2017-04-05

مسخرة "تنظيم" الاستعمار الاستيطاني

هاني المصري

تمخّضت الاجتماعات الأميركية الإسرائيلية للاتفاق على تفاهمات بشأن وضع "ضوابط" للاستيطان فولدت مزيدًا من التوسع الاستيطاني، تجلّى بالمسخرة التي عكستها القرارات الأخيرة، وتضمنت إقامة مستعمرة استيطانية جديدة في عمق الضفة، والموافقة على نشر عطاءات في أربع مستوطنات لبناء 1992 وحدة استيطانية جديدة، والإعلان عن 977 دونمًا باعتبارها "أراضي دولة"، وذلك لمنح الشرعية لثلاث بؤر استيطانية عشوائية.

بالنظر إلى الطريقة التي قدمت فيها حكومة نتنياهو هذه القرارات نجد العجب العجاب، إذ اعتبرت هذه القرارات "لجمًا" للاستعمار الاستيطاني يأخذ الموقف الأميركي بالحسبان، وما جاء من تفسيرات لهذا الكبح يكشف إلى أي حد وصل الخداع. فمن الحديث عن إطلاق يد الاستيطان كليًّا في القدس وما تسمى "الكتل الاستيطانية"، وإزالة القيود السابقة، إلى تركيز التوسع فيما تبقى داخل حدود المستوطنات الأخرى "قدر الإمكان"، إلى التوسع على أطرافها وفي محيطها، الأمر الذي هلل له مجلس الاستيطان واعتبر أن التفاهمات الأميركية الإسرائيلية لا تجمد الاستيطان.

وتتجلى المسخرة بشكل كامل بردة فعل الإدارة الأميركية التي حذرت من "التوسع العشوائي" للاستيطان، معتبرة أنه لا يساعد على دفع عملية السلام من دون إدانة القرارات الإسرائيلية ولا توجيه انتقاد مباشر، مع الإشارة إلى أن الرئيس ترامب قال علنًا وأعرب فِي مجالسه الخاصة عن قلقه بشأن المستوطنات. أما حول إقامة مستعمرة استيطانية جديدة فقد اعتبر مسؤول أميركي أنها "تنفيذ لوعد سابق قطعه نتنياهو على نفسه وهو رجل يفي بوعده"، ودون التطرق إلى استمرار الاستيطان في القدس الذي اعتبره رئيس الحكومة الإسرائيلية غير مطروح للنقاش أصلًا.

لا جديد في استمرار التوسع الاستعماري الاستيطاني، فهذه السياسة كانت رأس حربة المشروع الصهيوني منذ البداية، واستمرت رأس حربة السياسة الإسرائيلية منذ قيام إسرائيل وما بعد احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية بعد هزيمة حزيران 1967.

ظهرت موجة عارمة عالمية من الإدانة للقرارات الإسرائيلية الأخيرة، خصوصًا لما سمي إقامة مستوطنة جديدة لأول مرة "رسميًا" منذ أكثر من عشرين عامًا، مع أن هذا غير صحيح، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة توسّع المستوطنات القائمة بمساحات تشكل أضعاف مساحتها القائمة، و"تشرعن" البؤر الاستيطانية "العشوائية" من خلال عملية توسيع المستوطنات باستمرار، وما تبقى منها سيشرعنه ما سمي "قانون التسوية".

أما الموقف الفلسطيني، فأدان بشدة القرارات الإسرائيلية الأخيرة، وطالب العالم بإدانتها، ولكنه لم ينبس ببنت شفة حول الموقف الأميركي الذي غطى على التوسع الاستيطاني، وكل ما يريده تنظيم مسمى "كبح الاستيطان". وأكثر من ذلك، سُرّبت معلومات من قيادات فلسطينية انبرت للدفاع عن الموقف الأميركي من خلال الحديث عن تطمينات قدمتها الإدارة الأميركية للجانب الفلسطيني تفيد بأنها تعارض الاستيطان، وأنها ستقف في وجهه مستقبلًا. لا ندري متى؟ هل بعد أن يصل عدد المستوطنين إلى مليون بعد أن وصل إلى حوالي 800 ألف مستعمر؟

وهنا، نعيد تكرار ما كتبه تيسير خالد، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، حول عدم إدراكه للسبب الذي يتطوع فيه بعض المسؤولين الفلسطينيين لتجميل الوجه القبيح لسياسة الإدارة الأميركية الجديدة ومواقفها من النشاطات الاستيطانية. وأضيف أيضًا أنّ هناك ما هو أسوأ، مثل الترويج بأنها جادة بالتوصل إلى "صفقة"، مع تكرار نفس التعبير الأميركي الذي يستبدل الحقوق بالمصالح المستندة إلى الوقائع المفروضة على الأرض بالقوة والاستيطان والمحكومة بمعادلة الاختلال الفادح في ميزان القوى.

يجب على القيادات الفلسطينية أولًا ألا تردد مثل الببغاوات كلمة "صفقة"، لأن الموضوع يتعلق بحق بحاجة إلى تلبية وليس إلى صفقة. وثانيًا، إذا كان الاستعمار الاستيطاني مستمرًا حتى عندما كانت الإدارات الأميركية السابقة تنتقده، فما الذي سيحدث في ظل اعتبار إدارة ترامب أنه لا يشكل عقبة؟!

يكون الرد الفلسطيني المناسب على مسخرة الاتفاق الأميركي الإسرائيلي برفض الانخراط في مفاوضات نتيجتها واضحة قبل أن تبدأ، والتوجه بطلب إحالة إلى محكمة الجنايات الدولية، على أساس أن الاستعمار الاستيطاني جريمة مستمرة يجب وقفها، تمهيدًا لإزالته، لأن أخطر ما يدور هو شرعنة الاستعمار الاستيطاني برمته، وحصر الانتقاد في بعض البؤر الاستيطانية "العشوائية" أو "غير القانونية" وفق تصنيف حكومة الاحتلال التي تعمل على قوننتها باستمرار.

كما مطلوب من الجانب الفلسطيني أن يسحب موافقته السابقة على مبدأ "تبادل الأراضي"، لأن هذا الموقف يشرعن الاستعمار الاستيطاني، وتستخدمه إسرائيل لاستثناء القدس والكتل الاستيطانية من أي بحث حول " كبح" الاستيطان.

لن تقدم القيادة الفلسطينية على الأرجح على رفض استئناف المفاوضات الثنائية المباشرة أو غير المباشرة إلا مضطرة إذا تبلور ضغط سياسي وشعبي قوي ومتراكم، كما لن تقدم على تقديم طلب إحالة إلى محكمة الجنايات حول الاستعمار الاستيطاني، ولن تسحب موافقتها على مبدأ "تبادل الأراضي" حتى قبل أن تلتزم إسرائيل بالانسحاب إلى حدود 67. وعلى العكس، ستمضي القيادة في رهانها الأبدي على المفاوضات، وعلى الدور الأميركي، رغم أن إسرائيل تعلن عما تمارسه يوميًا بأنها لن تعود إلى حدود 67، وأن أقصى ما يمكن أن توافق عليه هو "كيان فلسطيني" على أكثر أو أقل قليلًا من نصف أراضي الضفة، وهذا ما سيكون على الأغلب ما في جعبة ترامب.

يكمن السبب في عدم ارتقاء القيادة الفلسطينية إلى مستوى التحديات أنها تعطي الأولوية لكي تبقى لاعبًا سياسيًا في ما يسمى "العملية السياسية" دون توفير متطلبات هذا الدور، رغم أن ثمن ذلك في مرحلة ترامب سيكون باهظًا، ولا يقتصر على قبولها بالدخول في مفاوضات ثنائية دون مرجعية واضحة وملزمة، ومن دون تدخل دولي، بل بتقديم تنازلات أخرى، مثل وقف التوجه نحو التدويل، لأنه يتعاكس مع سياسة العودة إلى المفاوضات الثنائية، وهذا يعني أن التدهور سيستمر.

نأمل أن يكون حديث ترامب لنتنياهو عن أن الرئيس محمود عباس جاهز لعقد "الصفقة" غير صحيح، لأن معالمها باتت تتضح، وهي لن تكون إلا محاولة جديدة أخطر من سابقاتها لتصفية القضية. ونأمل أن يحبطها الشعب الفلسطيني الذي أبقى قضيته حية رغم كل ما جرى، وهو وقادر على إبقائها حية حتى تنتصر.