2017-07-30

المخاطر تحدق بالأقصى

سعيد مضية

اختزلت القيادة الفلسطينية أزمة بوابات الأقصى في إجراءات 14 تموز – تركيب المداخل الإليكترونية في بوابات الأقصى- وأغفلت جذرها في اقتحامات الأقصى المتكررة . فككت شرطة إسرائيل المعدات والأجهزة وانتهت ازمة الأقصى قبل أن تتطور الهبة الوطنية الى انتفاضة تحتمل التمدد لتطال المجتمعات العربية. دفع خوف الأنظمة من الاحتمال المؤرق الى تدخلات توسلت لدى نتنياهو إزالة موقد الانتفاضة، وقدمت له مسوغ التراجع مع احتفاظه بماء الوجه. ولهذا امتدح نتنياهو موقف الأنظمة العربية من الأزمة. تم تجاهل اقتحامات اليهود لساحات الأقصى تحت الحراسة الأمنية، الأمر الذي يعني الموافقة الضمنية على استمراريتها، رغم أنها مصدر قلق الجماهير الفلسطينية والعربية ،نظرا لما تعلنه إسرائيل من اهداف بناء هيكل يهودي بالموقع  استنادا إلى ادعاءات لم يثبتها البحث الأثري طوال قرن ونصف القرن .

 سبق أن تمكنت الصهيونية تجسيد الخرافات واقعا متعينا، بدعم الدول الكبرى وعجز الأنظمة الأبوية العربية. غضت النظر عن كارثة تهجير الفلسطينيين من ديارهم. وفي الوقت الراهن تستغل إسرائيل، بقيادتها الفاشية، الأوضاع المواتية على المسرح الدولي وداخل المنطقة لاستكمال مشروعها في المنطقة:

انتزاع الموافقة على احتلال الجولان ثم الوصول الى الفرات والنيل وبناء هيكل مكان الأقصى او بمحاذاته بحيث تخمد تعلق العرب بالقدس وتحيلها عاصمة لدولة اليهود في عموم فلسطين. إن هذا ما تضمنته وثيقة عوديد يينون "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط" الداعية لطرد غير اليهود كافة شرقي النهر بعد تفتيت الدول المجاورة إلى دويلات متصارعة تخضع لهيمنة إسرائيل الكبرى. وردد الهدف نفسه مسئولون إسرائيليون على فترات. من مقتضيات المنهجية العلمية التي تلتزم بها الاستراتيجية الإسرائيلية الدعاية لهدف معين حالما تنضج الظروف لإنجازه . فلم تعلن إسرائيل وحدة القدس إلا بعد إخضاعها للعسكرية الإسرائيلية؛ ولم تعلن نوايا التطهير العرقي إلا بعد توفر الظروف لذلك، ورفعت شعار عدم الانسحاب من المناطق المحتلة في كنف برنامج القرن الأميركي الجديد  بعد انفراد الولايات المتحدة بالقطبية الدولية..

ضمن مخطط التهويد والتطهير العرقي تنطوي اهمية القدس على ما هو أبعد من المقدس الديني. الأقصى مركز تراث فكري غني يعود للعصر الوسيط، يشهد على العمران العربي في فلسطين. القدس مركز إبداع علمي في اكثر من مجال جادت به القرائح الفلسطينية في العصر الوسيط. انتهكت الأبحاث الأثرية الإسرائيلية القواعد الأخلاقية للتنقيب التي أقرها المؤتمر الأركيولوجي الدولي، وأهمها الاعتراف بالتراث الثقافي للآخر، بما في ذلك الأماكن والمواقع والمواضيع والصناعات اليدوية والبقايا البشرية، وكذلك إقامة علاقات وشراكة متكافئة مع السكان الذين يجري التنقيب وسط تراثهم الثقافي. التنقيب الأثري كما تجريه إسرائيل يستشرف استراتيجية اقتلاع السكان من ديارهم، وحملهم على النزوح.

يطلق نتنياهو أكاذيبه بين حين وآخر، وهو يعي أن منابر نشرها تضيق بنقدها او بنقضها فتحتكر متلقي الميديا الرئيسة في مراكز صنع القرارات الدولية. الكاتب الأميركي اتوود في مجال عرض كتاب اختلاق الشعب اليهودي يتصدى لأكذوبة نتنياهو "أعلن بنيامين نتنياهو مؤخرا أن الشعب اليهودي كانوا يشيدون القدس قبل ثلاثة آلاف سنة ويقومون الآن بالبناء ... فالقدس ليست مستوطنة ".  يرد أتوود : "اما التنقيبات الأثرية  فتبين أن القدس بناها الوثنيون الذين قدسوا إلههم شاليم واطلقوا على مدينتهم الجديدة ’مكان شاليم'. وفي زمن الشروع بتشييد المدينة لم يكن يوجد بشر يمارسون طقوس اليهودية، ونادرا ما حكم اليهود المدينة حقا في أوقات تالية؛ وتعاقبت العهود وخضعت القدس لحكم المصريين والبابليين والأشوريين والفرس واليونان والرومان والعرب والبيزنطيين والكاثوليك الاوروبيين والأتراك والبريطانيين."

وحيث أن الأكذوبة لا تثبت إلا بأكذوبة وتتناسل الأكاذيب حبلا من مسد، فيقولون ان تاريخ فلسطين قد سكت وتجمد مع رحيل اليهود عن فلسطين وتتناثر اتهامات الطرد بلا إثبات. تفند معالم القدس أكذوبة الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية بتجميد التاريخ الفلسطيني او "إسكات التاريخ". اكذوبة استدعتها نوايا التطهير العرقي وحملات الإبادة المتكررة . الصهيونية لا تقر بشريك ثقافي او مجاور لليهود في فلسطين .

بغياب اليهود عن فلسطين حقبة طويلة ركز الفكر الاستشراقي على خرافة تجميد تاريخ، وطمس حقبا ممتدة من الازدهار الثقافي عاشتها مدينة القدس في العصور الإسلامية .

شهدت القدس ازدهارا ثقافيا في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) تجسد في ازدهار حركة العلم وتنشيط المناظرات والحوارات. وكتب ابن عربي (القاضي أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف 468- 543هجرية) وهو سابق للفيلسوف الصوفي ابن عربي، عن نشاط ثقافي خلال فترة إقامته بمدينة القدس (486ـ 489 هجرية 1093ـ 1096م)، حيث تتلمذ على يدي الطرطوشي، الذي لعب دورا بارزا في الحياة العلمية بمدينة القدس. انبهر ابن عربي بالجو العلمي الذي غلف أجواء المدينة، وانفرد في الإشارة إلى المدرسة الحنفية والتي أطلق عليها مدرسة أبي عقبة، مشيرا إلى المناظرات من ملل مختلفة التي جرت فيها .

كما أشار إلى وجود ثمانية وعشرين حلقة علم بالمدينة في ذلك الحين. وبذلك وثق ابن عربي لمناخات علمية غمرت المدينة قبل ان يحتلها الفرنجة ويعملوا فيها القتل والتخريب والتدمير عام 1099م.

بعد تحرير القدس، رصد الباحث الفلسطيني الدكتور ماهرالشريف، شعلة الثقافة بالمدينة أوقدها الأيوبيون .

يدعي الصهاينة ان القدس لم تكن عاصمة لفلسطين؛ ويكشف كذب الادعاء أنها حوت المؤسسات التعليمية والثقافية التي أمر السلطان صلاح الدين بإنشائها في فلسطين ...  المدرسة الصلاحية سنة 583 هجرية،  كان العلماء الذين تولّوا مشيختها والتدريس فيها من كبار العلماء في القدس، ولم يقتصر دورهم على التدريس فيها، بل كان لهم إسهام في حركة التأليف وفي الحركة الأدبية .                 

وشهدت القدس ازدهار علم الطب، حيث انشئت مدارس خاصة  درّست الطب نظرياً وعملياً، وقدم إلى القدس عدد من الأطباء من دمشق وبغداد. وفي العصر المملوكي عاشت فلسطين عصرها الذهبي في مجالات الثقافة الإسلامية والتعليم، شارك فيها عدد كبير من مؤسسات التعليم المتخصصة والعامة وعاش فيها عدد كبير من كبار العلماء،  ونظرًا لمكانتها العلمية الرفيعة، وفد إلى القدس عدد كبير من العلماء من المغرب والمشرق.

لعبت المكتبات في القدس أيضا دوراً هاماً في الحياة الثقافية - التعليمية، حيث لا تكاد تخلو مدرسة من مدارس القدس من خزانة للكتب، وكان الاهتمام بالمكتبات في ذلك العصر يرجع إلى كثرة انتشار أسواق الكتب وتجارتها. كما وجدت كثير من المكتبات الخاصة، كذلك حوت الكنائس والأديرة مكتبات ضخمة، من أبرزها " مكتبة الرهبان الفرنسيسكان ومكتبة القبر المقدس التي أنشأها الروم الأرثوذكس".

غير أن الأبحاث الاستشراقية المتحيزة تطمس المعالم الحضارية العربية في القدس وتختلق تلفيقات مشوهة. يرجع مفهوم "جبل الهيكل" لعام 1838، حين قام رسام الخرائط ،المسيحي الأصولي، كاتروود، من بريطانيا ولاهداف كولنيالية بريطانية ، برسم خارطة لفلسطين، أطلق لنفس الأهداف للمواقع الهامة أسماء توراتية. ومنذ ذلك التاريخ دخلت التسمية الى جانب الاختلاقات الاستشراقية الثقافة البرجوازية في الغرب، ومنها استلهم امين عام الأمم المتحدة غوتيريس ومدير اليونيسكو معارضتهما لقرار اليونيسكو حول ملكية الأقصى.

 في عام 1865 تأسس تحت رعاية ملكة بريطانيا "صندوق اكتشاف فلسطين"، كي تكون له القوة والسلطة المعنوية. كان أول رئيس للصندوق أسقف يورك. جاء في وثيقة أهداف الصندوق إنه "جمعية تستهدف الدراسة الدقيقة والمنهجية لآثار فلسطين وطبوغرافيتها وجيولوجيتها وجغرافيتها العينية وطبائع وعادات الأرض المقدسة بغرض تصوير الكتاب المقدس"، بعْثه  وتجسيده واقعا لغرض الاستحواذ على فلسطين خدمة لأهداف بريطانيا بالمنطقة، وخصصت له الأموال لتنفيذ مهمات استكشاف وبحوث وحفريات من شانها أن تستحضر إسرائيل القديمة. أطلقت الأسماء ودونت المعطيات قبل الشروع بالبحث الذي أسفر بعد عقود عن تناقض المكتشفات مع النص التوراتي وأصيب الآثاريون التوراتيون يخيبات الأمل.

إلى جانب التزييف أدخلت الترجمات التوراتية إلى اللغات الحديثة من السريانية واليهودية القديمة عبارات ومفاهيم مغلوطة، فرضت تاريخا مزيفا لفلسطين القديمة، إذ تم إسقاط احداث التوراة التاريخية على الفضاء الفلسطيني بصورة تعسفية ولغرض مرسوم . انطوى التاريخ التوراتي على دولة داوود وسليمان في فلسطين القديمة، وان فلسطين لذلك هي الوطن القومي التاريخي لليهود- "ارض الميعاد" و"أرض إسرائيل". دحضت الكشوف الأثرية التي اجريت في الثلث الأخير من القرن الماضي حكايات التوراة. ورد في كتاب المؤرخ البروفيسور كيث وايتلام، الذي اجمل نتائج الكشوف الأثرية، أن النص التوراتي تضمن صياغة لتاريخ بني إسرائيل في الزمن القديم مستوحى من مخطط إقامة دولة إسرائيل الحديثة، أي أن التوراة المترجمة سخرت خارطة طريق ودليل مرشد للنشاط المطلوب في الزمن الحاضر وليست انعكاسا موضوعيا لواقع قديم. تدمير أريحا وإبادة سكانها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد وما لفق حوله من مجازر وردت في سفر يوشع إرادةً الهية رغم وحشيتها وإرهاصا لحضارة جديدة متقدمة. حدث مختلق انطوى على نية تدبير المجازر لإبادة السكان الفلسطينيين باعتبار ذلك شرطا لنشوء دولة إسرائيل . وتغلغل التلفيق المزور في ثقافة الغرب وبات جزءا من الوعي الاجتماعي للمجتمعات الأوروبية والأميركية.

تضمن النص التوراتي باللغات الحديثة عبارة فلسطينيين، ترجمة لكلمة "فلسيم" تسمية قبيلة من العرب البائدة في اليمن بقيت على وثنيتها بعد تهود جارتها قبيلة حمير . واشتط المدونون في الحط من قبيلة "فلس" المؤولة فلسطينيين، كما اوّلوا موطن القبيلة "اكرتا" لتغدو كريت وليعطي النص التوراتي المؤول الانطباع بان  الفلسطينيين وفدوا من كريت بعد وصول الإسرائيليين الى فلسطين.

يقول الباحث فاضل الربيعي الملم بلغة التوراة القديمة، في كتابه الموسوعة "فلسطين المتخيلة" أن فضاء فلسطين يستحيل أن يستوعب الأماكن ومسلسل الأحداث المضمنة في سفر الملوك مثل حروب شاول و داوود وقصور الملك العظيم سليمان وسفر يشوع وسفر غزوة نبوخذنصر وسبي اليهود إلى بابل وغيرها من الأسفار . لكنها تتطابق مع فضاء سراة اليمن المحاذية للبحر الأحمر تؤكدها سرديات رحلات الهمداني في القرن الثالث الهجري إلى تلك الربوع، حيث دون اماكن وجبالا ووديان وسيول جارية تطابق الأسماء الواردة في أحداث التوراة.  تضمن النص التوراتي المدون في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، حسب تحليلات أنثروبولو جية لباحثين مسيحيين، تعظيم حقب سابقة مثل دولة داوود وسليمان، تعويضا للحيف النازل بالجماعة اليهودية وقت التدوين.

إسرائيل لم تسقط من حساباتها الاستئثار بكامل فلسطين ، وهي لا تتردد ، حين تتوفر الأسباب، في تنفيذ مخططها رغم كل منطوياته الهمجية المناقضة لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني والاتفاقات التي توصل إليها المجتمع الدولي في مجرى تصفية آثار النازية والكولنيالية الاستعمارية ونظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا. تشيع الدعاية الإسرائيلية موجات غازية "دهمتنا" من فرس وروم ومسلمين وأتراك وبريطانيين لم يتبق من الغزاة سوى الفلسطينيين. يتجاهلون ان بني إسرائيل هم الذين رحلوا ومحيت آثارهم  وبقي الفلسطينيون يعمرون ويشيدون حضارة تتماهي مع التراب والمناخ والظروف البيئية الفلسطينية. اما اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين فلا يمتون بصلة لبني إسرائيل ولا يربطهم رابط عرقي بالشرق الأوسط القديم؛ واليهود الشرقيون خضعوا لعملية غسيل دماغ زرعت الصهيونية فيهم  عقد نقص حتى يستوعبوا ثقافة الغرب.

 الإعلام في اسرائيل موجه يخضع لإشراف صارم ، بعكس مزاعم " إسرائيل واحة الديمقراطية والحرية بالمنطقة" ينشر الوعي الزائف عبر التحكم الصارم في المصادر الإخبارية،والمثال الأقرب مصرع مواطنين أردنيين على يد رجل امن إسرائيلي. والإعلام يشوه الحقائق حول ساحة الأقصى كي ييسر الموافقة على الاستحواذ على المنطقة وتشييد الهيكل. في مجرى التزوير واختلاق الوقائع وتأويل المعطيات يبشر الصهاينة بعرقهم الممتد في جوف التاريخ والحنين الذي لم ينقطع للعودة الى الأصول مهما نات بهم الترحالات.

يسمون النضال الوطني إرهابا والتطلع إلى التحرر والتقدم همجية، بينما إرهاب الدولة حضارة يهيبون بشعوب الغرب الوقوف بجانبها ضد "الهمجية". إعلام إسرائيل تتردد أصداؤه في إعلام العولمة والليبرالية الجديدة ويتضخم مقدما رواية مناقضة لسلوك إسرائيل بالمنطقة. غير أن هذا الإعلام فقد المصداقية، كما تبين من تجربتي الانتخابات الأميركية والبريطانية الأخيرتين. افتراءاتهم المكشوفة للجميع لم تعد تقلب الحقائق وتزيف الوقائع، تستغفل مستقبلي البرامج الإخبارية وتحليلاتها، وليسوا لغير أنفسهم يخدعون.

هبة الأقصى تثبت من جديد مراكمة مخزون كفاحي لا ينضب لدى الجماهير الفلسطينية، وان الاعتماد على حركة الجماهير ومبادراتها تبقي على حيوية القضية الفلسطينية وتردع محاولات النهب القرصنية. تحتفظ هذه الحقيقة بأهميتها في ضوء الدعوات الارتجالية للعنف المسلح رغم التجربة المرة لما سمي الانتفاضة الثانية. اللوذ بالعنف بالسكاكين او بغيرها يستهوي الشباب الساخط حيال قصور الفصائل في رعاية الحركة الشعبية وتطويرها بالثقافة الحداثية. فالانتهازية اليمينية تغري البعض من ذوي التجربة السياسية السطحية بالمغامرة تحت وهم كسر السلاح بالسلاح. وفي فلسطين انطفأت بسرعة المحاولات المسلحة نتيجة اليقظة الدائمة لعناصر امن الاحتلال. لم تتشكل خبرة مرشدة تبرر خيارالعنف المسلح، وراكم الاحتلال خبرة غنية في مكافحة العنف واستنبط وسائل المراقبة التقنية وهو يصدر الخبرات والتقاني إلى الدول السلطوية توثق معها العلاقات المتبادلة. لا بديل لحركة الجماهير الواعية والموجهة والمنظمة في مقاومة مستدامة.

وهذا يلقي على عناصر التغيير الديمقراطي بذل جهود تثقيفية مثابرة تنقل الوعي الديمقراطي إلى الجماهير الشعبية وتضوي رؤيتها بالمعرفة وبقيم الكفاح الوطني التحرري.