2017-03-19

عودة ثانية للسياسة... السلطة والسيادة

عبد المجيد حمدان

بدا من تعليقات ومقالات قرأتها ، تعقيبا على دخول قوات إحتلالية لوسط مدينة البيرة، ثم حصارها لبيت الشهيد باسل الأعرج، واعتقال جثمانه بعد قتله، بدا وكأن أصحاب المقالات والتعليقات قد فوجئوا بواقع عدم امتلاك السلطة لأي سيادة على مناطق نفوذها. كما بدا وكأنهم فوجئوا بقدرة الاحتلال على استباحة هذه السيادة، في أي وقت وأي ظرف يرونه ملائما لتعزيز أمنهم.

مرة أخرى وثانية وعاشرة أعاود السؤال: ما الحكمة من هذا الدأب على تغييب الذاكرة الجمعية والفردية لشعبنا؟ هذا السؤال بديل لسؤال جرى طرحه ولوكه كثيرا: متى كان الاحتلال لا يفعل ذلك؟ والأصح متى كان للسلطة سيادة على شيء؟ سيادة تمنع الاحتلال من استباحة هذا الشيء وفعل ما يحلو له، سواء أكان ذلك قتلا، أو اعتقالا، او مصادرة، أو هدما لعقار، وبذات الحجة، حماية أمن الاحتلال؟ 

هنا اسمحوا لي أن أعود وأذكر بموقف لي اتخذته بخصوص العلاقة مع السلطة.

فقد حدث أن صديقا استشارني في عرض تلقاه بمنصب وزير. استشارني من واقع معرفته بأنني سأتوقف عن العلاقة معه بمجرد تقلده المنصب. طبعا نصحته بأن لا يقبل. قال: وكيف نخدم شعبنا إن واصلنا الابتعاد عن هكذا مواقع ؟ سألته: وهل تتخيل أن بإمكانك خدمة جمهور الناس من موقع الوزير؟ رد بالإيجاب، مشيرا أن للوزير صلاحيات، يمكن بتوظيفها الصحيح تقديم مثل هذه الخدمة. وافقته وأضفت: قلت دعني أسألك، وأرجوك أن تجيب بصراحة: هل تعتقد أن للسلطة سيادة على دوار المنارة؟ أجاب ضاحكا بلا. وأكملت: وهل تعتقد أن لرئيس الورزاء سيادة على مبنى رئاسة الوزراء؟ اتسعت ضحكته وعاود الجواب بلا. وأنت، سألته : هل ستكون لك سيادة على مبنى الوزارة التي ستتسلمها ؟ أجاب بلا كبيرة. قلت إذن يا صديقي كيف ستتوقع، وأنت ورئيسك، تعجزان عن حماية زملائكم من غزوات الاحتلال، أن تستطيع تقديم خدمة ما لشعبك من مثل هذا الموقع؟ وأذكرك أنني قصرت أسئلتي عن السيادة المباشرة على مباني الوزارات، ولم أتطرق للقيود الأخرى

 سرح صديقي في نوبة تفكير ثم عاد ليسألني: ولكن ما العمل يا أبا وديدة. هذا هو المتاح، إن لم نشغله نحن سيشغله من تهمه مصالحه، ولا تهمه مصالح الشعب ؟ قلت له: يا صديقي الأمر سيان فلخدمة الناس التي تهجس بها وجه آخر، وهو أن تسمية الوزير والوزارة فيها مواصلة لخداع الناس. فالتسمية تواصل تغذية الوهم بأن لهم سلطة مستقلة، ولها سيادة على مناطق نفوذها، وهو أمر شديد الخطورة، أتمنى عليك عدم المشاركة فيه، ومن ناحية أخرى ستجد نفسك، مهما كانت نواياك ورؤيتك، مقيدا وغير قادر عل تقديم شيء. وفقط سيصيبك من الدست سخامه. قال جادا: وكيف ذلك؟ قلت: الوزارة المعروضة عليك بلا ميزانية معقولة مثل وزارات كثيرة غيرها.

وأنت ستمضي كثيرا من الوقت، وستضيع كثيرا من الجهد، وأنت تحاول توفير مستلزمات العمل الضرورية، مثل تشغيل خطوط التليفون، وبعض النثريات الأخرى كالورق مثلا، وحتى مواد التنظيف للحمامات. وإن حصل ولقيت الوقت، وقدمت فكرة أو رؤية يتصادم تنفيذها مع مصالح كبار الموظفين، كأن تمس ببدلات ساعات العمل الإضافية التي لا يعملونها، أو غيرها من البدلات التي لا حق لهم بها على أي وجه، سيتحدون ضدك، وسيعرقلون تنفيذ فكرتك، وسيتأمرون عليك. وأضفت: وأنت من لا يحتاج لتذكير يا صديقي أنه لهذا كان تصميم بناء مؤسسات السلطة ومنها الوزارات
قبل صديقي ذاك منصب الوزير. وكالعادة توقفت عن اللقاء به. ثم، وبعد بضعة شهور خرج من الوزارة، والتقينا من جديد. سألته إن كان نجح في تقديم شيء للناس، كما كان يخطط. ضحك وقال: في الواقع قدمت، ولكنه قليل.

ويا سادتي أرجوكم رفقا بذاكرة الناس .