2017-09-20

بلفور وتداعياته الكارثية .. من هم الهمج نحن أم هم؟

(الحلقة الحادية عشر)

سعيد مضية

شعب فلسطين يتلقى هجمات فاشية الليبرالية الجديدة

بانفراد اميركا بالهيمنة الكونية في أوائل تسعينات القرن الماضي وضع المحافظون الجدد بزعامة ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي، مع بول وولفويتز ، وكيل وزارة الدفاع مخطط مشروع هيمنة الولايات المتحدة منفردة على السياسات الدولية طوال القرن الحادي والعشرين بأكمله. وضع بول وولفويتز عقيدة المحافظين الجدد متضمنة العدوان المسلح إرادة التاريخ والاستثناء الأميركي – الإسرائيلي امتياز الهيمنة. في انتخابات الكنيست عام 1996، أوعز المحافظون الجدد لنتنياهو تضمين برنامجه الانتخابي بندا ينص على رفض الانسحاب من الأراضي المحتلة،  وفاز نتنياهو ومضت سياسات إسرائيل على النقيض من حلم رابين.

حصل الدمج العضوي بين المشروع الأميركي وبين مشروع إسرائيل الكبرى بأفقه التوسعي التهويدي لكامل فلسطين، يصاحبه اضطراد زيادة مخصصات الحرب بحيث تفوقت اميركا على اكبر عشر دول تليها من حيث نفقات التسلح، كما أشعلت مواقد الحروب في اكثر من بلد. وفي هذه الأثناء اكتسبت دولة الولايات المتحدة مواصفات الدولة البوليسية، حيث قلصت الديمقراطية وأطلقت أيدي الشرطة والأجهزة الاستخبارية والتحقيقات الفيدرالية  لممارسة التعذيب والإكراه والتجسس على الأميركيين. اما على الصعيد الدولي فحددت المواقف بالمبادئ التالية التي طرحها المحافظون الجدد والتزمت بها  الإدارات الأميركية المتعاقبة بمن فيها إدارة ترومب، إذ انتبهت مبكرا إلى قوة عميقة داخل الدولة تناقض إرادة الناخبين.

* استفراد الولايات المتحدة بالتحكم بالعالم وإقامة نظامٍ عالميٍ جديد قوامه وحدانية القطبية الأميركية.

* منع قيام آية قوةٍ أو خصمٍ جديدٍ قادرٍ على السيطرة على أية منطقة تملك من الموارد ما يتيح لها أن تصبح قوة عالمية، ومنع آية دولة أو قوة من تحدي الزعامة الأميركية أو تغيير النظام العالمي القائم، ما يتطلب، وهو الأخطر، امتلاك الإمبريالية الأميركية للآليات اللازمة لردع آية قوة منافسة.

* يترتب على ذلك كله ضرورة اختلاق ذريعة لهذه الحروب، ذريعة تبدو أكثر وطنية وإنسانية ونبلاً من مجرد الهيمنة على العالم أو ضمانة أرباح الشركات الكبرى، ذرائع مثل: "الأمن الأميركي القومي"، "السلام العالمي"، "التدخل الإنساني"، "إطاحة الدكتاتوريين الأشرار" أو "الحرب على الإرهاب" وغيرها  من الشعارات البراقة. بات الحرب على الإرهاب الغطاء الذي تتقنع به العدوانية الأميركية.

شرع المحافظون الجدد ينفذون تباعا بنود مشروع القرن الأميركي . في عام 1996، ضمّن ريتشارد بيرل، أحد صقور المحافظين الجدد برنامج نتنياهو الانتخابي بندا يرفض لأول مرة، الانسحاب من الأراضي المحتلة ؛ وبعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول ضغط بول وولفويتز والصهاينة ولوبي إسرائيل لتنفيذ غزو العراق. تواصل النهج الإسرائيلي رغم تكشف زيف الرواية التي استند إليها.

اقترن التحول الحاد في سياسات الامبريالة بتفجيرات نيويورك في 11 أيلول 2001. لكي يطبق  المحافظون الجدد شعارهم على العالم كله تمنوا في مناسبات عدة حدثا يبرر أعمالهم العدوانية في الخارج مثلما قدم الهجوم الياباني على بيرل هاربر المبرر لدخول الولايات المتحدة الحرب مع الحلفاء ضد دول المحور.أشار لهذا التمني الدكتور مارك بروزنسكي، محرر موقع ميدل إيست الإليكتروني. ذكر في إحدى تعليقاته "تمنياتهم لحدوث بيرل هاربر جديدة كي ينفذوا سياساتهم المغامرة في الشرق الأوسط".

 في مقاله المنشور في  16مارس/آذار 2016 استنتج الباحث العلاّمة غاريكاي تشينغو، "كلفت حروب  اميركا ضد الإرهاب آلاف مليارات الدولارات وكلفت العرب الضحايا بالملايين واكسبت هوليوود بلايين الدولارات لأنها تدعم سياسات أميركا الخارجية".

قدم تشيتغو عدة افلام هوليوودية نموذجا للدعاية العنصرية منها فيلم "القناص" الأميركي أعظم فيلم مسيء  للعرب في التاريخ. إنه يروج التمييز ضد العرب كما وصفته اللجنة العربية – الأميركية لمناهضة التمييز "ذروة جرائم الإسلاموفوبيا والكراهية". بعد بث الفيلم اغتيل ثلاثة عرب شبان في كارولينا الشمالية بطلقات في الرأس على غرار احداث فيلم القناص.

"لم تعد الميديا الرئيسة تروج للديمقراطية ؛ إنها تدعم أكاذيب بوش لتبرير غزو العراق ولم تعتذر عن أكاذيبها المشينة". ملاحظة قدمها هنري غيروكس في بحث عنوانه "الإرهاب والعنف وثقافة الجنون ".

رصد  الأكاديمي هنري غيروكس (20)  اربع عشرة منفذا لتسريب ثقافة  الليبرالية الجديدة في الحياة الاجتماعية بالولايات المتحدة والعالم اجمع . والباحث أكاديمي أميركي متميز ومؤلف عدة كتب في التعليم النقدي منها التعليم في أميركا والحرب ضد الشباب  وحرب الليبرالية الجديدة على التعليم العالي. جاء في استنتاجات غيروكس "بصورة عفوية  ينشأ عن الخوف المتزايد وانعدام الأمان من قصص الميديا المقحمة على الجمهور تشريع جمهرة من الممارسات اللاديمقراطية في الداخل، مثل الهجوم المنسق على الحريات المدنية وحرية التعبير وحرية الصحافة"، وكذلك "الهجمات الحاقدة على أكاديميين امثال نورمان فينكيلشتاين وستيفين سلايطة اللذين استنكرا السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والدعم المقدم لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد الشعب الفلسطيني".

 يكمن خلف توجهات الليبرالية الجديدة إيديولوجيا الفاشية الجديدة المنحازة كليا لأصحاب الرساميل الضخمة، إذ تحمّل البشر وحدهم المسئولية عن عجزهم السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي. يجمل الأكاديمي الأميركي رسالة ثقافة الليبرالية الجديدة في تمجيد النخب المالية وإشاعة نموذجها لتقويض الكيانات القومية والانتماء القومي، وتحميل مسئولية فقر الملايين للأفراد وليس لإجراءات "التصحيح الاقتصادي" - خصخصة القطاع العام المتحيزة لأصحاب الرساميل. بموجب هذا التوجه تم إقصاء مفردة الديمقراطية ومشتقاتها من قاموس التعامل الرسمي وتدمير كل معالم التعليم النقدي، على أي صيغة وردت  في النظرية وأساليب العمل أو بالمؤسسات، والاستخفاف بالميديا النقدية وصولا إلى حظرها في النهاية.

 يطلب من الأجهزة الثقافية الخاضعة لإشراف الحكومة شرعنة الخصخصة ونشر خطاب الاعتماد على الذات، بما يرافقه من أنانية منفلتة وفردية مفرطة  وازدراء لكل ما من شانه أن يعبر عن الصالح العام. طغيان الفردية والجشع غير المكبوح هما شعار الليبرالية الجديدة. أورد غيروكس النمط النموذجي لثقافة الليبرالية الجديدة في الصمت حيال جرائم العدوان على غزة ثم حصارها، وكذلك في  إجراءات الحكومة الأميركية بتخفيض الضرائب على أرباح الماليين وفي نفس الوقت تصفية برامج الرعاية الصحية المقدمة لأربعة وعشرين مليون أميركي يعجزون عن وصول الطبيب وتوفير العلاج. من منافذ إشاعة ثقافة الليبرالية الجديدة نشْر ممارسات إفراغ اللغة من معاني الأخلاق والتعاطف، وترويج  خطاب البقاء للأفقوى ضمن مساعي فسح المجال للعنصرية والفصل العنصري، اعتبار العدالة نوعا من الخيانة والسخرية منها  ك "أنباء زائفة "، وادراج شرائح اوسع من الناس ضمن البشر الفائضين عن الحاجة (فضلات البشرية)، إشاعة لغة القوة، وازدراء أي شكل من أشكال التضامن لا ينسجم مع أخلاق السوق وقيمه واعتباره جريمة يعاقب مقترفها، ومن ثم توسيع دائرة الأفعال والممارسات الجرمية بالولايات المتحدة، تعريض الجميع لشبهة الإرهاب وإخضاعهم للمراقبة والتشهير  وللتفتيش لدى اجتياز الحدود. وبهذا تختفي مظاهر دولة الرفاه  ويجبر ملايين المحرومين على تدبير أمورهم بأنفسهم .

شاركت إسرائيل برامج الخصخصة تماثلا مع الليبرالية الجديدة مع إجراءات نتنياهو، وكان وزير مالية في حكومة شارون، وانتعشت بفضل إجراءاته ما سمي " الرأسمالية الخنزيرية".

تواصل انزياح المجتمع اليهودي نحو اليمين والفاشية، وتشرب ثقافة الكراهية والقسوة حتى لقد بات من السهولة إحراز اليمين الفاشي الأغلبية الساحقة في الكنيست مكنته من تشكيل معظم الحكومات.

تبذلت السياسات الاميركية حتى الانحطاط بارتهان الجهازين التنفيذي والتشريعي للمال السياسي حد الإسفاف. لا يخجل الطامعون في الترشح للهيئات التمثيلية الأميركية من  الانبطاح امام اللوبي الإسرائيلي أو مداهنة سياسات حكومة إسرائيل، وذلك استجداء للمال السياسي، العامل الأساس للظهور الإعلامي على الناخبين والفوز بأصواتهم . بتعبير المرشح الديمقراطي ساندرز، قبل عام: "أعتقد أن عديدين لديهم انطباع خاطئ بأن الكونغرس ينظم شئون الوول ستريت (البنوك في نيويورك)، اما الحقيقة الساطعة فتجزم بأن  وول ستريت تنظم شئون الكونغرس".

تفجيرات أيلول 

كان لابد من حدث ضخم يبرر نهج الليبرالية الجديدة على صعيد العالم .  كتب الرابي دوي زاخايم إحدى مقدمات البيان الشهير من أجل القرن الأميركي، الذي وضعه بول وولفويتز،  بصدد تشييد النظام العدواني الأميركي. في تلك المقدمة تمنى الرابي صراحة حدوث بيرل هاربر جديدة توفر الموافقة الشعبية على شن الحروب في الخارج. خدم دوي زخاييم في البنتاغون مدير مالية من 4 ايار 2001 حتى آذار 2004. اختفى مبلغان من المال من البنتاغون موضع إشرافه: في البداية 2.3 مليار دولار، وفي 10أيلول2001 (أي في اليوم السابق للتفجيرات) أعلن رامسفيلد وزير الدفاع عن اختفائها، ثم طمست تحت انقاض التفجير؛ وفيما بعد عجز زاخاييم عن تحديد أين ذهب تريليون آخر. بينت التحقيقات ان زخايم شريك أساسي في مؤامرة التفجيرات.

من نافذة أخرى اطلت شركة أوديغو الإسرائيلية  للرسائل المستعجلة لتقر أن اثنين من موظفيها تلقيا رسالتين مستعجلتين تحذران من هجوم وشيك، وذلك قبل ساعتين من اصطدام الطائرة الأولى بالبرج. والتحذير لم ينقل إلى السلطات. ألا يحتمل انهما بدورهما أخطرا إسرائيليين آخرين؟ ويحتفظ هذا بالأهمية في ضوء ان عدة آلاف يحملون جنسية إسرائيل يعتقد انهم يعملون داخل المركز وحواليه، تغيبوا عن البرجين صباح يوم التفجير. وكالة ويكيسبوكس التي نشرت التحقيقات الواردة نقلت عن صحيفة جيروساليم بوست أن لدى وزارة خارجية إسرائيل أسماء أربعة آلاف إسرائيلي كان متوقعا تواجدهم بالبرجين وبوزارة الدفاع ذلك اليوم. فكيف عرف اولئك اليهود لكي يتغيبوا ذلك الصباح؟ دلائل عديدة تم التوصل إليها من تحقيقات لجان حول تفجيرات نيويورك كشفت عن مؤامرة أضخم وأوسع خبرة من عناصر طورا بورا نفذت التفجيرات. مثلا بنزين الطائرات الصادمة بالبرجين يولد حرارة 15ألف درجة مئوية وفولاذ البرجين ينصهر بدرجة حرارة 25 ألف درجة. والتفجير الذي هوى بالبرج السابع قبل أن تصطدم به الطائرة ولد الحرارة الإضافية المطلوبة. وعثر البحث اللاحق بناء على التشكيك في التقرير الرسمي عن التفجيرات على جزيئات غريبة عن مواد البرجين كانت بقايا للمفجر الموضوع سلفا في موقع ما داخل البرج.

حقيقة تفجيرات نيويورك تنبه لها مبكرا الرئيس الإيطالي الأسبق فرانسيسكو كوسيغا، حيث أبلغ صحيفة كورييرديلا سيرا الإيطالية ان الحادث الإرهابي يوم 11/9  جرى تمويهه ونفذه الموساد والسي آي إبه، وهذا امر متفق عليه من قبل دوائر الاستخبارات في العالم. وجاء في تصريحه أيضا إن "جميع الدوائر الديمقراطية في اميركا واوروبا ولدى اليسار وسط في أيطاليا يعرفون أن الهجوم خطط له ونفذ على أيدي المخابرات المركزية الأميركية والموساد بمساعدة الصهيونية، كي يحول اللوم على العرب وإقناع الغرب بالتدخل في أفغانستان والعراق. هذه الحقيقة تطمسها الدعاية الغربية كي تفسح الميدان لدعاية تجريم العرب والمسلمين".

وكذلك المدير الأسبق للمخابرات الباكستانية ، الجنرال حميد غول ، أبلغ آرنولد بورشيغريف من وكالة يونايتدبريس بعد أسبوع واحد على الحدث أنه يعتقد ان الموساد اقترف الجريمة، وليس القاعدة. وقال إذا كان لدى أميركا ما يدين القاعدة  فعليها تقديمها إلى محكمة دولية، مؤكدا  أن الولايات المتحدة تنفق أربعين مليار دولار سنويا على استخباراتها وعددها احد عشر وكالة استخبارية، ومع هذا تقول إدارة بوش انها بوغتت. لا أصدق ذلك،  فخلال عشر ثوان من ضرب البرج الثاني في المركز التجاري العالمي بثت فضائية سي إن إن أن بن لادن هو الفاعل. إنها جزء من خطة أشمل وضعها المتآمرون الحقيقيون بقصد توجيه أذهان الجمهور، ومنع الأذكياء من التفكير بأنفسهم".

ولتحقيق أقصى المنافع من هجمات أيلول التي علمت بها مسبقا بادرت القيادة الإسرائيلية – إيهود باراك ثم إريك شارون – اعمال عنف ضد مظاهرات شعبية سلمية إثر فشل كامب ديفيد، فاستدرجت بذلك المقاومة الفلسطينية والسلطة للدخول في صدام مسلح وعمليات تفجيرات (استشهادية) قبيل التفجيرات توردها موارد  الضلوع في الإرهاب.  كانت الدائرة الجهنمية قد احكمت طوقها بانفتاح مصر على الرأسمالية العالمية في مرحلة عولمة الليبرالية الجديدة فانطوت تحت لوائها. طفقت عولمة الليبرالية الجديدة تكتسح  الحدود وتمارس شتى أساليب اللهف والهبش من بلدان مأزومة اقتصاديا، اخضعت  لوصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فمضت تبيع القطاع العام وتقلص خدمات الدولة لصالح كبار الماليين.

واكب الاستيطان الكولنيالي انفتاح مصر السادات على الليبرالية المعولمة وعلى السعودية؛ وجد السادات في السعودية النظام السياسي الحليف، وفي سلفيتها الوهابية مصدا لليسار في مصر. من أقرب الناس للسادات كمال أدهم وعثمان أحمد عثمان. وعلى الفور بدأ هؤلاء بإقناع السادات بلعب دور الرئيس المسلم لدولة مسلمة، إلى جانب بيغن، الرئيس المؤمن. وواكب ذلك فتح قنوات اتصال بين السادات والإخوان (عمر التلمساني وغيره). كذلك بدأ مشروع استعداء الأقباط والتحريض عليهم في برامج إذاعية منتظمة.  فى استراحة رئيس الجمهورية فى القناطر الخيرية(شمال القاهرة) وضعت خطة استعانة السادات بالإخوان لكسر شوكة اليسار والناصرية  فيما صوره إعلام السادات كمعركة بين "مصر اليسارية الكافرة" و"مصر المسلمة".حدث الانعطاف الممهد لمقدم داعش: إفقار الجماهير وتوحيشها بإشاعة ثقافة الكراهية والقسوة واستئثار النظام الأبوي وحاشيته بالثروات دون بقية الناس..

دخلت الليبرالية العربية في شراكة تبعية مع الليبرالية الجديدة وقبلت عولمتها التي نمطت الثقافة والانتماء طبقا للنموذج الأميركي. بذلك احكم ائتلاف الليبرالية الجديدة حصاره حول الشعب الفلسطيني، بات معزولا وحيدا أمام موجة استعمار كولنيالي متصاعدة، اخضعت عملية الاستيطان في سبعينات القرن الماضي لإشراف ليكودي، تجلت فيه المرامي الاقتلاعية للمشروع الصهيوني. أسهمت تصريحاتهم العلنية حول نهب الأراضي وتوسيع المستعمرات في انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو التعصب العرقي  وثقافة الكراهية. "وحتى العام 1971 ظلت الإدارة الأميركية تطالب بانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها مع إدخال تعديلات طفيفة متبادلة..تحول مثقفون من حياديين إلى متعصبين للصهيونية وإسرائيل... بات إحياء موضوعة الهولوكوست قضية ثقافية بهدف قطع دابر كل من يتساءل حول ما تقوم به إسرائيل. وكتب أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل مقالة في مجلة الكونغرس اليهودي الأميركي اورد فيها ان مهمة يهود اميركا البرهنة على ان العداء للصهيونية عداء سياسي لدولة إسرائيل ويدخل في باب اللاسامية او اليهودي الكاره لنفسه"(11).

حروب بالوكالة

تدرجت كولنيالية الغرب من الاستعمار المباشر إلى الاستعمار الجديد  وإهدار العقل الجماعي للمجتمع بتنصيب خيال مآتا تنمية زائفة ومن ثم اشاعة الوعي الزائف يغلف التخلف . كانت في الحقيقة وصفة لتنمية التخلف، خاصة من خلال إشاعة نمط الاستهلاكية في الاقتصاد والثقافة.

تمخضت الاستهلاكية عن خراب اقتصادي وإفشال مشاريع التنمية والإغراق في الفساد والإفساد. شرع الاحتلال الكولنيالي الإسرائيلي ينمي مظاهر التخلف في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافة والاقتصادية ويوظف شتى مظاهر التخلف العربي لأغراضه التوسعية.

اكتشفت ذهنية الاستيطان الاقتلاعي للمجتمعات العربية كيانات تخلف يمكن تسخيرها لإضعاف المجتمعات العربية –الإسلامية وتكريس تخلفها وتبعيتها تمهيدا لتقويضها. وجدت في السلفية التكفيرية اداة هامة لهدر التوجه الديمقراطي والتنمية الاجتماعية وسيلة لنشر الخراب والإرباك في المجتمعات العربية.

عندما اعترف المجلس الوطني الفلسطيني بإسرائيل ردت حكومة الوحدة الوطنية، بيرس – شامير، عام 1988 لن تقوم دولة فلسطينية بين إسرائيل ونهر الأردن، شرقي الأردن دولة فلسطينية، اما المناطق المحتلة فيتقرر  مصيرها وفق الخطوط العريضة التي تقرها حكومة إسرائيل. حظي الموقف عام 1989 بتأييد جيمز بيكر، وزير الخارجية بإدارة بوش الأب.

"الفلسطينيون يتصرفون بطريقة صحيحة لكن أعداءهم الأميركيين والإسرائيليين يدمرون جهودهم عند كل منعطف. ولهذا السبب انسحب إدوارد سعيد من منظمة التحرير وفتر نشاطي ونشاط  احمد إقبال. لكن المنظمة نجحت في إبقاء القومية الفلسطينية حية في ظروف قاسية وهذا إنجاز كبير"(11).

دخلت الأنظمة الأبوية في العالم العربي في تحالفات الليبرالية الجديدة وسمحت بتغلغل الرساميل وتدفق إعلام وثقافة الليبرالية الجديدة. الأنانيات الصغيرة للطغاة المستبدين اكتسبت طاقة متجددة، درجت على مسرح السياسة العربية، فمركزت الأنظمة كل شيء بيدها؛ تحولت الدولة إلى استثمارة خاصة وأقصي الشعب من المعادلة الاجتماعية، وطحنت دولة الليبرالية الجديدة في طريقها المصلحة الوطنية والحقوق الديمقراطية و الخدمات الاجتماعية. تهاوى جهاز الدولة فعليا وجاءت انتفاضات الجماهير العربية في العقد الثاني من القرن الحالي رفضا لليبرالية الجديدة. لكنها جوبهت في الحال بثورة مضادة من قبل ركائز الليبرالية الجديدة

فضح سيمور هيرش، كيف "أقنع مسئولون في إدارة بوش حكام السعودية بضخ مليارات الدولارات إلى فرق القتل الطائفية تقذف القنابل على حزب الله ومقتدى الصدر وعلى السوريين والإيرانيين، حسب اعتراف مسئول اميركي رفيع المستوى". كان ذلك تحت عنوان "حرف الاتجاه". هيرش، الصحفي الأميركي، صاحب التقارير الصحفية المتقصية لكوامن السياسات العولمية، كشف أيضا  لغز التسليح الأميركي للمرتزقة العابثين في سوريا بتمويل خليجيي وفضحه لتواطؤ هذه القوى في تلفيق هجوم كيماوي ضد السكان وتحميل النظام السوري مسئولية ذلك.

مسلسل المصائد الناجحة لدولة إسرائيل يفضح ارتهان القيادات العربية كافة للعفوية والارتجال وردود الفعل غير المرشدة ومجانبتها للتفكير، ناهيك عن جهل التفكير الاستراتيجي وتحديث أساليب ووسائل إدارة الحياة الاجتماعية. أغرت الأنظمة الأبوية وجامعتها  على الاستهانة بها لحد الاستخفاف على مدى عقود متتالية. قال بن غوريون في العقد السادس من القرن الماضي :"نحن لا نواجه خطراً على الاطلاق من العرب خلال 8 إلى 10 سنوات القادمة، حتى لو تلقوا مساعدات تسليحية كثيفة من الغرب". ويتواصل عجز الأنظمة. وانقضت عقود زمنية حتى انبرى ضابط مثل الجنرال مئير داغان مكث في قيادة الموساد الإسرائيلي لمدة تسعة أعوام، خطب في آذار 2015 أمام عدة آلاف من الجماهير التي احتشدت لسماعه في تل أبيب: «إسرائيل دولة محاطة بالأعداء. لا يخيفني هؤلاء الأعداء، فأنا أخاف من قياداتنا.. من عدم وجود رؤية، ومن ضياع الطريق، من التردد، ومن الجمود السياسي.. لا أريد دولة ثنائية القومية ولا أريد أن نتحول إلى دولة أبرتهايد». أما نتنياهو فيرى بديلا في نوبة تطهير عرقي جديدة.

حكاية المكيدة الإسرائيلية مضت على النحو التالي:

بعد كمب ديفيد الذي انتهى بدون نتيجة في أيلول 2000 بادر إيهود باراك بتصعيد المواجهة العسكرية ضد مظاهرات سلمية اندلعت احتجاجا على مفاوضات عقيمة منذ اتفاق أوسلو. وفي نفس الوقت سمح باراك لشارون بزيارة الأقصى، الأمر الذي استفز الجماهير وقوبلت مظاهراتها بإطلاق النار. لاحظ تحفز حماس للمزاودة على منظمة التحرير والرغبة في المزاودة على فتح بالدخول في مواجهة مسلحة مع الاحتلال. كان واضحا لكل مراقب ذي بصيرة أن الفلسطينيين يستدرجون إلى عنف مسلح في مواجهة غير متكافئة. تسلم شارون السلطة بعد انتخابات شباط 2001، وصعّد عدوانه على الشعب الفلسطيني ومقاومته. وبعد ان اتخذ فصيل مقاوم قرار الدخول في المواجهة المسلحة ذهب قائده الى مكتبه في أحد احياء رام الله، وهناك عاجله صاروخ . تولت فضائية الجزيرة صب الوقود على الحريق وفتحت شاشاتها للتهديدات الفارغة "سنزلزل الأرض تحت أقدام إسرائيل" و"سنلقن شارون درسا لا ينسى" وغيرها من التهويشات ذات القصد الشعبوي. بعد ضربات موجعة وجهت لفصائل المقاومة المسلحة تنبهت هذه للشرك وجنحت للتهدئة، لكن شارون لم يسمح لها بالهرب، راح يجرها من الخياشيم والنواصي، مستعينا بتفهمه لذهنية الانتقام في النفسية العربية المرتبطة بالعصور القديمة. ثابر على قنص أفراد الفصائل وابتدأ بالمناضل الفتحاوي ، الدكتور ثابت ثابت. وجدت فتح من الضروي الانتقام بعمل تفجيري. وهكذا ظل شارون يستدرج فصيلا تلو آخر إلى التفجيرات. كل فصيل لوحده ينتقم لضحيته. لم تفطن الفصائل  إلى أن وراء الأكمة ما وراءها.

لعبت ميديا الليبرالية الجديدة ادوارا أخطر من العمليات العسكرية. خلال أقل من عام والرأي العام في الغرب يتلقى أنباء التفجيرات بين التجمعات اليهودية فقط، لتتحول قضية الشرق الأوسط من شعب يعاني الاحتلال إلى إسرائيل تكابد التفجيرات في المحلات العامة وتستجير طالبة "الأمن". باتت القضية المؤرقة للعالم "امن إسرائيل"، حيال "إرهاب الفلسطينيين". دأبت ميديا الغرب على تجاهل جرائم  صورايخ الأباتشي وقنابل طائرات إف 16 تقذف الأحياء وتقتل بلا تمييز في المدن والمخيمات والقرى؛ بينما لم تفوت أي عملية انتحارية تنشرها على نطاق واسع. اكتسب شارون احترام اوساط دولية نتيجة سحب مستوطنات من قطاع غزة  وإعادة تمركز جيش الاحتلال في محيط القطاع بفرض حصاره الخانق. في الأثناء حدثت تفجيرات نيويورك واعلنت الحرب على الإرهاب وانتشرت على صعيد العالم ثقافة مكافحة الإرهاب، وحسبت المقاومة الفلسطينية في جانب الإرهاب.

استباح جيش الاحتلال مناطق السلطة وطويت صفحة اوسلو، لم يعد ممكنا غض الطرف عن نوايا الاقتلاع في نهج ألأبارتهايد. واصلت مدحلة الاستيطان والتهويد عملها بدون توقف، ولم تردعها الاستنكارات والقرارات الدولية وآخرها قرار مجلس الأمن 2334. ولكي تنفرد إسرائيل بشعب فلسطين فقد استثمرت عزلة الأنظمة الأبوية وحركت الفتن الداخلية باسم الديمقراطية وإنصاف المحرومين. مولت ونظمت  الفتن داخل الأقطار العربية المجاورة وألهت شعوب المنطقة بمشاكلها الداخلية، إذ نفخت في كور الفتن الطائفية وحولتها إلى بؤر للتوتر وتصدير الإرهابيين. نزلت الحركات التكفيرية إلى الميدان إفراز التسلط السياسي الاجتماعي للأنظمة الأبوية وسياسة الإفقار التي انتهجتها. وجدت داعش والحركات التكفيرية الأرض ممهدة لها، أقتصاديا وثقافيا وسياسيا وإيديولوجيا. لم يكن وجود داعش طارئا، إنما حملت داعش كل خصائص الأنظمة الأبوية وتبذلاتها وازدرائها للحياة الآدمية، وحصدت ما زرعته الليبرالية الجديدة في عالم العروبة. استثمرت جيلا محبطا وحصدت خيباته المطعمة بالإحباط. شبابا هدر عقله وتفكيره فلم يعد يعي ظروف حياته. خاب ظنه في كل شيء، في تاريخه وتاريخ الأجداد، لأن الأنظمة التي جيّرت الدولة لصالحها، لم تترك للجمهور ما يفتخرون ويعتزون به. أطلقت  الليبرالية الجديدة احتياطيها المدخر ودفعت الحركات التكفيرية إلى واجهة الأحداث. برزت خبرة إسرائيل في الاستعانة بالوكلاء تحركهم بالريموت كونترول. لم تكن قطر واموالها المتدفقة على المرتزقة في الأحداث  إلا وكيلة أعمال لإسرائيل. وتزويد منظمة النصرة بالدعم مختلف الأشكال مظهر للتعاون الإسرائيلي – القطري – السعودي، تجلت فعالياته في العدوان على لبنان عام 2006.