2017-08-06

حقبة حزيران .. كيف تمددت بيداؤها زمانا ومكانا

سعيد مضية

اجيال كافحت من اجل حلم التحرر لتستيقظ على كوابيس التفكك الاجتماعي .

مع العبور المجيد لقناة السويس وتحطيم خط بارليف عام 1973، بات واقعيا التطلع لتجاوز هزيمة حزيران 1967؛ وبات تحرير ما احتل من اراض عربية مثل الضفة والجولان مسالة وقت، لولا تداعيات الليبرالية الجديدة التي طرأت على العالم متزامنة مع عدوان حزيران ومكرسة لنتائجه. استبدلت مصر الاحتلال العسكري ببيت الطاعة الامبريالي، وانحرفت عن النهج الوطني التنموي؛ فكانت القاطرة التي سحبت خلفها جميع أقطار المنطقة. لضرب مقاومة اليساريين والناصريين في مصر لنهج الانحراف الاقتصادي – السياسي بعث السادات التيار السلفي الوهابي في مصر. يستمد التيار السلفي في المجتمعات الإسلامية معينه من تخلف الحياة الاجتماعية وضيقؤسبل المعيشة ومن التضييق على حرية النشاط السياسي من قبل الأنظمة الأبوية التسلطية.

في الداخل الأميركي ارتقت مكانة الصهيونية ودولة إسرائيل بعد حزيران رسميا وشعبيا. لاحظ المفكر الأميركي البارز ، نوعام تشومسكي ، ان انتصار حزيران وضع النظام الناصري وحركة عدم الانحياز موضع السخرية واحلت العربية السعودية والسلفية الإسلامية  موضع الترحيب ." انتصار حزيران مس عصبا حساسا لدى المثقفين الأميركيين، ولقي الترحيب على اوسع نطاق. جاء من يبين كيف يجب التعامل مع 'محدثي النعمة من العالم الثالث الجديد’، والمقصود  ناصر والعرب. اعتبر نصر حزيران هبة من الرب".

بزغت الليبرالية الجديدة من الاقتصاد التاتشري( نسبة إلى مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا 1979-1990) والاقتصاد  الريغاني (رئيس الولايات المتحدة 19881-1988) .

فرض في عهديهما نظام الخصخصة واقتصاد السوق ، أي تخلي الدولة ( شكليا) عن إدارة الفعاليات الاقتصادية –علما ان الموازنة العامة ونظام الضرائب وطلبيات التسلح عتلات تحرك الدولة بها عملية إعادة توزيع الثروة. الدولتان فرضتا وصدرتا اقتصاد السوق وركزتا على الحرية المطلقة للرأسمال المالي في العبور إلى اقتصادات الدول ونهبها محققا الأرباح الأسطورية بحيث باتت الثروات والأرباح تعد بالمليارات، وبرز التنافس بين أقطاب المال على بلوغ الذروة وامتلاك السطوة. سهلت الإجراءات  الاقتصادية الجديدة المتجسدة في الخصخصة وإشاعة اقتصاد السوق تغلغل الاحتكارات في اقتصادات البلدان كافة، الأمر الذي أحدث تبدلات اجتماعية عميقة جوهرها دولة منخفضة الكلفة تخلت للقطاع الخاص عن خدمات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وتخلت عن وظيفة الدولة بموجب العقد الاجتماعي باستثناء احتكار الإرهاب في المجتمع  .

 في خضم عمليات "التصحيح الاقتصادي" برزت إلى الواجهة المسيحية الصهيونية نواة لحركة  المحافظين الجدد في الولايات المتحدة هيمنت على النشاط السياسي والثقافي واستمالت الجنرالات العسكريين وهيمنت على الحياة السياسية والاجتماعية.على موجتها نجح ريغان في انتخابات الرئاسة الأميركية. ولأول مرة يصدر عن مسئول اميركي تأييد الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة. دمج المحافظون الجدد مشروع إسرائيل الاستيطاني ضمن استراتيجية الهيمنة الكونية وفي المركز منها الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. بات الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه الاستيطاني يحظى برعاية الاحتكارات عابرة القارات .

 أما في المجتمعات العربية فقد انتعش التيار السلفي  وأفرز من وسطه السلفية الجهادية ولاهوت التكفير بتأثير حرب افغانستان، الميدان الذي استكمل فيه عدته القتالية؛ ومن نشأ على السيف يطارد رزقه بحد السيف. انتهت مهمة "المجاهدين من أجل الحرية" بإخراج السوفييت من افغانستان ليتحول "المجاهدون" فجأة، بموجب ثقافة "الصراع الحضاري"، إلى أعداء إرهابيين. مباشرة إثر إعلان فرضية الصراع الحضاري، المتزامن مع انتهاء حرب أفغانستان، انخرط  تيار"السلفية الجهادية" في عمليات الإرهاب في الشيشان واندونيسيا وإفريقيا. كان لذلك مفعوله في  تكريس مفهوم الصراع المنحرف لدى الرأي العالم العالمي. فالصراع كان ولم يزل طبقيا يمليه تناقض المصالح في نظام الرأسمال. المسيحية الأصولية بعثت المنشطات في السلفية التكفيرية وزرعت العملاء في صفوفها. استغلت سذاجتها السياسية للتحكم في مساراتها. سهل انجرار الحركات التكفيرية خلف الصراع الحضاري في البداية اصابع مخابراتية اخترقت الحركات الجهادية أثناء العمل المشترك في أفغانستان.

انتهت الحرب الباردة وواصلت الولايات المتحدة التسلح بوتيرة عالية،  بحيث تفوقت خلال بضع سنوات على عشر دول تليها من حيث القدرات العسكرية. وفرت تفجيرات الحادي عشر من أيلول 2001،. بيرل هاربر جديدة كان يتوق لها المحافظون الجدد كي يحثوا الخطى في دروب الهيمنة الكونية.  اتخذ العدوان الأميركي المألوف منذ قرون مسوغ " مكافحة الإرهاب".

تزامن عدوان حزيران وتفاعلت مخرجاته مع زلزال الليبرالية الجديدة وصعود تيار السلفية الجهادية وهيمنة النظام الدولي الجديد. أسفر نهج الليبرالية الجديدة في الأقطار العربية عن تدشين التحالف السري بين إسرائيل والامبريالية وانظمة الليبرالية الجديدة العربية. وبعثت السلطوية العربية السخط العارم لدى الجماهير، حصدته  حركات التكفير تجييشا لعشرات الآلاف من الأنصار وقلدت قسوة الانظمة وبطشها وازدراء الحياة الإنسانية لممارسة عنف بهيمي ضد ضحاياها. بتأثير الأوضاع المزرية في ظل الأنظمة الأبوية العربية نشطت الحركات التكفيرية الجهادية. على الصعيد الاقليمي اقترنت الحرية الواسعة لنشاط التيار السلفي بالتضييق على القوى الوطنية والديمقراطية. رغم أن الدين القويم وعاء الأخلاق والمعاملة السوية فإن زيوف التدين السلفي جمعت التدين مع اختلالات حادة في القيم الاجتماعية والعلاقات بين البشر ، حيث اشاع التيار السلفي والممارسات السلطوية ثقافة الكراهية والقسوة، وتدهور التعليم وهبطت مستويات التحصيل الأكاديمي وتفكك نظام التكافل الاجتماعي، وبات الفرد مسئولا عن ضائقته المعيشية وعليه تدبر أموره بنفسه.

في ظل هذه التفاعلات المثيرة في حينها، التي استحوذت على انتباه العالم مضت إسرائيل تنهب أراضي الفلسطينيين بالضفة وتوسع المستوطنات اليهودية على الأراضي المحتلة، يراودها يقين بانها ستنهي النزاع على فلسطين باستحواذها الكامل على الأرض وتهجير شعب فلسطين من وطنه.

لم يبعد تيار السلفية نفسه عن التحالف السياسي والاقتصادي القائم بالمنطقة؛ وبذلك أُحكِم الحصار حول المقاومة الفلسطينية. احجم الإخوان عن المشاركة في مقاومة الاحتلال ، حيث نهضت القوى القومية واليسارية للمقاومة، وتصاعدت المقاومة المسلحة للاحتلال في قطاع غزة، ثم شملت الضفة الغربية كذلك. "في اجتماع عقد بغزة بعد هزيمة حزيران قرر الإخوان عدم القيام بأي عمل عسكري، معللين قرارهم بحالة الضعف التي يعيشها الإخوان وبكون أي عمل سيؤدي الى الفشل. واعيد إنتاج التعليلات بشكل مستمر"، كما أورد الباحث خالد علي الزواوي في كتابه "مرجعية الخطاب السياسي الإسلامي في فلسطين"، (ص73) .

ولما شرعت الحركات السلفية تدخّلاتها في أفغانستان حولت دول الخليج شطرا من الدعم المقدم لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى "المجاهدين" في افغانستان، علما بان اموال الدعم تجمع شهريا لصالح المقاومة الفلسطينية من الموظفين الفلسطينيين في دول الخليج. وفي الأراضي المحتلة أخذت تتردد مقولات تكفر الدفاع عن الأرض ضد الاستيطان، حيث الدفاع المقبول شرعا هو الدفاع عن الإسلام في أفغانستان. وانزل المصلون خطباء من على المنابر كفروا المنخرطين في مقاومة المحتلين وفي الدفاع عن الأرض.

تناول الباحث الزواوي "رؤية حماس للآخر الإسلامي كما وردت في الميثاق تنطلق من موقع 'الأخ الأكبر’ فهي ترى في هذا الآخر منشقا عنها ...واما الحركات الوطنية فما دامت لا تعطي ولاءها للشرق الشيوعي او الغرب الصليبي فهي تبادلها الاحترام وتقدر ظروفها .."(ص99) .

لكنها تخلت عن المبدأ حيال مشكلة أفغانستان فى سبعينات القرن الماضي. فحسب بريجينسكى مستشار الأمن القومى، وكان له دور فى التخطيط، في مقابلة نادرة عن دوره قال ردا على سؤال صحفي  «وفقا للرواية الرسمية للتاريخ، بدأت وكالة المخابرات المركزية مساعدة المجاهدين فى عام 1980، أى بعد أن غزا الجيش السوفيتى أفغانستان فى ٢٤ ديسمبر ١٩٧٩.

ولكن الواقع، والأمر سر حتى الآن، هو خلاف ذلك تماما: فى الواقع، أنه فى يوم ٣ يوليو من العام نفسه، وقع الرئيس كارتر أول توجيه للمساعدة السرية لخصوم النظام الموالى للسوفيت فى كابول. وفى ذلك اليوم نفسه، كتبتُ مذكرة للرئيس أوضحتُ له رأيى أن هذه المساعدة ستحفز السوفيت على التدخل العسكري".

وفى تقرير أعدته المخابرات المركزية الأمريكية فى ديسمبر ١٩٨٦، رفعت عنه السرية العام الماضي، بعنوان «الأصولية الإسلامية فى الشرق الأوسط وجنوب آسيا: النظر إلى المستقبل» يظهر المنهج الخاطئ لوكالة المخابرات المركزية فى التعامل مع المتطرفين سعيا وراء جدول أعمالها ضد الاتحاد السوفيتى السابق وأفغانستان ودول أخري. يشير التقرير إلى أن الإخوان المسلمين «معتدلون» و«عمليون» وهو التوصيف «المكافأة» على دور إخوان مصر فى عملية تجنيد وإرسال عناصر  «المجاهدين» إلى أفغانستان تضمن‪- أفغانستان- قبل سنوات من التقرير توصيفا مراوغا هو «الأصولية الإسلامية المعتدلة» من أجل تسويق وكالة الاستخبارات سواء لإدارة رونالد ريجان أو الكونجرس أو الجمهور...

وفي العدوان على سوريا اطلقت كنية " المعارضة المعتدلة" على عملاء أميركا المنخرطين في الحرب ضد الشعب السوري؛ ثم اطلقت كنية دول الاعتدال العربي على الدول المتساوقة مع إغراءات التحالف مع إسرائيل والامبريالية الأميركية. اعتبرت وكالة الاستخبارات المركزية أن المصطلحين «المعتدلين» و «الأصوليين» فى السياق الإسلامى هو من قبيل "السفسطة" أو " الكلام المتناقض".

اقترن تأجيج الدعاية في الغرب ضد الإسلام والمسلمين بحظوة السلفية الإسلامية لدى الإدارات الأميركية. عمليا جرى تقاسم الأدوار: الليبراليون الجدد كافة – عرب ومن المجتمعات الإسلامية وكذلك في بلدان الغرب- يعتبرون الإسلام مصدر تخلف المجتمعات الإسلامية والمحرض على العداء للغرب. في هذا الصدد تبذل برنارد لويس ، المؤرخ والمستشرق، واحد اقطاب المحافظين الجدد في تشويه الإسلام معتبرا، منذ عهد جمال عبد الناصر ان العداء للغرب نابع من حقد المسلمين لفشلهم في المنافسة الحضارية مع المسيحية. بالمقابل، وفي المحافل الرسمية حرص معلن على احتضان الإخوان المسلمين ، خاصة إدراة باراك أوباما الأولى، وبجهود وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.

في هذا المناخ السياسي والاجتماعي الملائم تم استدراج المقاومة الفلسطينية إلى صراع مسلح رجحت فيه قوة إسرائيل. ادركت فصائل النشاط المسلح انها تخوض صراعا عقيما مكلفا؛  وركنت إلى التهدئة ؛ غير ان شارون لم يتح لها التملص فثابر على اغتيل عناصر من الفصائل لترد ب"عملية انتقامية"، وتواصل الفعل ورد الفعل حتى تفجيرات حزيران وانفجار نهج  الحرب على الإرهاب، واعتبرت المقاومة الفلسطينية ركنا في جبهة الإرهاب.

في هذه الأثناء تداعت الأحداث وتسارعت عمليات مصادرة  الأراضي وتوسيع المستوطنات وتهويد القدس وأجزاء من الضفة؛ تحدت حكومات إسرائيل القرارات الدولية القاضي بلا شرعية الاستيطان وبناء الجدار الاستيطاني في الأراضي المحتلة.  أقرت الكنيست في إسرائيل قانونا أدمج بالقانون الأساسي، الذي هو بديل للدستور، ورد في نصه أن "دولة إسرائيل هي البيت القوميّ للشعب اليهوديّ"، وأن "حق تقرير المصير فيها سيكون حصريًا لليهود"، وأن "اللغة العبريّة هي اللغة الرسميّة الوحيدة في الدولة". وينص مشروع القانون في جوهره على أنه "سيتم التعاطي مع القوانين السابقة واللاحقة استنادًا إلى قانون الأساس هذا. منح شرعية دستورية لنظام الأبارتهايد الممارس ضد العرب داخل إسرائيل. فهو يحظر على أي حزب تحدي الطابع اليهودي للدولة، والقبول بتصنيف العرب في مرتبة  متدنية من حيث حقوق المواطنة ، يحد من نشاط الأحزاب والمؤسسات والهيئات البلدية العربية.

كتب ريتشارد فالك مقالة في 8أيار 2017 كشف فيها تلاوين الضغوط التي مورست ضد الترويج لكتابه الأخير"أفق فلسطين نحو سلام عادل". فقد الغيت محاضرة مقررة له للتحدث عن كتابه بجامعة شرقي لندن  وجامعة ميديل سيكس بحجج "الصحة والأمن". ويقول، " انصار إسرائيل ذوو النفوذ نقلوا النقاش بصدد النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني إلى نمط من الحرب الثقافية العدوانية . وهذا النمط من الحروب يشن بتشجيع من حكومة إسرائيل ويحظى بدعم إيديولوجي من جماعات الضغط المتطرفة مثل إيباك ويو إن ووتش  وجي او مونيتور وهيئات اخرى مماثلة. يجري خوض هذه الحرب الثقافية على مستوى الشارع مشحونة بالعنف.يحذر البروفيسور فالك، "يجب عدم التقليل من خطورة العواقب السلبية على حرية الفكر والحرية الأكاديمية ".

نهج إسرائيل ينعكس في العالم العربي فتنا طائفية مصحوبة بالقتل والدمار، وعلى الصعيد الدولي ليبرالية جديدة أبرز مفرزاتها تحوُّل الرأسمال الى المضاربة، فأشاعت ثقافة الكازينو، حيث لاعب القمار لا يحظى بالعطف إن خسر. يخرج من حلبة المنافسة غير مأسوف عليه.

ثقافة الليبرالية الجديدة هي ثقافة الداروينية الجديدة حيث البقاء للأقوى، وشيوع الفردية الأنانية شواحن للكراهية والعنف والقسوة والفردية، حيث الضمان الاجتماعي عملة فاسدة، والعقد الاجتماعي مصدر إعاقة اجتماعية؛ فكل مسئول عن مصيره.

شاعت في كنف الليبرالية الجديدة مقولة "بشر فائض عن الحاجة"، او الفضلات الاجتماعية ممن  بتوجب تعريضهم للانقراض طبقا لنظرية الداروينية الاجتماعية. هنا يكمن سر عمليات القتل الجماعي في بلدان عربية وإفريقية، وانتشار طبقة البريكاريات في بلدان العالم؛ تنطبق الحالة بصورة خاصة على ظروف فقدان العمل المنتظم، يعني عمل متقطع ، وبالنتيجة تكابد وجودا غير آمن أو مستقر. تضيق الحكومات الخناق على الحريات وتشن حروبا ثقافية تحجر على الحرية الفكرية والأكاديمية، ويجري إرساء سابقة سلبية في عدد من دول الغرب، حيث تتعاون الحكومات مع المتطرفين لقمع النقاش البناء حول قضايا حساسة تؤثر في حيوات المضطهدين واوضاعهم المعيشية.

النظام الدولي الذي تشكل عقب حزيران بالغ في محاباة إسرائيل داخل الأمم المتحدة، لدرجة الامتناع عن اتخاذ إجراء لممارسة الضغوط الكافية على إسرائيل كي تحملها على احترام شرعة الأمم المتحدة والقرارات والاتفاقات الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة وغدت جزءا مكونا من القانون الدولي الإنساني.  بضغوط من الولايات المتحدة لم تقر الأمم المتحدة بوجود نظام أبارتهايد في إسرائيل، وبالتالي لم يصدر قرار دولي بتفكيك نظام الأبارتهايد القائم على إخضاع الشعب الفلسطيني ونزع ملكيته وتفتيت الضفة إلى معازل متناثرة .

غير ان نظام عولمة الليبرالية الجديدة أخذ يفقد زخم اندفاعته الجنونية، وباتت نتائجه الاقتصادية مصدر مقاومة شعبية تتصاعد باضطراد.حقبة حزيران شارفت على الانتهاء، فقد تكشفت عن تناقض صارخ مع مصالح البشرية وأمنها. وهذا ما عبرت عنه الانتخابات البريطانية، وقبل ذلك في الانتخابات الأميركية، حيث فاز ترامب على موجة تحريض ديماغوجي ضد إفقار الأكثرية. اميركا وبريطانيا بلدان صدرا الليبرالية الجديدة الى العالم باتا يكتويان بنيرانها،أصغت ببريطانيا لنداء البديل الاشتراكي مخرجا من المتاهة السياسية التي ورطت الليبراليةُ الجديدة البشرية في بيدائها . هذا النظام الذي وجدت فيه إسرائيل الحضن الدافئ يشرف على التداعي؛ تتكشف للرأي العام العالمي أزماته المتفاقمة، وتنحسر بالتدريج القدرة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة الأميركية، وباتت أضعف من طموحات السياسة الأميركية للهيمنة، البشير بتراخى قبضة السياسة الأميركية على الأمم المتحدة والحياة السياسية الدولية. 

وحسب رؤية ديفيد لوبينا، الفيلسوف بجامعة برشلونة الإسبانية، كما حدث مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا فإن النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني سوف يجد التسوية حال فقدان إسرائيل مسانديها الدوليين، خاصة الدعم المقدم من الولايات المتحدة الأميركية. وبذلك فيجب عدم الاستهانة بأهمية حركة اممية تستهدف الرأي العام بالولايات المتحدة؛ ربما تكون الطريقة الوحيدة لممارسة الضغط على إسرائيل.