريب في سوريا؛ لم تخف إسرائيل دعمها لجبهة النصرة في مجالات الطبابة والتسليح والدعم المباشر أثناء العمليات الحربية ضد الجيش السوري، وهي الآن تشارك يوميا في العمليات العسكرية مع جبهة النصرة ضد الجيش السوري في الجولان وجنوب سوريا.

في تقرير اعده الصحفي الأميركي، غاريث بورتر،  نشر في 23 حزيران تحت العنوان" كيف سلحت اميركا الإرهاب في سوريا"، سرد تفاصيل التعاون السعودي – القطري الإسرائيلي – الأميركي  والتركي للإطاحة بالنظام السوري او إنهاكه بحرب أهلية مدمرة.  كان كاغان ، عميد المحافظين الجدد في الولايات المتحدة قد نشر مقالا في الواشنطون بوست طالب فيه إدارة ترامب تعويض قصور الإدارة السابقة بتكثيف التدخل العسكري في سوريا بهدف إسقاط النظام.

نقل بورتر عن تقرير وكالة استخبارات الدفاع، الصادر في اكتوبر 2012، وتضمن  ان "كل شحنة سلاح أرسلت منذ آب من نفس العام شملت 500 بندقية قنص  ومائة  صاروخ آ ربي جي وأسلحة اخرى تزن حمولتها 250  طن. وكل هذه الأسلحة شحنت من مخازن في ليبيا، ولو تم شحن حمولة واحدة كل شهر  فإن مجموع الشحنات يبلغ 2750 طنا من الأسلحة شحنت ما بين اكتوبر 2011 وآب 2012. وتدفق إلى سوريا عبر تركيا حوالي ثمانية آلاف طن من الأسلحة نقلت إلى سوريا عبر تركيا ما بين  اواخر 2012 وبداية 2013.وتدفق عشرات الألوف من المتطوعين الملتحقين بالمنظمات الإرهابية في سوريا."

ومضى بورتر إلى القول: اختلقت السي آي إيه فرية "المعارضة المعتدلة" في سوريا وأغدقت عليها السلاح والمال لتمكينها من الإطاحة بنظام الأسد". الغى ترامب بقرار رئاسي صدر في حزيران الماضي برنامج تمويل 'المعارضة المعتدلة’. من ناحية أخرى "ابتاعت السعودية من الولايات المتحدة 15 ألف صاروخ تاو مضاد للدبابات قيمتها مليار دولار، عام 2013، وبدأت الصواريخ تصل سوريا اوائل العام 2014، حيت تجلى أثرها في مجرى الصراع المسلح. تحولت جبهة النصرة وحليفتها ، تحريرالشام، او جيش الإسلام الى قوة رئيسة داخل سوريا، كما تعزز نفوذ الدولة الإسلامية (داعش). جميع المنظمات المدعوة "المعتدلة" حولت السلاح المرسل إليها الى المنظمات الإرهابية – النصرة وحليفاتها. ولدى مواجهة احد المسئولين القطريين بانسيابية الحركة بين منظماته المدعومة وبين داعش والنصرة كان جوابه:" سوف أرسل الأسلحة إلى القاعدة إن كان ذلك مفيدا".  وقد اختارت تركيا وقطر القاعدة وحليفتها المقربة، احرار الشام، لتلقي شحناتها المرسلة من الأسلحة . وفي اواخر 2013 وبداية 2014 شوهدت شاحنات عديدة تعبر الحدود التركية – السورية وتفرغ حمولاتها داخل الأراضي السورية.

ختم بورتر تقريره بالقول: ومع بداية الهجوم على مدينة ادلب قدمت المخابرات المركزية الأميركية صواريخ تاو للمهاجمين بأعداد وفيرة... السياسة الأميركية مسئولة لحد كبيرعن تمدد سلطة القاعدة على مساحات شاسعة من أراضي سوريا. تبدو المخابرات المركزية ووزارة الدفاع على استعداد لخيانة تعهد الولايات المتحدة  بمقاومة الإرهاب . يتواصل تواطؤ السياسة الأميركية في تعزيز القاعدة في سوريا، حتى لو تمت هزيمة الدولة الإسلامية."

استثمرت إسرائيل الحرب الأهلية في سوريا وأخذت تحشر نفسها في موكب التسوية وتطرح شروطها بصلف على طاولة التفاوض: استبعاد الأسد من التسوية في سوريا .إنها المقدمة لدس انف إسرائيل في شئون البلدان العربية كافة. بذلك تجني إسرائيل فوائد تدخلها مضاعفة: فتن في العراق وسوريا وليبيا واليمن خلقت حالة ارباك بين جماهير المنطقة وجدتها إسرائيل فرصتها للانفراد بشعب فلسطين وتشغيل مدحلة الاستيطان بأقصى طاقتها؛ وتدخّلٌ في البلدان العربية يخلد ضعفها و هوانها بوجه مشاريع التوسع الإسرائيلية ما بين الفرات والنيل. وهذا ما رصده  الكاتب الصحفي البارز عبد العظيم حماد في صحيفة الشروق المصرية. ينقل حماد عن الصحفي الإسرائيلي المطلع  يوس ميليمان، ما كتبه مؤخرا فى صحيفة معاريف، عن "إنجازات تخلب الألباب فى العلاقات الإسرائيلية- السعودية، تختفى تحت قمة جبل الجليد الظاهرة للعيان، والمتمثلة فى نقل السيادة على جزيرتى تيران وصنافير من مصر إلى السعودية، بموافقة إسرائيلية".

ألن يفضي هذا التعاون، لو نجح في تحقيق مراميه، بـ "إزالة الخطر الإيرانى" إلا عن "تكريس إسرائيل قوة إقليمية عظمى وحيدة، تملك قدرة الابتزاز النووى للجميع، بعد أن تكون قد أرست السابقة فى الحالة الإيرانية؟ وليس هذا فحسب، بل ستصبح إسرائيل شريكا فاعلا فى كل قرار داخلى أو خارجى مهم فى العواصم العربية الكبرى والصغرى." يبلغ مسامع الشعوب العربية والعالم كيف تطرح إسرائيل شروطها للتسوية في سوريا: الإطاحة بنظام الأسد، معارضة التهدئة في الجنوب السوري، إبعاد إيران وحزب الله من سوريا، باختصار الانفراد بالهيمنة على سوريا وانتزاع موافقة دولية على الاحتفاظ بهضبة الجولان.

تشكلت حول إسرائيل أنظمة  حليفة فتحت شهيتها على مزيد من النهب من نمط ليبرالي جديد. مضت حكومات اليمين برئاسة نتنياهو تنفذ خطة جابوتينسكي في نهب الأراضي وتوسيع المستعمرات تقطع اوصال الضفة الغربية، بهدف حشر الشعب الفلسطيني  في زوايا ضيقة امام حائط أصم يستحيل النفاذ عبره، ليرفعوا، من ثم، الراية البيضاء.  شعرت إسرائيل بالقدرة على الاستحواذ على كامل فلسطين، والتمدد خارج فلسطين حتى حدود الفرات. بلغ الشطط بالإسرائيليين أن فبركوا في ثنايا قانون عنصري أقره الكنيست مفهوم "دولة يهودية ديمقراطية" رفعت قيمة الصفة اليهودية على الصفة الديمقراطية ولو افضى الأمر إلى التضحية بالديمقراطية. من أعاجيب الفبركة المناقضة للقانون الدولي ان القانون الجديد يعتبر اللغة العبرية فقط اللغة الرسمية ويسقط لغة الشعب الأصيل، ويحيل إسرائيل دولة ليهود العالم بدون استشارتهم طبقا لأصول الديمقراطية الحقة، حيث يقطن إسرائيل أقل من نصف يهود العالم وربما ثلثهم، بينما تبقي أهل البلاد الأصليين مواطنين حتى إشعار آخر. ليس في إسرائيل دستور بل قوانين أساس بمقدور الكنيست شطبها أو تبديلها.

يسدر المحتلون في تنكب نهج الأبارتهايد من نمط  أشد ضراوة، يزدرون إنسانية شعب فلسطين وينكرون وجوده ويتنكرون لحقه في إقامة دولته المستقلة بحدود مفتوحة على العالم، ويجاهرون بنوايا طرده من وطنه، وهو ما لم يخطر ببال عنصريي جنوب إفريقيا. عنصرية إسرائيل تعتبر النضال ضد الاحتلال طلبا للتحرر الوطني وممارسة حق تقرير المصير إرهابا وتحرم المناضلين ممن تأسرهم من حقوقهم الإنسانية. تزعم ان  اسرى الحروب هم فقط اولئك الذين  يخوضون حربا مكشوفة ويرتدون الزي العسكري. "فهؤلاء المختطفون والمعتقلون في غير سوح القتال إنما يخضعون لاتفاقية جنيف الرابعة، باعتبارهم مدنيين ويرفضون احتلال وطنهم ويناضلون من أجل حريته واستقلاله طبقاً لمبدأ حق تقرير المصير ولقواعد القانون الدولي"، كما يؤكد خبير القانون الدولي عبد الحسين شعبان، ويضيف الى ذلك إن" اتفاق اوسلو عام 1993 يمنح المعتقلين صفة أسرى ، حيث تمّ الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كسلطة إدارية وسياسية (كيان مستقل) على جزء من أراضي فلسطين، وأصبح سكان هذا الجزء غير خاضعين لسلطات الاحتلال، فكيف يتمّ اعتقالهم من جانب السلطات الإسرائيلية في هذه المناطق التي تعتبر تحت سيادة السلطة الفلسطينية"(17).

يصر نتنياهو على قيادة إسرائيل إلى دولة احادية القومية. وحسب هآرتس (22 يناير 2017) "حيث يقف ترومب خلف نتنياهو فإن الأخير يقود إسرائيل إلى دولة أحادية القومية إما ان تكون ديمقراطية او يهودية". لا يوقف نتنياهو بناء المستعمرات حتى على أراض خاصة يصادرها بقوة الإرهاب، ولا يخامره الشك في حتمية فوزه بما اغتصبه وما شيده من عشرات آلاف الوحدات السكنية. فهو يأخذ المعارضة الكلامية من جانب البعض العربي والإسلامي مع التمسح بالولايات المتحدة على انه تواطؤ مع الاغتصاب. ان صمت الأنظمة العربية بينما المستوطنون ينتهكون حرمة الأقصى بتحريض ودعم من حكومة المستوطنين، وإعلان المسئولين ان "جبل الهيكل" لم يعد يخضع للأوقاف بل للشرطة الإسرائيلية ، ويقرن ذلك بنصب البوابات الإليكترونية وفرض الحصار حول القدس القديمة. ان ذلك يفضح تواطؤ الأنظمة الأبوية حتى على المقدس الإسلامي إذا كان ذلك يعزز عروشهم. تصدر التهديدات تباعا بهدم الأقصى او تقسيمه لبناء هيكل يهودي دون تدخل عربي رادع، وهذا يفشي رضى الأنظمة عن الخطوة الثالثة المتبقية في برنامج المشروع الصهيوني – تشييد الهيكل الثالث.  والقصد ليس دينيا، إنما بتر العلاقة الروحية بالقدس وفرض مبدأ "القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية". صلف نتنياهو أغراه بتنكب المستحيل وفرض الإرادة الصهيونية على الشعب الفلسطيني لإجباره على الإذغان للواقع القائم ، طبقا لفرضية الجدار التي نادى بها جابوتينسكي وبن زيون نتنياهو  ثمرة اتفاق ائتلاف عولمة الليبرالية الجديدة الذي بات علنيا وتتكشف علانية تحالفات اطرافه – الانظمة الأبوية العربية ،مع الامبريالية وإسرائيل.

الغباء السياسي والانانية  المفرطة لحكام السعودية ومعظم الحكام العرب تعمي أبصارهم عن رؤية دول الغرب تسخر في خدمتها الآخرين ثم تتخلى عنهم أو تستعديهم . يتطابق السيناريو الراهن مع سيناريو حرب أفغانستان، حيث تم خذلان "المجاهدين من اجل الحرية " حالما أنجز الهدف الامبريالي. لم يدرك حكام السعودية أنهم ليسوا سوى أداة لتمرير مخططات امبريالية تعود عليهم بالويلات بعد ان تنجز الأهداف الامبريالية وإسرائيل.

نخلص مما تقدم أن الصهيونية ودولتها قد برهنتا على جدواهما لمشاريع الامبريالية في المنطقة. منذ مؤتمر الصهيونية الأول عولت على التعاون مع دولة او مجموعة دول تبحث لها عن مصالح بالمنطقة؛ دشن بن غوريون نهج التعاون مع بريطانيا ثم الولايات المتحدة ومعاداة العرب وتقويض مشاريعهم من اجل التحرر والديمقراطية والتنمية. وما قدمته إسرائيل لحلفائها يفوق من حيث القيمة والجدوى ما تلقته من دعم مادي ومعنوي، كان ذلك في الماضي ولم يزل في الحاضر وسيبقى في المستقبل. إسرائيل تقدم للدول السلطوية خبرات في مكافحة التحرك الشعبي وتكنولوجيا متقدمة للتصنت والمراقبة المحكمة، تطوِرها من خلال تصديها لحركة المقاومة الفلسطينية. امكن لإسرائيل تعبئة الجمهور اليهودي في إسرائيل لتأييد سياساتها بلا تحفظ والانجراف تدريجيا مع ثقافة الكراهية العنصرية والقسوة. طوال حقبة التفاوض لم تبادر حكومات إسرائيل بلفتات حسن نية، حتى ولا تخفيف حدة الكراهية في إعلامها. بالعكس من ذلك دأبت الدعاية الرسمية وفي ميديا القطاع الخاص على حقن الجمهور بمشاعر ازدراء العرب وتحقيرهم كائنات لم تبلغ الآدمية، تسويغا لاضطهادهم واقتلاعهم من وطنهم.

تتردد كثيراعلى الألسنة عبارة "غلّبوا الأنبياء!"، مصحوبة بشعور المرارة حيال نجاح إسرائيل في مواصلة  نظام الأبارتهاد والتهرب من  استحقاقات السلام، بمعنى ان الأبارتهايد الإسرائيلي وما ينزله بشعب فلسطين من مآس قدر لا يرد، أما الحقيقة فإسرائيل ليست وحيدة في ممارسة غطرسة القوة، منطق أصحاب الشوكة على مر التاريخ يستخف بالضعفاء، ومن يطلع على مفاوضات المستوطنين البيض مع أصحاب الديار في القارة الجديدة، او مفاوضات الفرنسيين ثم الأميركان مع الفيتناميين يجد سوابق للمراوغات ونكث العهود الإسرائيلية. يتمركز على الأراضي الفلسطينية المحتلة نظام أبارتهايد ينطوي على مصالح اقتصادية وعلمية وعلاقات دولية ومعاهد دينية لترويج ثقافة العنصرية والكراهية، بات عبر خمسين عاما مكونا أساسا لدولة إسرائيل ولنظامها السياسي وقدراتها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية. بعد خمسين عاما من الاضطهاد والعنف فإن الخلاص من دورات العنف والاضهاد يقتضي الانطلاق من وجود نظام ابارتهايد مرتبط بمصالح محلية وإقليمية ودولية خلف المحيط يستوجب التفكيك. والوساطة الأميركية لحل النزاع إحدى مهازل المرحلة الناشئة عن تخبط المقاومة الفلسطينية .

حيال هذا الواقع فإن حجب موجة التضامن العالمية مع شعب فلسطين يرمي إلى وضع الجماهير في حالة إحباط لتقبل أي شيء يصدر عن "الوساطة" الأميركية؛ بينما انتظار الوساطة الاميركية يحجب عن العالم عملية متواصلة لاغتصاب الارض لحساب التوسع الاستيطاني وتمكين الأبارتهايد.ما يجري على أرض فلسطين لا يعتبر صراعا بل عدوانا متواصلا. 

الميديا من"صدامات" و"مواجهات"بصدد ما يجري في القدس إثر تركيب البوابات الإليكترونية او تدفق قطعان المستوطنين على ساحات الأقصى إنما يشوه الحقيقة ويخذل مصالح الفلسطينيين. وفي الداخل يفضي الركود الانتظاري إلى مزيد من التفسخ والتردي وإحكام الحصار وتضييق الخناق على الجماهير الفلسطينية.

العالم أخذ ينفذ صبره على سيرورة الحالة في فلسطين مع دورات الوساطة الأميركية.والإعلام الرئيس في الولايات المتحدة وإسرائيل موجه ذاتيا ويركز على نشر الوعي الزائف. ترى الجماهير الأميركية والإسرائيلية مغيبة عما يجري باسمها . وكثيرا ما يحدث أن تضطر إحدى المنابر للإقرار بحقيقة باتت مفضوحة على نطاق عالمي فتصاب ميديا إسرائيل بهيستريا صراخ الضحية . العنصرية السائدة في المجتمعين الأميركي والإسرائيلي تشيع بين الجمهور المميَّز شعور الرضى الآثم عما يكابدونه من استغلال واضطهاد طبقيين ويحول بالتالي دون تنامي مقاومة هيمنة طبقة الرأسمال المالي واستشرائها في عهد الليبرالية الجديدة. شعب يضطهد شعبا آخر لايكون حرا. يتعذر ان تنتعش في أميركا وإسرائيل حركة تضامن مع المظلومين والمستلبين في الداخل او الخارج.

الولايات المتحدة لم تتهيا بعد للتنازل عن هيمنتها واستثنائيتها . في هذا المناخ يبرز "الاعتدال العربي" خنوعا للهيمنة والاستثنائية اللتين تندلقان هيمنة واستثنائية للنظام الحليف - الأبارتهايد الإسرائيلي. ان ربط القضية الفلسطينية بالاعتدال العربي يرهنها للمشيئة الأميركية التي لن تخرج عن الأبارتهايد .  وإذا كان توازن القوى على الصعيدين المحلي والإقليمي لا يبعث على التفاؤل بكسر شوكة الفاشية الإسرائيلية فإن النهوض على المستوى الدولي والتبدل في موازين القوى ضد الهيمنة الأميركية و نهجها العدواني ، تحاصر الحصار الإسرائيلي ،  وتعزل الفاشية وتكبح جموحها الاستيطاني التهويدي. قوة اميركا النسبية تتضاءل امام اطماعها العدوانية. في عصر العولمة تعاظم ارتباط القضايا المحلية والإقليمية ، تعقيدا او حلولا ، بتأثير اصطفاف القوى على الصعيد العالمي. لم تعد اميركا تملك اوراق حل المعضلة الفلسطينية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

11- تشومسكي: مقابلتان مع معين رباني كاونتر - بانش29تموز 2012

17- عبد الحسين شعبان: ماذا يعني تدويل قضية الأسرى الفلسطينيين؟ الحوار المتمدن عددد5504 في 27/4 / 2017