2017-07-24

عوض الله يفضح المؤامرة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني ويفند إدعاءات مناع

عادل مناع: تبرئة الامبريالية العالمية وخصوصاً الاميركية

والرجعية العربية من مسؤولية النكبة الفلسطينية

بقلم: عبد الرحمن عوض الله

        قبل أن أناقش بعض ما ورد في كتاب عادل مناع الذي حمل عنوان: "نكبة وبقاء" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2016، ومن أجل أن أضع الأمور في نصابها بشكل موضوعي ومُوثق، أوّد أن أستعرض هنا الوضع الفلسطيني والعربي والدولي، والموقف من الحركة الصهيونية ومن قرار التقسيم وإقامة الدولة اليهودية، ومن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة.

أولاً: الوضع الفلسطيني والمعطيات الجديدة على أرض الواقع في فلسطين قبل صدور قرار التقسيم وبعده.

وهنا سأستعرض بإيجاز (الدعوات التي انتشرت منذ أكثر من قرنين في شرق أوروبا وغربها، "من شخصيات عديدة ومنها نابليون بونابرت بعد ذلك، ومن المبشرين المسيحيين في أميركا، وقبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية في 29/8/1897 الذي شكّل حجر الأساس للمشروع الصهيوني، هذه الدعوات الهادفة إلى (إعادة) اليهود إلى "وطنهم" فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى والتي اسْتشرتْ قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها حيث تزايد عدد المهجّرين اليهود، وجرى تكثيف الاستيطان وبناء المستوطنات، وطرد الفلاحين العاملين في تلك الأراضي، وقد خاض شعبنا مواجهات قاسية، ومقاومة باسلة وضُروبات من الشجاعة منذ صدور وعد بلفور عام 1917، واستمرت هذه الصدامات والمظاهرات ضد المستوطنين، وتكررت عام 1920، فقد تظاهر في مدينة القدس أربعون ألفاَ، وتطوّرت إلى ثورة عام 1921 حيث سقط من الجانب الفلسطيني 48 شهيداً، وعشرات الجرحى، وسقط من الصهاينة 47 قتيلاً وعشرات الجرحى أيضاً".

 وفي عام 1928 ارتفع عدد المستوطنين إلى ثلاثة أضعاف ما كان عليه في نهاية الحرب العالمية الأولى، أيّ من 55 ألفاً إلى 150 ألفاً، وارتفعت ملكية الأرض من 420 ألف دونم إلى قرابة مليون دونم، ثم كانت ثورة البراق 1929 حيث بلغت الخسائر الفلسطينية 117 شهيداً و232 جريحاً، وحكمت السلطات البريطانية على 23 شخصاً بالإعدام، وتم تنفيذه في ثلاثة منهم في سجن عكّا وهم ((فؤاد حجازي، وعطا الزير، ومحمد جمجوم)) وبلغت الخسائر اليهودية 133 قتيلاً و339 جريحاً، كما جرى تدمير ست مستوطنات تدميراً كلياً، كما اعتقلت السلطات البريطانية ألف معتقل 90% منهم فلسطينيون، وتتابع انفجار الثورات الفلسطينية في أعوام 1933 و1936 و1937 - 1939، وامتدّ الإضراب الشامل العظيم 186 يوماً، واعتقل البريطانيون 4500 مواطن، ووصل عدد شهداء الثورة إلى ثلاثة آلاف إضافة إلى الخسائر الهائلة في الممتلكات والبيوت المدمّرة)).[1]

وفي الحادي عشر من تشرين الثاني /نوفمبر عام 1936 وصلت لجنة اللورد (الإيرل بيل) وهي لجنة تحقيق ملكية بريطانية إلى فلسطين للتحقيق في أسباب الانتفاضة (الثورة) الفلسطينية ورغبة الفلسطينيين بالاستقلال الوطني، وفي مخاوفهم من إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقد نُشر تقرير اللجنة في 8 تموز /يوليو عام 1937، وقد جاء فيه اقتراح بتقسيم فلسطين إلى ثلاثة أقاليم: إقليم تحت الانتداب البريطاني يضم منطقة القدس والنقب وبيت لحم والناصرة، ودولة يهودية على 20% من أرض فلسطين في الوقت الذي لم يكن في حيازتهم أكثر من 5.5% من أرض فلسطين مع طرد الفلسطينيين من أراضي هذه الدولة، ودولة فلسطينية يتم دمجها مع شرق الأردن، وقد رفض الشعب الفلسطيني هذا المشروع، واندلعت الثورة من جديد وتزايد اتساعها وتأثيرها وعنفها حتى عام 1939، وحينذاك قيل لمستر بيل قبل صدور تقريره: (دبرها يا مستر بيل بلكن على ايدك بتحلّ)، ومن المعروف أن الحكّام العرب آنذاك قد أجهضوا الإضراب الكبير والثورة، لصالح (الصديقة بريطانيا) دون شروط وليس لصالح الشعب الفلسطيني.

وفي عام 1946 وصلت اللجنة الانجلو- أمريكية  إلى فلسطين، للتحقيق إثر الصدامات العنيفة   بين العصابات الصهيونية وإدارة وقوات الانتداب . اجتمعت مع الهيئة العربية العليا التي يرأسها الحاج أمين الحسيني، كما التقت مع القيادة الصهيونية، ومع الجامعة العربية، وزار فريق منها سورية ولبنان والعراق والسعودية، وقد قاطعتها عصبة التحرر الوطني لمعرفتها الأكيدة بتحيزّها لليهود، وقد وضعت هذه اللجنة تقريرها النهائي في 28/3/1946 الذي جاء كما توقعته العصبة من تحيّز تام لليهود والحركة الصهيونية، ولهذا عمدت العصبة إلى إقامة المهرجانات والمؤتمرات في المدن والقرى الفلسطينية  التي كانت ردّاً وشجباً ورفضاً لتقرير اللجنة الأنجلو- أميركية وفضحاً له ولتحيّزه للصهيونية واستنكاراً لهذه المؤامرة،  ودعت الشعب الفلسطيني إلى مقاومة هذه المؤامرة الأنجلو- أميركية.

وفي أسدود أُقيم مهرجان ضخم حضره من قيادة العصبة فؤاد نصّار رئيس عصبة التحرر الوطني وإميل حبيبي الذي تسلّم عرافة المهرجان، والرفاق: فائق ورّاد، وفهمي السلفيتي، وعبد العزيز العطّي وفخري مكي ومسلم بسيسو وغيرهم من قادة العصبة، وكان الرفيق فؤاد نصّار المتحدث الرئيس في هذا المهرجان، وقد عرض موقف العصبة من حلّ القضية الفلسطينية المتمثّل بجلاء القوات الاستعمارية البريطانية، وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة يعيش فيها العرب واليهود على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ولهم جميعاً حق المواطنة ووقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كما ألقى عبد الرؤوف خيال رئيس الكتلة الوطنية كلمة حيّا فيها مواقف عصبة التحرر وهاجم الاستعمار البريطاني وطالب بجلائه عن أرض فلسطين وإقامة دولة فلسطين المستقلة. وتحدث في المهرجان اسماعيل الأزهري السوداني الذي صار فيما بعد رئيس الوزراء في السودان الذي جاء مع زميله أحمد خير رئيس نادي الخريجين السودانيين لعرض قضية السودان وطالب بوقوف الشعب الفلسطيني إلى جانب أشقائه السودانيين في نضالهم ضد الاستعمار البريطاني ومن أجل الحرية والاستقلال، وكان من بين حضور المهرجان محمد نمر الهواري رئيس تنظيم النجادة، وقد استقبلت جماهير الشعب في أسدود هذا المهرجان والقائمين عليه خير استقبال، وشاركتهم في الهتافات ضد الاستعمار البريطاني، وأيّدت مواقفهم وقدّرت شجاعتهم. كما انتشرت الاحتجاجات الشعبية في البلدان العربية.

وكما هو معروف، وإثر فشل المؤامرة الأنجلو – أمريكية أعادت بريطانيا القضية إلى الأمم المتحدة، والتي بدورها أرسلت لجنة تقصي الحقائق المكونة من ممثلي إحدى عشرة دولة . وعلى عكس الحالة السابقة قررت الهيئة العربية العليا مقاطعتها ، ووصمت بالخيانة من يقابلها ، في حين رأت العصبة، استنادا لقراءة التغيرات العميقة على الساحة الدولية ، ومنعا لانفراد القيادة الصهيونية بطرح مطالبها على مسمع هذه اللجنة ، رأت ضرورة مقابلتها . لكنها وقد التزمت ، وقيدت نفسها ، بموقف وقرار الهيئة العربية العليا ، اكتفت بتقديم مذكرة ضافية ، تشرح فيها رؤيتها لأسباب الصراع وللحل بدولة ديموقراطية واحدة لكل مواطنيها . ثم وبعد ملابسات كثيرة صدر عن الجمعية العامة  قرار التقسيم رقم 181 وبقرابة 56 % للدولة اليهودية ، مقابل  42 % للدولة الفلسطينية و 2 % دولية تضم القدس وبيت لحم وضواحيهما .

لقد سارعت الحركة الصهيونية بالإعلان عن قبولها للقرار ، رغم أنه جاء أدنى بكثير من المطالب التي سبق وقدمتها للجنة الدولية ، مكررة بذلك موقفها بقبول قرار التقسيم الأول المعروف بتقسيم بيل . والحركة الصهيونية بهذا القبول أرادت تثبيت الشرعية الدولية ، السياسية والقانونية التي حصلت عليها، ومدركة ليس فقط لأهميتها الكبيرة ، بل ولانعكاسها عليها قوة متعددة الجوانب .

من جهتها سارعت الهيئة العربية العليا ، والتي لم تكن تملك من أمرها شيئا للحاق بركب الدول العربية برفض القرار . ولم يتوقف الأمر عند الرفض بل رافقه دق طبول الحرب التي لا تملك من إمكانياتها إلا القليل ، وأمام عالم كان خارجا للتو من الحرب العالمية الثانية، وتجتاحه حمى رفضها وتجنبها . وهكذا كان أننا وقبل بدء الحرب قد خسرناها سياسيا وأدبيا ودعائيا، فيما انصب ذلك ربحا صافيا للحركة الصهيونية.

وهنا لا بدّ أن أشير إلى أن اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني  عقدتْ اجتماعاً في 17 تشرين أول/أكتوبر  1947 في مركزها العام في يافا، وأصدرت بياناً نشرته صحيفتها (الاتحاد) في 25 تشرين أول/ أكتوبر أي بعد ثمانية أيام من اجتماعها المركزي ، وقبل صدور القرار عن الجمعية العامة، أكدتْ فيه "رفضها لمشروع التقسيم واعتبرته مشروعاً استعمارياً".  وأشار البيان إلى أن مستقبل فلسطين ليس في التناحر العنصري، وليس في التقسيم، ولكن في تعاون سكانها أجمعين وعملهم السلمي لبناء فلسطين ديمقراطية مستقلة موحدة وغير مجزأة". وكان هذا الموقف الوطني الحازم صائباً وتاريخياً، وقد أثبتت السنوات والعقود اللاحقة صحة وسلامة هذا الموقف.

كما لا بد أن أشير إلى حقيقة أن الحرب التي اندلعت إثر صدور القرار جاءت على مرحلتين، الأولى فلسطينية صهيونية ، فمن 29 / 11 / 1947 إلى 15 / 5 / 1948 ، وفيها ونتيجة لعدم توازن القوى ، وميلها الساحق لصالح القوى الصهيونية ، تقررت نتيجة الحرب النهائية . فقبل دخول الجيوش العربية كانت القوات الصهيونية قد أكملت احتلال الجزء المخصص للدولة اليهودية ، ونفذت عمليات للتطهير العرقي أسفرت عن تدمير 291 قرية عربية وعشرات الأحياء العربية في مدن يافا ، حيفا ، عكا، طبريا ، صفد وبيسان ، وطردت قرابة النصف مليون مواطن خارج فلسطين .

ومرة أخرى  لا بد أن أشير أيضا أن عصبة التحرر، وبعد مرور قرابة الثلاثة أشهر على بدء الحرب الفلسطينية الصهيونية ، قد عادت وعقدت كونفرنسا حزبيا في مدينة الناصرة، ناقشت فيه الأوضاع الجارية . ولما كانت نذر الكارثة على الأرض ، كما بينها سير المعارك الجارية، قد باتت واضحة وشديدة الجلاء، فقد قررت قبول قرار التقسيم وبأغلبية الحضور . وخرجت تحذر من وقوع الكارثة في حال مواصلة الحرب ، وتدعو لعدم دخول الجيوش العربية ، بغرض نزع مبررات القيادة الصهيونية توسيع الدولة اليهودية على حساب الدولة العربية . لكن الرياح لم تجر حسبما اشتهت العصبة .  

ومع أن الجيوش العربية وقفت على حدود التقسيم ملتزمة خططا دفاعية ، إلا أن المعطيات على أرض الواقع فرضت نفسها على الصراع بين الجيوش العربية والمنظمات الصهيونية المسلحة . فما أن حلّ يوم 15/5/ 1948 يوم دخول الجيوش العربية إلى فلسطين, حتى كان تعداد القوات الصهيونية  65 الفا مقابل ( ا2 ألفا و 500 ) جندي وضابط حسب ما ورد في كتاب الجنرال جون غلوب الإنجليزي قائد الجيش الأردني (جندي مع العرب (A soldier with Arabs , و (97)ألفا و(800) مقاتل صهيوني مقابل 27 الف عربي حسب محمد حسنين هيكل . ((الإطلاله 3 ص319 و320.عبد المجيد حمدان)), وجاءت نتيجة الحرب بهذا الخلل الكبير في موازين القوى في صورة نصر ساحق  حققته القوات الصهيونية ، وكارثة على الشعب الفلسطيني تمثلت في  تدمّير (530) قرية وطرد سكان (11) مدينة حسب (د.إيلان بابيه) في كتابه (التطهير العرقي في فلسطين) وتشريد 800 الف مواطن خارج فلسطين, وأكد: (أن تنكر أسرائيل لجريمتها بالتطير العرقي وطرد الفلسطينيين من ديارهم يحول دون وصول الشعبين لأية تسوية وأنها لن تنجز بالأنسحاب فقط من الأراضي المحتلة عام 1967, ولا حل ألا بأعتراف أسرائيل بمسؤوليتها عن النكبة والتطهير العرقي, والسماح بعودة اللاجئين). وهذا الكتاب هامٌ جداً وهو موجود في المكتبات الفلسطينية. كما أكد ذات الوقائع الكاتب الإسرائيلي (بيني موريس) في كتابه: نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين بقوله :" إنّ القوات الصهيونية قامت حتى 15/5/1948 باحتلال (291) مدينة وقرية، وطردت (500) ألف عربي، واستخدمت أساليب إرهابية وقتل جماعي لدفع الفلسطينيين للهجرة"، وهكذا استطاعت القوات الصهيونية الاستيلاء شبه الكامل على أرض دولتها حسب قرار التقسيم، بالإضافة إلى مساحات واسعة من أراضي الدولة الفلسطينية طبقاً لهذا القرار، وأخيراً استطاعت أن تهزم الجيوش العربية، وأن تحشر المصريين في قطاع غزة، وضمّ الضفة الغربية إلى شرق الأردن باتفاق أردني بريطاني سنذكره لاحقاً. ((هذا بالإضافة إلى أن الشعب الفلسطيني "كان غير مُهيئ ولا يملك مقومات ووسائل الدفاع عن وطنه في مواجهة الغزوة الصهيونية المدعومة من الامبريالية الأنغلوأمريكية، وكانت جماهير شعبنا ومعظمها من الفلاحين يستنزفهم الفقر والجهل والأمية, واستغلال الإقطاعيين وكبار ملاك الأرض البشع, كما لم تكن قيادته السياسية والرسمية التي تسمى (الهيئة العربية العليا) التي تشكلت عام 1936 وأعيد تشكيلها عام 1946 بأغلبية من آل الحسيني وبرئاسة الحاج أمين الحسيني الذي كان يعيش متخفيا في مصر هربا من ملاحقة محكمة جرائم الحرب النازية، ومن نائبه جمال الحسيني وعدد آخر من شبه الإقطاعيين والملّاك الكبار والتي شهدت معارضة واسعة من الأحزاب الفلسطينية كحزب الدفاع، وحزب الإصلاح، وحزب الاستقلال، وحزب الشباب، وعصبة التحرر الوطني في فلسطين (حزب الشيوعيين والتقدميين والديموقراطيين الفلسطينيين )، لم تكن هذه القيادة ومعظمها كان خارج فلسطين قيادة للشعب الفلسطيني تعمل على ترتيب أوضاعه الداخلية وتهيئته عملياً لمواجهة الحركة الصهيونية بعد انسحاب بريطانيا من فلسطين"[2])). هذا على النطاق الفلسطيني.

ثانياً: وكيف كانت الأوضاع على النطاق العربي، واستعداد البلدان العربية لمساعدة الفلسطينيين وتحرير فلسطين من العدو الصهيوني واقامة دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية؟ وما هو موقف ملوك وسلاطين وأمراء العرب تاريخياً من قضية فلسطين وتحررها؟

سنبدأ أولاً بمواقف السلطان عبد العزيز آل سعود، والأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن وأخيه فيصل ملك العراق. يذكر عدد من المؤرخين ومنهم: محمد حسنين هيكل في كتابه (المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل)، وناصر السعيد في كتابه (تاريخ آل سعود) وجورج أنطونيوس في كتابه (يقظة العرب) وخالد الحباشنة في كتابه (العلاقات الأردنية الإسرائيلية).

"لقد ساعد الاستعمار البريطاني السلطان عبد العزيز آل سعود في حربه ضد آل الرشيد ونصبّوه أميراً على منطقة نجد، وعلى الحجاز لاحقاً وكانوا يدعمونه بالمال والسلاح، وما يهمّنا هو موقفه من الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية"، وباختصار شديد نشير إلى مايلي:- "يقول عبد الله فيلبي مستشار السلطان عبد العزيز آل سعود الخاص: " إنّ السير (بيرسي كوكس) المعتمد البريطاني في إمارات الخليج العربي آنذاك طلب إليه كمستشار للسلطان عبد العزيز أن يُوقّع على جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود، فأخبر السلطان عبد العزيز بذلك، فردّ عبد العزيز :" إذا كان لاعترافي هذه الأهمية، فأنا أعترف ألف مرة بإعطاء اليهود وطناً في فلسطين أو غير فلسطين وهذا حق وواقعي".

وواصل المستشار فيلبي القول : "بعد هذا التصريح دسّ عبد العزيز يده، وأخرج ورقة صغيرة من جيبه وكتب بخط يده هذا النصّ: (أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، أقرّ وأعترف ألف مرة للسير بيرسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى، لا مانع عندي من إعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم، كما ترى بريطانيا العظمى التي لا أخرج عن رأيها حتى تصيح الساعة).

وتابع فيلبي الرواية قائلاً: "بعد انفضاض هذا الاجتماع أخذت أمازح عبد العزيز متسائلاً وقلت: كيف تبصم يا عظمة السلطان بهذا الشكل؟ ألا تتوقع أن يغضب العرب على عظمتكم فيما لو عثروا على هذه الوريقة؟" فقال باستهزاء: "العرب؟ العرب وين العرب؟ نحن سلاطين العرب يا حاج فيلبي. لورنس اسمه ملك العرب، وفيلبي اسمه شيخ العرب، ولو انتظرنا رأي العرب ما أصبحنا سلاطين كما ترى. وما دامت بريطانيا راضية فلا يهم إن غضب العرب أو رضوا. وما دامت هذه الورقة عند كوكس فهي في مأمن". قلت للسلطان: "ربما بسبب هذا التوقيع يتم تشريد شعب فلسطين بكامله من فلسطين". ردّ عبد العزيز علي وهو يضحك بصوت مرتفع: " تريد أن أُغضب بريطانيا لأن عدداً من أهل فلسطين سيُشرد! أهل فلسطين لا يستطيعون حمايتي إذا لم تحميني بريطانيا من الأعداء...ولتُحرق فلسطين بعد هذا (وفيها المسجد الأقصى ثالث الحرمين وقبلة المسلمين والعهدة العمرية)...ومن يعرف أن في نجد شيئاً اسمه السلطان ابن سعود لو رفضتُ أو عارضتُ أوامر سيدنا كوكس؟ أنت تمزح والا صادق يا فليبي؟ قلتً وانا ابتسم: "لا يا عظمة السلطان..أنا أمزح لأرى ما تقول".  

وقد كتب الحاج عبدالله فيلبي أو سانت جون فيلبي صديق عبد العزيز المقرب في كتابه (40 عاماً في البحرية عن موقف السعودية من القضية الفلسطينية) يقول: "إن مشكلة فلسطين لم تكن تبدو لابن سعود بأنها تستحق تعريض علاقاته الممتازة مع بريطانيا ثم مع أمريكا للخطر، وكان مستقبل فلسطين كلّه بالنسبة لعبد العزيز آل سعود وآل سعود كلهم أمراً من شأن بريطانيا الصديقة العزيزة المنتدبة على فلسطين، ولها أن تتصرف كما تشاء، وعلى عبد العزيز السمع والطاعة". ويتابع فيلبي تقييم الموقف السعودي قائلاً: " وكان من أساس الإتفاق لإنشاء الوجود السعودي أن تقوم سياسة آل سعود على أن لا يتدخل الملك عبد العزيز وذرّيته من بعده بشكل من الأشكال ضد المصالح البريطانية والأمريكية واليهودية في البلاد التي تحكمها بريطانيا أو تحت انتدابها أو نفوذها ومنها فلسطين". ويمضي فيلبي في القول: " وكان الملك عبد العزيز يعلن أنّ العرب سوف يخضعون لتقسيم فلسطين إذا فرضته بريطانيا العظمى". [3]

"وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية جاء الرئيس الأمريكي (فرانكلين روزوفلت) ليلتقي بالملك عبد العزيز نفسه على ظهر المدمرة ( كوينسي) الراسية في البحيرات المرة من قناة السويس، وقبل توجه روزفلت إلى مؤتمر (يالطا) الذي كان سيجمعه مع (وينستون تشرتشل) رئيس وزراء بريطانيا، ويوسف ستالين قائد الاتحاد السوفيتي، وقد أسفر اللقاء بين روزفلت وعبد العزيز عن تحوّل مملكة آل سعود إلى التبعية للإمبريالية الأميركية، فقد كانت نذر الحرب بين كتلتي الرأسمالية والاشتراكية تزداد وضوحاً مع اقتراب نهاية الحرب. ولأن المجابهة قد تكون أكثر سخونة، فقد توجب على أميركا أن تُسرع في البحث عن حلفاء موثوقين ومعتمدين في هذه المجابهة. (من مقال " في البحث عن الأمل، والسقوط في الأحضان القاتلة"، والمنشورة في 23/7/2016 للباحث عبد المجيد حمدان), كما نريد أن نشير ألى أن الملك عبد العزيز ال سعود قد عارض فكرة دخول الجيوش العربية الى فلسطين. وقد كرر موقفه هذا في مؤتمرات الجامعة العربية, واكد لوفد عربي زار الرياض في 1251948, وضم الوفد أمين عام الجامعة العربية عبد الرحمن عزام, والمفتي الحاج أمين الحسيني، ورياض الصلح رئيس وزراء لبنان, وجميل مردم رئيس وزراء سوريا, وقد نصحهم الملك عبد العزيز بعدم أشتراك الدول العربية في اية حرب في فلسطين[4])). ولا ننسى موقف السلطان عبد العزيز وأمير شرق الأردن عبد الله بن الحسين، وإمام اليمن وآخرين من العربان كيف أجهضوا الثورة الفلسطينية أعوام 36-1939 وأوقفوا الإضراب التاريخي لصالح بريطانيا ودون شروط.

ولم تكتفِ دولة آل سعود وسلطنات الخليج بكلّ الجرائم التي اقترفتها تاريخياً بحق فلسطين والشعوب العربية، ومنها وليس آخرها حربها المسعورة على سورية والعراق واليمن بدعم أمريكي لتقسيمها تلبيةً للمخططات الأميركية لتفتيت الدول العربية لصالح إسرائيل التي أخذت هي وبعض دول الخليج إقامة العلاقات والزيارات سراً وعلانية للتحالف معها. أليست عمليات التطبيع هذه دعماً للجرائم الصهيونية اليومية ومستوطنيها المستعمرين من قتل يومي، وحرق أبناء شعبنا، وأسر الآلاف من أبنائه وتعذيبهم، واستمرار نهب الأرض، وإقامة المستوطنات عليها وهدم آلاف المنازل على رؤوس أصحابها، وحرق مزارع الفلاحين، والتهديد اليومي لمقدساتنا الإسلامية والمسيحية؟؟

وهنا سأستعرض مواقف الأمير عبد الله بن الحسين أمير شرق الأردن ثم ملكها، والملك فيصل بن الحسين الأخ الأصغر للملك عبد الله الذي كان ملكاً على سورية ثم طرده الاستعمار الفرنسي، فعيّنه الاستعمار البريطاني ملكاً على العراق، والملك حسين بن طلال، ومواقفهم من الحركة الصهيونية ومن تحرير فلسطين واستقلالها، وبإيجاز شديد أشير إلى أنه في عام 1936 عام الثورة الفلسطينية ضد الاستعمار البريطاني وضد الصهيونية، والإضراب العظيم، "ساهم الأمير عبد الله أمير شرق الأردن مع ملوك وسلاطين آخرين بالعمل على إجهاض هذه الثورة ووقف الإضراب لصالح الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية. ولا بد من الاشارة أولاً إلى أن الأسرة الهاشمية بدءاً بالشريف حسين قد اتخذت مواقف غير معارضة في جوهرها لهجرة وتوطين اليهود في فلسطين ونشوء كيان قومي لهم فيها. يقول المؤرخ (جورج أنطونيوس) من جملة ما يقول : " إن نبأ وعد بلفور وصل الشريف حسين ملك الحجاز، فطلب تعريفاً للوعد من القائد البريطاني (ديفيد هوغارت) أحد رؤساء المكتب العربي في القاهرة، ورداً على تطمينات (هوغارت) قال الحسين: " ما دامت الغاية من وعد بلفور هي تهيئة ملجأ لليهود من الاضطهاد، فإنه سيبذل كل نفوذه ليساعد على تحقيق هذه الغاية". كما أوعز بنشر مقال في الجريدة الرسمية الناطقة باسمه (القبلة) الصادرة بمكة عدد (182) بتاريخ 23 /3/1918 دعا فيها السكان العرب في فلسطين أنْ يتذكروا أنّ كتبهم المقدسية وتقاليدهم توصيهم بواجبات الضيافة والتسامح، ويحضّهم على أن يُرحبّوا باليهود إخواناً، وأن يتعاونوا في سبيل الصالح المشترك. كان الأمير عبد الله الابن الأكبر للشريف حسين، وهو مهندس الاتصالات مع القيادة البريطانية في مصر وبعد أن هزمت قوات عبد العزيز آل  سعود جيش الشريف حسين فرّ عبد الله إلى سورية حين كان أخوه الأصغر (فيصل) ملكاً عليها ..المهم أخيراً عيّنته بريطانيا أميراً على شرق الأردن عام 1921، ولما كان شرق الأردن بلا موارد تُعيله وتُعيل أسرته، فقد تم تخصيص مبلغ (5) آلاف جنيه راتباً له ولأسرته شهرياً. وكانت مطامع عبد الله تجاوزت الأردن، وظلّ يحلم بأن يُقيم عرشاً يضمّ سورية الكبرى والأردن وأجزاء من فلسطين. وكان عليه أن يُقنع بريطانيا أولاً والحركة الصهيونية ثانياً بالفائدة التي ستعود على كليهما في حال تنفيذ مشروعه، ولكن ستكون الخطوة الأولى ضمّ فلسطين إلى عرشه، ولكنه شعر بأن الحركة الصهيونية ذات التأثير الكبير ستكون طرفاً رئيسياً في مجريات الأحداث، ولهذا أخذ بفتح اتصالات سرّية مع الوكالة اليهودية" يعرض عليها مساعدته في إنشاء مملكة موحدة تضم فلسطين وشرق الأردن، مقابل تعهده بمنح اليهود استقلالاً ذاتياً، وضمانات أمنية تحقق مطالبهم. وقد اهتمت الحركة الصهيونية وتبلور هذا الاهتمام بتأمين الأطباء الصهاينة له ولأسرته، وأنّ رئيس المنظمة الصهيونية كان يقوم في عقد العشرينيات بزيارات منتظمة للأمير عبد الله، كما مدّ أعضاء (الكيبوتسات) يد المساعدة لإعادة بناء عمان والسّلط بعد زلزال عام 1927."

"إنّ العلاقات مع الحركة الصهيونية بدأت مبكراً منذ عام 1922، حيث التقى عبدالله وايزمان وبحثا إمكانيات التعاون بينهما. وقد قدّر الأمير عبد الله  جيداً قوة اليهود، واعترف بمصلحتهم العليا وهي الصراع ضد الحركة الوطنية الفلسطينية. ويُذكر كذلك أنه في 28/12/1936 توجّه وفد فلسطيني مكون من (عزّت دروزة) و(عوني عبد الهادي) إلى بغداد والرياض مروراً بعمان (شرق الأردن) لإقناع ملوكها باتخاذ موقف مُعادٍ للصهيونية، وعاتبا الأمير عبد الله على مواقفه الموالية للصهيونية، فردّ الأمير بأنه يتعامل مع الصهيونية كحقيقة واقعة، وكعامل سياسي واقتصادي في فلسطين. ولم تكتفِ الحركة الصهيونية بالتفاهم مع الأمير عبد الله، بل جرى التعاون بين هذه الحركة وشيوخ العشائر الأردنية".[5] (انظر صفحة 146 و147 و148 من مصدر سبق ذكره "إطلالة 2 على القضية الفلسطينية" عبد المجيد حمدان) أما موقف الملك عبدالله من قرار التقسيم فقد تجلّى في الاتفاق الذي أبرمه رئيس الوزراء الأردني توفيق أبو الهدى مع السير (ايرنست بيفين) وزير خارجية بريطانيا في 22/ 2/ 1948 (أي قبل دخول الجيوش العربية أرض فلسطين) وبحضور الجنرال غلوب باشا قائد الجيش الأردني، وقد ذكر تفاصيل هذا الاتفاق في كتابه (جندي مع العرب A soldier with Arabs) والذي يمكن إيجازه بما يلي: بعد انسحاب الجيش البريطاني يدخل الجيش الأردني ويحتل كل الأراضي التي ستكون ضمن الدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم، وعلى هذا الجيش ألاّ يدخل المناطق المخصصة للدولة اليهودية". لكن ورغم هذا الاتفاق  فقد انسحبت قواته من اللدّ والرملة التي ارتكبت فيها العصابات الصهيونية المجازر المروعة، وهكذا وبالاتفاق مع البريطانيين والأمريكان ضمّ الملك عبد الله الضفة الغربية للأردن. وكان الجيش العراقي قد انسحب من منطقة المثلث وسلّمها للجيش الأردني الذي انسحب منها في ربيع عام 1949 وسلّمها إلى إسرائيل، وهي التي تمتلك عشرات الآلاف من الدونمات ويعيش فيها ثلاثين ألف مواطن، فرضت عليهم إسرائيل العزلة والضغوطات لتهجيرهم.

"وفي 23/3/1960 أكد الملك حسين بن طلال ورئيس حكومته هزّاع المجالي أمام مجلس النواب "أنّ إنشاء كيان فلسطيني خاص هو تصفية للقضية الفلسطينية". أما بالنسبة لعلاقة الأمير فيصل وملك العراق لاحقاً بوايزمان فقد توطدت هذه العلاقة والصداقة بينهما منذ عام 1918. وسأورد هنا رسالة فيصل إلى الزعيم الصهيوني الأميركي (فرانكفورتر).  وهنا نصّ الرسالة حسب الزعيم الصهيوني وايزمان: " من فيصل إلى فرانكفورتر/ الوفد الحجازي 3/3/1919 عزيزي المستر فرانكفورتر أريد أن أغتنم هذه الفرصة، فرصة أول اتصال لي بالصهيونيين الأمريكيين لأقول لك ما قلته تكراراً للدكتور وايزمان: (إننا نشعر أن العرب واليهود أولاد عم عنصراً وعِرْقاً يشْقون ويعانون ألواناً من الظلم متشابهة على أيدي دولٍ أقوى منهم...ونحن العرب، وبالأخص المتعلمين منّا نرى بعين العطف إلى الحركة الصهيونية. وبترحابٍ نتمنى لليهود عودةً إلى وطنهم، ولنا بزعماء حركتكم وخصوصاً الدكتور وايزمان أوثق الصلات فالنهضة الصهيونية قومية، وليست باستعمارية، وإني لناظر مترقب ومثلي شعبي توقاً إلى مستقبل نحن فيه لكم وانتم لنا أعوان مساعدون.)

أما بالنسبة لمصر ولقاء قادتها وحكامها بالحركة الصهيونية فإن إسماعيل صبري باشا رئيس الوزراء، والنقراشي باشا من بعده، وكذلك عزّام باشا أمين عام الجامعة العربية قد اجروا اتصالات ولقاءات مع (هوروفيتز) خبير الوكالة اليهودية المالي، وقد أبلغ صدقي باشا الذي يشغل أيضاً رئيس مؤسسة الصناعيين المصريين الصهيوني الياهو ساسون (المستشار السري للوكالة اليهودية)   الذي كان يتصل بهذه الشخصيات "أن لمصر مصلحة حيوية في التعاون مع الشعب اليهودي في اتجاه تسوية سياسية للصراع الفلسطيني، وقد أبلغ صدقي باشا ساسون الذي أبلغ بدوره السفراء البريطانيين والأمريكيين في القاهرة، "أنّ التقسيم يُمثل الحلّ الوحيد للنزاع الفلسطيني" وحتى عزّام باشا قال: "إنه سيدعم التقسيم إذا طرحته أي دولة عربية في الجامعة العربية" وكان عزّام باشا قد قال في وقت سابق: "العرب مستعدون لتقديم تنازلات بعيدة المدى لابتهاج الرغبة اليهودية في رؤية فلسطين وطناً روحياً وحتى مادياً". وفي مقابلة له مع مجلة (أيجبشن بروغرس Egyptian Progress) بتاريخ 15/10/1945 قال: "إذا استطعتم التأكيد لي أن تسليم فلسطين لليهود سيجلب سلاماً شاملاً فسأعطيكم إياها كلها، لكن تقسيم فلسطين يمكن أن يكون حلاً، ويمكن ان يضع نهاية للحالة المضطربة الحاضرة". ويقول محمد حسنين هيكل في كتابه المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل: (لا يستطيع أحد أن يدير ظهره إلى شاهدين  أولهما: أن العرب في واقع الأمر قبلوا بالتقسيم مبكرا وحتى قبل أن تقترب الجيوش العربية من الخطوط, وثانيهما أن الوكالة اليهودية عرفت ذلك من كل طريق, لكنها رفضت أن تعترف به لأن اعترافها يتعارض مع نيات مضمرة وأن كانت معروفة)) ((إطلاله 2 ص314)).

وقد كتب الباحث (عرفة عبده علي) في كتابه "ملف اليهود في مصر الحديثة –مكتبة مدبولي- يقول بإيجاز شديد: "يمكننا القول بأن الصهيونية العالمية استطاعت أن تجعل من مصر المكان الأخطر والأكثر نشاطاً في الفترة ما بين 1917-1948 وكانت مصر دون أن تدري مركز الانتقال للصهيونية العالمية، والمحطة الرئيسية على الطريق إلى فلسطين، ولولا جهود زعماء الصهيونية وأعوانها في مصر لما استطاعت الحركة الصهيونية تأمين ظهر المستوطنين اليهود في فلسطين، وضمان حركة التهجير إليها". ويستعرض هذا الكاتب نشاط الحركة الصهيونية في تشكيل تنظيماتها في المدن المصرية المختلفة وإنشاء منظماتها العسكرية، ونجاح (جابوتنسكي) في إنشاء فرقة (البغال) العسكرية/ كتائب (أبناء صهيون) في منطقة برج العرب غرب الاسكندرية عام 1915، ومشاركتها في الحرب العالمية الثانية تحت القيادة البريطانية، ثم تكوين الفيلق اليهودي في الجيش البريطاني وإرسال الكتيبتين 38 و39 إلى مصر في شباط/فبراير عام 1918 حيث أقيمت لهما استقبالات حافلة في القاهرة والاسكندرية، وبعد استكمال التدريب أُرْسلت إلى فلسطين، وأعقبت ذلك حملة تجنيد شبان يهود، وتشكيل الكتيبة (40) من يهود مصر وفلسطين، والتي أُرسلت هي الأخرى إلى القدس تحت قيادة الجنرال (اللّنبي) ".

وتقول الباحثة سهام نصّار في كتابها ((اليهود المصريون بين اليهودية والمصرية. دار الوحدة بيروت. طبعة (1980)): "لقد تشكلت جمعيات في معظم المدن، فتشكلت أول جمعية صهيونية في مصر شباط/ فبراير 1897 تحت اسم جمعية (باركوبا) الصهيونية في القاهرة، وأسست لها فروعاً في الاسكندرية وبورسعيد وطنطا والمنصورة. وفي عام 1900 تأسست جمعية (ابناء صهيون) في القاهرة، وجمعية (أمل صهيون) عام 1904، وجمعية (الأدب العبري) في القاهرة عام 1905، وجمعية (عمال صهيون) 1906، وجمعية (شبّان صهيون) عام 1907، واخيراً توحدت هذه الجمعيات في عام 1912 تحت اسم  الاتحاد الصهيوني".

هذا وتؤكد كل الأبحاث وما كُتب عن الحركة الصهيونية في مصر ونشاطاتها على سيطرة اليهود على جوانب هامة من الاقتصاد المصري، وتمتُع الصهاينة بدعم وتأييد معظم الرأسماليين المصريين.

وقد عبّر حفل الاسكندرية عن نشاط هذه الجمعيات التي أقامته المنظمة الصهيونية بمناسبة صدور وعد بلفور حضره (أحمد زيور باشا) محافظ الاسكندرية ورئيس وزراء مصر فيما بعد، حيث تحدث فيه رئيس المنظمة الصهيونية (جاك موصيري) وممّا قاله: " الصهيونية تلك الفكرة الخيالية أصبحت حقيقة واقعة". ثم أقامت جمعية (زئير الصهيونية) في 11 نوفمبر عام 1917 حفلاً  حضره (8) آلاف شخص وحضره (أحمد زيور) باشا أيضاً، وفي ختام الحفل أنشد الحاضرون نشيد (هتكفا). وتلا ذلك حفلات مماثلة في المدن المصرية الكبيرة أيضاً. بالإضافة إلى العلاقات الواسعة بين مصر في عهد الملك فاروق وأسرته مع العديد من القيادات الصهيونية بمن فيهم دافيد بن غوريون وموشيه شرتوك وناحوم غولدمان رئيس المجلس الصهيوني العالمي، وإلياهو ساسون المستشار الشرقي للوكالة اليهودية. (محمد حسنين هيكل في كتابه الثاني في المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل).

وتضيف سهام نصّار " إنّ ليون كاسترو مؤسس المنظمة الصهيونية في مصر أصبح السكرتير الخاص لسعد زغلول، وكان محمود باشا النقراشي رئيس وزراء مصر أثناء حرب 1948 يُبدي تعاطفاً قوياً تجاه اليهود، ويعتبرهم عناصر فعّالة يمكن أن تفيد البلاد، وإسماعيل صدقي مؤسس حزب الشعب كانت تربطه باليهود علاقات صداقة وعلاقات عمل وكان يتخذ مواقف معادية للفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في مصر، وتبنّى موقفاً لا يتّسم بأدنى قدر من التعاطف معهم، وكان وزيراً للداخلية، فاعتقل الوطنيين الفلسطينيين الذين هتفوا ضدّ بلفور أثناء مروره بمصر لحضور افتتاح الجامعة العبرية. وعندما تولّى رئاسة الوزارة عام 1930 أغلق جريدة (الشورى) الفلسطينية لصاحبها محمد علي الظاهر، في حين أبقى على جريدة (إسرائيل) الصهيونية. هذا غيض من فيض العلاقات بين حكام مصر والحركة الصهيونية.

ويضيف محمد حسنين هيكل: "وكانت الجامعة المصرية في فترة تألقها في الثلاثينيات على صلة وثيقة بالجامعة العبرية بالقدس. قام مديرها (فاغنس) بدعوة زميله (لطفي السيد باشا) مدير الجامعة المصرية لحضور احتفال افتتاحها، ولم يتمكن لطفي السيد باشا من حضور الحفل، ولكنه أناب عنه الدكتور طه حسين الذي شارك في الاحتفال وألقى كلمة جامعة فؤاد الأول-القاهرة- هناك".

أما بالنسبة لسورية ولبنان فإن محمد حسنين هيكل يقول في كتابه المذكور سابقاً: "في مفاوضات رودوس للهدنة فُتحت قناة اتصال بين سورية وإسرائيل، واستمرت هذه القناة تعمل طوال حكم حسني الزعيم وحتى وقع انقلاب (أديب الشيشيكلي) استمرت القناة في عملها وارتفع فيها مستوى التمثيل أكثر، وتحول الاتصال إلى جلسات منظمة بين الجنرال (موشيه ديّان) رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وبين العقيد (غسان جديد) ويضيف هيكل: "وتحفل الوثائق الأميركية والإسرائيلية بتفاصيل اتفاقيات محدودة من بينها بالذات اتفاق على اقتسام المنطقة المجردة من السلاح في منطقة الحولة (الفلسطينية). وعن لبنان يقول هيكل : كان لبنان مفتوحاً لاتصالات على مستويات متعددة ومتنافسة".

هذه هي الأوضاع العربية بعد الحرب العالمية الأولى وقبل الحرب العالمية الثانية حيث كانت معظم هذه الدول إنْ لم نقل كلها تابعة للاستعمار البريطاني والفرنسي وغيرهما، ومعادية للاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية، وصدور قرار التقسيم، والزج بجيوشها السبعة التي انهزمت شر هزيمة، فهي قليلة العدد وغير مهيأة للحرب، فالجيش الأردني يقوده غلوب باشا والضباط الانجليز، والجيش المصري  (العشرة آلاف) وأسلحته الفاسدة، وكانت هذه (الجيوش) متنافرة ومتصارعة ومتآمرة على شعبنا، وعندما دخل الجيش الملكي المصري مدينة غزة، ودخل لاحقاً مدينة المجدل/ عسقلان، وأسدود شمالاً التي حطّ فيها في 29/5/1948 أمر بسحب السلاح من المواطنين ثم انسحب منها ليلاً دون علم أهلها، وظلّ ينسحب كيفياً من قرية حمامة ومدينة المجدل، ومن قرية نعليا، وقرية الجورة، والخصاص، وهربييا، وبيت حانون، ومن مدن وقرى الضفة وبئر السبع، وتوقف في قطاع غزة، واستخدمت أجهزته الأمنية أقسى إجراءات العنف والقتل والتعذيب والاعتقال وشتم أبناء شعبنا واتهامهم (بالتجسس وبيع أرضهم لليهود) تغطية على هزيمته. وحين طلب الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا الفلسطينية من قادة هذه الجيوش أن تشرف الهيئة على الأوضاع الإدارية في الأراضي التي دخلتها هذه الجيوش وكلها طبعاً أراضٍ في الدولة الفلسطينية التي حدّدها قرار التقسيم رفضت هذه الجيوش طلبه.

ونذكر أنه في 8/7/1948 قد أعلنت اللجنة السياسية للجامعة العربية موافقتها على (إنشاء حكومة فلسطينية تكون مسؤولة أمام مجلس ممثلين) فطرحت الهيئة العربية العليا إنشاء حكومة فلسطينية، وقرّرت اعتبار نفسها حكومة للبلاد باسم حكومة عموم فلسطين،  ورئيس وزرائها أحمد حلمي عبد الباقي باشا الذي دعا إلى مؤتمر وطني انعقد في مدينة غزة في 30/ 9/ 1948  في مدرسة الفلاح بحضور (83) عضواً. وقال الحاج أمين الحسيني الذي اُنتخب رئيساً للمؤتمر: "إنّ الغرض من الاجتماع هو أن نعيد إنشاء كياننا الذي دمّرته يد الظلم والعدوان حتى لا تبقى البلاد في فراغ تنشأ عنه الفوضى والاضطراب". واعترفت كل من مصر والسعودية وسورية ولبنان بهذه الحكومة، ورفضت الأردن الاعتراف بها، ولكنْ في الواقع لم يُتح لهذه الحكومة أن تمارس أي شكل من أشكال السيادة  على أي جزء من أرض فلسطين بما فيها قطاع غزة، ولم تسمح لها السلطات المصرية البقاء في غزة. وقد احْتُجز الحاج أمين الحسيني في القاهرة. هذه هي الأوضاع والمعطيات الواقعية على النطاق الفلسطيني والعربي.

ثالثاَ: الوضع الدولي وموقفه من الحركة الصهيونية وقرار التقسيم وقيام الدولة الإسرائيلية، والموقف من الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

لقد أوقع الاستعمار البريطاني وانتدابه على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى وإصداره وعد بلفور المشؤوم بإقامة وطن قومي لليهود عام 1917، وعمليات هجرة  اليهود إلى فلسطين، والجرائم التي ارتكبتها قواته والحركة الصهيونية بحق شعبنا وثوراته المتعددة، كارثةً لا تقلّ بشاعة عمّا يسمى (بالهولوكست) اليهودي على يد النازية، والتي ما زال الشعب الفلسطيني يعاني منها أشد وأقسى معاناة  شهدتها البشرية، فالاستعمار البريطاني هو المسؤول الأول عن هذه الكارثة والتطهير العرقي الذي اقترفته الحركة الصهيونية تم  بمساعدة البريطانيين. وقد لعبت الإمبريالية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية وفي بداية صراعها من أجل النفوذ في الشرق الأوسط بقيادة رئيسها ترومان ضغوطاً شديدة ومتواصلة على بريطانيا لتسهيل وتكثيف الهجرة اليهودية لفلسطين، والعمل الفوري على تهجير (100 ألف) يهودي إلى فلسطين. وهذا ما حصل بالفعل.

وقبيل نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الإمبريالية الأميركية تخطط لوراثة النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، وتحشد حلفاءها في أوروبا والعالم، وعملاءها في الشرق الأوسط وفي مقدمتهم ملوك السعودية وإمارات الخليج، وإقامة القواعد العسكرية الاستراتيجية، وزجهم في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، ودعم الحركة الصهيونية التي نقلت مركزها من بريطانيا إلى أميركا عام 1943 لتكون لاحقاً بعد إقامة دولتها إسرائيل تابعة كلياً للسياسة الأميركية وكلب حراسة لمصالحها، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما في أفريقيا وغيرها، وأميركا هذه أول بلد استخدمت القنابل الذرية المدمرة والمهلكة على اليابان إبّان الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب العالمية الثانية خرجت الامبريالية الأميركية قائدة للنظام الرأسمالي العالمي ورأس الحربة لقوى الامبريالية العالمية.

 أما بالنسبة لموقفها من الصراع في فلسطين بين الشعب الفلسطيني والاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، فقد دعمت الامبريالية الأميركية وساندت بريطانيا والحركة الصهيونية كليّاً في مخططاتها لإقامة وطن لليهود في فلسطين على حساب شعبها الفلسطيني، ففي عام 1946 وصلت اللجنة الانغلو أمريكية للتحقيق في فلسطين إثر الصدامات المتكررة فيها بين الشعب الفلسطيني والمستعمر البريطاني والحركة الصهيونية، والتي وضعت تقريرها المنحاز كلياً للحركة الصهيونية في 28/3/1946. ( لقد سبقت الإشارة إليه في المقال)، كما دعمت تشكيل حلف بغداد الاستعماري، وأيّدت قرار التقسيم الدولي وقيام الدولة الإسرائيلية ودعمها وحمايتها لاحقاً، ومساندة كل حروبها واعتداءاتها على البلدان العربية، وقد شكّلت في ديسمبر /كانون أول عام 1948 (لجنة التوفيق الدولية) التي كان الهدف منها التوفيق بين المصالح الأميركية والأنجلو فرنسية في المنطقة العربية وأعلنت وصايتها عليها. وفي عام 1950 أصدرت هذه  القوى الثلاث بياناً استعمارياً عُرف (بالبيان الثلاثي ) يؤكد على ثبات حدود دول المنطقة (اي حماية حدود إسرائيل) كما عملت على تأجيج عدوانها، كما هدف هذا البيان إلى تشكيل حلفٍ مُعادٍ للاتحاد السوفيتي وحركة التحرر العربية، والعمل على حلّ القضية الفلسطينية بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية وغيرها من بلدان العالم.

لقد طرحت الامبريالية الأمريكية مشروع (وادي الأردن) سنة 1949 لتوطين اللاجئين وتعويضهم قبل تشكيل وكالة الغوث الدولية (الأونروا) عام 1950، وكانت مشاريع التوطين الأميركية الإسرائيلية في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات – بما فيها (الأونروا) لاحقاً- هي توطين اللاجئين في ليبيا والعراق والأردن وسورية وشمال سيناء وكندا. وقد أوفد الرئيس الأمريكي (أيزنهاور) عام 1953 مبعوثه الخاص (أيريك جونستون) إلى الشرق الأوسط لمعالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين، فقام جونستون بثلاث زيارات للمنطقة، بدأت في تشرين أول/ أكتوبر عام 1953،  وتواترت زياراته حتى أيلول/ سبتمبر عام 1955 ، واقترح بعد دراسة واسعة، مشروع (الإنماء الموحد) لموارد نهر الأردن، ويهدف إلى استغلال أردني إسرائيلي لمياه الأردن لإقامة أماكن زراعية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيها. وقد رفض الشعب الفلسطيني هذا المشروع وأسقطه.

وفي ربيع عام 1954، أُعلن في مصر أنها قد وقّعت اتفاقاً مع وكالة الغوث الدولية (الأونروا) وبدعم أمريكي لتوطين اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة في شمال صحراء سيناء المصرية، وبدأت البناء، وأخذت الإدارة العسكرية المصرية في القطاع تدعو منْ ستبدأ بنقلهم عبر القطار إلى سيناء إلى الاستعداد، وأنّ من سيرفض ذلك، سيحمل أمتعته وأولاده على ظهره ويسير على قدميه إلى سيناء، فبادر الحزب الشيوعي ووزّع منشورات كثيفة وسرية في كلّ مدن وقرى ومخيمات اللاجئين، دعا الحزب فيها إلى مواجهة هذه المؤامرة لتصفية القضية الفلسطينية وخصوصاً قضية اللاجئين وعودتهم الى ديارهم التي شرّدوا منها، وأن تهبّ لإسقاط هذه المؤامرة، وبالفعل انطلقت التظاهرات الشعبية الحاشدة بقيادة الشيوعيين في كل المدن والقرى والمخيمات، والتي لم يشهدها القطاع من قبل، وقد استشهد 30 مناضلاً من أبناء شعبنا في مواجهة الجنود والشرطة وهم يهتفون (لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان، العودة العودة حق الشعب)، فسقط مشروع التوطين، واعتقلت هذه السلطات 69 مناضلاً من قيادة الانتفاضة كانت الأغلبية الساحقة من الشيوعيين وأنصارهم. ويذكر شعبنا لاحقاً حين استولى الإخوان المسلمون على الحكم في مصر، اتفاق رئيسهم محمد مرسي مع الأمريكان وإسرائيل على توطين جماهير قطاع غزة في سيناء، وتوسيع إمارة الإخوان المسلمين (حماس) في سيناء. هذه المؤامرة التي أسقطها الشعب المصري في ثورته الشعبية بقيادة عبد الفتاح السيسي.

ولا أريد هنا أن أطيل في الكتابة عن موقف وجرائم الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتي لا تُحصى، وتحتاج إلى مجلدات وكتب عديدة، ولكنني سأوجز القول بأن الامبريالية الأمريكية قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية ارتكبت أبشع الجرائم وعمليات التدمير الشامل ضدّ الأمم والشعوب التي تناهض تدخلاتها الفظّة في شؤونها الداخلية، كما حدث في لبنان وبلدان أميركا الجنوبية، وتدبير الانقلابات فيها، وتأمين تبعيتها لها. وقد عملت على تقسيم كوريا إلى شطرين، وكذلك فيتنام والحرب الضروس التي شنّتها عليها، وتفكيك يوغسلافيا، وتدمير العراق ونهب ثرواته وآثاره التاريخية، وكما حدث للدولة الليبية. وبالتحالف مع السعودية ودول الخليج تجري عمليات تدمير سورية واليمن السّعيد، والعمل منذ زمن لتفكيك وإعادة تركيب دول هذه المنطقة على أساس طائفي ومذهبي وعِرقي تحت شعار (الفوضى الخلّاقة) وحين سُئلوا ماذا تعني هاتان الكلمتان قالوا: (أيّ ندمر ثم نعمّر على حساب دولها ونفكك ونعيد التركيب وذلك لصالحها ولصالح إسرائيل).

إن الصهيونية والامبريالية الأمريكية هما العدو الأول لشعبنا الفلسطيني والشعوب العربية، والامبريالية الأمريكية هي التي استخدمت وما زالت حق النقض (الفيتو) عشرات المرات في مجلس الأمن لحماية إسرائيل ودعم جرائمها بحق شعبنا، ورفض أية قرارات تستهدف دحر الاحتلال، وتحقيق حقوق شعبنا الوطنية. وبدخول النظام الرأسمالي مرحلة أزماته المستعصية، ومرحلة العولمة المتوحشة، وسطوة الشركات المتعددة الجنسية والعابرة  للقارّات، ووحشية الرأسمال المالي، واستغلاله البشع للشعوب، وللجماهير العاملة والكادحة حتى في هذه الدول الرأسمالية نفسها، يُنذر ويُبشّر بانهيار هذا النظام لا محالة.

 موقف الاتحاد السوفيتي من الحركة الصهيونية ومن قرار التقسيم وإقامة الدولة الإسرائيلية.

من المعروف تاريخياً أن الاتحاد السوفييتي منذ نشأته عام 1917 بقيادة فلاديمير لينين كان مناصراً للشعوب المستعمَرَة بكل إمكاناته الاقتصادية والعسكرية، ومساعداته المتعددة الأشكال كالتعليم المجاني، وبناء المصانع والبنى التحتية لهذه الشعوب، وبوجوده وجهوده استقلت دولٌ عديدة في بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما لا يمكن لأحد أن ينسى أو يتناسى دوره التاريخي في هزيمة النازية، وتحرير دول أوروبا الشرقية، كما ساند ودعم حركة التحرر الوطني العربية وثوراتها لتحرر بلدانها من المستعمرين الإنجليز والفرنسيين، وخصوصاً ثورة جمال عبد الناصر، ومساعداته لمصر، اقتصادياً ببناء المصانع والسد العالي، وعسكرياً ضد العدوان الثلاثي(البريطاني والفرنسي والإسرائيلي) عام (1956) بعد أن أعلن عبد الناصر عن قرار حكومته بتأميم قناة السويس من السيطرة الاستعمارية البريطانية الفرنسية. وفشل العدوان الثلاثي، وأُجبر المحتلون الصهاينة من الانسحاب من قطاع غزة الذين احتلوه في 2/11/1956 بعد أن هدد الاتحاد السوفيتي بضرب تل أبيب بالصواريخ إن لم تنسحب إسرائيل من قطاع غزة، كما ساند الاتحاد السوفيتي ثورة الجزائر وقدم لها كل الدعم، ودعم نضال الشعب السوري من أجل استقلاله الوطني، وهكذا كان الاتحاد السوفيتي مناصراً لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

إن موقف الاتحاد السوفيتي والشيوعيين  تاريخياً من الصهيونية كان وسيظل عبر العصور من ألدّ أعدائها، وهم من قاوموها وفضحوا أسس كيانها وطبيعتها العنصرية الفاشية، منذ ماركس ولينين وستالين، ومن جاء بعدهم من الشيوعيين في جميع بلدان العالم، وفي البلدان العربية وفلسطين. وحين كانت الحركة الصهيونية ما تزال في مرحلة التكوين فقد قام (لينين) بدحض أسسها نظرياً، واتخذ مواقف عملية ضدها، ودحض منطلقاتها الفكرية، وفضح جوهرها الطبقي الرجعي، ودورها التخريبي العدائي، وبشكل خاص تجاه الحركة العمالية، وفضح (لينين) مقولة شعب الله المختار، ونقاء الجنس اليهودي، وأزلية اللاسامية، ودعا (لينين) إلى اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، وفضح الجهود الصهيونية الرامية إلى ضمان عزلة اليهود من أجل استمرار السيطرة عليهم. كما عرّى ستالين جوهر الصهيونية، ووصفها بأنها "مظهر الشوفينية الفجة"، بل وأضاف: "إنها حركة سياسية رجعية تجمع أنصارها من اليهود من صغار ومتوسطي البرجوازيين والمثقفين، ورجال الأعمال والفنيين، وأكثر القطاعات تخلفاً من العمال اليهود، كما تهدف إلى فصل جماهير العمال اليهود عن النضال العام للبروليتاريا" (الطبقة العاملة).

وفي عام 1924 اعترفت الأممية الشيوعية (الكومنترن) بالحزب الشيوعي الفلسطيني، بشرط عدائه للصهيونية، وصار الرفيق رضوان الحلو أمين عام هذا الحزب فيما بعد ، وفي الأعوام الثورية 1936ــ 1939 شارك الشيوعيون  العرب واليهود بدعم الثورة الفلسطينية الكبرى، وساهموا في القتال ضد الاستعمار (الانتداب البريطاني) والصهيونية، فسجن العديد منهم وأُبعد آخرون. وقد شارك محمد نمر عودة عضو اللجنة المركزية للحزب، والرفيق فخري مرقة الذي كان أحد معاوني القائد حسن سلامة، ورفاق آخرون، بالإضافة إلى مشاركة الرفيق فؤاد نصار الذي كان صديقاً للحزب آنذاك في هذه الثورة وعدد من زملائه، فطوردوا، وتشردوا إلى العراق، وبعد فترة عادوا إلى فلسطين. واستمروا في نضالهم ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية، ووقفوا بشدة ضد الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

وفي 28/12/1919، نشرت المفوضية المؤقتة لشؤون اليهود القومية لدى مفوضية الشعب لشؤون القوميات في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية نداءً خاصاً أشار، باستنكار شديد، إلى أن الصهاينة يحاولون إزاحة العرب من فلسطين، ويستعدون لإنشاء دولة يهودية لهم هناك. وقالت فيه ((إن جماهير الشغيلة اليهود ترى في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية وطنها الاشتراكي الذي تدافع عنه مع عمال روسيا وفلاحيها ضد الامبريالية وضد جميع العملاء، وإننا لسنا بحاجة إلى أية بلدان أخرى ولا ندّعي أية حقوق قومية لامتلاك فلسطين)).

وقد لعب المؤتمر الثاني للكومنترن ( الأممية الشيوعية ) الذي انعقد في تموز / يوليو – آب / أغسطس عام 1920 دوراً كبيراً في فضح دسائس الصهاينة في فلسطين، ((حيث طُرحتْ في هذا المؤتمر ضرورة فضح نظرية وتطبيق الصهيونية الرجعية، وخصوصاً مسألة تأسيس دولة صهيونية في فلسطين تحت الحماية البريطانية، وأشير إلى أن السكان اليهود في فلسطين لا يشكلون أغلبية، فهم أقلية ضئيلة تسعى إلى إخضاع جماهير الشغيلة التي تشكل أغلبية البلاد، وعلينا أن نناضل بأشد ما يكون الحزم ضد هذا النوع من الميول، فالصهاينة يسعون إلى كسب أنصار لهم في جميع البلدان، وهم يخدمون بدعايتهم وتحريضهم مصالح طبقة الرأسماليين، ويجب على الأممية الشيوعية أن تكافح هذه الحركة بأشد ما يمكن من الحزم)).

ولم يكتفِ الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية بفضح الحركة الصهيونية، وتسليط الأضواء على مؤامرة غزو فلسطين.  فعندما اندلعت ثورة 1929، (هبة البراق)  أيدها الاتحاد السوفييتي، ورأى فيها تعبيراً عن نهوض حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وبأنها ثورة شعبية ضد الاستعمار البريطاني والصهيونية، كما دعا الكومنترن ( الأممية الشيوعية ) إلى تأييد ثورة 1933، و1936- 1939، ودعمها والوقوف إلى جانبها، ووصفها بأنها (حركة التحرر العربية الباسلة)، وأكثر من ذلك، فقد طالب الاتحاد السوفييتي بوقف الهجرة إلى فلسطين، واحتفاظ فلسطين بعروبتها، حيث أنه عندما أثارت بريطانيا مسألة تقسيم فلسطين لأول مرة، عام 1936 اعترض الاتحاد السوفييتي عليها، باعتبار أن العرب سيفقدون بالتقسيم أفضل أراضيهم وفق مشروع (اللورد بيل) الذي ترأس اللجنة الملكية البريطانية التي اقترحت المشروع، ورأى الاتحاد السوفييتي أن إنشاء دولة يهودية، لا يخدم سوى البرجوازية اليهودية، وسيوجه ضربة إلى الحركة الثورية العربية[6]. فلماذا وافق الاتحاد السوفييتي بقيادة  ستالين  على قرار الجمعية العامة رقم (181) بتقسيم فلسطين وإقامة دولة اسرائيل التي كان أول  المعترفين بها ودعم وجودها، رغم مواقف وأقوال لينين وستالين نفسه والأممية الشيوعية (الكومينتيرن) كما أشرنا سابقاً.

يقول الرفيق نعيم الأشهب في كتابه (دروب الألم ......دروب الأمل) الصادر عن دار التنوير للنشر والتوزيع، عام 2009، ص50-51): "كانت هناك أوهام غير قليلة لدى قادة الكرملين حول سرعة تحوّل اسرائيل إلى دولة اشتراكية بمن فيهم "ستالين" ومن حوله، ويبدو أنّ مردّ هذه الأوهام يعود إلى مشروع "الكيبوتس" الزراعي اليهودي في فلسطين، ثم في اسرائيل بعد قيامها، وكون الطبقة العاملة والحركة النقابية في اسرائيل قوية ومنظّمة بشكل لا يُقارَن مع دول الجوار،  وكذلك الدور النشيط الذي قامت به العصابات الصهيونية ضد القوات البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية. هذا من جانب ومن جانب آخر كون حكام اسرائيل أفلحوا في تمويه هويتهم الحقيقية، ولم يكشفوا عن انحيازهم الكامل إلى المعسكر الرأسمالي الغربي في أواخر عام 1950 وبدايات عام 1951، وقد كانت نظرة قادة الكرملين بقيادة ستالين إلى الدول العربية باعتبارها دولاً تحكمها أنظمة رجعية شبه إقطاعية وعشائرية، ومن مخلفات القرون الوسطى. وهي تدين بالولاء للدول الامبريالية....ولكن ثبت بعد سنين معدودة إن هذا التقييم كان سطحيا وخاطئاً بل وخاسراً ، ففي حين كشفت إسرائيل عن نواياها الحقيقية كجزء من الغرب الاستعماري ، جرت متغيرات عاصفة في عدد من الدول العربية الرئيسية كمصر وسوريا والعراق والجزائر. حوَلت هذه الدول الى دول معادية للإمبريالية وصديقة للاتحاد السوفييتي. ومن المعروف أن هذه الأوهام لم تعمر طويلاً، وأعقبتها عملياً تطهير للعناصر اليهودية ذات الميول الصهيونية والمعادية للأنظمة في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وقد بدأت هذه الحملات في الاتحاد السوفييتي، وامتدّت إلى رومانيا حيث جرى إعدام وزيرة خارجيتها آنذاك "آنا بوكر"، ووصلت إلى تشيكوسلوفاكيا حيث أُعدم "سيلانسكي" الذي كان سكرتيراً للحزب الشيوعي فيها".

إن موقف الاتحاد السوفيتي بقيادة ( ستالين ) بالاعتراف بدولة اسرائيل التي لم تكتفِ بما حققها لها قرار التقسيم من اراضٍ ، بل استولت على مساحات شاسعة من اراضي الدولة الفلسطينية ، وجرى تزويدها بالسلاح التشيكي الذي حسم المعركة لصالح الحركة الصهيونية ، وقد ألحق أضراراً بالغة بالشعب الفلسطيني وكان مخالفاً ومتعارضاً مع موقف الاممية الشيوعية ( الكومنتيرن) وشكلت اسهاماً خطيراً في نكبة الشعب الفلسطيني وسلْب وطنه وتشريده، ولكن سرعان ما غيّر الاتحاد السوفييتي موقفه من الحركة الصهيونية بعد ثلاث سنوات تقريباً ، فطارد وسجن واعدم بعض قيادات هذه الحركة في الاتحاد السوفييتي وبلدان المنظومة الاشتراكية ، وفي عام 1974 اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ، وفتح لها سفارة في موسكو ، واعترف في 1988 بدولة فلسطين التي اعلنها المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر ، واستمر الاتحاد السوفييتي وروسيا الاتحادية في دعم نضال الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وفي مقدمتها تقرير مصيره

والآن ، وبعد استعراض الاوضاع والمعطيات الواقعية الفلسطينية والعربية والدولية وعلاقتها ومواقفها من الحركة الصهيونية ومن قرار التقسيم، والتي كانت جميعها غير خافية عن عصبة التحرر الوطني والشيوعين الفلسطينيين وتعرفها جيداً ، كان عليها ان تعيد النظر في موقفها المعارض لتقسيم فلسطين، وهذا ما حدث في شباط / فبراير 1948 بهدف انقاذ ما يمكن انقاذه والتعامل مع هذا الواقع الكارثي بحكمة وذكاء، والنضال من أجل تغييره لصالح شعبنا، ومن أجل تثبيت جماهير شعبنا في المدن والقرى والبقاء في ارضهم وصمودهم. يقول عادل منّاع في كتابه (ص 160): " إن الاقتتال بين اليهود والعرب أوقع العديد من الضحايا في شمال فلسطين، وقد زاد هذا الواقع الأليم في المعضلة السياسية والأخلاقية لرجال العصبة الذين قاتل بعضهم إلى جانب جيش الإنقاذ لحماية الجليل".

 وهذا ما فعله أعضاء عصبة التحرر في كلّ مدن وقرى فلسطين، ومنها المنطقة الجنوبية كأسدود وحمامة والمجدل / عسقلان ونعليا وهربيا وبرير وبربرة وبيت حانون وبيت لاهيا وجباليا وغزة وغيرها من القرى قبل دخول الجيش المصري الى فلسطين، وكنت شاهداً على ذلك وبعد دخوله شمالا حتى اسدود انسحب من هذه المدن والقرى، وكان قد سحب سلاح مناضليها ، مّما اضطرت الى النزوح الى قطاع غزة . وهكذا حصل في المناطق الفلسطينية الاخرى .

ومن المعروف ان اعضاء عصبة التحرر الوطني الموجودين في هذه المدن والقرى قد واجهوا وقاتلوا ضد الحركة الصهيونية التي ارادت احتلالها قبل دخول الجيش المصري, وقد ادركت عصبة التحرر الوطني والشيوعيون الفلسطينيون انه وبعد سيطرة الحركة الصهيونية على مناطق واسعة من فلسطين لم يعد الخيار بين التقسيم او اقامة الدولة الديموقراطية الموحدة في فلسطين ، بل اصبح الخيار الواقعي إمّا التقسيم او تشريد الشعب الفلسطيني برمته . وهكذا وبفعل الامبريالية العالمية ومعظم دول العالم والحركة الصهيونية في فلسطين والعالم ، والرجعية العربية التابعة للإمبريالية قامت دولة اسرائيل وحدثت نكبة الشعب الفلسطيني .

وكانت العصبة وقبل صدور قرار التقسيم ، وأثناء مناقشته في الجمعية العامة للأم المتحدة ، قد أعلنت رفض التقسيم ، وكتب د.اميل توما محرر صحيفة ( الاتحاد)  فيها بتاريخ 25/10/1947 "ان صداقتنا للاتحاد السوفيتي كدولة غير امبريالية ومؤيدة لحرية الشعوب لا تعني اننا مرتبطون بسياسة خارجية. فنحن وكل الديمقراطيين نتخذ سياسة مستقلة لا ترتبط بسياسة الاتحاد السوفييتي او أي تنظيم اخر ، لان سياستنا تصبو الى هدف الحرية والعدالة لشعبنا".  لكن العصبة وبعد قرابة الثلاثة أشهر من بدء الحرب قد غيرت موقفها وأعلنت قبول التقسيم ، فيما واصل د. إميل توما سكرتير العصبة ورئيس تحرير الاتحاد موقف الرفض ، وفيما بعد وبعد انضمام جناح العصبة المتبقي في دولة إسرائيل للحزب الشيوعي الإسرائيلي أُقصِي عن قيادة الحزب حتى بداية الستينيات وفي رأيي الشخصي لقد كان موقف د. اميل توما صحيحاً وشجاعاً ، وأن اقصاءه من الحزب كرئيس لعصبة التحرر الوطني كان اجراءً غير ديموقراطي، فعضو الحزب من حقه ان يتحفظ او يعترض ، ولا يجوز اقصاؤه او فصله .

عادل مناع: يعتمد نهج التزوير والتشهير.

إن سمات أي باحث أن يكون موضوعياً وغير متحيّز بحيث يقلب الحقائق رأساً على عقب، وأن يتخذ من "قوميته" مبرراً لطمس الحقائق والدفاع عن جرائم وعمالة معظم ملوك وسلاطين وأمراء العربان للإمبريالية وتحالفهم مع الحركة الصهيونية، وبيع فلسطين وشعبها ومقدساتها لهذه الحركة النازية العنصرية، كما وَرَدَ في الوثائق السابقة التي تدحض رأيه، وحين يقول عادل منَّاع في كتابه صفحة (163) : "إن رجال العصبة (أي عصبة التحرر الوطني) انتقلوا إلى زيادة التنسيق مع الرفاق اليهود وأعلنوا رسمياً معارضتهم دخول الجيوش العربية التي جاءت لمساعدة الفلسطينيين المنكوبين " وقد أثبتت الوقائع الموثقة أن معظم أولئك الملوك والحكام لا يرغبون في دخول جيوشهم إلى فلسطين، وأنَّ هذه  "الجيوش" القليلة العدد وغير المهيأة للحرب، وذات سلاح فاسد أو قادة يأتمرون بسادتهم الإنجليز كالجنرال غلوب باشا القائد العام للجيش الأردني الذي كان كل ضباطه من الإنجليز لم تدخل فلسطين لتحريرها من الصهاينة، ولا "لمساعدة الفلسطينيين المنكوبين" على حد تعبير (منّاع) بل جاءت لمنع قيام الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة. وحين يُهاجم عادل منّاع عصبة التحرر الوطني على موافقتها على قرار التقسيم فليعلم أنّ معظم الدول العربية "المتنفذة"  قد وافقت على قرار التقسيم كما ورد على ألسنتهم سابقاً في هذا البحث وكما قال محمد حسنين هيكل في هذا الموضوع. أضف إلى ذلك أن الرئيس جمال عبد الناصر القائد الوطني العربي قد عرض في مؤتمر باندونغ عام 1955 حل القضية الفلسطينية على أساس قرارات هيئة الأمم المتحدة عام 1947 (أي قرار التقسيم) وعودة اللاجئين المشردين إلى ديارهم التي شُرّدوا منها طبقاً للقرار الأممي رقم (194).

إن الأوضاع والمعطيات الفلسطينية والعربية والدولية التي عرضناها سابقاً كانت هي الأسباب الحقيقية التي فرضت على عصبة التحرر الوطني الموافقة على قرار التقسيم، فلماذا صمت منّاع صمت القبور عن مهاجمة ملوكه وسلاطينه وأمرائه ومن هم من (قوميته) كما فعل مع عصبة التحرر الوطني والشيوعيين الفلسطينيين؟!

صحيح أن عادل منّاع قد عرض بإسهاب المجازر التي ارتكبتها الحركة الصهيونية وعمليات التطهير العرقي في عدد من المدن والقرى الفلسطينية، وتهجير وطرد السكان العرب من قراهم، وبلداتهم، ولكنّه كرّس معظم كتابه في التهجم على أعضاء عصبة التحرر الوطني والشيوعيين الفلسطينيين فهو يقول في كتابه صفحة (148):"وأختار ناشطو العصبة في معظمهم السير في ركب المعسكر الشيوعي، والإنضمام إلى (ماكي) وهو (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) الذي قاتل رفاقه مع الهاغانا" ويقول في صفحة (182) : " ومثل الاتحاد السوفييتي فإن صحافة (ماكي) وقادته اعترفوا بحدود  اسرائيل الموسعة، بل دافعوا عنها، إذ وافق الحزب على مواقف الإسرائيليين الذين رفضوا الانسحاب من كافة الأراضي التي احتلوها في المناطق العربية حسب قرار التقسيم ... وعلى سبيل المثال أيدَّت (كول هعام) وهي (صحيفة الحزب الشيوعي الإسرائيلي) تصريحات وزير الخارجية شاريت الذي أعلن أن إسرائيل "لن تتنازل عن النقب والجليل" المصدر صحيفة (كول هعام) 16 تشرين الثاني / نوفمبر  1948" والأنكى من ذلك أنه حين بدا كأنَّ إسرائيل على استعداد لتقديم "التنازلات" الإقليمية من أجل السلام، فإن حزبي مابام وماكي عبَّرا  عن معارضتهما الشديدة لذلك في أواخر عام 1948، بل حتى  رفضا بقاء "أراضٍ من إسرائيل تحت سيطرة الغزاة"  في إشارة واضحة إلى قطاع غزة والضفة الغربية. كما عبّرت صحافة (ماكي) عن معارضتها اقتراح وزير الخارجية الإسرائيلي قبول عودة (100) ألف لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل"، وأود هنا أن أقول بشكل قاطع "إن أعضاء عصبة التحرر الوطني والشيوعيين الفلسطينيين لا يمكن أن يقفوا هذه المواقف، ويشاركوا الهاغانا في الاعتداء على شعبهم، وتهجير أبنائه، وبالعكس من ذلك فإنهم كما قال مناع نفسه قد ناضلوا ضد الحكم العسكري، والتطهير العرقي وتشريد الشعب الفلسطيني، أما أولئك الذين تحدث عنهم مناع ليسوا شيوعيين قطعاً، بل إنهم من جماعة شموئيل ميكونس المرتد الصهيوني المطرود من الحزب.

ومن المعروف أنّ الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تأسس عام 1923، وانضمّ عام 1924 إلى الأممية الشيوعية "الكومنتيرن" التي أسسها (لينين) عام 1919 بعد انتصار الثورة البلشفية، قد التزم بشروطها، ومن هذه الشروط "أن يُعادي ويُقاوم الحركة الصهيونية وأن يعتبر الحركة الوطنية الفلسطينية مُناوئة للاستعمار وللحركة الصهيونية، وضرورة تعريب الحزب،  وبعد انفصال الشيوعيين العرب عنه وتشكيل "عصبة التحرر الوطني" أواخر عام 1943، حينها أطلق الحزب على نفسه اسم الحزب الشيوعي اليهودي.

وبعد إعلان دولة إسرائيل غيّر الحزب اسمه إلى (الحزب الشيوعي الإسرائيلي). وفي 23/10/1948 انعقد مؤتمر الوحدة في حيفا حيث انضمّ أعضاء عصبة التحرر الوطني الذين بقوا في المناطق التي احتلتها إسرائيل إلى هذا الحزب. وقد تمّت الوحدة على أسس عدّة منها النضال من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة طبقاً لقرار التقسيم" وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم طبقاً للقرار الأممي رقم 194، والمساواة التامة بين الفلسطينيين واليهود في الحقوق والواجبات. "وقد ظلّ هذا الحزب على خطّه الذي تبنّاه منذ قيام دولة إسرائيل، وهو محاربة الصهيونية حتى عام 1965 حيث سيطرت الاتجاهات الصهيونية على بعض قادته، وحدث الانشقاق في صفوفه، وظلت الأقلية الصهيونية تحتفظ باسم الحزب (ماكي) بقيادة شموئيل ميكونيس وموشيه سنيه، في حين اضطرت الكوادر الشيوعية ذات الأغلبية العربية والخط الأممي إلى اتخاذ اسم (ركاح) أو القائمة الشيوعية الجديدة، واستمر (ماكي) على هذا النحو حتى عام 1976 حين أعلن عن حلّ نفسه والانضمام إلى الحركة الصهيونية العالمية".[7]

إذن في عام 1965 طرد الحزب الأقلية الصهيونية بقيادة (ميكونيس) التي استمرت تحت اسم (ماكي)، ثم حلّت نفسها أخيراً، كما استمر الحزب الشيوعي في إسرائيل (ركاح) في سياسته ومبادئه التي جرى الاتفاق عليها يوم تمّت الوحدة في أكتوبر عام 1948، فلماذا أغفل عادل منّاع عمداً رفض الشيوعيين الفلسطينيين سياسات (ماكي)، وحمّل جرائم أعضاء (ماكي) الصهاينة لأعضاء عصبة التحرر الوطني والشيوعيين الفلسطينيين، فهذا نهجه الذي التزم به في معظم كتابه، وهو الهجوم على الشيوعيين إن أصابوا أو أخطأوا فكلّه عنده سواء، ولا بدّ أن عادل منّاع قد اطّلع أو عرف أنّ الأنظمة واللوائح الداخلية للأحزاب الشيوعية قد أكدّت على النقد والنقد الذاتي للاعتراف بالأخطاء، ومعالجتها وتصحيحها والتعلّم منها كما علّمتهم المبادئ الماركسية.

يقول عادل مناع في كتابه آخر صفحة 146 ما يلي: " وتباهى الشيوعيون لاحقاً بواقعية قرارهم السياسي بقبول قرار التقسيم عام 1947، وبعدم انفراط عقدهم في أعقاب النكبة، فقد نظموا صفوفهم بسرعة وقادوا نضالاً جريئاً ضد الحكم العسكري، وعملائه في اسرائيل، كما رعوا إعادة بناء الحياة الثقافية التي أنبتت شعر المقاومة وأدبها اللّذين نشرتهما صحافتهم، واحتفت بهما نواديهم في تلك الأيام."، ويقول في آخر الصفحة:   "إن ناشطي الحركات القومية والدينية اتهموا الشيوعيين بالتعاون مع اسرائيل والصهيونية في حرب 1948 بدلا من الوقوف مع أبناء شعبهم في وقت الشدة ؟ ".

ويقول  في آخر صفحة 148 من كتابه ما يلي: " لا خلاف أنّ أعضاء عصبة التحرر الوطني أدّوا دوراً مهماً في قيادة البقية الباقية من الفلسطينيين في حيفا والجليل أيام النكبة بصورة خاصة، ثم في اسرائيل لاحقاً. فبعد انضمام أغلبيتهم إلى الحزب الشيوعي الاسرائيلي (ماكي) كان لهم حصة الأسد في مقارعة الحكم العسكري وسياساته التعسفية، وأثمر هذا النضال في السبعينات بوصول توفيق زيّاد إلى رئاسة بلدية الناصرة سنة 1975 وبأحداث يوم الأرض في السنة التالية، ثم حصول الحزب الشيوعي على اكثر من نصف أصوات الناخبين العرب في انتخابات الكنيست سنة 1977، وكانت هذه النجاحات تتويجاّ لنضالات الشيوعيين والتفاف الوطنيين العرب في اسرائيل حول حزبهم، فقد ظلّ (ماكي) ثم (حداش) بعد سنة 1965 الإطار السياسي المعارض الوحيد من الأقلية الفلسطينية في الداخل حتى الثمانينات،  فمنح هذا الدور القيادي للشيوعيين وبحقّ احترام الباحثين والناشطين الذين ثمّنوا تضحياتهم ونجاحهم في قيادة الفلسطينيين في الداخل، فالمؤلف (أي عادل منّاع) يُثّمن عالياً دور الشيوعيين التاريخي بعد النكبة، ويعتقد أن الصورة تكون أصدق وأشمل إذا ما أضفنا إليها جوانب تمّ التعتيم عليها في تاريخ هذا الحزب خلال حرب 1948... كما أن مهادنة عسكرهم للصهيونية العمّالية الحاكمة في اسرائيل حينذاك هي جانب يجب عدم إهماله في عملية تقويم  دوره التاريخي".

ويبدو أن عادل مناع يناقض نفسه بنفسه، ويدس السم في الدسم. فقد وقف الشيوعيون وعلى رأسهم الرفيق القائد توفيق طوبي، ضد عمليات التهجير وطرد المواطنين الفلسطينيين من ديارهم، واثار ذلك في الكنيست. يقول عادل مناع في كتابه صفحة "233": " ففي اواخر عام 1949 طرح توفيق طوبي مسالة تفتيش الجيش في القرى العربية امام الكنيست. وفي خطاب شديد اللهجة وضع نواب الكنيست أمام تفصيلات أعمال طرد السكان العرب، فبدأ بذكر ما جاء في الصحافة عن إبعاد "500 متسلل" ثم اقتبس بعض أقوال الصحافة العبرية التي مدحت "تصرف الجيش الجيد"...  ثم اتنقل من العموميات إلى تخصيص حديثه عمّا جرى في مجد الكروم، فقال: " إن بين المطرودين من هذه القرية 200 رجل و100 امرأة وطفل".. واستمر طوبي في خطابه الهجومي قائلاً: "إنه يصعب التحدث عن معاملة انسانية لفرق الجيش التي قامت بعملية الطرد، فبعض الحالات التي سمعتُ عنها حين زيارتي للقرية ما هو إلا وصمة عار على جبين المسؤولين في حكومة اسرائيل" ثم انتقل الحديث عن اعمال الطرد في شفا عمرو، ودير الأسد، والبعنة..... وكان لخطابه وقع قاسٍ على رئيس الحكومة بن غوريون، ووزير الدفاع الذي طلب حق الكلام ليرد على الخطاب والاقتراح بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية. وبداية عبر بن غوريون عن استغرابه من طريقة إدارة الجلسة التي سمحت لأقوال طوبي من على منصة الكنيست.

وفي خطاب دفاعي/ هجومي أُتهم توفيق طوبي بالإساءة إلى دولة اسرائيل وجيشها... وانتقل رئيس الحكومة إلى الهجوم قائلاً: "إنها ليست المرة الأولى التي يقوم بها طوبي بهذا النوع من التشهير." وأضاف: "هذا التشهير الآن ليس إلا استمراراً للتحريض الذي قام به حزبه سنوات طويلة بالتعاون مع المفتي". وخلال النقاش العاصف هاجم بن غوريون النائب طوبي وهو يغلي من الغضب قائلاً: "أسكت انك تجلس هنا بفضلنا".

يقول عادل مناع: "إنهم (أي الشيوعيين) قادوا نضالاً جريئاً ضد الحكم العسكري وعملائه، كما رعَوْا الحياة الثقافية التي أنبتت شعر المقاومة.... ونجاحاتهم كانت تتويجاً لنضالات الشيوعيين والتفاف الوطنيين العرب في اسرائيل حول حزبهم .. وكان لهم حصة الأسد في مقارعة الحكم العسكري، وسياساته التعسفية... ثم حصولهم على أكثر من نصف أصوات العرب في انتخابات الكنيست عام 1977... وكانوا الاطار السياسي المعارض الوحيد من الأقلية الفلسطينية في الداخل عام 1965 حتى الثمانينيات، فمنح هذا الدور القيادي للشيوعيين وبحقّ احترام الباحثين الذين ثمنوا تضحياتهم ونجاحهم في قيادة الفلسطينيين في الداخل، وهو ( أي عادل مناع) يثمن عالياً دور الشيوعيين التاريخي بعد النكبة. وفي الوقت ذاته يقول: "كما ان مهادنة عسكرهم للصهيونية العمالية الحاكمة في اسرائيل هي جانب يجب عدم اهماله في عملية تقويم دوره التاريخي أي( الحزب الشيوعي)".

فإذا كانت: " هذه النجاحات (والمواقف الشجاعة) تتويجاً لنضالات الشيوعيين والتفاف الوطنيين العرب في اسرائيل حول حزبهم، وكذلك احترام الباحثين الذين ثمنوا تضحياتهم ونجاحهم في قيادة الفلسطينيين في الداخل فإن ذلك يكفي الشيوعيين ويزيدهم فخراً، ولن يأبهوا لترّهات "ناشطي الحركات القومجية المتخلفة والقوى الدينية المتطرفة من جماعات الاسلام السياسي التي تستخدم الدين وسيلة لأطماعها ومصالحها الخاصة، وليس لمصلحة الشعب، وأبنائه المظلومين، وهي تعادي الشيوعيين وتختلف بل وتتعارض معهم فكرياً وسياسياً وثقافياً وممارسةً، ونحن نقول لعادل مناع وغيره: " نحن الشيوعيين لا نخشى ولا نخاف من ذكر أخطائنا، فكل انسان يخطئ، وعليه أن يتعلم من خطئه". فالموتى هم الذين لا يخطئون كما قال لينين.

وإن محاولات عادل مناع، واعتماده على عشرات المصادر العبرية الإعلامية والعسكرية، واللقاءات مع شخصيات اسرائيلية، وتقارير الضباط الصهاينة اثناء الحرب، والتخفي وراء ما سماه أخطاء الشيوعيين والتعتيم عليها لشنّ حملة تشهير بائسة ضد الشيوعيين تشي بمن وراءها من أيدٍ خفية، وتحريض مقصود ومدبر منذ زمن، وإلا ماذا يفيدك أو يضرك إذا ذَكر الشيوعيون أخطاءهم أو لم يذكروها لتشن عليهم حملة تشويه مفضوحة، ستذروها الحقائق وستذهب قبض الريح.

انتهى

رام الله، 1 تشرين الأول 2016

 

[1] المصدر: إطلالة (1) على القضية الفلسطينية. صفحات 64، و65، و66 للباحث عبد المجيد حمدان.

[2] الاطلالة (1) مصدر سبق ذكره

[3] كتاب الإطلالة (2) على القضية الفلسطينية صفحة 144. عبد المجيد حمدان.

[4] المصدر السابق صفحة 173.

[5] انظر إطلالة (2) صفحات 146، 147، 148 . مصدر سبق ذكره.

[6]  تاريخ الأقطار العربية المعاصر – صادر عن أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي- معهد الاستشراق. المجلد الثاني، دار التقدم. موسكو 1975- وانظر تيسير العاروري، الهزائم ليست قدراً ، مطبعة ادم رام الله 2013.

[7] المصدر: الموسوعة الفلسطينية. رئيس مجلس الإدارة. د. أسعد عبد الرحمن