2017-08-06

عين على القدس وعين على فلسطين

د. فيحاء عبد الهادي

 "ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ: هُوَ أَنتَ ثانيةً؟ أَلم أَقتلْكَ؟

قلت: قَتَلْتني... ونسيتُ، مثلك، أن أَموت".

محمود درويش


عين على حكايات شعبنا في القدس،

وعين على حكايتنا الفلسطينية الجمعية،

عين على انتصار مدينة القدس؛ شبابها وشيبها، نسائها ورجالها، حاراتها وأزقتها وشوارعها،
وعين على طريق انتصار فلسطين الموحَّدة؛ صغارها وكبارها، جبالها وسهولها، مدنها وقراها ومخيماتها. 

تكرَّر الحديث عن أسباب الانتصار في القدس، وتعدَّدت الجهات التي تبنَّت شرف المساهمة في تحقيقه؛ لكن الحقيقة التي لم يختلف عليها أحد هي أن سواعد أبناء القدس سبقت القيادات الفلسطينية السياسية. 

أغلقت حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى، ومنعت إقامة الصلاة فيه يوم الجمعة، وأغلقت مداخل البلدة القديمة، في وجه المصلين يوم 14 تموز؛ افترشوا الساحات والحارات المجاورة، وأقاموا صلاتهم.

أعاد المحتلون فتح أبواب المسجد، يوم 16 تموز، مع بوابات إليكترونية؛ فتح أهل القدس باب التحدي، وقرروا خوض معركة "البوابات الإليكترونية".

هذا ما يحدث غالباً في الثورات والانتفاضات الشعبية. الانتظار قاتل، والتأني والانتظار الطويل يرتدّ إلى عكسه أحياناً. 

الجماهير لا تنتظر قيادات تفكّر في غرف زجاجية؛ بل تبادر في اللحظة المناسبة، كما فعلت  قيادات القدس، التي تحرَّكت مصحوبة بدعم شعبي واسع، وقدّمت دروساً ميدانية بليغة، مرحِّبة بخطوات القيادة السياسية، التي التحقت بالحركة الجماهيرية الشعبية؛ لكنها وقفت بالمرصاد لكل من حاول ركوب الموجة وادِّعاء تحقيق الانتصار.

كان تصدَّى شعب القدس الموحَّد للمؤامرة ضد الأقصى، وتحديد هدف واضح، وقابل للتحقيق؛ أحد أهم عوامل الانتصار. 

رفض أهل القدس الخضوع للبوابات الإليكترونية عند الدخول إلى الأقصى، وتحوَّلوا إلى باب الأسباط، جعلوه عنوانهم، وميدان تحريرهم، وأقاموا الصلاة فيه، مسلمين ومسيحيين، متدينين وغير متدينين. 

كانوا يردّون بلغتهم الرفيعة على محاولة حصر المعركة بالمسلمين فحسب، واختزال تاريخ المدينة وحضارتها وأهميتها إلى أنها تحتضن أماكن العبادة فقط. 

وجَّهوا رسالتهم إلى العالم أجمع، أن القدس منذ نشأتها مدينة فلسطينية منفتحة، وستبقى واحة للتعددية، ولاحتضان شعوب العالم أجمع.

لم يكن كافياً أن يحدد أهل القدس هدفاً واضحاً؛ كان الأهم إيمانهم بضرورة تحقيقه، وبحتمية الفوز.
 
استلّ المقدسيون سلاح المقاومة الشعبية السلمية، لم يقبلوا بالأمر الواقع الذي أراد المحتل فرضه، وافترشوا الشوارع والميادين، وأبواب المسجد، وتوافدوا زرافات إلى أقرب النقاط التي وضعت فيها حواجز حديدية، وصلّوا على بعد أمتار قليلة من تلك البوابات، رغم التواجد المكثف لشرطة الاحتلال وجنوده. 

ولم يقبلوا أن يعودوا سوى بعد أن يعود المحتل عن قراره الجائر، ويزيل بواباته الإليكترونية، وبوابات التفتيش التي وضعتها أجهزة أمنه على مداخل المسجد الأقصى وأبوابه. 
 
سجَّل المقدسيون انتصاراً في معركة البوابات الإليكترونية، وطالبوا باستعادة مفاتيح باب المغاربة، ومن الحكمة أن نستلهم دروس انتصارهم كي نستكمل معركة الحرية.

كيف نناضل معاً لتحقيق أهداف قابلة للتحقيق في المدى القريب، وكيف نفكر استراتيجياً؟ 
كيف نحدِّد أولوياتنا ونراكمها؟ لتحقيق مطلب الشعب الفلسطيني في إنجاز الحرية والاستقلال والعودة والمساواة؟ وما هو المطلوب من الفلسطينيين في الوطن والشتات للتضامن بشكل عملي مع القدس؟ وما هو المطلوب من الشعوب العربية وشعوب العالم للتضامن مع القدس في نضالها المستمر ضد مخططات الأسرلة، والتهويد، وهدم البيوت، ومصادرة الأراضي، وبناء المزيد من المستوطنات، وتغيير ملامح المدينة، وتزوير تاريخها؟ 

وإذا كان درس المقدسيين الأول هو المقاومة الشعبية السلمية، وإذا كانت مقاطعة إسرائيل (BDS) قد أثبتت فاعليتها، كسلاح فاعل، شعبي وسلمي، وشكَّلت أهم أشكال التضامن العالمي مع نضال الشعب الفلسطيني، من أجل تحقيق مطلبه العادل في تحرير وطنه؛ فإن تصعيدها فلسطينياً وعربياً وعالمياً يصبح مطلباً ملحاً، وأول الخطوات تبني دعوة "اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة" لتصعيد المقاطعة ضد الاحتلال ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي، والشركات التي يتعامل معها لتنفيذ مخططاته، وعلى رأسها شركة الأمن العالمية  (G4S)، التي تبيَّن عبر الفيديو تورطها في المخطط الإسرائيلي الذي يزيد من قيود الفلسطينيين للعبادة في المسجد الأقصى، من خلال حملها للبوابات الإليكترونية التي وضعتها حكومة الاحتلال أمام أبواب المسجد الأقصى. 

أما درس وحدة المقدسيين في ميدان النضال، وتكافلهم الاجتماعي الرائع، فهو دافع قوي لتحقيق الوحدة الوطنية، لا لتقاسم الحصص، ودافع لإنهاء الانقسام، لا لإدارته. ومن الضروري تجسيد الوحدة بمعناها العميق القابل للاستمرار، حيث الاتفاق على برنامج سياسي، وتبنّي مبدأ الشراكة السياسي، لا الإقصاء والتفرد، وحيث إعادة تعريف المشروع الوطني، بوصفه مشروعاً تحررياً، في مواجهة المشروع الصهيوني العنصري، ما يمكن أن يضمن الالتفاف الشعبي بأوسع صوره، في الوطن وفي الشتات، ويضمن السير في طريق الانتصار.