2017-07-02

بلفور وتداعياته الكارثية: زمن الهمج نحن أم هم؟

(الحلقة الثانية)

 

سعيد مضية

إعادة إنتاج التاريخ بكوارث ومهازل

جاءت الصهيونية نسخة كربونية للاستيطان الاوروبي في القارة الجديدة. فالمتطهرون الإنجليز الذين هربوا بتدينهم إلى القارة الجديدة انقلبوا في الموطن الجديد إلى كواسر تصطاد البشر، واجترحوا من إبادة الجنس حضارة اميركية متفوقة. " يمتاز البيوريتانيون من ولاية نيو انكلند على الأخص بأنهم ينظرون الي أنفسهم باعتبارهم بني إسرائيل، تشبـــــها بل اعتقد البعض، مثل كوتن ميثر، ان الهنود الحمر هم من نسل الحثـــيين والكنعانيين. وكان تشبـــيه العرب بالهــــنود الحمر قد وضع مبكرا؛ وهكذا رأى المستوطنون الامريكيون الأوائل أنفسهم علي انهم من بني إسرائيل القــــدامي، والأميركيون في القرن العشرين غالبا ما يقارنون الإسرائيليين الحديثين بالرواد الأمريكيين"(4).

القواسم المشتركة بين الاستيطان اليهودي بفلسطين والاستيطان الأوروبي بالقارة الجديدة يكمن أبرزها في الأسطورة التوراتية في سفر يشوع، بصدد تدمير أريحا وإبادة شعبها ، الأمر الذي لم تثبته الأبحاث الآركيولوجية، مثيرة الشكوك على النص التوراتي. ينضاف لهذا الاختلاق تزوير آخر تمثل في الدعاية العنصرية المزدرية للشعوب المستهدفة . الشعوب العربية كافة وشعب فلسطين خاصة ضحية نظرة عنصرية اقتنصت حالة اجتماعية لفترة من التاريخ وعممتها خاصية عرقية مزمنة.

أجرى الدكتور السوري  الدكتور ميخائيل سليمان  بحثا حول نظرة الأميركيين للمجتمعات العربية ، فخرجت الدراسة تؤكد شيوع نظرة ازدراء وتحقير. خلصت الدراسة إلى أن "الامريكيين علي العموم يحملون آراء سلبية عن العرب والمسلمين"(8). ففي استقراء قام به المؤلف جمدت النظرة إليهم، كما لاحظ إدوارد سعيد،  بانهم "شعب متأخر بدائي غير متحضر، شعب ملبسه غريب ويسيء معاملة المرأة، مولع بالحروب متعطش للدماء، غدار ماكر، قاس كسول شهواني حقود انتقامي وخانع للسلطة."(8) سنرى تلك الصفات تلصق بالعرب حتى وأثاث بيوتهم ينهب بشراهة،  وممتلكاتهم تصادر.

يتساءل الباحث في دراسته عن الأسباب التي أدت أو التي حملت الأمريكيين الي تبني هذه القوالب السلبية تجاه العرب والمسلمين، ويفسرها بطبيعة السياسات العدوانية، تفتي بعقيدة همجية السكان الأصليين وتطورها. روجها رواد الاستيطان الأوائل في أميركا لتسويغ إبادة الجنس التي واصلوها دون توقف او مراجعة نقدية، وألهمت المستوطنين اليهود في فلسطين. : "ورث الأمريكيون هذه الصورة عن الغرب الا أنهم أضافوا عليها عوامل أمريكية بحتة.

هــــــناك ثلاثة عوامل جديدة أضيفت الي الصــــورة الاوروبية عن العرب، هذه العوامل هي:الميل الامريكي للمماهاة مع العبرانيين القدماء، عقيدة الهمجية وعقيدة الرسالة... بيد ان عقيدة الهمجية والتوجه الأساسي نحو الهنود الحمر قد طبقا بعدئذ على العرب، وبخاصة علي عرب فلسطين في نزاعهم مع الصهيونية وإسرائيل والأميركيون يحملون رسالة تبشيرية على المستوي العالمي، خصوصا ازاء غير المتحضرين(8).

في مجال السينما رصد غاريكاي تشينغو،  الباحث والعلامة بجامعة هارفارد الأميركية، إن سينما هوليوود تقدم المسلمين إرهابيين وخطرًا يهدد الأمن القومي، الأمر الذي يخدم في  تبرير العسكرة المتضخمة بشكل خطر في الخارج والمراقبة وتدهور الحريات المدنية بشكل لم يسبق له مثيل داخل البلاد. يقول تشينغو، "رغم ان تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي تؤكد ان جرائم العنصريين البيض تفوق بكثير ما  يسجل على الإرهابين المسلمين فإن أفلام هوليوود الداعية لتفوق البيض تواصل تصوير المسلمين مجرمين ومتوحشين بحيث لا يرتقون لمستوى التمدن الأميركي" ويمضي الى القول، "اسلاموفوبيا هوليوود تعمل لصالح العسكرية الأميركية، والأخيرة بدورها تخدم هوليوود. يوجد منذ بدايات القرن العشرين ضابط ارتباط مهمته في الدعاية واضحة: عرض لقطات من أفلام  الحرب الأميركية، ثم تقرير دعم الفيلم وفقا لتطابقه مع مصالح قادة العسكرية الأميركية. باختصار لا يساعد البنتاغون من افلام هوليوود سوى المؤيدة للحرب"(20).

لم يكن السكان الأصليون في معازلهم بالولايات المتحدة  قد اكتسبوا الحقوق المدنية كمواطنين في البلاد لدى صدور بيان بلفور؛ منحوا الحقوق المدنية في العقد الثالث من القرن العشرين. أضمر البيان نفس المصير الفاجع لشعب فلسطين في المفهوم الملغم " المجتمع غير اليهودي"؛ وفي عبارة تمظهرت بالتفضل في نص البيان اقترن عدم الإخلال ب "الحقوق المدنية"، بصياغة تبطن نوايا إهدار الحقوق السياسية والاقتصادية. وبالفعل تواصل طوال قرن كامل تجاهل" المجتمع غير اليهودي" واستثناؤه من امتيازات القانون الدولي مثل حق تقرير المصير.

انطوت مقولة " عدم المساس بالحقوق المدنية" على ما أفصح عنه الوزير البريطاني في مذكرة إلى رئيس الوزراء بعد عامين من صدور الوعد -عام 1919- "أن شعب فلسطين هو الوحيد الذي حرم من حق تقرير المصير"، وان "الصهيونية اهم بكثير (بالطبع بالنسبة لمصالح الامبريالية الواردة في إهاب التمدين) من مصالح ومزاعم سبعمائة الف فلسطيني يحيون على هذه الأرض العتيقة"(1). تواصل الازدراء لحقوق شعب فلسطين الأساس  وإغفالها، عبر مراحل تمكين الكيان الصهيوني بفلسطين، ولا زال مركز  حرص السياسة الامبريالية ، خاصة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

تمخض بزوغ النزعات الوطنية في العصر الحديث تعبيرا عن حب الوطن وتمجيد تاريخه والحفاظ على ترابه وحدوده، عن رسم الخرائط الجغرافية تجسيدا للنزعة الوطنية. واستثمرت نزعة التزييف الاستشراقية الخرائط الجغرافية لتثبيت أضاليلها. بوحي من اللاهوت الأصولي رسم كاتروود خريطة فلسطين عام 1838 مسقطا الأسماء التوراتية على الهضاب والشوارع. بذا شاعت في الثقافة الأوروبية -الأميركية التسمية " جبل الهيكل"، على موقع حرم الأقصى. وفي العام 1840 استحسن لورد بالمرستون فكرة إقامة كومونولث يهودي نقطة ارتكاز للامبراطورية في فلسطين. ونشرت صحيفة التايمز اللندنية مقالة افتتاحية  على صفحاتها تضمنت فكرة " زراعة الشعب اليهودي في أرض الآباء"(5/57).

شرعت الحفريات البريطانية تجري أبحاثها الأركيولوجية؛  وقبل العثور على أي سند لروايتهم  أطلقوا الأسماء التوراتية مقدما. تأسس عام 1838 تحت رعاية ملكة بريطانية " صندوق اكتشاف فلسطين برئاسة الملكة، كناية على السلطة المعنوية لعملية الاكتشاف الهادفة وضع اليد الاستعمارية على فلسطين. تضمنت وثيقة نظام الصندوق الإشارة إلى كونه "جمعية تستهدف الدراسة الدقيقة والمنهجية لآثار فلسطين وطوبوغرافيتها وجيولوجيتها وجغرافيتها العينية وطبائع وعادات الأرض المقدسة بغرض تصوير الكتاب المقدس".  وتحت الأقصى شرعوا أبحاثهم منذ العام 1867، أي قبل مائة عام من بسط سيطرة إسرائيل على كامل الأرض الفلسطينية. شرعت الأبحاث الأثرية تنقب عن "مدينة الملك العظيم" ، بغرض فرض الحلم الصورة. تواصلت الجهود البحثية إلى أن تجسدت العلاقة بين فكرة الوطن اليهودي والمصالح المالية والتجارية فيما نقله المؤرخ الفلسطيني إميل توما عن المؤرخ هوراس ماير كالين في كتابه "الصهيونية والسياسة الدولية" أن "فكرة بعث إسرائيل انتشرت على صعيد السياسة العملية والمستوى الديني في بريطانيا وفرنسا بين غير اليهود  بشكل اوسع من انتشارها بين اليهود."؛ كما نقل عن هومفورت في مؤلفه "ملاحظات حول وضع اليهود في فلسطين 1852": "لم تكن إقامة الدولة اليهودية عملا إنسانيا عادلا، بل ضرورة سياسية في الذهن البريطاني لحماية الطريق عبر آسيا الصغرى إلى الهند"(7).

في يوميات لورد شافتسبيري، الصهيوني المسيحي، المدونة في القرن التاسع عشر، أورد عن صهره لورد بالمرستون، رئيس الوزراء السابق ما نصه[ يوميات14 حزيران 1938] : أمس تناولت العشاء مع بالمرستون، ورحت أشرح له عن مأساة اليهود وعذاباتهم. كان يصغي إلي وعيناه نصف مغمضتين، يمسك بيده كأس براندي، يرشف منه ما بين وقت وآخر. تركت المأساة اليهودية ورحت  أحدثه عن المصالح و المزايا التجارية والمالية التي تنتظر بريطانيا في الشرق؛ لمعت عيناه وتبدى اهتمامه وترك الكأس بجانبه على المائدة وراح يسمعني". ولورد شافتسبيري هو صاحب المقولة " وطن بلا شعب لشعب بلا وطن" استلهمها من العقيدة المسيحية الأصولية حول فراغ فلسطين بعد التهجير القسري لليهود . ونجد في كتاب هنري مانداو " من حلب إلى القدس" الصادر عام 1697اول رواية للاهوت ما قبل الألفية يطرق الباب الفلسطيني مباشرة . ينسخ الرحالة البريطاني الرؤية الاستشراقية عن تجميد التاريخ الفلسطيني إثر النزوح  " القسري" لليهود عن فلسطين. استحقت القدس نصف صفحة في الكتاب وبدت للرحالة كئيبة حتى كنائسها بائسة و"مقرفة" لا بشر في القدس، فالحياة مجمدة بدون اليهود!! التزييف لا يقتصر على التاريخ القديم ؛ إنما يشمل الواقع المتعين ويغفل الحياة الاجتماعية والثقافية المتطورة نسبيا لمدينة القدس وعموم فلسطين.  وتتالت الدراسات الاستشراقية والصور الفوتوغرافية المنقولة عن فلسطين تظهرها خالية من البشر. اما تاريخها القديم فأسقط حكايات التوراة تعسفا على الفضاء الفلسطيني.

استطاعت التلفيقات والأبحاث المطوعة للتخيلات التوراتية تعبئة مواقف مؤيدة للرواية الصهيونية في عالم الغرب ومساندة إجراءاتها القائمة على فرضية تزعم أن اليهود محررون والفلسطينيين محتلون غرباء!! صمموا في تخيلاتهم تاريخا لفلسطين القديمة اسقطوا حكايات التوراة المصاغة على الفضاء الفلسطيني، فجاء التاريخ القديم مناظرا لمخطط الحركة الصهيونية صياغة الصراع الحتمي اللاحق لفرض الدولة المنظورة : اختلقوا علاقة بين الفلسطينيين وجزيرة كريت وما زالت المناهج المدرسية تنضح من معين الأكذوبة. واخترعوا شعبا ضاربا في بطن التاريخ له "جوهر إثني صلب وراسخ لا يتغير على مر التاريخ، وشجرة أنساب متسلسلة لشعب قديم متميز، تستبعد الانفصال عن الأمة مهما نأت به الترحالات". رشّوا ماءهم المقدس على الجرائم الوحشية:"لا يوجد أي سبب للشك في أن هذا الغزو( غزو يشوع) كان، كما هو موصوف في سفر يشوع ،عملية وحشية دموية؛ لقد كانت هذه هي حرب يهوه المقدسة التي سوف يعطى فيها شعبه أرض الميعاد". إبادة العرق درب للإنجاز الحضاري!!هذا ما سجله جون برايت، أحد الأثريين التوراتيين وتلميذ المسيحي الصهيوني وليم فاكسويل اولبرايت، من المدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية ، والذي سيطر على البحث التاريخي بفلسطين من 1919 حتى الثلث ألأخير من القرن العشرين ، حيث شرع التنقيب الأثري يستقل عن نفوذ التوراة، نظرا لمطاعن  الاكتشافات الأثرية في النص التوراتي وتناقضها مع حكاياتها.

تجريف الأيدي الهمجية

العملية الوحشية الدموية التي تحدث عنها باحث الآثار الأميركي، برايت، طبعت بطابعها جرائم الاستيطان اليهودي بفلسطين، لتظهر بجلاء من هم الهمج الكواسر ، المدمنون على سفك الدماء البريئة الوادعة. قبل أن يدون برايت استنتاجاته العنصرية أفصح هيرتزل في كتابه " الدولة اليهودية" 1895،عن الرغبة في تجنب الاندماج بالسكان الأصليين، دولة "نقية تقيم حظيرة تستوعب السكان الأصليين" . كان في ذلك الحين مترددا بين كندا والأرجنتين واوغندا، بعيدا عن تأثير المقدس الديني. تضمن البرنامج الذي اقره المؤتمر الأول اعتماد خطة "وطن آمن بصورة مشروعة في فلسطين". زار هيرتزل فلسطين بغرض مقابلة قيصر ألمانيا ويلهيلم الثاني، ولم تجذب اهتمامه فلسطين ولا مدينة القدس. ولما استقر الاختيار على فلسطين بتأثير الأوهام المقدسة كتب في مذكراته " نحاول تشجيع العرب المعدمين على عبور الحدود، حيث توفر لهم في تلك البلدان فرص العمل مع حرمانهم من العمل والتوظيف في بلدنا". لتبرير جريمة التهجير ادعى هيرتزل أن اللاسامية متجذرة لدى كل مجتمع يعيش اليهود في وسطه، ولا تحرر لليهود إلا في فلسطين.

بعد وفاة هيرتزل نتيجة ازمة قلبية في 3 تموز 1904 انتقلت قيادة الحركة الصهيونية إلى مثقفين وأدباء. ظلت تتردد في كتاباتهم تطلعات العيش المشترك مع العرب وتقديم الخبرة والدعم للعرب وغيرها من الكتابات المنطوية على العيش المشترك. حسمت الظاهرة بمقال نقدي(6) كتبه الناقد الأدبي ،كلاوزنر، في مجلته الأدبية التي كان يصدرها في مدينة اوديسا؛ استهجن المقال تكلم  يهود باللغة العربية وتشبههم بالعرب؛ فمن الأفضل البقاء في الغربة والذوبان في مجتمعات الغرب.  أنذر المقال ان العلاقة مع العرب في فلسطين يجب ان تكون عدائية مطلقة . ومنذ ذلك الحين غدت الصهيونية حركة صدامية تبطن الأبارتهايد تعتمد القوة المسلحة لإنجاز مشروعها في فلسطين.

صادف نشر المقال صدور بيان بريطاني عن مؤتمر دعا إليه رئيس وزراء بريطانيا، كامبل بنرمان.  خلص بيان المؤتمر، الذي حمل اسم راعي المؤتمر، إلى ان المنطقة المترامية في شمالي أفريقيا وشرقي المتوسط تسكنها شعوب تنتمي لقومية واحدة إذا ما توحدت ستشكل خطرا على مصالح بريطانيا . ومن ثم دعا بيان المؤتمر إلى الإبقاء على تخلف شعوب المنطقة وزرع جسم غريب في وسطها يمنع توحدها ، ويظل يستنزف طاقاتها.

 منذ ذلك التاريخ لم يبرز في رموز كتابات الصهاينة حيز لفترات ضمت غير العبرانيين، أو لتراث الأمم السامية الشقيقة في تاريخ فلسطين؛ تواتر الإصرار في الرواية الصهيونية على خلو فلسطين من السكان، إيذانا بجرائم إبادة الجنس وجرائم أخرى ضد الإنسانية مضمرة في ثنايا الاستيطان بفلسطين . تم التواطؤ على التزييف. ويذكر مارتن بوبر في مذكراته ان ماكس نورداو هرول إلى هيرتزل ليقول له " لم أكن ادري أننا نقترف ظلما". ثم انتظم نورداو مع خط التزييف .

قصد ب "وطن آمن" اتفاق أسرة من الدول او قوة عظمى . طلب هيرتزل من قيصر ألمانيا لدى مقابلته في القدس،أن يتولى "حماية المنظمة الاستيطانية الصهيونية في سوريا وفلسطين" (5/54). لم يلزم القيصر نفسه بأي تعهد لكنه قال " حركتكم تستند إلى فكرة سليمة" (5/55) ، وعبر عن تقديره لإقامة مستعمرات يهودية والمانية في البلاد. وبانتهاء الحرب العالمية الأولى بهزيمة ألمانيا صاغ المنتصرون المؤسسون لعصبة الأمم في مؤتمر سان ريمو، 24 تموز 1922صكوك الانتدابات، واتخذ نص بيان بلفور طابعا دوليا. ورد في نص قرار الانتداب على فلسطين أن تكون الدولة المنتدبة "مسئولة عن تطبيق التصريح الصادر من قبل الحكومة البريطانية في 2تشرين ثاني / نوفمبر 1917، والمقر من الدول الحليفة لصالح إقامة وطن قومي للشعب اليهودي". ونصت المادة الثانية من صك الانتداب على "ان بريطانيا تتعهد بأن تجعل فلسطين في وضع سياسي واقتصادي واجتماعي صالح لإنشاء وطن قومي لليهود "(5/56). سحبت الصياغة الأولى المتضمنة "تحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود"، لإخفاء الطموح الفعلي للصهيونية. ....". في العام 1942 ، وفي مؤتمر بالتيمور بالولايات المتحدة، أفصحت الصهيونية عن هدف إقامة دولة في فلسطين.

شكل الرئيس الأميركي ويلسون لجنة مؤلفة من(هنري) كينغ –( تشارلز)كراين عام 1919، رحلت الى فلسطين، ومكثت أسبوعا في القدس وطافت ببقية مدن فلسطين كما زارت دمشق. قدمت توصياتها إلى مؤتمر فرسايل، متضمنة تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول عن خطة إقامة دولة يهودية، ووضع الأماكن الدينية تحت إشراف لجنة دينية دولية، وعدم تجاهل الشعور العربي في سوريا وفلسطين.  وبعد استشارة موظفين بريطانيين خلصت إلى القول أن المشروع الصهيوني لا يمكن تنفيذه إلا بدعم قوة مسلحة. أهملت التوصيات، وتخلت عنها الإدارة الأميركية.   

بادر لويد جورج Lioyd George)) ، رئيس الوزارة البريطانية، الى تعيين هربرت صموئيل – مندوباً سامياً-على فلسطين في منتصف حزيران 1920، واستمر في المنصب حتى العام 1925. بتعيين صمويل مندوبا ساميا على فلسطين عقّب اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا بتصريح قال فيه " لم نجد اكفأ من السير هربرت صموئيل لتنفيذ وعد بلفور بولاء وإخلاص".  فهو يهودي صهيوني يحظى بتأييد زعماء اليهود الصهاينة الذين أوصوا بترشيحه لدى مجلس الوزراء البريطاني، وأكد ذلك ما صرح به حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بعد وفاة هرتزل مؤسسها الاول، إذ قال: "انا المسؤول عن تعيين هربرت صموئيل في فلسطين، ان صموئيل صديقنا، ولم يقبل ان يقوم بهذه المهمة العسيرة الا نزولاً عند رغبتنا، نحن حملناه هذه الأعباء، ان صموئيل هذا هو صموئيلنا. . . "(5:56).

تهيئة فلسطين دولة لليهود

الخيط اللاظم لقرارت الصهيونية بكل اتفاقاتها واختلافاتها هو تحويل فلسطين بكاملها إلى دولة لليهود. لم تغب الاستراتيجية عن بصر وبصيرة العاملين ضمن المشروع الصهيوني داخل فلسطين وخارجها . اما الذين غاب عنهم أفق الاستراتيجية المقترن بانتمائها الطبقي إلى الاحتكارات عابرة القارات، وتصرفوا بأفق إنساني يحترم حقوق الغير، أفق تآخي الشعوب وتعاونها المشترك، فقد لفظتهم الصهيونية كأجسام غريبة .

 صنفت قطاعات من الجماعات الصهيونية في فلسطين وخارجها صموئيل "اول حاكم يهودي لفلسطين منذ سقوط الهيكل ". أرسى  القوانين والترتيبات الإدارية الكفيلة بإنشاء الدولة اليهودية. عمد صموئيل بعد تعيينه بأقل من شهرين ، الى إصدار اول قانون للهجرة المنظمة، وكنتيجة اولى لهذا القانون،  منح خمسة وعشرين ألف يهودي صهيوني دخلوا الى فلسطين مع جيش الاحتلال البريطاني، الجنسية الفلسطينية ورخص لهم في التوطن والعمل، وألغى جميع القوانين والأنظمة العثمانية التي كانت تحرم على اليهود امتلاك الأموال غير المنقولة. أخذت تبزغ في ضواحي القدس معالم التهويد الأولى البارزة مع بناء المستعمرات الأولى على هضاب القدس التي اصبحت تدعى بالمستوطنات فيما بعد، وبلغ عددها ست عشرة مستعمرة، والأحياء  احدى عشرة ضاحية يهودية. لم يكتف صموئيل بفتح ابواب فلسطين على مصراعيها للمهاجرين اليهود الصهاينة الذين تراوحت اعدادهم خلال  فترة انتدابه قرابة الاربع وثمانين الف مهاجر يهودي؛  فخلال الفترة زادت مساحات الأراضي التي امتلكها اليهود من ستمائة وخمسين الف دونم عام 1920 إلى مليون وتسعة عشرة الفاً وخمسمائة واربع وسبعين دونما عام 1925. اقتطع لليهود مباشرة مائتي الف دونم من اراضي مرج ابن عامر، ومائة وخمسة وسبعين الف دونم من اراضي الكبارة وعتليت وقيسارية. عمد الى المشروعات المهمة فسلمها الى اليهود وحدهم، وكان من أهمها امتياز الكهرباء الذي كان قد عرف باسم امتياز روتنبرغ ، مخولا، بموجب الامتياز، نزع ملكية الأرض من أصحابها الشرعيين للاستيلاء عليها. منح صموئيل الوكالة اليهودية أرضا مساحتها الف دونم بأسعار رمزية، كما أهدت حكومة الانتداب للوكالة اليهودية ارض السلطان عبدالحميد في منطقتي الحولة وبيسان ومساحاتها مائة وخمس وستون ألف دونم.

 بينما اطلق لليهود حرية التعليم واستقلال المدارس بعد ان اقرت لغتهم العبرية لغة رسمية الى جانب العربية والانكليزية أخضع صموئيل المدارس العربية لإشراف مفتشين بريطانيين. وطوال حقبة الانتداب ظل التعليم محدودا بين العرب ، وابقي على قوانين المطبوعات العثمانية التي تحد من حرية النشر والتعبير.

بتسلم صموئيل مهام منصبه الجديد، شرع في سن الكثير من الأنظمة والقوانين ومن أبرزها قانون تصحيح السجلات العقارية عام 1920، والقانون الخاص بنقل ملكية الأراضي عام 1925 .

عين صموئيل رؤساء الإدارات الحكومية من اليهود أو من الانكليز المعروفين بتعصبهم للصهيونية ووضع إدارات القضاء والهجرة والتجارة في ايدي صهاينة معروفين، وجعل اللغة العبرية لغة رسمية ثالثة الى جانب اللغتين العربية والانكليزية في فلسطين، كما وضع موارد الثروة الرئيسية واستغلالها بايدي اليهود – الصهاينة – ومنحهم التسهيلات والامتيازات. عين أحد غلاة الصهيونية ، لورد بنتويتش نائبا عاما، خوله صلاحيات وضع القوانين والأنظمة التي تسير البلاد، وكان الرئيس الفعلي للجهاز القضائي المشرف على تنفيذ القوانين. فتح صموئيل ابواب فلسطين والقدس على مصراعيها امام المهاجرين اليهود من شتى بقاع العالم – وخاصة دول أوروبا الشرقية وروسيا، ولكي تكتسب الهجرة اليهودية الى فلسطين الصفة القانونية. لم يكن لينجح في تخطيط سياسة التهويد هذه لولا رضاء الحكومة البريطانية بما يفعل وعلمها بكل ما ينفذه.

اصدر صموئيل دستوراً لفلسطين، تناول صلاحيات المندوب السامي وقضى بتشكيل المجلس التشريعي في القدس والمحاكم المدنية والدينية ولغات البلاد الرسمية (العربية والانكليزية والعبرية) .نصت المادة  الثالثة عشرة من دستور فلسطين على ان" للمندوب السامي ان يهب أو يؤجر اية ارض من الأراضي العمومية أو أي معدن أو منجم، وله ان يأذن بإشغال مثل هذه الأراضي بصفة مؤقتة وبالشروط أو المدد التي يراها ملائمة".

سمح صمويل بشكل سافر تزويد المستوطنات الصهيونية بالسلاح والتدريب على القتال، وحظر على الاهالي سكان فلسطين العرب حمل السلاح واستعماله، وفرض على من يحمله عقوبة السجن المؤبد أو الاعدام. مضى صموئيل في تنفيذ تدابيره القاسية ضد عرب فلسطين للحد من الشعور الوطني المتنامي لديهم. وامعاناً في استفزاز مشاعر المسلمين عامة ومسلمي القدس خاصة، عين يهودياً مشرفاً على أوقاف المسلمين، مستغلاً الصلاحيات الواسعة الممنوحة له بشأن تحديد قدرة فلسطين الاقتصادية على الاستيعاب، تنفيذاً لسياسة فرق تسد، استغل صموئيل التنافس العائلي بين اعيان الاسر الفلسطينية المشهورة، فأقدم على اقالة موسى كاظم الحسيني من رئاسة بلدية القدس وعين بدلاً عنه راغب النشاشيبي، وعين الحاج امين الحسيني عام 1921 على رأس المجلس الإسلامي الأعلى .

تابع صموئيل الاهتمام بالمستوطنين الصهاينة حتى بعد تركه منصبه، فكان رئيساً لشركة فلسطين للكهرباء، ورئيساً للجامعة العبرية وهاجم السياسات المعادية للصهيونية.

عين خلفا له  الفيلد مارشال بلومر (Blomar Field marsh)

 

1-Linda Brayer:The Absolutr Right Of Palestinian Resistance-Counterpunch-Nov.21.2012

2-  بروفيسور واغنر:الأصولية المسيحية-المجلة الإليكترونية ميدل إيست رياليتيز، آذار 2003

3-  إدوارد سعيد:تعقيبات على الاستشراق_ ترجمة وتحرير صبحي حديدي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1997

4-  موسى البديري: شيوعيون في فلسطين شظايا تاريخ منسي. المؤسسة الفلسطينية لدراسات الديمقراطية 2013

 5-  اوري افنيري: Israei Without Zionism   A Plea for Peace In The Middleeast,NewYork The Macmillan Company-London Collier – Macmillan Limitedon

6-  محمد حمزة غنايم: العودة إلى الصحراء إصدار مركز اوغاريت للترجمة والنشر ، رام الله 2002

7-  د. اميل توما: العرب والتطور التاريخي في الشرق الأوسط- معهد إميل توما للأبحاث الاجتماعية والسياسية، حيفا 1995.

8-  د. ميخائيل سليمان: "صورة العرب في عقول الأميركيين"، ترجمة عطا عبد الوهاب ، مركز دراسات الوحدة.

 Henry Giroux:The rise of Cruelty In Neo- Fascist America  Counterpunch.March17,2p017