2017-04-04

تكنولوجيا متقدمة وحاضنة متأخرة

محمد حمزة


تسببت الحداثة المعاصرة في انهاء الحياة الاجتماعية لأعداد مهولة من البشر في بلدان الشرق، ويمكنك تخيل هول الاعداد من حجم الحالات التي تعرفها على المستوى الشخصي ضمن إطار حياتك الاجتماعية الضيقة، الحداثة التكنولوجية أصبحت رغماً على الجميع ماسحا ضوئياً لحياة الافراد الشخصية تظهر أفكارهم وميولهم وطبائعهم وهي قضايا طالما حرصت شعوب الشرق على كتمانها والتستر عليها إلا تلك المتماشية مع العقل الجمعي وما يخالفه يبقى طي الكتمان لا يعلن ولا يمارس إلا خلف الجدران المظلمة، إذ يُكلف كشفها ضريبة اجتماعية كبيرة تدفع الفرد الى العزلة والهروب اجتماعياً وجغرافياً احياناً خصوصاً تلك القضايا المتعلقة بالدين والشرف اللذين يمثلان سلاحاً فتاكاً ليس ضد الفرد وحده بل قد تطال نيرانه الأسرة بأكملها.

إزاء هذا الخوف على سرية الخصوصية استخدمت شعوب الشرق وسائل التكنولوجيا بكل صنوفها وتشعباتها دون أدنى حسابات لمخاطر انتهاكها للخصوصيات ومن هنا بدأت رحلة القصص المأساوية للأفراد التي أودت بحياة عدد منهم وبلغ الأمر ببعضهم انهاء حياتهم بأنفسهم، بين فترة وأخرى تبرز "فضيحة" عن افراد كانوا في مأمن من قبل، وترزح آلاف الفتيات تحت رحمة الابتزاز الالكتروني وليس الرجال استثناءً من ذلك، ووجد البعض في ذلك تجارة رابحة واتخذوا من النصب والاحتيال الالكتروني مشروعاً مالياً مدراً.

الحداثة التكنولوجية في الغرب سبقتها حداثة فكرية وثقافية محورها القيمة الفردية للإنسان المتضمنة حرية الفكر والمعتقد والسلوك والميول والرغبات لذلك لم تتسبب لهم في فضائح وانتهاك للخصوصية، فيما استخدمت بلدان الشرق التكنولوجيا دون امتلاكها أي أرضية صالحة لاستخدامها وأصبحت أسيرة الابتزاز والاستغلال ولا تملك حلاً سوى تكييف ثقافتها مع الحداثة وإلا فإنها تخوض حرباً خاسرة. 

لعل البعض يعتقد ان الحل هو ضبط استخدام التكنولوجيا من قبل الاسرة أو الحكومات او عبر تثقيف الافراد على استخدامها، وهذا لا يتعدى الهراء، فهي تبسط سيطرتها يوماً بعد يوم دون أي تقهقر، والصراع معها صراع خاسر، فالأجهزة ومواقع التواصل الاجتماعي اسرت العالم بأكمله. 

ليس أمام تلك المجتمعات سوى الاعتراف بقبول الاخر بكل ما يحمل من أفكار ومعتقدات، وأن يحترم كل ميوله بما فيها الجنسية، وأن ظهور صورة لفتاة او شاب في هيئة معينة هي ليست سوى تجلياً للحظة غريزة بشرية طبيعية لا تستحق الفضيحة.

اليوم آلاف الفتيات يرزحن تحت الابتزاز الالكتروني ويتعرضن لأبشع الاستغلال ولا يستطعن إيقافه لسبب بسيط يتمثل بتحميلهن المسؤولية من قبل ذويهن وهم لا يعرفون بان موقفهم المسبق هذا جعل فتياتهم تباع وتشترى بأبخس الاثمان.

-5480الحوار المتمدن    3/4/2017