2017-04-01

قوّة الكلمة

رشدي الماضي

بألف ليلة وليلة، توسّلت شهرزاد بالحكي وسيلة مُثْلى من أجل أن تتفادى الموت الذي يتهدّدها من قِبَل شهريار بعد عزمه على قتل كلّ النّساء اللواتي يتزوّج بِهنّ...

هذا ما حدا بشهرزاد أن تُلغّم الحكاية بوصفها كلمة دالّة... أي بوصفها تعبيرا غير مباشر عن معنى غير المعنى الذي تُبلّغه... أيّ كانت تلغّم متنها الحكائي بحكايات تلعب دور الإشارة الصَّريحة الى طلب العفو...

ففي حكاية هشام بن عبد الملك والغلام... تروي شهرزاد عن غلام أعرابي رفض الخروج مع هشام من أجل القبض على ظبي، وتحدّاهُ بالكلام... فما كان من الجند إلا أن وضعوا الغلام رهن الاعتقال، ليصدر في مجلس هشام الأمر بقتلهِ... وهكذا كان... لكن عند المرّة الثّالثة التي استأذن فيها السَّيّاف الخليفة في قطع رأس الغلام... ضحك هذا الأخير... فسأله هشام عمّا أضحكهُ... فروى أبياتا شعرية راقت للخليفة وجعلته يحصل على العفو...

لماذا؟!! لأنّ الغلام في الحكاية تحوّل الى استبدال رمزي للطّريدة (الظّبي)، وهو أثمن من مثيلتها الحقيقيّة...

فصار صيد الكلام أفضل من صيد الطّريدة... وهو أمتع منه وألذّ...

واضح أنّ في الحكاية طلبا خفيّا غير صريح من قبل شهرزاد موجَّها الى شهربار، أن يتصرّف تجاهها كما فعل هشام بصدد الغلام...

يتكرر نفس المضمون في حكاية "التّاجر والعفريت" التي ترد في الليلة الثّالثة... حيث يُحكى عن تاجر واجه الموت نتيجة رمي ابن العفريت بنواة تمرة... وبينما هو جالس تحت شجرة بعد عودته من توديع أهله منتظِرا ظهور العفريت كي يُنفّذ فيه القتل... ظهر ثلاثة سألوه عن سبب غَمّهِ... فحكى لهم حكايته، وما أن انتهى ظهر العفريت مبديا عزمه على تنفيذ وعيدهِ... في هذه اللحظة تدخّل التجار الثلاثة عارِضين على العفريت التّنازل لكل واحد منهم عن ثلث من حياة التّاجر المهدّد بالقتل... مقابل أن يحكي كل واحد حكاية ممتعة... لم يعترض العفريت على الطّلب... وحكى كل تاجر حكايته، وكانت النتيجة حصول العفو ونجاة التّاجر مِنَ الموت...

طبعا، لا يخفى قارئيّ/ قارئتي في هذا الصّباح المغسول بنعناع ليالي شهرزاد، أنّ روايتنا بهذه الحكاية أيضا تُوجّه طلبا غير صريح الى شهريار أن يتمثّل ويقتدي بما فعل العفريت تجاه التَّاجر... حيث أصبح الكلام (الحكاية) المتخيّل أثمن بكثير من قتل تاجر...

وهذا ما يُعرف بالأدب بـ"أسلوب المقايضة...

صباح الخير لكلّ مَنْ تجعل/ يجعل جسد الكلام يورق حتّى نظلّ متهيئين لنلقي غيث الحياة شلّالا دافقا...