2017-08-10

في ذكرى رحيله..

محمود درويش- لو كان لنا أن نبلل البحر بحفنة ماء.. لرثيناك!

عصام مخول

لسنا في معرض رثاء محمود درويش.. فأي كلام يفي "سيد الكلام"، ما نريد أن نقوله عنه وله وفيه!؟ وهل بمقدورنا أن نبلل البحر بحفنة ماء؟ هل نقول ان محمود درويش "ملاْ الدنيا وشغل الناس"، أم الأصح أن نقول انه "شغل الدنيا.. وملاْْ الناس.. قوة وجمالا وكبرياء وثقة بكل ما هو إنساني فيهم!". عظمة محمود درويش- لا تقتصر على أنه شاعر قضية وطنية وإنسانية عادلة، بل انه شاعر وقضية وطنية وإنسانية عادلة. هو الشاعر وهو القصيدة، هو الشاعر وهو القضية، ونشيدها (الوطني) ومنشدها، و"وثيقة استقلالها" وحقها في العودة، وموسيقاها الخارجة من قلب الألم إلى فضاءات الأمل.


.. منذ أن "ضاق المكان" عن محمود درويش وضاق عنه الوطن المغدور، واقتلع من البروة طفلا.. و"ترك الحصان وحيدا".. نسج جدليته الخاصة، جدلية المكان والزمان، وبنى في الزمان قطعة من وطن، يلجأ اليه، يناضل منه وفيه، "إني وجدت (الزمن) أثبت منك ظهرا". وبين الزمان والمكان، ومعادلة الثابت والمتحول، صار المكان متحولا والرحيل ثابتا. ضاق عنه الوطن المغدور، حتى "ضاق الزمان ووجه الأرض". وبات ينسج جدليته "كثوب بينولوب.. تغزل ثم تفري.. ثم تغزل ثوبها".. يجدل علاقته بالوطن، دون توقف:

"أتحملني أم أحملك"؟؟ "أتحلم"ني أم "أحلم"ك؟؟ وحين عجز الوطن المغدور عن أن يحمل محمود وأن يحمل حلمه، برع درويش وتميز وتجلى وهو يحلم الوطن ويحمل الحلم. يحمل القضية ويشهر إنسانية الموقف، وأخلاقية مشروعه الوطني، ووعيه الاممي الأرقى. حمل الوطن وحمل الشعب وحمل الحق، قصيدة وحلما وصورة، وسورة، وثورة، وموقفا..

وطاف!

بين محمود وحيفا.. قصة حب وعشق. فيه من حيفا الكثير وفيها الكثير منه.

في حيفا تخمّر سياسيا، وتفجر ينبوع عطاء وجمال وشعر.. وفي جريدة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" وفي "الغد" و"بستان الشيوعية"، وفي "مؤتمر العمال العرب" وكل ساحات النضال، تحدّى وتصدّى وطورد وسجن، و"حن الى خبز أمه"، فصارت حيفا "مسقط رأس محمود درويش بالرضاعة"! وامتزج بالكرمل، "والكرمل فينا"، يرقب بحره، وأمواجه التي ما هاجرت الا لكي تعود، وما تكسرت على رماله الا لتستعيد عافيتها وتنطلق من جديد. فهل الموجة المثابرة قطعة من زمان أم بعض مكان؟!

المكان ومحمود، مسألة مفتوحة أبدا، لأنّ قصيدة الشاعر، تحط حيث تشاء، وعلى أية زهرة (أو شوكة) تشاء. المكان ومحمود، كانا مسألة قلقة دائما الى أن طواه الثرى، مصحوبا بجدل المكان، حتى في شوطه الاخير. لكن حيفا أكثر مما هي مكان بالنسبة له، هي حالة وطنية وتقدمية وجمالية وانسانية، نهل فيها من رأس النبع الثوري الشيوعي، وبقي أمينا على النبع وعلى السواقي..


لم يكن بروميثيوس ليسرق "سر النار" الثورية ثانية. فان الجذوة انتقلت اليه "حبا وطواعية"، وخميرا، وزادا فكريا وسياسيا، يطوف بها ويواصل الطريق، تكبر فيه ويكبر فيها. تتعزز به ويتميز بها. باق لا يموت، يعيش معنا وفينا! وتعيش الاجيال القادمة فيه وفي تراثه وشعره ومواقفه المبدعة.

* رئيس معهد اميل توما للدراسات الفلسطينية والاسرائيلية- حيفا