2017-09-17

بلفور وتداعياته الكارثية .. من هم الهمج نحن ام هم؟

(الحلقة العاشرة)

سعيد مضية

نفط من جوف الأرض وتكفيريون من جوف التاريخ

تتنوع وسائل التثقيف العنصري. "عرضت لقطات فيديو لأربعة ضباط على دراجاتهم النارية ينفذون امام مئات الطلبة عملية "قتل ارهابي" في متنزه قرب تل أبيب. يستلقي الإرهابي جريحا فيجهز عليه الضباط بصليات من مسافة قصيرة كي يتأكدوا من موته. في كل مكان بالعالم تعتبر العملية جريمة اغتيال، اما الطلبة فقد صفقوا للعملية، التي تقلد جريمة الجندي ازاريا باغتيال عبد الرحيم الشريف. معظم الإسرائيليين ومنهم موظفو الحكومة يعتبرون أزاريا بطلا، وتقليد لباسه اكتسب شعبية لدى الأطفال.

وفي مستوطنات مقامة بالضفة الغربية قام الجنود بطلاء أذرع الأطفال وسيقانهم بسائل يشبه الدم ينزف من لعب تماثل اطرافا مبتورة. نال المشهد إعجاب الأسر اليهودية.

وتكرس اعياد الفصح لبث الكراهية للغوويم وللفلسطينيين بوجه خاص. يتولى رب الأسرة تلاوة سفر الخروج، شاحن الكراهية و التفرد اليهودي.

مع تجميد البعد القومي للمقاومة الفلسطينية  نمت إسرائيل بفضل الاحتلال وعربدت، تُوَسِع المستعمرات وتشيد عليها صناعات امنية تراكم خبرات أمنية في القمع والتنصت وتخريب المنظمات والحركات المعارضة، لتصبح خبراتها وصناعاتها في ميدان الأمن خيوط روابط تجمعها مع الأنظمة القمعية. الاحتلال حوّل إسرائيل إلى دولة تتأهل للهيمنة على المنطقة، تخضعها لمصالح النفوذ الأميركي . ومع المزيد من الاستيطان تمدد نفوذ حزب حيروت اليمني برئاسة ميناحيم بيغن، واستطاع عام 1977 تسلم قيادة الدولة. كان بن غوريون يتهم حركة حيروت بالفاشية، وبرز بيغن في الحملات الانتخابية يحمل مشاعر عنصرية فاشية تجاه العرب.

في الرابع من كانون الاول 1948 نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في باب «رسائل الى المحرر» رسالة  حملت احتجاجا على زيارة ميناحيم بيغن إلى الولايات المتحدة .

كتب الرسالة العالم اليهودي ألبرت أينشتاين ومعه نحو مئة شخصية من اليهود وغير اليهود من كبار العلماء والمفكرين. انطوت الرسالة على أهمية فائقة، إذ أرسلت  في 2 كانون الأول، ونشرت في الرابع منه، بعد أقل من عام على رفض اينشتين التاريخي رئاسة الدولة. وما زال البعض يعود إليها للتدليل على التوجه الفاشي في إسرائيل. أوردت  الرسالة:

«الى محرري نيويورك تايمز»

"من بين الظواهر السياسية الأشد إثارة للقلق في زماننا ظهور حزب الحرية (تنوات هاهيروت) في إسرائيل الحديثة التأسيس، وهو حزب سياسي وثيق الصلة للغاية في تنظيمه ومناهجه وفلسفته السياسية وتوجهه الاجتماعي للأحزاب النازية والفاشية. لقد تشكل من عضوية ومن أتباع تنظيم ايرغون زفاي ليئومي السابق، وهو منظمة إرهابية يمينية شوفينية (وطنية متعصبة ضيقة الأفق) في فلسطين.

"والزيارة الحالية التي يقوم بها مناحيم بيغن زعيم هذا الحزب للولايات المتحدة محسوبة بوضوح لتعطي انطباعاً بالتأييد الأميركي لهذا الحزب في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، ولتمتين الروابط السياسية مع العناصر الصهيونية المحافظة في الولايات المتحدة. إن عديدين من الوطنيين الأميركيين قد أعاروا أسماءهم للترحيب بهذه الزيارة. وليس من المتصور ان أولئك الذين يعارضون الفكر الفاشي في جميع أنحاء العالم، اذا ما تلقوا معلومات صحيحة عن سجل السيد بيغن واتجاهاته، يمكن ان يضيفوا أسماءهم وتأييدهم الى الحركة التي يمثلها.

"فقبل أن يقع ضرر لا يمكن إصلاحه عن طريق مساهمات مالية ومظاهر عامة لصالح بيغن وخلق انطباع في فلسطين بأن قسماً كبيراً من أميركا يؤيد العناصر الفاشية في إسرائيل، يتعين على الرأي العام الأميركي ان يعلم بسجل السيد بيغن وحركته وأهدافهما. إن البيانات العلنية لحزب بيغن ليست بأي حال مرشداً لطابعه الحقيقي. إنهم يتحدثون اليوم عن الحرية والديمقراطية ومناهضة الإمبريالية، في حين أنهم حتى وقت قريب كانوا يبشرون صراحة بمذهب الدولة الفاشية. إن الحزب الإرهابي يفضح في أفعاله طابعه الحقيقي، ويمكننا ان نحكم من أفعاله الماضية بما يمكن ان نتوقعه ان يفعل في المستقبل.

"إن سلوكهم في قرية دير ياسين العربية كان مثالا صادماً. هذه القرية التي تقع خارج الطرق الرئيسية وتحيط بها أراض يهودية لم تشترك في الحرب، بل أنها ردت أيد عربية أرادت ان تستخدم القرية قاعدة لها. وفي 9 نيسان 1948هاجمت عصابات إرهابية هذه القرية المسالمة التي لم تكن هدفاً في القتال وقتلت معظم سكانها، 240 رجلاً وامرأة وطفلاً واحتفظت بعدد قليل منهم على قيد الحياة لتستعرضهم كأسرى في شوارع القدس. لقد فزع معظم المجتمع اليهودي من هذا الفعل؛ ولكن الإرهابيين، الذين هم بعيدون عن الشعور بالعار من فعلهم، كانوا فخورين بهذه المذبحة ونشروها على نطاق واسع، ودعوا المراسلين الأجانب الموجودين في البلد ليشاهدوا الجثث المكومة والفوضى العامة في دير ياسين. إن حادث دير ياسين يمثل طابع وأفعال حزب الحرية. ....".

كان ذلك عام 1948، وينقضي عقدان اليتدهور المجتمع الأميركي نحو نظام شمولي استبدادي تحت هيمنة المحافظين الجدد ، الذين يفضلون الليكوديين على رأس حكومات إسرائيل.

كانت اولى مشاريع حكومة بيغن وضع خطة استيطانية تجعل "من المستحيل إقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل"؛ أعد مخطط الاستيطان إيريك شارون، وكان وزيرا للزراعة.

روعي في الخطة الاستحواذ على الأحواض المائية تحت الأرض. عارض الرئيس الأميركي، جيمي كارتر خطة الاستيطان الجديدة. دأبت الإدارات السابقة على إعلان معارضتها الكلامية للاستيطان في الأراضي المحتلة وضم مدينة القدس الشرقية لإسرائيل. قوبلت معارضة كارتر بحملة دعائية من جانب الليكود. وكما استغاث بن غوريون بالعالم من خطر مذبحة لليهود في فلسطين وهو يعد لجملة مذابح ضد العرب، فقد اتخذ بيغن سمة الضحية وشبه معارضة الرئيس كارتر للاستيطان بخيانة ميونيخ تقترفها أميركا ضد إسرائيل!! راح يستغيث بلغة تهريجية: نحن لسنا جمهورية موز ، تعريضا بدول تابعة للولايات المتحدة .

وقفت الصهيونية ضد كارتر في الحملة الانتخابية وحالت بينه وبين فترة إدارة ثانية. جحدت فضله  في إخراج مصر من معسكر المقاومة  وإدخالها في الائتلاف الليبرالي الد ولي. نجح ريغان على موجة عاتية من نهوض المسيحية الأصولية والمحافظين الجدد. ولأول مرة صدر في عهد ريغان تأييد للاستيطان اليهودي بالأراضي المحتلة.

اما المشروع الثاني الذي اختطه ميناحيم بيغن، ولا يقل أهمية عن الأول، فكان الإعلان الرسمي عن المشاريع الاستيطانية وأهدافها. اعتبرت الدعاية العربية أن الصخب الإعلامي لحكومات الليكود يفضح الصهيونية بعكس حكومات حزب العمل موهت مشاريعها تحت أهداف امنية .

يقبع خلف هذا التقدير قصر النظر واوهام بأن الاستعمار الاستيطاني تكتيك مؤقت، عول العرب حكومات وفصائل واحزابا على تدخل الغرب، أو ما يسمونه "المجتمع الدولي" لحمل إسرائيل على التنازل  والدخول في مصالحة.  أما الحقيقة فقد عملت الدعاية الرسمية في إسرائيل وكذلك الممارسات السياسية شواحن تعصب عرقي وثقافة كراهية. عملت الدعاية الصهيوينة في كنف ثقافة الليبرالية الجديدة ونسقت معها. ومن معالمها الكراهية والقسوة لدرجة اعتناق ما اطلق عليها ثقافة الكازينو، حيث المهزوم، شان الخاسر في لعبة القمار، لا يستحق العطف ولا التضامن، سواء كان حركة تحرراو شعوبا خضعت للاحتلال، او عمالا في مؤسسة طورت تقنياتها أو شعوبا افترستها التصحيحات الاقتصادية ونهم الاحتكارات للربح.

والمعلم الثالث الذي اختطه بيغن لحكومات الليكود كافه هو الحرص على عدم التراجع امام الضغوط. طور بيغن مقولة الجدار لجابوتينسكي بعبارة "يجب ان نرغم العرب على الخضوع لمشيئتنا". ونقل مارك بروجينسكي ، محرر الموقع الإليكتروني ميديل إيست، ان السادات يئس من الحوار مع بيغن في مؤتمر كامب ديفيد واعتزم قطع المحادثات والعودة الى مصر؛ أفلح كارتر في ثنيه عما اعتزمه عن طريق الوعود بحمل بيغن على تنازلات لشعب فلسطين والتعهد بتقديم مساعدات لمصر وتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 رفي دورته الثانية بالإدارة الأميركية. أصر بيغن على رفض تقديم التنازلات وتنكر لجميل كارتر، إذ دعم منافسه ريغان في انتخابات الرئاسة عام 1979. 

خطة  إسرائيلية للشرق الأوسط

مخطط الصهيونية للشرق الأوسط لا يقتصر على فلسطين ، إنما استشرف تخريب الدول المحيطة، بتمزيقها إلى دويلات طائفية متصارعة يسهل السيطرة عليها وتسخيرها لإنجاز دولة اسرائيل الإقليمية. وخطة يينون تستند طبقا لما ورد في النص إلى "ما ورد في مذكرات هيرتسل مؤسس الحركة الصهيونية من أن ’منطقة الدولة  اليهودية تمتد من حدود مصر حتى نهر الفرات'،  وكذلك إلى شهادة الرابي فيشمان، عضو الوكالة اليهودية في فلسطين، امام لجنة التحقيق الخاصة بفلسطين في 9 تموز 1947 ، 'أن أرض الميعاد تمتد من نهر مصر حتى نهر الفرات، وتشمل سوريا ولبنان’". من مرجل التمسك بالدور الوظيفي لدولة إسرائيل، وفي أجواء الدعم المهيجة للخواطر من جانب الولايات المتحدة  طرح الاستراتيجي الإسرائيلي، عوديد يينون ، الخطة الصهيونية للشرق الأوسط، اعتمدت استثمار مظاهر تخلف المجتمعات العربية وهياكلها بهدف تحقيق المزيد من إضعاف المجتمعات ونخرها وتقويضها. لا تطمئن إسرائيل على مكتسب الحرب بدون إغراق المجتمعات العربية المحيطة في ازمات وفتن وتعطيل تطورها الديمقراطي التنموي، وإن امكن تخريب الدول والمجتمعات.

استهدفت خطة يينون تفتيت المنطقة العربية إلى دويلات تدور في فلك إسرائيل العظمى. نشرت الخطة في شباط  1982  باللغة العبرية في صحيفة ضيقة الانتشار، ترجم الخطة إلى الإنجليزية الدكتور يسرائيل شاحاك رئيس اللجنة الإسرائيلية لحقوق الإنسان، بهدف إطلاع العرب على ما تضمره إسرائيل، ونشرتها لجنة الخريجين العرب من الجامعات الأميركية . كتب الدكتور خليل نخلة في مقدمته للنسخة المنشورة باللغة الإنجليزية في مجلة الجمعية (عدد تموز 1982): "لكي تحافظ إسرائيل على بقائها يتوجب: 1) أن تصبح قوة امبريالية إقليمية، و 2) ان تعمل بنجاح على تقسيم المنطقة بمجملها إلى دول صغيرة ، وفق أسس طائفية وعرقية عن طريق تفكيك الدول العربية قاطبة". يختلف التنفيذ عن سيناريو سايكس بيكو وعن سوابق العدوان المكشوف، فاتخذ شكل حروب بالوكالة وتفجير صراعات طائفية منهكة ومدمرة يستحيل التغلب عليها إلا  "بعد عقود" طبقا لمخططات الدبلوماسية الأميركية. على سبيل المثال تصور يينون لسوريا التشرذم في خمس دويلات : علوية وكردية ودرزية ودولة سنية في دمشق معادية لدولة سنية في حلب!!

وبعد عقدين نجد دولة داعش تتمدد في الشمال السوري. هل أضمر يينون استخراج حركة تكفيرية من جوف التاريخ العربي- الإسلامي؟ حركات سلفية كفرت المجتمع وقواه التقدمية تجربة استثمرتها الامبريالية وخرجت منها بإنجازات عظيمة.

مرارا تكررت مقولة يينون في تصريحات سياسيين إسرائيليين. نجد الهدف الكامن خلف ما يمارس داخل الكونغرس وسراديب وزارة الخارجية الأميركية في تعبير يينون المصاغ عام 1982: "من غير الممكن العيش في  هذا البلد طبقا للحالة الراهنة بدون الفصل بين الأمتين: العرب في الأردن واليهود في المناطق غربي النهر. ولن يستتب السلام والتعايش الحقيقي في البلاد إلا بعد  ان يدرك العرب أنهم لن يظفروا بالوجود ولا بالأمن إلا بسيطرة اليهود على المنطقة ما بين النهر والبحر. ولن يفوز الفلسطينيون بالأمن وبالدولة إلا في الأردن". 

اما السياسة الصهيونية لتهجير الفلسطينيين من فلسطين فتنفذ، حسب تعبير ليبرمان، "بالقوة من خلال صراعات كالتي حدثت عامي 1948 -1947ثم حرب 1967".  وتقدم الصراعات الطائفية  الراهنة بالمنطقة نسخة منقحة لظرف التطهير العرقي الختامي في فلسطين! وصرح إيهود باراك وهو رئيس حكومة، إن "أي دولة غير يهودية تقام بجانب إسرائيل غربي النهر إنما تؤذن ببداية النهاية لدولة إسرائيل".

استجاب برايمر المندوب السامي الأميركي في العراق بعد غزو 2003، لمطلب يينون بتصفية الجيش العراقي "لأنه يشكل خطرا على إسرائيل"؛ والغزو جاء استجابة لضغوط المحافظين الجدد وإسرائيل. واتخذ برايمر  الإجراءات التي استنبتت الطائفية السياسية لتشكل المعول القوي لتفسيخ العراق طبقا لخطة داعش .

وبهدي خطة يينون وضعت كوندوليسا رايس في وقت لاحق استراتيجية الفوضى الخلاقة لاستنبات الحركات التكفيرية ونشر الفتن بالمنطقة وإلهاء شعوبها عن نجدة الشعب الفلسطيني.

تتمثل الخطة ايضا في رفض نتنياهو  الاتفاق الروسي – الأميركي للتهدئة في الجنوب السوري  وفي مطالبته بالقضاء على نظام الأسد، أي إسقاط سوريا بأيدي امراء الحرب وتمزيقها إلى دويلات توصل نفوذ إسرائيل إلى الفرات.

مفاوضات برسم التمويه ..اختطاف فلسطين دولة لليهود

ذكر الصحفي ناحوم بيرنيا ان رابين أبلغ جماعة السلام الآن أن "المفاوضات خدعة من اصدقائنا الأميركيين يمنحون إسرائيل الوقت كي يسحقوا الفلسطينيين، وسوف يسحقونهم، بينما يظن العالم ان مفاوضات السلام جارية". يرى اللوبي الإسرائيلي(إيباك) في الولايات المتحدة أن الفاشية المتداخلة بالعنصرية هي الشكل الملائم للعولمة الأميركية ، التي تشكل إسرائيل أحد قواها الفاعلة. تطابق نهج المحافظين الجدد في الولايات المتحدة في نقاط عدة تتمحور حول المهمة الوظيفية لدولة إسرائيل الكبرى ، دولة متنفذة في إقليمها، تحافظ   على بؤر التوتر ملتهبة والشرق الأوسط منطقة سوق للسلاح . فالحركتان أكثر أشكال التطرف لا منطقية في التاريخ، وتفَوقتا على النازية في هذا المضمار.

اتضح أن نهج اوسلو بدأ بمبادرة من شمعون بيريز، ثعلب السياسة الإسرائيلية، لاستدراج الجانب الفلسطيني إلى مفاوضات عقيمة باسم عملية سلام تحجب عن العالم أوسع عملية لنهب أراضي الضفة. انجزت الخطة بنجاح. عوقب رابين بسبب اعترافه ب" كيان فلسطيني" تمثله منظمة التحرير، يقل عن دولة ؛ نفذت الرصاصات إلى جسد رابين وكان بيريز بجانبه، قناعة من المحرضين على الجريمة بأداء  بيريز المخادع في اوسلو حيال الأداء الجاد لرابين.

تعرض رئيس وزراء إسرائيل الجنرال إسحق رابين لهجوم حاد من جانب نتنياهو والمتطرفين. نتنياهو  هو الذى وقف قبل أيام من اغتيال رابين ليقول لأنصاره فى خطاب علنى إننى لا أستطيع وقف رابين فى الكنيست بالطرق السياسية عن مواصة تنفيذ اتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين فأوقفوه أنتم. ما الذى يفهم من هذه العبارة سوى التحريض على قتل رابين رئيس وزراء الدولة المنتخب والذى كان يقود معسكر السلام مع حزب ميرتس فى قوة واندفاع ؟ لقد تم وقف رابين كما طلب نتنياهو، إذ اغتالته رصاصات الشاب يجآل عامير بعد أيام قليلة من خطاب نتنياهو التحريضى الذى بث عبر القنوات الفضائية الإسرائيلية.

 اكد الرئيس الأسبق كلينتون جدية رابين في التوصل إلى تسوية سلمية عطلها نتنياهو بحملته التحريضية ضد رابين من أجل إبطال توجه أوسلو(21). على إفطار عمل بعد توقيع اتفاق أوسلو في البيت الأبيض، سأل الرئيس الأميركي ضيفه: لماذا قررت دعم محادثات أوسلو والاتفاق الذي نجم عها؟

"شرح لي  انه اضطر للتحقق من أن المناطق التي احتلتها إسرائيل منذ حرب 1967 لم تعد ضرورية لأمنها، وفي الحقيقة كانت مصدر عدم الأمن. قال ان الانتفاضة التي انفجرت قبل بضع سنوات قد أظهرت ان أراض محتلة مليئة بشعب ساخط لم تجعل اسرائيل اكثر امنا ، بل حولتها عرضة لهجمات من الداخل... اخيرا قال : إذا توجب على إسرائيل الاحتفاظ بالضفة الغربية بصورة دائمة فعليها ان تقرر هل سيصوت العرب في الانتخابات الإسرائيلية، شان أولئك الذين عاشوا في إسرائيل قبل 1967. إذا حصل الفلسطينيون على حق التصويت، في ضوء نسب الإنجاب العالية، فلن تظل إسرائيل عبر عقود قليلة دولة يهودية؛ وان منعوا حق التصويت لن تبقى إسرائيل دولة ديمقراطية، إنما دولة ابارتهايد. لذلك قرر أن على إسرائيل التنازل عن المناطق، لكن بشرط إنجاز سلام حقيقي وعلاقات طبيعية مع جيرانها بمن فيهم سوريا. اعتقد رابين أن بإمكانه التوصل إلى اتفاق مع الرئيس السوري حافظ الأسد قبل أو مباشرة بعد إنجاز عملية السلام مع الفلسطينيين." في فقرة تالية يكتب كلينتون:"في ذلك اليوم، وأنا ارقبه يتحدث في احتفال وأصغي لدفاعه عن السلام شاهدت عظمة قيادته وروحه. لم أقابل احدا مثله وصممت على مساعدته لإنجاز حلمه بالسلام."(21)

اغتيل رابين، وكان اغتياله مؤشرا على حرف مسيرة المنطقة باتجاه الحروب والفتن الطائفية وتهويد فلسطين. إغتيال رابين مؤشر على عبثية التفاوض مع القيادة الإسرائيلية الجديدة - نتنياهو، باراك، شارون. عطلت الولايات المتحدة خلال وساطتها المقحمة التوصل إلى حل سلمي للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. 

صدر حديثا عن دار نشر بيكان برس، كتاب للمؤرخ والأكاديمي رشيد خالدي بعنوان "عرابو الخداع: كيف قوّضت الولايات المتحدة فرص السلام في الشرق الأوسط"، استند الى ما نشرته الإدارة الأمريكية من وثائق متعلقة بالصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي بحكم التقادم. وقد وعد المؤلف بمتابعة الكتابة حول الموضوع لتوافر المزيد من الوثائق حوله.حاول المؤلف (د.رشيد الخالدي) مستندا إلى الوثائق المفرج عنها إضافة لما بحوزته و بحوزة زملائه المفاوضين وطلاب الدراسات العليا لديه، أن يثبت بأن السياسة الأمريكية خلال ال 35 سنة الأخيرة زعزعت أسس السلام في الشرق الأوسط بدل تسهيله أو العمل على إقراره، ولم تكن صادقة في توسطها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي؛ بالعكس كانت تلعب "دور محامي الدفاع عن إسرائيل" بشهادة  آرون ديفيد مولر عضو الوفد الأمريكي المفاوض بزمالة دنيس روس ودانيال كرزر عام 91-93.

21-   Bill Clinton: My Life-Aldred A.Knopf-New York2004-P545