2017-07-16

بلفور وتداعياته الكارثية.. من هم الهمج نحن ام هم؟

(الحلقة الثالثة)

سعيد مضية

مقاومة فلسطينية متعثرة

رياح الكولنيالية لتي هبت على المنطقة على مشارف القرن الماضي اشبه بالصبوة حرقت البراعم المتفتحة وحالت دون التطور المستقل للأفكار التنويرية االمستيقظة على فجر لاحت تباشيره. من اوائل المنورين في فلسطين، روحي الخالدي استيقظ وعيه على الاستيطان اليهودي بفلسطين. كان الاستيطان محور  اهتماماته  كنائب في مجلس المبعوثان. وكباحث متمرس اجرى دراسة ميدانية استوفت شروط البحث الموضوعي التنويري. عنوان الدراسة «مقدمة في مسألة الزيونيزم »، وهي وثيقة تاريخية، انتهى الكاتب من خطوطها العامة في العام 1912م.

جاءت الدراسة نتيجة معاينات ميدانية وثقافة سياسية عميقة. فقد استثمر كاتبها عضويته في مجلس المبعوثان وطاف بالمستوطنات. تجلت المنهجية العلمية الصارمة في بحث روحي الخالدي، وهو أول دراسة أكاديمية بالعربية عن الحركة الصهيونية: الأسباب والدوافع التي أدت إلى قيام الحركة الصهيونية في القرن العشرين، وفي علاقة اليهود الدينية بفلسطين، وعلاقتهم بالعرب والدول الإسلامية على مر العصور، وفي مداولات المؤتمرات الصهيونية وقراراتها، بدءاً بالمؤتمر الأول، وفي المؤسسات الصهيونية واليهودية في فلسطين. لم يتهرب من الحقائق، شان من أعقبوه في مقاربة الاستيطان الصهيوني. استند إلى المعلومات المثبتة. تناول مسألة مستعمرات اليهود وجمعياتهم وتدريباتهم العسكرية، ومحاكم وإدارة ذاتية؛ أسسوا بنكاً باسم بنك الاستعمار اليهودي، لاستلام إعانات شهرية. وذكر أيضا التحضيرات التي أعدها الصهاينة تمهيدا لإقامة الدولة، كما أتى على ذكر مدارسهم الراقية والأموال الطائلة التي يجمعونها كي ينفقوها على مشاريعهم الاستيطانية، وكلها موثقة. "وكلاء الإدارة العثمانية يبذرون ويسرقون، والمستعمرون يعيشون عيشة الترف والقصف". في مقابل الفلاح الفلسطيني المغتصب تقف، كما يشير الخالدي، "مزارع يهودية فيها آلات زراعية من الطراز الأوروبي الجديد ومدارس وأطباء وجمعيات صهيونية منظمة"...

 كان ينوي تنقيحها والتدقيق في ارقامها؛ لكن عاجله الموت عام 1913..

تطرق إلى الصحافة التي حظيت بأهمية كبيرة لدى مؤسسي الحركة الصهيونية.كانوا في صحفهم يستخدمون كَتَبة من غير اليهود ’لكي لا يسيء الناس الظن بهم، عند دفاعهم عن المصالح الصهيونية'". خصّ الصحف الناطقة بالعربية: "استعملوا هذه الواسطة مع بعض الجرائد السورية كجريدة النصير الصادرة في بيروت وجريدة النفير في القدس وجريدة الأخبار في يافا وغيرها. فإذا نشرت مقالة في جريدة النصير مثلا نقلتها جريدة "جون ترك" في الحال. وأوهمت القارئ أن الدفاع (عن الصهيونية) جاء في صحيفة سورية معتبرة".

حُجِبت الدراسة عند جمعية صهيونية حتى العام 1997، فلم يستفد اللاحقون من خبرة باحث التقط مخاطر المشروع الصهيوني قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى وصدور (وعد بلفور)، وقبل افتضاح أمر اتفاقات (سايكس _ بيكو). حذر، من خلاصة اطلاعاته، اننا ذاهبون إلى كارثة إن استمر الحال على ما هو عليه؛  فقدان الوثيقة اضاع  الفرصة على الباحثين اللاحقين كي يستلهموا منهجية علمية لباحث متمرس وموضوعي وغزير الثقافة استطاع تكوين صورة موضوعية للاستيطان الصهيوني بفلسطين.

مقابل هذا التوجه الموضوعي، أهدرت الزعامات القومية الفلسطينية، وكلهم زعماء عشائر تطفلوا على النشاط الوطني بغير دراية او وعي بحقيقة مخاطر الغزو الاستيطاني ودعامته الانتداب البريطاني. مع فرض الانتداب على فلسطين برزت المقاومة الفلسطينية على شكل مؤتمرات عقدتها الجمعيات المسيحية الإسلامية. تشكلت الجمعيات الإسلامية المسيحية في معظم مدن فلسطين بدعوة من شيخ الصحفيين الفلسطينيين، نجيب نصار، صاحب الكرمل التي كانت تصدر في حيفا. انتخبت الجمعيات في مؤتمراتها لجنة تنفيذية ظلت تواصل النشاط الوطني حتى عام 1934.

اهدرت تلك الزعامات عقدا كاملا من الزمن تلوذ برحاب المندوب السامي وتتغزل رومنسيتها السياسية بديمقراطية بريطانيا .. تلومها من منطلق أخلاقي منافق. حقا امتنع مثقف مثل خليل السكاكيني عن العمل في التعليم احتجاجا على تولي الصهيوني هربرت صمويل منصب المندوب السامي. واضرب في ثلاثينات القرن الماضي عن التعاون مع الإذاعة لدى سماع مذيع يهودي يقول بالعبرية هنا أرض إسرائيل.  لم يعد السكاكيني لإلقاء كلماته بالإذاعة إلا بعد تلقي وعد من إدارة المندوب بعدم ذكر العبارة.

 حدث نفور من مسلك الحركة القومية بين المثقفين، امثال خليل السكاكيني وخليل بيدس ونجيب نصار وإسعاف النشاشيبي وبندلي الجوزي واليساريين أمثال حمدي الحسيني والحزب الشيوعي. فقد هادنت الانتداب متوهمة استمالته للوقوف ضد الهجرة والاستيطان الصهيونيين.

حتى لقد بلغ الإسفاف بالعناصر القومية أن راحوا يحذرون المندوب السامي من خطر الشيوعية الوافد حسب زعمهم مع الهجرة اليهودية. التباسات السياسة دشنت مرحلة من القطيعة بين السياسة والثقافة في النشاط الوطني الفلسطيني، لم يجسره لفترة قصيرة غير تشكل عصبة التحرر الوطني ونشاطها الممتد لفترة تقل عن العقد؛ لم ترْسِ ثقافتها التقدمية ومنهجيتها العلمية تقاليد لها في المجتمع الفلسطيني.

بادر موسى البديري بإجراء حوارات مع شيوعيين فلسطينيين من الجيل الأول، وجمع شهادات عديدة ضمها في كتاب اصدره العام 2013. تقول إحدى الشهادات، حدثت اولى الاحتجاجات الشعبية ضد تهجير المزارعين من اراضيهم، عندما اعتصم الفلاحون العرب في قرية العفولة عام 1923. وفي شهادة جوزيف بيرغر برزيلاي شارك الحزب الشيوعي"في مقاومة إجلائهم عن اراضيهم ودعاهم إلى التمسك بها ورفض بيعها للمهاجرين اليهود. استطاع إقامة علاقات مع بعض الفلاحين؛ ولم تستمر"(4/ 38). كان أكثرية أعضاء الحزب الشيوعي خلال عشرينات القرن الماضي من اليهود. بسبب ذلك، حسب شهادة عبد الرحيم العراقي "واجه الحزب عداء الحركة الوطنية وعداء الإنجليز وعداء الهيئات الدينية وعداء الحركة الصهيونية؛ ولا أظن ان الظروف القائمة في اوائل الثلاثينات كانت تسمح بان ينمو ويتطور الحزب اكثر ما حصل في الواقع (4/96). علاوة على ذلك " كانت سلطات الانتداب البريطاني ، عندما تقوم باعتقال شيوعيين يهود، تقوم بطردهم خارج البلاد.عندما كانت ترسو سفن سوفييتية في موانئ فلسطين كانت السلطات تضع هؤلاء السجناء على متنها (4/100).

حدثت انتفاضة البراق آب 1929. راى الكومنترن في الأحداث حركة مناهضة للامبريالية (4/40). وحسب شهادة خليل البديري، " في مؤتمر مكافحة الاستعمار قام مندوب بوعالي صهيون بإلقاء كلمة وقام بالرد عليه ممثل الحزب الشيوعي البريطاني سكلا تفالا، وكان نائبا بالبرلمان واسكته. وقد اقر المؤتمر في ختام جلساته قرارا يؤيد مطالب فلسطين في الاستقلال، وشجب الصهيونية ووعد بلفور.

في 15 نيسان1930 هاج الرأي العام بعد ان أحضرت سلطات الانتداب شاحنات لتهجير عرب وادي الحوارث من ديارهم على ساحل المتوسط وتسليمها الى المستعمرين . في الحال جند الشيوعيون انفسهم للوقوف بجانبهم. شارك رفاق عرب ويهود في الاعتصام الذي قام به فلاحو وادي الحوارث دفاعا عن أراضيهم. أفاد سكرتير الحزب، رضوان الحلو ان " ان الرفيقين خليل الشنير وسعيد قبلان كانا ضمن الرفاق الذين لعبوا دورا هاما في هذا الاعتصام."(4/69).

وفي شهادة سعيد قبلان "ساهمت في تثوير الوضع في وادي الحوارث، كنت دائم التواجد هناك. كما اني قمت بتوزيع النشرات الحزبية  وشاركت مع شيوعيين آخرين في الالتقاء مع الفلاحين العرب  وشرح الأهداف السياسية لهم ، ثم انتقلت إلى العمل النقابي(4/143) .  كانت سلطات الانتداب تقوم باعتقالات دورية ، وبخاصة في ذكرى المناسبات التي كانت تعقد عادة في تجمعات جماهيرية.كما كانت تشن حملات إبعاد مستمرة في حق الرفاق اليهود(4/144).

اضطرت الزعامات التقليدية لمجاراة الضغط الشعبي. وفي أحد التقارير المرفوعة إلى وزارة المستعمرات في لندن ان الجماهير الفلسطينية باتت تحوز على درجة عالية من الوعي. القلق من الهجرة وتشييد المستعمرات دفع الجماهير لمعرفة ما يدور حولها، وتتابع الأحداث بصورة متواترة. حدث تحول عميق في الوعي الاجتماعي. "رغم الأمية واسعة الانتشار فقد كانت جماعات تتحلق حول رجل يجيد القراءة في حي بالمدينة او قرية ، ويقرأ الصحف والنشرات السياسية للآخرين. وبهذه الطريقة كانت صحيفة النور(صحيقة يسارية) ونشرات الحزب تصل الجمهور". (4/96).

شرعت اللجنة التنفيذية تنظم المظاهرات في عدة مدن؛ في إحداها أصيب عام 1933 رئيس اللجنة التنفيذية، كاظم الحسيني، وتوفي متأثرا بجراحه عام 1934. توقف نشاط اللجنة التنفيذية بعد وفاة رئيسها كاظم الحسيني. بانتهاء عمل اللجنة التنفيذية تشكلت في العام 1935، أحزاب أبرزها اثنان :

1- حزب الدفاع برئاسة راغب النشاشيبي.اطلق عليه الاسم حزب البلديات لأن معظم أعضاء لجنته المركزية رؤساء بلديات. لم يعلن موقفا من تأسيس وطن قومي بفلسطين؛ ولم يعلن عن موقف من الصهيونية.

2- وردا على الخطوة تداعى ألف وخمسمائة من رؤساء العشائر والمثقفين للاجتماع بفندق الأوقاف بالقدس يوم 17 آذار 1935 وانتخبوا جمال الحسيني رئيسا للحزب العربي.عارض سياسات الانتداب والمشروع الصهيوني، لكن اصابته عدوى العداء لليسار الفلسطيني. 

تشكلت اللجنة العربية العليا شارك في قيادتها راغب النشاشيبي ويعقوب فراج. استقالا احتجاجا على هيمنة الحسيني على القيادة.

تحدى فخري النشاشيبي الثورة والحاج امين الحسيني وبعث رسالة إلى المندوب السامي يعلن موافقته على خطة بريطانيا بما في ذلك إنشاء وطن قومي يهودي بفلسطين وذلك بحجة تجنيب الشعب الفلسطيني المآسي. وبرعاية بريطانية شكل فخري كتائب السلام لمقاومة ثورة 1936-39 وشكل روابط القرى للتعاون مع الانتداب.

أتاح المستوى المتدني نسبيا لتكنولوجيا السلاح استعصاء الكفاح المسلح لسنوات على الجبال وفي الكهوف. الطرق المعبدة لم تصل الأرياف مما اضطر الدوريات العسكرية مطاردة الثوار فوق الخيول. لم تدخل الخدمة الحوامات تهبط فوق أي بقعة وتصلها خلال دقائق. ولم تدخل أجهزة تصنت وتجسس عالية التقنية، تخطف المقاوم لحظة تفكيره الانخراط في النشاط بدون خبرة متوارثة. وكانت ادوات القتل والتدمير محدودة القوة.

في عرض قدمه الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، لكتاب الصحفي الإيرلندي ديفيد كرونين، المقيم في بروكسل " ظل بلفور : قرن من الدعم البريطاني لإسرائيل" ، أشار إلى أن  آرثور واتشوب،(المندوب السامي البريطاني تسلم منصبه عام 1931)  كتب في مذكراته " الموضوع الذي يشغل عقول الفلسطينيين اليوم هو... الرعب من زمن قادم  يغلبون على امرهم ويكابدون بينما اليهود يهيمنون على كل مجالات الأرض والتجارة والحياة السياسية". كم كان مصيبا، يقول فيسك.

تحدث سكرتير الحزب الشيوعي في ثلاثينات القرن الماضي ، رضوان الحلو، عن جهود مثابرة بذلها الحزب في"محاولات توثيق صلاته مع الجناح الراديكالي للحركة الوطنية ، وعلى وجه الخصوص - حزب الاستقلال والمجموعة الملتفة حول حمدي الحسيني ، أذكر منهم هاشم السبع واسماعيل الطوباسي  ومحمد نمر عودة  واكرم زعيتر وعجاج نويهض  وعزة دروزة ... كان الحزب على اتصال مع القساميين منذ البداية"(4/68).

ومع اول ظهور لعمليات مسلحة قادها أبو جلدة والعرميط "أشار إليها الحزب في نشراته" (4/70). وفي شهادة عبد الرحيم العراقي، " شاركت في حملة تأييد ابو جلدة والعرميط ، وقمت بكتابة عدد كبير من المنشورات تمجدهما وتذكر شجاعتهما وبطشهما. وقد أصدر الحزب مناشير عديدة تدعو الى تأييدهما ويحاول تشر روح التمرد والثورة. رأى الحزب في تأييدهما تأييدا لروح التحدي العنيفة والكفاح المسلح في فلسطين"(4/96).

كان الشيخ عز الدين القسام يخطب في جامع الاستقلال بحيفا محذرا من مخاطر الهجرة اليهودية واستيطان اليهود بمختلف أرجاء البلاد. كانت دعوة القسام للثورة تحديا لسياسة المفتي،التي كانت معادية لليهود، وليس للاستعمار البريطاني. واذكر ان حمدي الحسيني ومحمد نمر عودة نشرا بيانا فور شيوع نبأ مقتله تأييدا لنهجه في مقاومة نهج بريطانيا الاستعمارية (4/119).

وفي نفس الشهادة يقول خليل البديري، "صدرت دعوات عديدة للاضراب بعد استشهاد القسام.أذكر ان مجموعة ضمت شكري قطينة وحنا خلف  وعبد الله البندك وعجاج نويهض وخليل البديري قاموا بنشر نداء عنوانه 'لا ضرائب بدون تمثيل’ يطالب بالعصيان المدني."

ولدى نشوب الثورة أعرب الحزب عن تأييده المطلق للإضراب والثورة،أعلن ذلك في منشوراته التي طالبت بالاضراب وشن نضال حازم ضد الاستعمار البريطاني.(4/70) .

وحسب شهادة بنينا فاينهارس، "كان الرفاق تسمحا وموسى (رضوان الحلو) يؤيدون بلا تحفظ الثورة 1936- 1939، ما ادى الى إهمال الجزء اليهودي من سكان البلاد. أحد اعضاء الحزب قام بوضع عبوة ناسفة امام نادي الهستدروت. اظن ان تسمحا وموسى قام بهذا العمل لإظهار تأييدهما للثورة. لاحقا اخبرتني تسمحا ان المفتي طلب من الحزب القيام بعمل ضد الهستدروت، لأن الأخير كان عماد الحركة الصهيونية  في البلاد، وان تسمحا ايدت هذا العمل وما زالت على رأيها هذا"(4/109).

اما محمد نمر عودة الذي شغل في تلك الأثناء أحد أعضاء قيادة الحزب فيقول  "كنت انا مع تسمحا زيباري من خلال السكرتاريا على اطلاع مسبق على العمليات العسكرية المسلحة التي كانت الحركة الوطنية تقوم بها.... انا كنت احد الذين عارضوا سياسة المفتي قبيل اندلاع الثورة.

في اجتماع عقد بحيفا بعد مقتل القسام شارك فيه حمدي الحسيني واكرم زعيتر وآخرون، وكنت رئيس الاجتماع، طالبت باستقالة جميع موظفي حكومة الانتداب العرب، بمن فيهم المفتي نفسه(4/154).

وفي شهادته يقول نجاتي صدقي، أقدم عضو عربي في الحزب،" أعداد اليهود الذين تركوا الحزب لم تكن كبيرة ، وقد طرد الحزب من صفوفه اولئك الذين أصروا على رؤية أحداث العام 1929 كبوغروم (مجزرة)، وكذلك اولئك الذين  اتخذوا خطا مناهضا لسياسة التعريب(4/86).

في ذلك الوقت كانت سلطات الانتداب تقوم بإبعاد الشيوعيين اليهود الذين يلقى القبض عليهم  اذا لم يكونوا قد انهوا إجراءات الحصول على الجنسية الفلسطينية، وكان بعض الرفاق اليهود المعارضين لسياسة الحزب يسمحون لأنفسهم الوقوع بأيدي البوليس في المظاهرات التي كان الحزب يقوم بها  لكي يبعدوا الى الاتحاد السوفييتي"(4/87).

أثناء الثورة حسب شهادة سكرتير الحزب، رضوان الحلو، "كان هناك اتصال مع مجموعة القائد حسن سلامه، وكان الرفاق يساهمون في تصليح الألغام القديمة وتدريب الثوار على استخدامها. وقمت انا بصفتي سكرتير الحزب بمشاورات مع بعض القادة العسكريين للثورة، الذين رحبوا بتأييد الحزب . وكان الحزب على اتصال مع  مجموعة من القساميين في سجن عكا.... إن خط الحزب كان مقبولا من قبل الرفاق العرب واليهود في السكرتاريا، الرفاق اليهود أيدوا وقوف الحزب مع الثورة(4/72)... في اواخر عام 1939 القى القبض  علي وعلى سعيد قبلان، وكان حينئذ عضوا باللجنة المركزية للحزب في يافا (4/74)... أخذنا إلى مقر حسن سلامة في الجبال؛ لم يدم اعتقالنا اكثر من يومين، إذ التقينا هناك بالرفيق فخري مرقة احد معاوني حسن سلامه، وكان عضوا في الحزب واستطاع أن يقنع قائده بإطلاق سراحنا"(4،75).

 قال فخري مرقة في شهادته، " تعرفت على الحزب وانا اخدم بالبوليس في مدينة المجدل عام 1936 عن طريق مخلص عمرو.. كان مخلص يعمل في صفوف الثورة، وكان مفعما بالنشاط.

في البداية تنظمت في صفوف الثورة، ولم يخبرني مخلص عمرو عن علاقته بالحزب الشيوعي، وبعد فترة قدمني الى محمد نمر عودة الذي طلب مني الانضمام الى الحزب  ووافقت.  لم أترك عملي في سلك البوليس، إذ كان الرأي مستقرا على أن استمراري في العمل يمكن ان يساعد الحزب"(4/211).... " بدات أشعر أن السلطات باتت تشك في انخراطي بالعمل المسلح، فهربت وتوجهت الى يافا. كنت على علاقة وثيقة مع محمد نمر عودة في ذلك الحين.... كنا نقوم بنسف خطوط السكك الحديدية وقطع أسلاك الكهرباء واقتلاع الأشجار من المزارع التي يمتلكها الرأسماليون اليهود...طلب مني الشيخ حسن سلامه أن انضم الى مجموعته في الجبال وانضممت. لم يكن هذا قرارا فرديا ، إذ استشرت الحزب بعدما التقيت به.

وافق الحزب وبقيت في الجبال إلى ان القي القبض علي اوائل العام 1939. قدمت للمحاكمة وصدر الحكم علي بالسجن مدى الحياة ونجحت في الفرار في نيسان 1946(4/212) .

ثم شهادة عبد الله البندك،  "خلال الثورة عرفني محمد نمر عودة على شاب من الناصرة  كانت السلطات البريطانية قد أبعدته الى مدينة الخليل بسبب نشاطه في تنظيم عمال شركة التبغ  اسمه فؤاد نصار . لم يكن الشاب عضوا في الحزب الشيوعي. وعندما اتخذ الحزب قراره بالمشاركة في الثورة المسلحة انضم هذا الشاب الى إحدى الفصائل ثم شكل مجموعته الخاصة في منطقة بيت جالا، كنت على اتصال دائم معه. إذ كنت التقيه في الجبال وازوده بالمناشير والمطبوعات الحزبية(4/189).

تصاعد النشاط الثوري واتسعت مشاركة النساء الفلسطينيات في النضال الثوري. وفي بحث استوفى شروط المنهجية العلمية توفرت مواد ووثائق تثبت دورا ماجدا للنساء في دعم النشاط الثوري. نشرت نتائج البحث في عدة اجزاء حررتها الدكتورة فيحاء عبد الهادي. للدلالة على الأثر الاجتماعي الذي تركته تجربة مشاركة النساء في الثورة وقائع مؤتمر نسائي عقد بالقاهرة.

كان مؤتمرا للنساء الشرقيات للدفاع عن فلسطين بدعوة من هدى شعراوي، عقد خلال الفترة 15-17اأكتوبر / تشرين اول1938، وفي رواية اخرى 15-18 تشرين ثاني / نوفمبر من نفس العام. شارك في المؤتمر وفد نسائي من فلسطين ضم 24 امرأة بينهن ميمنة بنت عزالدين القسام. وافقت والدتها على سفرها لدى معرفتها انها ستسافر مع ساذج نصار. القت ميمنة كلمة الوفد . كانت بليغة ومؤثرة، "ساعدت على تقبل الحضور للسيدات اللواتي مثلتهن الكلمةُ السياسيةُ الثورية". قالت ميمنة :بدهم اياني خلاص حتّموا ... شاوروا امي ، قالت أنا ببعثهاش. قالوا معها مرافقة. مين المرافقة؟ ساذج نصار . وافقت الأم".

ساذج وزوجها، رئيس تحرير صحيفة الكرمل الحيفاوية مسيحيان. فأن تثق زوجة رجل تقي مثل عز الدين القسام بأسرة مسيحية يعني الكثير المفقود في أيامنا بفعل الدعاية السلفية المعاقة المنتعشة في مرحلة ردة سياسية-اجتماعية.

تحدث اكثر من شاهد بينهم الشاعر هارون هاشم رشيد والمناضلة سعاد توفيق أبو السعود عن تشكل إطار نسوي باسم "رفيقات القسام"، ضم العديدات من قرية الشيخ ونساء اخريات مثل رقية الحوري من حيفا  وخزنة الخطيب ونايفة الزبن التي كان بيتها ملتقى نساء الإطار. كانت تتردد على بيت نايفة نساء من الطيرة ومن عكا. كانت النسوة المسنات يقمن بغسل ملابس المناضلين، حين يصعدون الجبال للتدرب، ويحضرن الأطعمة خبزا ومؤنا ويصعد بها الصبايا الجبال حيث يقيم المناضلون. وكن يجمعن التبرعات  وبعضهن يستقبلن المجاهدين الجرحى في بيوتهن. تفكك الإطار باستشهاد القسام.

بينت الدراسة أن المرأة في المدن توجهت إلى التوعية بالكتابة الصحفية وتوجيه المذكرات وإصدار المنشورات، والتحريض المباشر لتحفيز الهمم والتوعية. حين أعلن الإضراب العام  في 9 نيسان/ إبريل1936، قاطع الجميع متاجر اليهود. أضرب الطلبة ذكورا وإناثا ولم تردعهم /ن التهديدات بضياع السنة الدراسية. ساهم الإضراب في نشر محنة الفلسطينيين في انحاء العالم.

وكتب اول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو في مذكراته عن الإضراب شارحا محنة الشعب الفلسطيني وقلقه.بعد اشتعال الثورة شرعت جمعية النساء العربيات والاتحاد النسائي الفلسطيني تقديم المساعدات للمعتقلين وللمعوزين. نظمت نساء المدن دورات في الإسعافات الأولية في احد نوادي القدس، وفتحن دورات لمكافحة الأمية. قامت جمعية النساء العربيات بجمع تبرعات وتنظيم المعارض.

في قضاء طولكرم اسست وديعة خرطبيل جمعية نظمت زيارات للقرى لتقديم المعونات والتوعية. تحدث الشهود عن تنظيم نساء المدينة زيارات إلى القرى (ذنابة، الطيبة، بلعا) لهذه الغاية. ألقت طالبات المدرسة خطبا حماسية، وألقت ميمنة القسام خطبة في مسجد الاستقلال، حيث اعتاد والدها إلقاء خطبه، طالبت بالثأر لأبيها. وفي مدينة غزة ألقت طالبة خطبة من على منبر الجامع وألقت علم فلسطين فتلقفه الشباب وخرجوا في مظاهرة سقط فيها شهيد. ثم ألقت كلمة بالكنيسة .

ذكر هارون هاشم رشيد وعبد القادر ياسين أن الطالبة رباب الحسيني ابنة (يساري مرموق) تقدمت مظاهرة شارك فيها رجال دين مسيحيون ومسلمون وسارت عبر شارع عمر المختار في غزة، اعترضها حاجز اقامته شرطة الانتداب، وصرخت رباب الى الأمام وفردت العلم الفلسطيني واندفع شاب أطلقت الشرطة عليه النار وسقط صريعا.اندفع المتظاهرون بقوة  وحطموا الحواجز.

وفي يافا نظمت مظاهرة قادتها إديل قنازع ومتيل مغنم ، وكذلك جرت في الناصرة مظاهرات. نظمت مظاهرات في المدن  حملت مطالب اجتماعية مثل خلع الحجاب، وجرت في القرى مظاهرات لاستقبال الشهداء .

اهتمت نساء المدينة بإلصاق المناشير التحريضية ليلا، وتشكيل جمعيات خيرية وعقد المؤتمرات داخل فلسطين، ومؤتمرات عربية في القاهرة، حيث حظي نضال المراة الفلسطينية بدعم ومساندة المناضلة المصرية هدى شعراوي. شاركت في الأنشطة الكاتبة ساذج نصار، زوجة شيخ الصحفيين الفلسطينيين نجيب نصار، وتحت إرشادها نشطت ميمنة القسام، ابنة القائد الشهيد.

هذا، بينما شاركت المراة الريفية بنقل السلاح وإخفائه وتنظيفه وبتزويد المناضلين بالمؤن والماء والذخيرة ونقل رسائلهم وإخفائهم واستطلاع الطرق وتقديم إسعافات اولية مبسطة.. بينت شهادات الرواة الشهود، من رجال ونساء أن القرويات كن يصعدن الجبال ليلا يحملن قرب الماء والمواد التموينية، وإذا صدف وقابلهن الجنود يجبنهم انهن ذاهبات إلى(المشحرة- حيث يصنع الفحم) ليطفئن الفحم الملتهب. البعض اخفين  السلاح بين رزم الحطب، أو الخضار وحملنه على رؤوسهن، ولدى الرجوع يلتقطن الزيتون كي لا يثرن شكوك الجنود الانجليز.

وفي قرية حلحول حجزت سلطات الانتداب مجموعة من الشباب في ساحة مكشوفة أحاطتها بأسلاك شائكة (تيل بلغة اهل القرية) ومنعت عنهم الطعام والشراب أياما متتالية. عرفت الحادثة باسم التيل وعامها 1938 عام التيل، أرّخت به الولادات والوفيات والأحداث. كان ذلك في شهر حزيران وتحت شمسه الحارقة. تظاهرت نسوة البلدة ضد الحصار وجلبن الأطعمة والمياه التي القاها الجنود على الأرض امام أنظار المعتقلين. توجهن إلى القدس يقدمن المذكرات إلى السفارات والقنصليات. سقط عدد من المعتقلين صرعى الجوع والعطش. وصلت أخبار الحصار لندن وأثيرت داخل مجلس العموم. أنكر رئيس الوزراء الخبر ونفى ان يقْدم "اكثر جيوش العالم أخلاقية" على تصرف كهذا. لكن وفدا طبيا زار المعتقل واجرى كشفا على المعتقلين وحذر من أن الجميع سيلقون حتفهم خلال يوم او يومين ، كما قدم توصيات بصدد كيفية إطعام من بقي على قيد الحياة.

بشهادة يسرى البربري" اشتركت المرأة بالنضال  العسكري مع الرجل . كانت هي التي تمون وتمول رجال المقاومة في الجبال والكهوف، وكانت تقوم بدور المخابرات: تنقل الأخبار لرجال المقاومة، وتتلقى التعليمات تنقلها للخارج....". في ثورة 1936ذاع صيت الحاجة عائشة أبو الغيدا الشوكانية، إحدى النساء اللواتي شاركن في العمليات القتالية مع المجاهدين. واشتهرت أيضا رقية بنت الشيخ محمود عبد الرحيم ، كانت تتبع الثوار في المغاور وعلى ذرى الجبال، تحمل المؤن للثوار وتنقل لهم تحركات الدوريات العسكرية. كانت نساء المدن ينقلن أخبار تحركات الجيش الى النساء القرويات كي يبلغنها للثوار. وكن يستقبلن القرويات يلبسنهن ملابسهن كي يجلسن ويتداولن الأمور مثل أساليب تضليل الدوريات والجواسيس  وسبل كشف الجواسيس، الذين يتنصتون عند شبابيك البيوت. كانت الطالبات ينظمن دورياتهن لهذه الغاية.

احيانا ترافق بنت على قدر من الشجاعة أحد الثوار،" ماشيات يحملن السلال على الرؤوس، محضرات، ما حدا بيعرفهم. عندما يصير إشي، يعرفوا ، يزتوا الفرد(يرمي المسدس إلى البنت المرافقة)وتتناول الفرد وتحطه في السلة وتحط فوقه خضرة"(أدوار المرأة الفلسطينية ص81).

بقيت حميدة أبو ريا تدب (تملأ) السل كله سلاح،وتحمل السلاح، وتظل طالعة والعسكر يبقوا واقفين على الباب ، تمرق تدب السل وتحط السلاح على زمن الانجليز"(نفس الصفحة).

شهادة الراوية آمنة ألوني: "كل اكم يوم ييجوا يكبسوا البيت كان عنده ( زوجها) مسدس اشتراه من يافا. لما أسمع انهم يعني يخبطوا أعرف التخبيط تاعهم، اربطو على وسطي، والبس فوقه الدشداشة. ثلاث أربع مرات تخبي المسدس"(نفس المصدر 82). السلاح غالي عند المرأة لأنه اشتري بمدخراتها من المصاغ  الذهبي. لم تتلق الثورة دعما بالسلاح او المال.

"هم دخلوا من الباب وهي طلعت من باب آخر يتبعها طفلها الصغير". يحكي ذلك الطفل بعد سنوات: "شافوها بس ما حكيوا معها. في إلنا حاكورة مزروعة بطاطا، راحت على بيت بطاطا وحفرت وقلعت حبات بطاطا ووضعتهم بحجرها.اخرجت المسدس من عبها ووضعته مكان البطاطا، وانتقلت إلى مكان آخر. انا فوق رأسها، كانت في غاية الذكاء مع انها امية. اجا جندي انجليزي انتبه لمغادرتها، وقف فوق رأسها وهي تخرج البطاطا وتضعها في حجرها. قال لها شو بتعملي ؟ اجابت: اطلّع هذا (أشارت إلى البطاطا) علشان اطعم هذا( وأشارت إلي). تركنا ورجع (نفس المصدر 84).

وشهادة اخرى: هو بقى يسلمني البارودة اسخن ميه واغسلها. في إلها حبلة وشريطة قطن. انظفها وازيتها وأعبيها . ييجي يلقاها جاهزة ياخذها ويروح(86).

هذي صبحة العلي، بنت بنوت.كانت تحمل حجر الطاحونة على راسها وتمشي فيه . تخلي الانجليز سهيوا، وترمي الحجر وتطلع تودي لأبو جلدة ولأبو حسب الله السلاح في سلمة(87).

تسأل المستطلعة السيدة خزنة حسن الخطيب عن إطلاق النار وتجيب: الشيخ عز الدين علمني وعلم اولادي.مغطية وفردي على جنبي ، ظليت احارب لطلِعْنا(93).

في قرية بيت ريما ضرب جيش الانتداب حصارا حول القرية بحثا عن أحد قادة الثوار دخل القرية. البس النساء المطلوب ثوب امراة، وخرجن معه للاحتطاب. ولما بلغ الأمان تركنه ورجعن بالحطب.

وفي قلقيلية اتبعت نفس الحيلة لتهريب رجال لجأوا إلى الجامع.

وأبلغت جميلة  عبد الجواد من عناتا ان نساء القرية اعتدن مراقبة الأمكنة وإنذار الثوار حال اقتراب دوريات عسكرية، فساهمن في إنقاذ العديد من الوقوع في قبضة الجيش. وفي إحدى الحالات اخترقت امراة أفراد  الدورية وهي تصرخ بكلمات  وجمل لفتت انتباه الرجال  وانسحبوا ." لولاها كان الجيش قضى علينا".

نثرن المسامير في طرقات سيارات الجيش. أفادت إحدى الشهود: كان عمي نجارا يشتري المسامير، وكل ست تأخذ نصيبها لتلقيه بالطرق وتعطل الدبابات. تحدثت هالة السكاكيني، ابنة الكاتب خليل السكاكيني، عن قذف باصات المستوطنين بالحجارة، وعن إلقاء المسامير على الطرق. كل هذا يدل على أن العمل المسلح رافقه نهوض شعبي كفاحي مواز للكفاح المسلح ومتداخل معه.

حسب شهادت رضوان الحلو، "عن طريق صلات الحزب مع عارف عبد الرزاق استطاع الحزب أن يؤتر على الحركة الوطنية، وقد كان من نتائج هذه العلاقة أن أصدر عارف عبد الرزاق بيانا إلى السكان اليهود يقول فيه ان الثورة ليست موجهة ضد اليهود ودعاهم إلى المشاركة فيها. ونشر البيان في صحيفة الحزب العبرية- كول هعام (4/77).

مقابل هذا الموقف تجلت  النزعة "الحضارية" للصهيونية في دعاية جابوتينسكي في عشرينات القرن الماضي زعيما لتيار صهيوني يرفض براغماتية بن غوريون ويشهرها صريحة ان هدف الصهيونية الاستيلاء على كامل فلسطين. نشر  عام 1923 مقالته "الجدار"، قال فيها ان العرب لا يتنازلون طوعا ولذلك يتوجب إجبارهم على الاستسلام للمشيئة الصهيونية. نظم جابوتينسكي الشباب في تنظيمات شبه عسكرية، التحق بعضهم بأكاديمية بحرية أيطالية بامر من موسوليني. ومن منظماته بزغت جماعات فاشية تعاونت مع المحور أثناء الحرب العالمية الثانية.

ونشط بن غوريون بصهيونيته العملية يراكم "دونما فوق دونم وغنمة مع غنمة"، يستولي على الأراضي بالشراء من خلال الصندوق القومي اليهيدي (كيرن كاييمت). استفاد الاستيطان من قانون عثماني صدر العام 1858 عهد إلى الأعيان وافندية المدن الأطنان الواسعة التي عمل عليها المزارعون وأجدادهم عبر قرون. استطاع الأعيان أن يتملّكوا الأراضي التي كانوا يتولون الجباية منها. تحوّلوا إلى ملّاك أرض كبار، وأصبحت السلطنة، خصوصاً في الأقاليم، "دولة ملّاك الأرض". وهؤلاء خضعوا لإغراءات أموال الكيرن كايمت (صندوق الأراضي اليهودي)، لينفقوا الأموال ببذخ في بارات باريس ومنتجعاتها بينما المزارعون يتشردون ويكابدون الجوع.

التعاون مع النازية

 ريني برينر كاتب أميركي الجنسية يحكي قصة كتاب  له عن تعاون الصهيونية مع النازية، فيقول(9):"عندما تقاعد ميناحيم بيغن تسلم اسحق شامير بدله منصب رئيس الحكومة . وكانت صحيفة أسبوعية يمتلكها فلسطيني تصدر باللغة الإنجليزية وتنشر على حلقات ترجمة مداخلات كتبها اسحق شامير، خلال العامين1940و1941 تدعو للانضمام إلى هتلر في الحرب. توجهت صحيفة إسرائيلية بسؤال إلى شامير حول الموضوع. كنت في لندن وطالعت في عدد التايمز الصادر بتاريخ 21 أكتوبر أكذوبة رئيس الوزراء: "شامير... انكر أي دور له في الجهود المبذولة من قبل أبراهام شتيرن... لإقامة صلات مع النازيين والفاشست الطليان.كانت هناك خطة للتحول نحو إيطاليا للمساعدة وإقامة صلات مع ألمانيا بافتراض أن ذلك يمكن أن ينشط الهجرة اليهودية إلى فلسطين. عارضتُ ذلك التوجه... غير انني انضممت إلى منظمة ليحي بعد سحب فكرة إقامة صلات مع دول المحور".

بعد انتهاء الحرب عثر في سفارة ألمانيا بتركيا على" اقتراح المنظمة العسكرية القومية (إرغون زفاي ليئومي) المتعلق بحل المسألة اليهودية في أوروبا ، ومشاركة المنظمة في الحرب بجانب المانيا". في الوثيقة أعلنت جماعة شتيرن أن " إقامة الدولة اليهودية التاريخية على أسس قومية وشمولية، مرتبطة بمعاهدة مع الرايخ الألماني سيصب في صالح توطيد  وتعزيز مكانة ألمانيا مستقبلا في الشرق الأدنى...انطلاقا من الاعتبارات المذكورة فإن المنظمة العسكرية القومية في فلسطين تقف بجانب الرايخ الألماني وتعرض مشاركتها بنشاط في  مجهودها الحربي ." 

يواصل الكاتب الأميركي حكايته، "توجهتُ إلى صحيفة التايمز حاملا النص باللغة الألمانية وترجمته مرفقا برسالة، وظهرت الرسالة على صفحات الجريدة يوم الرابع من نوفمبر، " بعيدا عن ملفاتي  لا أستطيع التأكد متى في عام 1940 انضم شامير إلى المنظمة . لكن على أي حال ألم يعترف أنه انضم وهو يعرف أنها منظمة خونة عرضت التحالف مع العدو الرئيس لليهود؟ كما لا يمكن الشك انه انضم إلى شتيرن قبل 11 ديسمبر 1941 ، عندما حاولت شتيرن إرسال ناثان يالين مور إلى تركيا للاتصال بالسفير الألماني حاملا نفس المقترح"(9). 

وتوصلت المنظمة الصهيونية العالمية لعقد اتفاقية التهجير(هأفارا) عام 1933. فرض النازيون "ضريبة" على كل من يغادر ألمانيا؛ لكن الرسوم على مغادرة الصهاينة الألمان كانت أقل، واشترى المغادرون سلعا بيعت في إسرائيل والشرق الأوسط.

في العام 1935 شرح وايزمن أن  المنظمة الصهيونية العالمية "يجب عليها أن تولي الاهتمام بالحل البناء للمسألة الألمانية عبر تسفير الشباب اليهود من ألمانيا إلى فلسطين، بدلا من التركيز على حقوق متساوية لليهود في ألمانيا." عارضت الصهيونية حملة مقاطعة النازية، وكتب عميل الغوستابو بفلسطين ، فريتز رايخارت، إلى القيادة يقول: جرى تخريب مؤتمر لندن للمقاطعة من قبل تل أبيب، لآن رئيس الترانسفير بفلسطين، وبالتعاون المباشر مع القنصلية في القدس، وجه برقيات إلى لندن. ومهمتنا الرئيسة هنا  منع توحيد يهود العالم على أساس العداء للنازية".

"قلب الحقائق" مفهوم أسقط على التعاون بين الصهيونية والمانيا النازية. وصدر كتاب "الدروب السرية" يحمل اسم ديفيد كيمشي، عضو الموساد  قبل أن يتسلم وظيفة مديرعام وزارة الخارجية، حوى مساعي الموساد الصهيوني لدى هتلر طلبا لتعاونه في إخراج الشباب اليهودي من سجون النازية مقابل خدمات تقدم لألمانيا النازية. بموجب التعاون قام مبعوثو الموساد بزيارة هتلر وهناك تسلموا منه وثيقة إلى مدراء السجون يسهلون مهمتهم؛ والمهمة عبارة عن إخراج الشباب اليهودي الواعد من سجون النازية وترحيلهم إلى فلسطين. عبر هتلر في اللقاء عن تأييده للمشروع الصهيوني بفلسطين. وكان قطب التعاون مع الصهاينة أيخمان.  قام أيخمان برحلة إلى فلسطين بصحبة احد رجال إٍس إسٍ ونقلهما بولكيس إلى أحد الكيبوتسات. تأكد البريطانيون بعد يومين أن الزائرين اتصلا برايخارت، المعروف أنه عميل الغوستابو، فطردوهما إلى مصر. أجرى بولكيس لقاء معهما في القاهرة، ونقل إليهما معلومتين "إخباريتين": أن المؤتمر الإسلامي الدولي المنعقد في برلين يرتبط بصلات مباشرة مع زعيمين مؤيدين للسوفييت- الأمير شكيب أرسلان والأمير عادل أرسلان...والمعلومة الثانية أن محطة البث الإذاعي الشيوعية غير المشروعة، والتي تسمع جيدا في ألمانيا تعمل على شاحنة تتنقل، حين تبث على الهواء،على حدود ألمانيا مع لوكسمبورغ.

في وقت لاحق، حين اختبأ أيخمان في الأرجنتين اعتراه الحنين إلى فلسطين، وهو يستذكر مهمته مديرا أعلى للمحرقة، فكتب يقول:" رأيت بالفعل ما يكفي للإعجاب بالطريقة التي يبني فيها الكولنياليون اليهود بلدهم . أعجبت بإرادتهم الحازمة للعيش، وزاد من إعجابي مثاليتي.

وفي سنوات لاحقة كنت دوما أقول لليهود ممن تعاملت معهم لو كنت يهوديا لأصبحت صهيونيا متعصبا. لم أتصور أن أكون غير ذلك، بل أشد ما يمكن تخيل الصهيوني المتحمس". وهذا امر طبيعي فجميع مضطهدي اليهود ومنظمي المجازر اليهودية أبدوا التعاطف مع المشروع الصهيوني بفلسطين.

يواصل برينر سرديته ليقول: طلبت الكونفدرالية الصهيونية في ألمانيا من ميلدشتاين، أحد نخب منظمة الإٍس إس النازية نشر مقالات مؤيدة للصهيونية في الصحافة النازية. زار ميلدشتاين فلسطين وحل ضيفا لمدة ستة شهور على نفقة الكونفيدرالية الصهيونية، ثم عاد ليكتب اثنتي عشرة مقالة على صفحات أهم جهاز دعاية للنازية- دير أنغريف (الهجوم): "عرفْتُ كيف أن التربة اليهودية تحت الأقدام اليهودية أصلحته وأضرابه خلال عقد. فهذا اليهودي الجديد سيشكل شعبا جديدا ". ولتكريم رحلة البارون أمر غوبلز وزير الدعاية الهتلري بصك مدالية على وجه لها نجمة صهيون-رحلة نازية إلى فلسطين – وعلى الوجه الآخر الصليب المعقوف. وضعتُ الوجهين على غلاف كتابي " الصهيونية في عصر الديكتاتوريين". رغبت الصهيونية في تمديد علاقتها مع النازية ؛ فتم في 26 شباط 1937، ترتيب لقاء في برلين بين فيفال بولكيس، ممثل منظمة ميليشيا العمل  الصهيونية و أدولف ايخمان. وعثر على تقرير حول اللقاء في ملفات الإس إس  بعد الحرب.

لاحظ بولكيس.... أن هدف الهاغاناه بلوغ أغلبية يهودية بفلسطين بأسرع زمن ممكن... وعبر عن رغبته في العمل لصالح ألمانيا في إمدادها بالمعلومات طالما لا يتعارض ذلك مع أهدافنا السياسية. ومن بين الأشياء الأخرى سوف يدعم السياسة الخارجية لألمانيا في الشرق الأدنى . وسوف يحاول إيجاد موارد نفطية للرايخ الألماني دون أن يؤثر ذلك على منطقة نفوذ بريطانيا إذا ما سهلت ألمانيا إجراءاتها المالية بالنسبة لليهود المهاجرين إلى فلسطين.

وقائع تؤكد ان خطف ايخمان ومحاكمته وإعدامه كان بهدف تصفية شاهد مطلع على الفضائح الصهيونية.

وشاهد آخر هو يوسيف غرودزينسكي، أستاذ الألسنيات بجامعة تل ابيب، فضح دور الصهيونية في صناعة الهولوكوست . في كتابه 'في ظلّ الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية' قدم شرحا   للتواطؤ المباشر والصريح بين بعض القيادات الصهيونية وكبار ضبّاط الرايخ الثالث المسؤولين عن تصميم وتنفيذ ما عرف باسم الحل النهائي لإبادة اليهود. تناول الوقائع في سياقات ملموسة تخصّ بالتحديد كيف جرى ويجري تسويق الهولوكوست لأسباب سياسية صرفة تطمس، وأحياناً تشطب تماماً، سلسلة الوقائع الإنسانية التي تسرد عذابات الضحايا، وآلامهم وتضحياتهم. وكيف جرى ويجري الضغط على ضحايا الهولوكوست، وأحفادهم من بعدهم، للهجرة إلى فلسطين المحتلة رغم إرادتهم غالباً. وكيف استقرّ دافيد بن غوريون على الرأي القائل بضرورة تضخيم حكاية سفينة 'الخروج' الشهيرة، سنة 1947. (منعت سلطات الانتداب نزول ركاب سفينة مهاجرين إلى ميناء حيفا. دبر بن غوريون تفجير الباخرة، وأعلن ان ركاب الباخرة المهاجرين الى أرض الآباء فضلوا الموت بعد حرمانهم من تحقيق امنيتهم). صنع " مأساة يهودية" مضحيا بحمولة الباخرة لكي يشدّ أنظار العالم ، ويستدرّ التعاطف مع الهجرة اليهودية ومع جهود الوكالة اليهودية التي كانت تقوم مقام دولة إسرائيل آنذاك. الحقيقة الفعلية خلف حكاية سفينة 'الخروج' لا تنطبق أبداً على التمثيلات الملحمية البطولية.

تساءل الكاتب الأميركي إريك دريتسر وهو محلل سياسي مقيم في مدينة نيويورك: هل يشك احد أن الجماعات الإرهابية وفرق الموت الصهيونية مثل إرغون (بقيادة زئيف جابوتينسكي) وليهي(كان يقودها أبراهام شتيرن)، والتي قتلت الرجال والنساء والأطفال وطردت الفلسطينيين من ديارهم تختلف جوهريا عن فرق الموت التابعة للنصرة وداعش التي تقترف نفس الجرائم هذه الأيام ضد المسيحيين والمسلمين العلويين والسنة والشيعة في أنحاء سوريا والعراق؟ .

بروز بن غوريون على المسرح

اتخذ نشاط وايزمن وجابوتينسكي طابع الدعاية والإعداد العسكري؛ فقد بقيا خارج فلسطين، بينما أشرف بن غوريون على بناء الهستدروت منظمة للعمال اليهود تقصي العمال العرب خارج تنظيمها . كان لنشاط بن غوريون في فلسطين مفعول الانقلاب داخل الحركة الصهيونية من حيث المفاهيم وتكتيك الممارسة اليومية. وصل ديفيد غرين-الاسم الأصلي لبن غوريون- إلى ميناء يافا قادما من بولونيا يحمل مفاهيم قومية خاصة بالمجتمع المنغلق الاستبدادي . "تجلى مشهد يافا في عينيه وأذنية ومنخريه شيئا كريها يثير الغثيان".(5/82) تعلم لغات عدة وتعلم الإسبانية فقط لدراسة دون كيشوت لسيرفانتيس باللغة الأصلية. ولم يخطر بباله تعلم العربية.

وجد بن غوريون لدهشته اليهود يجاورون العرب وينقلون طباعهم، يؤجرونهم الأراضي ويستأجرون عملهم في مشاريعهم .فضلوا الأيدي العربية لاعتبارات اقتصادية. أفتى بن غوريون " كل صاحب بيارة يشغل عربيا يعتبر خائنا للقضية"(5/85). في مؤتمر لعمال الميناء بيافا دعي صهاينة للمشاركة فيه، تحدث عبد الرحيم العراقي وعرض صورة لمقال كتبه بن غوريون قال فيه" من الأفضل فتح بيت دعارة على تشغيل عامل عربي" (4/ 102).

اقترنت الملكية العبرية في نظام بن غوريون الجديد بالعمل العبري والدفاع العبري، ركائز أساس ثلاث لما بات يسمى الصهيونية العملية، ينهض عليها المشروع الصهيوني بفلسطين.