2017-03-25

الفلسفة الماركسية وتطور المجتمع

د. خليل اندراوس


الاسهام الكبير للماركسية هو صياغة النظرية الثورية العلمية الجدلية، وتسليح الطبقة العاملة بهذه النظرية لكي تقوم من خلال نضالها الطبقي بمعرفة وممارسة رسالتها التاريخية.

لم يصل ماركس الى استخلاصاته كمجرد باحث، وان كان قد اجرى أبحاثا عميقة. ففي أربعينيات القرن التاسع عشر إنغمس ماركس كجمهوري وديمقراطي ثوري في الحركة التي أدت الى ثورة عام 1848.

وقد توصل الى طرح استخلاصاته وأفكاره وفلسفته كسياسي نشيط يسعى الى فهم الحركة الثورية التي أسهم فيها لكي يساعد في توجهها الى هدف تحرير الشعوب من القهر والخرافة والاضطهاد والاستغلال.
وقد صيغت هذه الافكار والاستخلاصات في "بيان الحزب الشيوعي" الذي صاغه وكتبه ماركس بالتعاون مع انجلز في عام 1848.

لقد رأى ماركس وانجلز الحركة الاجتماعية بأسرها كصراع بين الطبقات، ورأيا الطبقات المتنازعة ذاتها كنتاج للتطور الاقتصادي للمجتمع. ورأيا في السياسة انعكاسا للحركة الاقتصادية والصراع الطبقي. كما رأيا ان الثورة البرجوازية الجارية في ذلك الوقت ومهمتها هي ازالة آثار الحكم الاقطاعي واقرار الديمقراطية، كانت تمهد الطريق للثورة الاشتراكية الثورية، وان هذه الثورة لا يمكن ان تكتمل إلا باستيلاء الطبقة العاملة على السلطة، وفي كتاب كارل ماركس" النضال الطبقي في فرنسا من 1848 – 1850 "هذا البحث الذي كان اول محاولة قام بها ماركس لتفسير مرحلة تاريخية معينة، على اساس مفهومه المادي الجدلي عن التاريخ، وانطلاقا من وضع اقتصادي معين. وكان هدف ماركس في هذا الكتاب تفسير الاحداث السياسية بفعل اسباب هي اقتصادية في آخر تحليل.

وكما كتب ماركس وانجلز في البيان الشيوعي بأن ثورة البروليتاريا قد تفشل مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أكثر ولكن ستنتصر في النهاية ولكي يقطع ماركس وانجلز وبحزم والى الابد كل صلة مع أوهام نهوض الثورة بعد فشلها عام 1850، كتبا في ذلك الوقت:" إن ثورة جديدة غير ممكنة الا إثر أزمة جديدة. ولكن نشوبها محتم مثله مثل نشوب هذه الأزمة".

وفي هذا الكتاب "النضال الطبقي في فرنسا من 1848 – 1850" كتب ماركس يقول: "ان تطور البروليتاريا الصناعية مشروط، على العموم، بتطور البرجوازية الصناعية، ففي ظل سيادتها فقط تكتسب البروليتاريا الصناعية وجودا قوميا واسعا قادرا على رفع ثورتها الى مستوى ثورة وطنية عامة، وفي ظل سيادتها فقط تصنع البروليتاريا الصناعية وسائل الانتاج العصرية التي تشكل في الوقت نفسه وسائل تحررها الثوري. فقط سيادة البرجوازية الصناعية تستأصل جذور المجتمع الاقطاعي المادي، وتمهد التربة التي يمكن عليها وحدها قيام الثورة البروليتاريا".

إن ماركس وانجلز لم يستطيعا ان يكتشفا قوانين التغير الاجتماعي- وهو ما لا يستطيع ان يقوم به من يتبنى وجهة نظر الطبقات المستغِلة - الا لانهما احتضنا قضية الطبقة العاملة، ورأيا فيها القوة الثورية الصاعدة في التاريخ وفي هذا المجال يقول انجلز: " حدثت عدة وقائع تاريخية ادت الى تغير حاسم في مفهوم التاريخ، ففي عام 1831 وقعت اول هبة عمالية في ليون، وبين عام 1838 وعام 1848 بلغت أول حركة عمالية قومية – حركة الميثاقيين الانجليز- ذروتها. لقد برز الصراع الطبقي بين البروليتاريا والبرجوازية الى المقدمة... لكن المفهوم المثالي القديم عن التاريخ ... لم يكن يعرف شيئا عن الصراع الطبقي القائم على المصالح المادية بل لم يكن في الواقع يعرف شيئا اطلاقا عن المصالح المادية.. وفرضت الوقائع الجديدة إجراء دراسة جديدة لكل التاريخ الماضي" (ف. انجلز: "الاشتراكية الخيالية والاشتراكية العلمية").

ومضى انجلز يقول انه من هذا الوضع الجديد اصبح من الواضح: "ان كل تاريخ الماضي كان تاريخ صراعات طبقية، وان هذه الطبقات المتحاربة هي دوما نتاج ظروف الانتاج والتبادل، وباختصار نتاج الظروف الاقتصادية لعصرها. وبالتالي ان التركيب الاقتصادي للمجتمع يشكل دوما الأساس الحقيقي الذي يفسر دائما - في التحليل الاخير – كل التركيب العلوي للمؤسسات القانونية والسياسية، فضلا عن المفاهيم الدينية والفلسفية وغيرها من المفاهيم في كل فترة تاريخية" (ف. انجلز: "الاشتراكية الخيالية والاشتراكية العلمية").

ومن ادراك دلالة الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي جاء ادراك ان الصراع الطبقي كان يدور بالمثل في العصور السابقة، وان كل تاريخ الماضي منذ تحظم الشيوعية البدائية كان في الحقيقة تاريخ الصراع الطبقي. ومن هذا الفهم والادراك والبحث عن مفتاح التطور التاريخي بأسره في مجال المصالح المادية يتضح بأن الطبقات المختلفة بمصالحها المختلفة هي "نتاج ظروف الانتاج والتبادل" نتاج الظروف الاقتصادية السائدة.

وقد أوضح ماركس في "رأس المال والعمل المأجور" انه: "في الانتاج لا يعمل الناس على الطبيعة فقط بل يعملون كذلك على بعضهم البعض، انهم لا ينتجون الا بالتعاون بطريقة معينة، وبتبادل نشاطهم. وهم لكي ينتجوا يدخلون في صلات وعلاقات مع بعضهم البعض. ولا يحدث فعلهم على الطبيعة، لا يحدث الانتاج الا في اطار هذه الصلات والعلاقات الاجتماعية".

وفي كتاب ماركس "أصل رأس المال" يقول: " لقد رأينا كيف يتحول النقد الى رأس مال، وكيف ينتج الرأسمال القيمة الزائدة، وكيف يتزايد الرأسمال بفضل القيمة الزائدة. بيد ان تراكم الرأسمال يفترض القيمة الزائدة، والقيمة الزائدة تفترض الانتاج الرأسمالي وهذا الأخير يفترض وجود مقادير كبيرة من الرأسمال وقوة العمل في أيدي منتجي البضائع. وعليه تدور هذه الحركة كلها، على ما يبدو في حلقة مفرغة لا نستطيع الافلات منها الا بافتراضنا ان التراكم الرأسمالي قد سبقه التراكم "البدائي" (حسب أ. سميث) هذا التراكم الذي لم يكن نتيجة لاسلوب الانتاج الرأسمالي، بل نقطة انطلاقه".

ويستمر ماركس يقول: " ان هذا التراكم البدائي يضطلع في الاقتصاد السياسي بدور يماثل دور الخطيئة الأصلية في اللاهوت".

ويتابع: " ان العلاقة الرأسمالية تفترض ان ملكية شروط تحقيق العمل مفصولة عن العمال. وحالما يقف الانتاج الرأسمالي على قدميه فانه لا يدعم هذا التقسيم وحسب، بل يعيد انتاجه ايضا وبمقياس متعاظم على الدوام. وعليه، لا يمكن للعملية التي تنشئ العلاقة الرأسمالية ان تكون غير فصل العامل عن ملكية شروط عمله – عملية تحول وسائل الانتاج الاجتماعية ووسائل العيش الى رأس مال من جهة، وتحول المنتجين المباشرين الى عمال اجراء من جهة أخرى. ولذا ليس ما يسمى بالتراكم البدائي غير عملية تاريخية آلت الى فصل المنتج عن وسائل الانتاج وهي تبدو "بدائية" لانها تشكل ما قبل تاريخ رأس المال واسلوب الانتاج المناسب له".

"لقد كانت عبودية العامل نقطة انطلاق التطور الذي أنشأ العامل الاجير والرأسمالي على السواء.

وقد تجلى هذا التطور في تغيير شكل استعباده، في تحويل الاستثمار الاقطاعي الى استثمار رأسمالي". (ماركس "أصل رأس المال.")

لقد اكتشف ماركس وانجلز مفتاح فهم كل تطور المجتمع في دراسة علاقات الانتاج هذه أي الظروف الاقتصادية للانتاج والتبادل وللصراع بين الطبقات الذي تخلقه هذه الظروف الاقتصادية.

وبهذا الفهم لقوانين التطور التاريخي اوضح ماركس وانجلز ان مجتمع المستقبل – مملكة الحرية على الارض – الاشتراكية ليست حلما طوباويا بل نتيجة ضرورية لتطور المجتمع الرأسمالي، ولنضال الطبقة العاملة ضد الرأسمالية. وعلى الطبقة العاملة ان تعي قوتها ومصالها الطبقية وان تتحد في نضال حازم ضد الطبقة الرأسمالية، وتجمع حولها كل القوى الساخطة من كل شرائح المجتمع ضد الرأسمالية.

لقد اوضحا ان من المستحيل التخلص من الرأسمالية واقامة مجتمع المستقبل – الاشتراكية ما لم تكسب الطبقة العاملة السلطة السياسية، وتحرم الطبقة الرأسمالية من كل سلطة، وتسحق مقاومتها، وأوضحا ان الطبقة العاملة لكي تخرج من العالم القديم وتخلق مجتمعا جديدا لا طبقيا لا بد ان يكون لها حزبها، الحزب الشيوعي.

ومن اجل تحقيق الاشتراكية مستقبلا ينبغي على الطبقة العاملة ألا تعتمد على التطور التلقائي للنضال الجماهيري من اجل ظروف أفضل، بل عليها ان تتزود بالنظرية الماركسية بالفهم العلمي للرأسمالية ولموقف مختلف الطبقات في ظل الرأسمالية، والادراك العلمي المادي الجدلي للأحداث والمجريات، لأن التحرر لا يمكن ان يتحقق الا بتوحيد كل القوى وكل شرائح المجتمع من أجل الاطاحة بالرأسمالية واحداث الثورة الاجتماعية واقامة الاشتراكية.

ولا تستطيع الطبقة العاملة ان تنتصر على الرأسمالية دون القوة الموجهة والمنظمة للنظرية الماركسية للنظرية الاشتراكية العلمية. فوحدة النظرية الماركسية العلمية الجدلية مع حركة الطبقة العاملة الجماهيرية شرط للتقدم، شرط لبناء مجتمع المستقبل مملكة الحرية على الارض.

* المراجع:

- انجلز "بصدد كتاب ماركس رأس مال"
- ماركس "أصل رأس المال" 
- مدخل الى المادية الجدلية – موريس كونفورت
- ماركس "النضال الطبقي في فرنسا من 1848 – 1850
- بغاتوريا: "ملامح المستقبل – انجلز والمجتمع الشيوعي"