2017-07-31

تعقيب على ورقة "المسألة الفلسطينية في خضم محدداتها الراهنة"

د. ماهر الشريف

في 4 و 5 تشرين الثاني 2016، نظّمت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ندوة، في مدينة لارنكا القبرصية، تحت عنوان:"مراجعة للسياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية"، قدم خلالها الزميل جميل هلال ورقة بعنوان: "المسألة الفلسطينية في خضم محدداتها الراهنة"، كُلفت بالتعقيب عليها.

----------------------------------------------------------------------------

سيتمحور تعقيبي على ورقة الزميل جميل هلال، الغنية بأفكارها، حول  محاور أربعة:

أولاً: تبدأ الورقة بالإشارة إلى أن الطبقة السياسية في إسرائيل، التي استمرت في ممارسة سياسة الاستعمار الاستيطاني إزاء الشعب الفلسطيني وأرضه، لم تعد مهتمة بإيجاد حل للمسألة الفلسطينية، بل باتت تطالب القيادات الفلسطينية بالاعتراف بإسرائيل دولة لكل يهود العالم وبحق "الشعب اليهودي" بأرض فلسطين، وتستغل  الوضع الإقليمي الراهن بغية تطبيع علاقاتها  مع العالمين العربي والإسلامي.

ويبدو لي أن هذا الواقع، الذي يعززه تنامي ثقل التيار القومي الديني المتطرف داخل المجتمع الإسرائيلي، بات يفرض على الحركة الوطنية الفلسطينية الانطلاق، لدى رسمها استراتيجيتها الجديدة، من حقيقة أنها لا تمتلك اليوم، ولن تمتلك في المدى المنظور، شريكاً تصنع معه السلام؛ وأقول استراتيجية جديدة لأن الاستراتيجيتين اللتين استندتا إلى سلطتين متنافستين في الضفة الغربية وقطاع غزة وصلتا إلى طريق مسدود، كما يرى، عن حق، الزميل جميل في ورقته.

ثانياً:  بعد أن  تشخص الورقة مظاهر أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، تستخلص استخلاصين اثنين: الأول هو أن الشعب الفلسطيني بات يفتقد اليوم إلى حركة تحرر وطني ومؤسسات وطنية جامعة، إذ لم تعد منظمة التحرير، كما تشير، سوى عنوان لكيان لم يعد موجوداً؛ والثاني، هو أن المخرج من وصول مشروع الدولة المستقلة إلى طريق مسدود هو في العودة إلى تبني رؤية الدولة الديمقراطية الواحدة التي تستدعي بناء حركة وطنية جديدة على أسس ديمقراطية تمثيلية  للكل الفلسطيني.

فهل ينطوي الاستخلاص الأول على دعوة إلى الاستغناء عن منظمة التحرير الفلسطينية وخلق شروط قيام  كيان سياسي فلسطيني جديد؟

أنا لا أختلف بالطبع مع الزميل جميل على أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد همشت، بعد توقيعها "اتفاق أوسلو"، هذا الكيان السياسي الجامع للفلسطينيين، وسعت، بتشجيع من أطراف عربية ودولية عديدة، إلى تعزيز دور السلطة الوطنية التي أقامتها على حساب منظمة التحرير، الأمر الذي تسبب في إضعاف دور هذه الأخيرة وإلى تعميق الانقسام بين مكوّنات الشعب الفلسطيني الرئيسية الثلاثة. بيد أن الإقرار بهذا الواقع لا ينبغي أن يدفع، في ظني، إلى المس بمكانة منظمة التحرير وصفتها التمثيلية ولا إلى التفكير بخلق بدائل لها، بل يجب أن يدفع  إلى إعادة الاعتبار إليها، كي تضطلع بدورها بصفتها الكيان السياسي الجامع للفلسطينيين والممثل الشرعي الوحيد لهم، وهو أمر لن يتحقق قبل  إعادة بنائها من خلال إصلاح مؤسساتها، وتوسيع طابعها التمثيلي، وضمان التفاف مكونات الشعب الفلسطيني كافة حولها،  بما في ذلك البحث عن صيغة تمكّن ممثلي جميع هذه المكوّنات من أن يكون لهم دور في صنع القرار السياسي الفلسطيني.

من الصحيح أنه جرت، وبخاصة منذ سنة 2005، محاولات عديدة من أجل تفعيل دور منظمة التحرير تعثرت كلها جراء تضارب المصالح الفئوية بين طرفي الانقسام الرئيسيين في المقام الأول، وشلل القوى اليسارية والديمقراطية وعجزها، نتيجة غياب الوحدة بينها، عن التأثير في المقام الثاني. ومع ذلك، يبدو لي أن  الاستمرار في هذا المسعى المضني من أجل توفير الشروط التي تضمن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، التي اكتسبت تاريخياً صفتها التمثيلية بفضل نضالات حواملها وتضحياتهم، يظل أهون من المغامرة بالبحث عن بدائل لها، خصوصاً بعد أن ثبت عجز كل ما شهدناه من لجان وهيئات وحراكات في السنوات القليلة الماضية عن توفير  شروط  ولادة حركة وطنية جديدة خارج إطار منظمة التحرير.

بيد أن نفخ الروح في منظمة تحرير متجددة يفترض، كما أرى، شرطين: الأول، طرح مستقبل السلطة الفلسطينية على طاولة البحث؛ فوجود هذه السلطة وما أنيط بها من أدوار كان العامل الأول وراء تهميش منظمة التحرير، كما أن الصراع على هذه السلطة كان، ولا يزال، السبب الرئيسي وراء استمرار الانقسام الفلسطيني، الذي صار يفسح المجال أمام شتى التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني؛ وإذا كان مفهوماً الرأي القائل إن حل السلطة، والعودة إلى ظروف ما قبل أوسلو، أمر متعذر لاعتبارات عديدة، فإن من المشروع التفكير بتغيير وظائفها، بحيث تتحلل من التزاماتها، وبخاصة الأمنية والاقتصادية، إزاء "اتفاق أوسلو" وتحصر مهماتها في توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين وتدعيم صمودهم. أما الشرط الثاني فيتمثل في العودة إلى إبراز صورة منظمة التحرير الفلسطينية على حقيقتها ليس بصفتها نظاماً سياسياً شبيهاً بالأنظمة العربية بل بصفتها حركة تحرر وطني تناضل ضد استعمار استيطاني، يمثّل خطراً على الشعوب العربية الأخرى كذلك، وهو ما قد يساهم، على الرغم من كل تعقيدات الوضع العربي، في إحياء التضامن الشعبي العربي مع النضال الوطني الفلسطيني وفي قطع  الطريق على مساعي التطبيع الرسمية العربية.

أما بخصوص استخلاص الزميل جميل  الثاني، فأنا إذ أتفق معه على أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، قابلة للحياة ومتواصلة جغرافياً، بات اليوم هدفاً صعب المنال، أرى أن هذه الحقيقة لا يجب أن  تفرض علينا كفلسطينيين التخلي عن شعار الدولة المستقلة واستبداله بشعار الدولة الواحدة، وإنما تغيير استراتيجية الحركة الوطنية الفلسطينية من استراتيجية تبحث عن دولة لا تتوفر شروط قيامها اليوم إلى استراتيجية جديدة تقوم على أسس ثلاثة: أولاً: ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وهو ما سبق الحديث عنه؛ ثانياً: توفير مقومات بقاء الفلسطينيين وصمودهم فوق الأرض الفلسطينية في مواجهة إجراءات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي؛ فبقاء الفلسطينيين وصمودهم فوق أرضهم هو الذي حال دون تكلل المشروع الصهيوني بالنصر النهائي، وهو الذي سيوفر أساس مواصلة النضال الوطني الفلسطيني، وثالثاً: استعادة وحدة مكونات الشعب الفلسطيني وتعزيزها، فالنضال الوطني الفلسطيني لم يحقق على مدى عقود طويلة تحريراً للأرض لكنه حقق إنجازاً تاريخياً  تمثّل في خلق الوعي لدى جميع  الفلسطينيين، في الشتات وفي المناطق التي احتلت عام 1948 والمناطق التي احتلت عام 1967، بأنهم يشكّلون شعباً واحداً، تجمعه الوطينة الفلسطينية ويلتف، على الرغم من خصوصيات مواقع تواجده، حول مشروع  وطني موحد. وإذا لم يتحقق ذلك، فالخوف، كل الخوف، أن تطغى الولاءات الجزئية، المناطقية والحمائلية والعائلية، على الولاء الوطني المركزي، وهو ما بدأنا نشهد – للأسف- مؤشرات على إمكانية حدوثه.

ثالثاً: إن ضرورة استمرار التمسك بهدف الدولة المستقلة، في المرحلة الحالية،  تنبع من كون هذا الهدف قد حظي بما يشبه الإجماع الدولي، وهذا أمر بالغ الأهمية في وقت يتنامى فيه التضامن مع نضال شعبنا على مستوى العالم، وتبرز فيه  فوائد  العمل على تدويل القضية الفلسطينية.  بيد أن التمسك بشعار الدولة المستقلة لا يعني مطلقاً إغلاق أفق الدولة الواحدة على المدى البعيد، باعتباره الحل الأمثل والأكثر أخلاقية للمسألة الفلسطينية القادر على إنهاء هذا الصراع المتواصل منذ أكثر من قرن من جوانبه كافه. وهنا آتي إلى موضوع مهم عالجه الزميل جميل في ورقته يتعلق  بالتحول الذي طرأ على اللغة السياسية الفلسطينية الرسمية، بعد أن وقع التهميش الرسمي للرواية التاريخية للشعب الفلسطيني لحظة اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل من دون إقرار الأخيرة بالظلم التاريخي الذي ألحقته الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني.  فأنا أتفق تماماً مع الزميل في تركيزه على هذا الموضوع، وأعتبر مثله أن تهميش الرواية التاريخية، وبخاصة فصلها الخاص باللاجئين الذين يشكلون القسم الأعظم من الشعب الفلسطيني وحقهم المشروع في العودة إلى وطنهم، كان عاملاً من عوامل أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية وسبباً من أسباب ما يسميه  بتفكك  الحقل  السياسي الفلسطيني إلى حقول محلية.

رابعاً: يميّز الزميل جميل، وهو محق في ذلك، بين الحركة الوطنية الفلسطينية، من جهة، والوطنية الفلسطينية، من جهة ثانية، معتبراً أن هذه الأخيرة ما زالت تتمتع بحيوية متميزة بفعل عوامل عدة، أبرزها دور الحقل الثقافي الفلسطيني في صيانة الرواية الفلسطينية وإثرائها. كما يتوقع أن تبقى المقاومة الفلسطينية حاضرة ما دامت الصهيونية إيديولوجية مقررة، لكن وظيفتها ستكون، في المدى المنظور، اعتراضية بالأساس، أي موجهة نحو منع إسرائيل من استكمال تنفيذ مشروعها الاستعماري الإحلالي. بيد أنه لدى توقفه عند التحولات الاجتماعية التي شهدتها بنية المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع عقب تشكيل السلطة الفلسطينية، لا سيما تطبع الاقتصاد الفلسطيني بطابع ريعي، يعطي الانطباع بأن احتمالات قيام مقاومة للاحتلال ذات طابع شعبي واسع باتت  ضئيلة؛ فهو لدى تحليله التحولات التي طرأت على بنية الطبقة المتوسطة يعتبر أنه بات هناك مصلحة معيشية لفئات واسعة من هذه الطبقة بتجنب اعتماد ما من شأنه تعريض السلطة للانهيار، والحرص على تجنب المشاركة في نشاطات قد يترتب عليها قطع مصدر رزقها وامتيازاتها.

وأنا هنا لا أتفق مع الزميل جميل في تحليله هذا، وأرى أن القسم الأعظم من الطبقة الوسطى لا يستفيد من الاقتصاد الريعي بل هو ضحية له، والدليل على ذلك هو التحركات الشعبية الواسعة التي جرت في الأشهر الأخيرة وراء مطالب اجتماعية ، مثل تحرك المعلمين والتحرك من أجل تعديل قانون الضمان الاجتماعي.

فالشعور الوطني، وما ينطوي عليه من استعداد للنضال، لا يزال قوياً وحياً  في نفوس القسم الأعظم من الفلسطينيين، حتى وسط  الطبقة الوسطى، التي لا يحول دون انخراطها الفاعل اليوم في المقاومة الشعبية للاحتلال، بما يوفر شروط اندلاع انتفاضة شعبية  شبيهة بالانتفاضة الأولى، سوى شعورها بالإحباط نتيجة  الأزمة التي تواجهها الحركة الوطنية، واستمرار الانقسام الفلسطيني، وغياب استراتيجية كفاحية جامعة بديلة عن الاستراتيجية التي  اعتمدتها قيادة منظمة التحرير بعد توقيعها "اتفاق أوسلو".