2017-08-08

المسؤولية الوطنية واليقظة.. اليقظة

فيصل طه

* مسؤوليتنا جميعاً

ان السماح بإخلال ضبط المعايير الوطنية والتهاون في ردعها سيدخلنا في فوضى ما بعدها فوضى، وفي ضبابية ومتاهة يختلط فيها الصالح بالطالح يعلوها التكفير والتخوين والتشكيك والتّناحر والفِتن وتضيع البوصلة ولا يسلم أحد بتاتاً من أثارها الهدامة، لذا فمصلحتنا جميعاً درء هذه الأخطار عن مسيرة شعبنا هذه مسؤوليتنا جميعاً يجب الحيطة من أي غمز أو همز أو همس شامت، فجميعنا في قارب واحد إن لم نكن فعلاً لا قولاً فحسب، في خندق واحد.

تتعرض الآن، بل تواجه جماهيرنا العربية في البلاد وشعبنا العربي الفلسطيني في كل أماكن تواجده أعتى وأشرس هجمة  عنصرية مُنفلتة، مُمنهجة استمرارا وإتماماً لسلب حقوقه وتهديد بقائه على أرضه أرض الآباء والأجداد، وقهره والإجهاز على كل إنجاز وطني، سياسي، ثقافي، تعليمي واجتماعيا اجترحته هذه البقية الباقية الصامدة على الضّٓيم والظُلم من براثن جٓور قاهرها وحاكمها وصانع نكبتها، اجترحته بشق الأنفس وكدِّ الأبدان والفكر المقاوم الآمل بغدٍ أفضل.

هذا الهجوم الأرعن والمُمنهج هو استمرار لسياسة قديمة جديدة لتحويلنا إلى "حطابين وسقاة ماء" و"إلى أيتام على موائد اللئام" وإلى مقولة الانصهار الذاتي، "الكبار يموتون والصغار ينسون".

إن شعبنا بقيادته الحكيمة والمسؤولة ومنذ نكبته مروراً بنظام الحكم العسكري البغيض حتى يومنا هذا، وقف سداً منيعاً لإفشال مشاريع حكومات إسرائيل المتعاقبة، مشاريع الذل والهوان والعنصرية. 

إن مأساة تحويل شعبنا العربي الفلسطيني عنوة وفي وطنه إلى أقلية تُلملم جراحها، تتلمس طريقها، تتحسس حولها وقواها لم تمنعها لتشق درب الآلام نحو آمال البقاء والنمو والتطور وإزالة الظلم وإحقاق الحق والعيش بكرامة مرفوعة الهامات منتصبة القامات لا تلين.

لقد سطّرت جماهيرنا العربية الفلسطينية في البلاد أروع الإنجازات الوطنية عبر نضالها وكفاحها الدؤوب بالحفاظ على سلامة وأصالة لغتنا العربية من خلال صحف وأدبيات الحزب الشيوعي، الإتحاد، الغد، الجديد والدرب والخطاب السياسي الوطني في المظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية، وبروز المبدعين أدباً وفكراً مقاوماً محرِّضاً على رفض سياسات المؤسسة الحاكمة العنصرية داعياً للتكاثف والتعاضد صفاً واحداً عرباً ويهوداً ضد سياسة الطمس والقهر والذل والتمييز، ومع العمل المشترك للسلام العادل والمساواة المدنية والقومية، وليس فقط "لدولة كل مواطنيها"، ثم الإنجاز الوطني النوعي والشعبي عام 1975 الذي هزّ أركان السلطة الإسرائيلية الحاكمة وقلب كل مخططاتها رأساً على عقب وذلك بالفوز المُدَوّي للمناضل الوطني، شاعر المقاومة المُلهٓم والمُلهِم توفيق زيّاد برئاسة بلدية الناصرة بقيادة جبهة الناصرة الديمقراطية، وانتشار فعل هذا الانتصار الكبير ليشمل اقتلاع أعوان الاحتلال من إدارة السلطات المحلية الفلسطينية في الضفة الغربية واعتلاء شخصيات وطنية مُنتخبة للقيادة المحلية مثل بسام الشكعة في نابلس، وكريم خلف في رام الله، وفهد القواسمي في الخليل، ومحمد ملحم في حلحول وآخرين إضافة إلى بداية انهيار وسقوط أعوان السلطة والمخاتير عن إدارة مجالسنا العربية المحلية في البلاد وإلى بناء مؤسسات وهيئات وطنية شعبية جامعة كلجنة الدفاع عن الأراضي وغيرها تمهيداً لهبّة يوم الأرض الخالد الذي انبثق من الشعب وجماهير يوم الأرض وليس ممن تبقى  من أعوان السلطة وعكاكيزها في رئاسة سلطاتنا المحلية والتي بصقتها الجماهير فيما بعد، ان انتصار جبهة الناصرة الدمقراطية والرئيس توفيق زيّاد في قيادة المدينة مثَّل القابلة الوطنية لولادة  يوم الأرض، هذا اليوم النضالي الذي أحدث انعطافاً حاداً وراقياً في وعي ووحدة الجماهير العربية وأسلوب نضالها الشعبي المسؤول المُوحّد والهادف، والذي فرض هيبتنا كشعب واعْ وذي كرامة وبأس دفاعاً عن الأرض والشعب والحياة الكريمة، وأدّى كذلك الى ولادة الجبهة القطرية للسلام والمساواة والهيئات الشعبية الوطنية العديدة في البلاد وقابلة لانبثاق الحركة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع المُحتلتين وكنس عملاء الاحتلال وروابط القرى ومن ثم انطلاق الانتفاضة الأولى.

هذه الإنجازات أرعبت المؤسسة الإسرائيلية من امتدادها وارتداداتها العميقة على نضال جماهيرنا العربية في البلاد وخارجها، فعملت على إصدار وثيقة كيننغ التي ترمي صراحة إلى اختراقنا من خلال تكوين أُطر سياسية محلية ظاهرها وطني قومي ديني وداخلها مُخترق مَرْضِيٌّ عنه سلطوياً لضرب وحدة شعبنا وإجهاض إنجازاته الوطنية الحقيقية وضرب الجبهة الدمقراطية ومؤسساتها الشعبية وبث الإشاعات الشخصية التي تهدف الإساءة شخصياً لقيادات شعبنا الوطنية، كما نشهد الآن وللأسف البعض من جلدتنا يمتهنه ويجاهر به، (راجع الوثيقة)، هذه الإنجازات وغيرها عديدة، ساهمت في تماسكنا وبلورة هويتنا الوطنية كشعب ناهض له كل المقومات الأساسية الثقافية والعلمية والمهنية والفكرية والاقتصادية الاجتماعية والسياسية التي تجعلنا شعباً متكاملاً يطمح للحياة الكريمة وتحقيق آماله بالتطور والمساواة والسلام العادل الذي يضمن حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني في بناء دولته المستقلة الى جانب دولة إسرائيل وإلى حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم بالعودة وإزالة الغبن التاريخي عنهم.

تتجلّى أمامنا الآن إنجازات وطنية وسياسية نافذة مثل القائمة المشتركة ولجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية للسلطات المحلية وغيرها، تساهم جميعاً في بلورة مناعتنا كشعب موحد حول قضاياه المركزية رغم اختلافنا الفكري والعقائدي والمذهبي وفي بعض مواقفنا الاجتماعية، هذا التحالف والتماسك يُمثل نموذجاً رائعاً يعكس وعياً وحسِّاً وطنياً مسؤولاً قادراً على تجاوز الخلافات مهتدياً ببوصلة وطنية تضمن تحقيق الأهداف المشتركة لنا في صد غول التمييز والإقصاء والقهر والمصادرة والتفتيت والفتن ويُكسبنا مناعة شاملة طاردة لكل ما يُحاك ضدنا كشعب عربي فلسطيني وكأقلية قومية وضد الهرولة الآنية لتصفية القضية الفلسطينية وفرض حل نهائي ظالم وغير عادل وسريع جداً.

إن التحدي الأساسي لنا اليوم كجماهير عربية مُستهدفة هو التكاتف والتعاضد للحفاظ على مؤسساتنا وهيئاتنا الوطنية المشتركة وعلى انجازاتنا القومية والسياسية والثقافية وعلى رصيدنا النضالي عبر عشرات السنين، وعدم المس بقاماتنا الوطنية ورموزها وعدم التشكيك بتاريخنا النضالي وتزييفه. سيبقى هذا التاريخ النضالي تاجاً على رؤوسنا أبداً، وتبقى رموزه الوطنية جزءاً حياً من هويتنا وبوصلتنا الوطنية نسترشد بها مستقبلنا كشعب يرنو العدل والسلام لنا وللبشرية جمعاء.

إن المسَّ او العبث بإنجازاتنا الوطنية المشتركة والموحدة وبقامتنا الوطنية وتاريخنا النضالي هو مساهمة في صدع وحدتنا وتماسكنا وشطب تاريخنا الكفاحي وتشويهنا جميعاً وردّة إلى الحضيض، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا، وهذا التقاء حاد مع مشاريع المؤسسة الصهيونية الإسرائيلية وتماهيا مع أعداء شعبنا في الداخل والخارج.

علينا جميعاً ان نسأل أنفسنا وبجرأة لمصلحة مَن ومَن المستفيد من هذا التشكيك والهجوم الأرعن على تاريخ وأيام شعبنا المَمهورة بدمائنا ومعاناتنا، ومَن المستفيد من تشويه سيرة قيادات شعبنا الشيوعيين والوطنيين المناضلين الشرفاء، وهم كُثر، أمثال القامة الشامخة أبداً للمرحوم توفيق زياد، ومَن المستفيد من تفكيك القائمة المشتركة والمس بقيادتها وبعملها وبوحدتها ولمصلحة مَن الهجمة النكراء الخالية من الانتقاد البنّاء، على المظلة الحامية لنا الوحدوية الوطنية الجامعة لجنة المتابعة العليا لجماهيرنا العربية في البلاد، التي اثبتت نجاعتها ومسؤوليتها الوطنية في جميع المجالات والميادين، ومَن المستفيد من توجيه السهام السامة إلى القائد السياسي الوطني، محمد بركة رئيس لجنة المتابعة الذي يدير نضال اللجنة بحكمة ومسؤولية جريئة ندر مثيلها، يربط  الخيوط، يشدها إلى بعضها البعض برأفة ودقة ماهرة خوفاً من قطعها أو انفلاتها وضياعها.. أتوجد مسؤولية حذرة على حماية شعبنا أكثر من ذلك؟

ان السماح بإخلال ضبط المعايير الوطنية والتهاون في ردعها سيدخلنا في فوضى ما بعدها فوضى، وفي ضبابية ومتاهة يختلط فيها الصالح بالطالح يعلوها التكفير والتخوين والتشكيك والتّناحر والفِتن وتضيع البوصلة ولا يسلم أحد بتاتاً من أثارها الهدامة، لذا فمصلحتنا جميعاً درء هذه الأخطار عن مسيرة شعبنا هذه مسؤوليتنا جميعاً يجب الحيطة من أي غمز أو همز أو همس شامت، فجميعنا في قارب واحد إن لم نكن فعلاً لا قولاً فحسب، في خندق واحد.

إن الحكومة الإسرائيلية الحالية والأكثر يمينية وعنصرية ورئيسها المتهور والخطر جداً، نتنياهو يخططون إلى سَنّ جُملة قوانين عنصرية مثل قانون القومية يهودية الدولة التي تعمل على إقصائنا من وطننا وافتعال أحداث ساخنة تبرر تطبيعها، لذا يتوجب الحيطة والحذر والتحلي بالمسؤولية الدقيقة والتحكم الرّزين بطرائق ردود فعلنا، بعيداً عن الانفعالات الهوجاء العفوية منها أو الموّجهة وغير المدروسة من قبل بعضنا وعلينا عدم العبث أو التهاون بمسؤوليتنا الشاملة للحفاظ ولحماية شعبنا من كل ما يُخطط ويُضمر له من عداء وتفكيك وإقصاء وبقاء، لهذا الآن وربما أكثر من أي وقت مضى علينا رصّ الصفوف وتعزيز العمل المشترك والابتعاد عن المزايدات الفارغة المغامرة والهوجاء التي خبرها شعبنا سابقاً ولم تجني إلا ضرراً وجوزاً فارغاً لصاحبها والتي لا تخدم مصلحتنا الوطنية وترمينا لقمة سائغة للمتربصين بنا للأعداء، كما علينا الكف عن حياكة الاعيب المراهقة السياسية البهلوانية للتلميع والتجميل المصطنع لكسب شعبية آنية على حساب وحدتنا الحقيقية ولضربها.

وطنيتنا لا تحتمل الإفراط بالألاعيب والمزاودات الرنانة، إن الإفراط الهش يؤدي الى التفريط بالوطنية نفسها، بل علينا نبذ كل ما يعيق ويعبث بوحدتنا وتماسكنا ويسعى لتدمير ذاتنا علينا ان نكون أسياد أنفسنا نُملي طريقنا بأيدينا كقول الشاعر توفيق زياد: "لأن وظيفة التاريخ: ان يمشي كما نُملي!!" وليس طاعة للإملاءات الخارجية الدّنِسة لخدمة مصالح وأطماع أعداء الشعوب وناهبي ثرواتهم وسالبي حُرّيتهم، وعلينا تجاوز الخلافات الثانوية والتفاصيل المُعيقة والتمسك بالموحد المشترك بالأُطر الوحدوية الضامن لحمايتنا وتعزيز مناعتنا وعافيتنا الوطنية ولبناء مستقبل آمن وعادل وسالم المعركة هي على صون وحدتنا،على بقائنا ووجودنا،على تطورنا وعلى المستقبل، على وعينا الوطني، على الأمان والسلام.. المسؤولية.. المسؤولية الوطنية.. اليقظة..اليقظة.