2017-04-04

كومبارس "الإشتباك"

هشام نفاع

مشتبكو "البوسطه" جميعًا هم كومبارس "الاشتباك" العميق الذي ظلّ في الخلفيّة غير المصوّرة، في طبقة ما تحت النصّ، في ما يشكله وما يؤجّجه: السلطة العميقة باشتباكها الأعمق. السلطة التي لا تتألّف من لون واحد فقط إسمه "نظام" أو "عسكر"، بل هي تجسُّدٌ لـ "البنية الفوقيّة" التي يقاتل على تسيّدها أيضًا مدّعو الحكم أو  الشرعية أو الخلافة.

هرم مصري بطابقين من الاشتباكات الأفقية والمشتبكـَيْن عاموديًا

علاقتي بالسينما هي علاقة الهاوي. متفرّج يشاهد بعين المتعة والفضول أولا. أفضل الأفلام، بنظري، تلك التي يُقال عنها بعد انتهائها: ياه، أمّا فيلم، كأنني قرأتُ كتابًا. ومقارنة سينما-كتاب هذه تفتقر طبعًا لأية مرجعيّة تؤسسها وتؤثّثها أدوات علميّة مُلزِمة، لكنها معيار ثقيل العيار في سلّمي النقدي الشخصي غير المُلزم، بالضرورة.

فيلم "إشتباك" الذي عرض في "مهرجان حيفا المستقل للأفلام"، الأسبوع الفات، كان كذلك. بل لخّصتُ فور انتهائه لنفسي ولبعض جيراني على مقاعد قاعة  مسرح "الميدان" الصّغرى: هذا من أفضل النصوص، مرئيًا كان أم مسموعًا أو مقروءًا، عما حدث في وما بعد 2011 معنا ولنا وفينا نحن العرب. فيلم عادل في تقسيمة أدوار ومسؤوليات الأضداد والمتصارعين والمشتبكين.

الآن أتساءل إذا ما كنت قد بالغت بالانفعال ثمّ التصريح به. لست متأكدًا. لكنْ، في الأحوال جميعها، عملًا بمقولة شيخنا رينيه (كرتيزيوس) ديكارت، هذا التشكّك الذي منحني إياه "اشتباك" هو نقطة، بل كمّ من النقاط، يُحسَب له. لأن قراءته الواقع والتاريخ تتجاوز قراءات الأسود والأبيض الإنفعالية، العصبيّة والمتعصّبة، التي أفسدت "البلاد والعِباد”.

حيّز صندوق شاحنة نقل المعتقلين، التي تسمى في نواحينا "البوسطه" وفيها تفاعَل معظم الفيلم، كان كافيًا لحبس الأنفاس، انتظارًا واختناقًا معًا. (بهذا الشعور حضرتني هنا “رجال في الشمس” للراحل غسان كنفاني). مجموعة اشتباكات ذلك الحيّز بين مختلف الفرقاء الفقراء هي الصورة المصغّرة الأشدّ "في وصف حالتنا". الحاضر الخفي الأقوى كان الحظ العاثر في لحظة عابرة لعابري سبيل في نهر الحدث المصري الهائل، الذي لا زالَ متدفقًا رغم وهم بسط السيطرة الراهن.

أمامنا فسيفساء كبير لاشتباكات صغيرة:

إشتباك  مناصري "الإخوان المسلمين" ومناهضيهم.

إشتباك الأخيرين و "الأمريكان" أو "العناصر الخارجية" المتمثلين بصحفي مصري إبن مصري بجنسية أمريكية.

الإشتباك بين كتلة "تنظيم الاخوان" الحاضرة في "البوسطه" - بدرجات عضوية مختلفة وواضحة تآلفت في جسد عضوي واحد بحذاقة ومهارة تنظيمية كان سيحسدهم عليها فلاديمير إيليتش أوليانوف شخصيًا - وبين سائر الجَمع المفتقِر للتنظيم وإن اجتمع على فكرة واحدة أو حلم.

ثم اشتباك بين هؤلاء جميعًا وبين عناصر الشرطة والجيش والأمن الذين كان في المقدمة منهم بروليتاريا العمل الأسود في صناعة إنتاج "الأمن" بوصفه شيفرة للقمع؛ جنود جيء بهم الى الخدمة العسكرية الإجبارية من الأطراف المصرية، من أبناء الطبقة نفسها للمعتقلين المشتبكين معًا ومعهم.

لكنْ ذلك كله لم يشكّل الاشتباكَ الكبير. مشتبكو "البوسطه" جميعًا هم كومبارس "الاشتباك" العميق الذي ظلّ في الخلفيّة غير المصوّرة، في طبقة ما تحت النصّ، في ما يشكله وما يؤجّجه:

السلطة العميقة باشتباكها الأعمق.

السلطة التي لا تتألّف من لون واحد فقط إسمه "نظام" أو "عسكر"، بل هي تجسُّدٌ لـ "البنية الفوقيّة" التي يقاتل على تسيّدها أيضًا مدّعو الحكم أو  الشرعية أو الخلافة.

هرم مصري بطابقين من الاشتباكات الأفقية والمشتبكـَيْن عاموديًا: الأول سلطة يتصارعها أهل سلطة، والثاني "بوسطه" معتقلٌ فيها مصريون مشتبكون لا تخلو اشتباكاتهم من لحظات تشرح القلب بالرأفة والأخوية والتضامن والنكتة وصمت الضعف الإنسانيّ الهَشّ.

هنا، هكذا ولِذا، تُشعَل النيران من الطابق العلوي، من السّرايا. وحتى يحدث هذا لا بدّ من "حطب للثورة" حين يركبها الفهلويّون ويُقصى عن مقدّمتها الثائرون. الحطب هناك، هم هناك، داخل "بوسطه" سائقها الفقير مقتولٌ برصاصة عسكري من بروليتاريا الأمن أو برصاصة مشتبك معه، غالبًا ما يكون من طينته، لكنها، "البوسطه"، ما زالت بمعتقليها مندفعة دون كوابح في نفق فاض عن نهر مصر على وطن العرب.

قد يسأل من يقرأ الآن بتمتمة خافتة: "والضوء في آخر هذا النفق؟!". وهو سؤال هذا الفيلم وهذا النص. سؤال جميع أهل النفق؛ الكناية الكُبرى عن حال “البوسطه” الصغيرة التي لا تشعّ فيها الآن سوى أضواء الليزر المدجّجة بعنف متفجّر عن عقود من الاحتقان، بانتظار شيء من كوابح الاستدراك العقلاني الواعي عَلّ الأبصار والبصائر تنزاح صعودًا عن الاشتباكات الأفقية، وتتوجّه إلى "الاشتباك"، العامودي، الأعلى والأعمق معًا.

***

فيلم "اشتباك" (2016)؛ إخراج: محمّد دياب؛ روائيّ، 97 دقيقة؛ مصر، فرنسا؛ بالعربيّة (مترجم للإنجليزيّة)؛ تدور أحداث الفيلم داخل شاحنة ترحيلات معتقلين تابعة للشرطة، لا تتجاوز مساحتها 8 أمتار، في أيّام ثورة 30 حزيران/يونيو وعزل الرئيس محمد مرسي. تتفاعل داخل الشاحنة صراعات وشخصيّات كثيرة من خلفيّات سياسيّة واجتماعيّة مختلفة، ضمن دراما تتضمّن لحظات من الصدام، والخوف، والعنف، والصمت، والرومانسيّة، والكوميديا.