2017-04-08

آل سعود والوهابيّة: من التزاوج إلى المساكنة؟

"الاخبار" اللبنانية

كتب خليل كوثراني في صحيفة "الاخبار" اللبنانية، مقالاَ جاء فيه:

** تبدو المؤسسة الدينية هذه الأيام في وضع شديد الحرج، جراء التهميش الذي أحدثته الفعاليات الفنية التي أشرفت عليها «هيئة الترفيه»، وهي تشاهد من حولها حفلات الموسيقى والغناء والمهرجانات الفنية المتنوعة، مترافقة مع اختلاط الجنسين في بعض الأحيان، من دون أن تقدر على ردع هذه الممارسات «المحرّمة».

«الهيئة العامة للترفيه»، هو اسم الهيئة الحكومية السعودية التي «تمّ إنشاؤها (العام الماضي)، وتعنى بتنظيم قطاع الترفيه في المملكة وتطويره، والارتقاء بجميع عناصره ومقوماته وإمكاناته، وذلك من خلال وضع خطط ومعايير إقامة المرافق والمنشآت والفعاليات الترفيهية وإدارتها ودعمها»، وفق التعريف الرسمي. لكن ما وراء ذلك أنّ هذه الهيئة أقيمت بهدف كسر النمط الوهابي المهيمن على مجتمع الجزيرة العربية، ما من شأنه أن يفتح الباب على أخطر النقاشات الهوياتية داخل شرائح المجتمع السعودي.

«الترفيه» تنشده مؤسسة الحكم السياسية، بعيداً هذه المرة عن التراضي المعهود تحت خيمة تزاوج السيف والكتاب (آل سعود وآل الشيخ)، وقد صاغه أمراء جدة والرياض بصيغة إسقاطية طبعت كل مراحل المشروع بطابع التصنع والهجانة، بدءاً من التسمية الغريبة: هيئة الترفيه، وصولاً إلى تدشين ورعاية المهرجانات الفنية وتنظيم فعاليات الثقافة والتسلية، في قالب تأطيري وتوجيهي، موثّق بسلاسل على جدار السلطة، وموظّف في برامج سياسية.

هذا المشروع السعودي المحدَث، الكاسر لجمودٍ اجتماعي متجذر، والذي يحدث انفراجة في انغلاق ثقافي، ضاربةٌ أطنابه في بيئة غير متصالحة مع الفنون على أنواعها، بفعل السطوة الوهابية وهيمنة أنماط حياتها المتزمتة، أبصر النور بعد طول انتظار من تحت عباءة الحسابات الاقتصادية والسياسية لأمراء المملكة، وتسييلاً لما يستجيب لمتطلباتهم الملحة في هذه المرحلة، وليس انسجاماً مع ديناميات التطور الانسيابي، اجتماعياً وثقافياً.

وإنّ «رؤية 2030» لصاحبها ولي ولي العهد، محمد بن سلمان، تمثّل كل الحكاية في التحول الاجتماعي الذي زُجت شرائح الشعب السعودي في تمارينه من بوابة «الترفيه»، وخاصة أنّ هذا المصطلح تكرر غير مرة في نص الرؤية التي قدمها نجل الملك السعودي. ومن ثمَّ ظهر المصطلح في زيارة ابن سلمان، الأولى، إلى الولايات المتحدة، وشركة «ديزني لاند» بالتحديد، حيث راح يبحث الأمير الشاب عن نقل التجارب إلى المشيخة الوهابية.

وحينما كان التحول عن النفط كمصدر يتيم للدخل القومي يستلزم الاستثمار في القطاعات الأخرى، كان لا بد، وببساطة، من أن تتوافر هذه القطاعات، ومن بينها قطاعات السياحة والثقافة والفنون، غير الموجودة أساساً.

والمرجوّ سعودياً، تلبية للرؤية الجديدة، خلق هذه القطاعات أولاً، وتعويد المواطنين إياها، وترويض المجتمع المنغلق (الذي إن قصد «الترفيه» فإنه سيختار الإجازة في الخارج حيث سيهدر دخله على السياحة في بلد آخر)، قبل أن يرمي ابن سلمان حجراً واحداً فيصيب به عصفورين: استدراج العروض (السياسية في باطنها)، التي تستهدف خلق فرص الاستثمارات، بما يشبه تقديم الرشى إلى الأميركيين من جهة، وتسليفهم مواقف «الاعتدال والانفتاح»، وذلك لاستبدال الصورة النمطية عن التطرف وصناعة الكراهية والفكر الإرهابي، من جهة ثانية.

الصدام مع المؤسسة الوهابية

رغم أن نشاطات «هيئة الترفيه» قسمت المجتمع السعودي في أكثر من اتجاه، وأثارت الجدال بشأن أعمالها على أكثر من مستوى، واحد منها إقامة هذه المهرجانات بالتزامن مع الحرب على اليمن وتوسع دائرة المعارك لتطاول مناطق الجنوب السعودي التي تعيش حالة حرب حقيقية، فإن الأخطر في هذا النقاش ما رشح عن رجال الدين داخل المملكة من موقف سلبي.

تبدو المؤسسة الدينية هذه الأيام في وضع شديد الحرج، جراء التهميش الذي أحدثته الفعاليات الفنية التي أشرفت عليها «هيئة الترفيه»، وهي تشاهد من حولها حفلات الموسيقى والغناء والمهرجانات الفنية المتنوعة، مترافقة مع اختلاط الجنسين في بعض الأحيان، من دون أن تقدر على ردع هذه الممارسات «المحرّمة».

أما «المطاوعة»، التابعون لـ«هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فباتوا مكبلي الأيدي تماماً منذ أسابيع. لا أخبار عن اقتحامات وتوقيفات وملاحقات على خلفية الممارسات «غير الشرعية»، كما هي العادة، بل يُجبر رجال الدين اليوم على مشاهدة الاحتفائيات الكبيرة والمباركات لعمل «هيئة الترفيه» من على وسائل الإعلام الرسمية.

وفي حال قرر هؤلاء توجيه النقد ومهاجمة «الهيئة» وتجريم أنشطتها، سيكون مصيرهم مثل مصير زملاء لهم تعرضوا للسجن أو لإيقاف عملهم في المؤسسات الدينية الرسمية.

إذاً، قد يكون ثمة انقلاب ما، تستشعر المؤسسة الدينية أن قرينتها السياسية تنفذه ضدها، وبحجم غير مسبوق يضرب عرض الحائط بالعهد التاريخي الذي قامت عليه المملكة السعودية، بين العائلتين اللتين توزعتا الأدوار والاختصاصات (في الدين والسياسة) بالتراضي: آل الشيخ وآل سعود. ومع أن التجارب التاريخية تدل على أن الكلمة الأخيرة في المملكة تبقى للمؤسسة السياسية (أقله في الدولة السعودية الثالثة، أي الحالية)، التي يرضخ لها، في نهاية المطاف، الجناح الوهابي، فإن التنازل المطلوب أخيراً من قبلها يشتمل على جوهر الجانب الثقافي والفكري للوهابية، ولا يقتصر على المعتاد من تطويع الفتاوى لمصلحة القرارات السياسية، وبحجم يفوق ما جرى غداة أحداث الـ 11 من أيلول عام 2001، حينما طلبت واشنطن من الرياض تعديل بعض مناهجها التعليمية وتدشين مشروع الابتعاث الدراسي إلى الدول الغربية.

«أيّ صاحب قرار يظن أنه سيغير عقيدة وهوية هذه البلاد بفتح أبواب الفساد، فقد دعا إلى حرب هو الخاسر الأكبر فيها، كائناً من كان». هذه تغريدة من ضمن سلسلة تغريدات للداعية عصام العويد، مناهضة لـ«هيئة الترفيه»، وكانت كفيلة قبل أسابيع باقتياده إلى السجن، لكن التهمة التي وجهت إليه وفق وسائل إعلام محلية هي «الإرهاب»، علماً بأن العويد أحد المعتمدين في مؤسسة النظام المفترض بها أنها المكافح الأول للتنظيمات الإرهابية («مركز محمد بن نايف للمناصحة»)، وهو صاحب مصنفات تناهض «داعش» وتصف أمراءه وعناصره بـ«الخوارج».

بعد ذلك بأيام، «تبخر» سعد البريك، أحد أشهر الدعاة في المملكة، في ظل شائعات عن توقيف الرجل على خلفية تضامنه مع عصام العويد وانتقاده اتهام العويد بالإرهاب، إضافة إلى معلومات تتحدث عن انتقاد لاذع وجهه البريك إلى «هيئة الترفيه» في محادثة على مجموعة في تطبيق «واتسآب».

وفي ظل معلومات تتحدث عن تهديدات من السلطات وصلت إلى خطباء «صلاة الجمعة»، تحذرهم من تصويب النقد باتجاه «هيئة الترفيه» وأعمالها، وإيقاف بعضهم عن العمل، وسجن آخرين لم تعرف أسماؤهم حتى الآن، قال المغرد السعودي الشهير «مجتهد»، قبل أيام، إن «أوامر الاعتقال الأخيرة كلها من ابن سلمان»، في إشارة إلى تباين مواقف ابن سلمان ومحمد بن نايف، وتركز حملة الاعتقالات ضمن الجناح المحسوب على ابن نايف.

وكانت باكورة الملاحقات الأمنية لمشائخ الوهابية، قد دشنتها السلطات قبل حوالى عام، بموازاة الإعلان عن مشروع تشكيل «هيئة الترفيه»، مع اعتقال الشيخ عبد العزيز الطريفي، الذي علق عشية إقرار تشكيل الهيئة، بالقول: «يظن بعض الحكام أن تنازله عن بعض دينه إرضاء للكفار سيوقف ضغوطهم، وكلما نزل درجة دفعوه أُخرى، الثبات واحد والضغط واحد، فغايتهم (حتى تتبع ملتهم»).

أما أعضاء «هيئة كبار العلماء» ومفتيهم عبد العزيز آل الشيخ، فيرقدون في سبات عميق. وغير الموقف المعترض على مشروع فتح دور السينما، الذي لمحت إليه «هيئة الترفيه»، لم يسجل لآل الشيخ سوى رد متلعثم يكشف عن حجم الإحراج الذي تواجهه المؤسسة الدينية، حينما قال جواباً عن استفتاء في حكم إقامة «هيئة الترفيه» لحفلات غنائية: «المملكة في أمن واستقرار ولله الحمد، وهذه الأمور ستحل بحكمة إن شاء الله... أرجو أن يوفقوا لاتباع الحق إن شاء الله وأن يقدموا دائماً ما ينفع الأمة إن شاء الله!».

مد وجزر

برغم ما تقدّم، فإن جناح محمد بن سلمان يبدو كأنه يسير بخطى متوازنة؛ هو إذ يحاول استغلال نشاط «هيئة الترفيه» في عملية تصفية لأي تيارات أو شخصيات في الجناح الوهابي تضمر عدم تقبل أو ممانعة للتوجهات الجديدة لدى أمراء العائلة الحاكمة، فإنه يحرص في الوقت نفسه على الظهور بمظهر الحكَم المتأني في إعطاء جرعات التغيير، تجنباً للصراع الواسع وما قد ينجم عنه من نتائج غير محسوبة.

ومن الأمثلة على ذلك أن «هيئة الترفيه» (التي تختبر نشاطاتها في مدينة جدة الأكثر انفتاحاً اجتماعياً قبل نقلها إلى بقية المدن)، اعتذرت تحت الضغوط والانتقادات عن ارتكاب مخالفة «الاختلاط» في مهرجان «كوميك كون» الذي رعته في جدة، وسارعت إلى التغريد على حسابها للطمأنة إلى أنها «تسعى إلى مراعاة القيم والأخلاق والتقاليد»، وأتبعت التغريدة هذه بتغريدة أخرى، قبل أيام، نفت فيها «إقامة أو تخطيط أي حفلات غنائية نسائية نهائياً»، قاطعة بذلك جدلاً واسعاً بشأن شائعات حول إقامة حفلات مماثلة. كذلك، قد هدأ رئيس الهيئة أحمد الخطيب، روع المفتي عبد العزيز آل الشيخ، عبر نفي «ما يشاع عن ترخيص الهيئة لإقامة دور سينما»، كما نقلت وسائل إعلام محلية.

يُتهم ابن سلمان وجناحه بأن هدف ما يحدث يتمثل في محاولة إقفال ملف التشكيك الغربي المتواصل في حصرية صناعة وتصدير الفكر الإرهابي من داخل السعودية. وبذلك، فإنّ خطوة «التوسع الثقافي» مرشحة لمزيد من القرارات، من شأنها أن تهدد الدور والنفوذ التقليديين للجناح الوهابي، وهو أمر يحمل الكثير من التبعات والمخاطر على مستقبل السعودية.

عن "الأخبار" اللبنانية