2017-03-19

 

ظاهرة عالمية ريما خلف والفضاء الخامس: فضاء الحرية

د. فيحاء عبد الهادي

ما زال آذار يطرح ثمراً، ويلهم دروساً، ويفتح فضاءات للحرية،
ما زال يعمِّد طريق الحرية بالدم والتضحيات والمواقف المبدئية الصلبة،
وما زال آذار يثبت أن الطريق إلى التحرر ليس له مسار واحد.

حين استقالت د. ريما خلف، الأمينة التنفيذية لمنظمة الإسكوا (اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لدول غرب آسيا)، في موقف شجاع، ومبدئي، رافضة الضغوط المكثفة عليها، من الأمين العام للأمم المتحدة، لسحب تقرير الإسكوا، الذي يتناول "ممارسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الفصل العنصري (أبارتهايد)"؛ كانت تفتح فضاء للحرية التي يجدر أن يعيش الفلسطينيون في سمائها، في مواجهة الفضاءات الأربعة الخانقة التي يعيشون فيها، حيث يخضعون لاضطهاد عنصري في ظل نظام الفصل العنصري، والتي رصدها التقرير، حين استنتج أن "استراتيجية تفتيت الشعب الفلسطيني، هي الأسلوب الرئيس الذي تفرض به إسرائيل نظام الأبارتهايد، وتحجب بوساطته عن المجتمع الدولي الطريقة التي يعمل بها هذا النظام ككل متكامل، وهي: القانون المدني، الذي يطبق على الفلسطينيين، الذين يعيشون كمواطنين في إسرائيل، وقانون الإقامة الدائمة، الذي يطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في مدينة القدس، والقانون العسكري، الذي يطبق على الفلسطينيين، الذين يعيشون منذ العام 1967، في ظل الاحتلال العسكري للضفة الغربية وغزة، ومنهم من يعيش في مخيمات اللجوء، والسياسة التي تمنع عودة الفلسطينيين، سواء أكانوا لاجئين أم منفيين، يعيشون خارج المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل". 

استند موقف د. ريما خلف المبدئي، إلى الجهد العلمي الجاد، الذي بذله مؤلفا التقرير، وهما الباحثان الأميركيان: "ريتشارد فولك" (Richard Anderson Falk)/ أستاذ فخري في القانون الدولي في جامعة برينستون، ومقرِّر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية سابقاً، و"فرجيينا تيلي" (Virginia Tilley)/ أستاذة العلوم السياسية، والمختصة بالدراسات الإثنية، والتي ألفت كتاب "حل الدولة الواحدة" العام 2005؛ ما يدلل على أهمية البحث العلمي، والدراسات الموضوعية، وأهمية الاستناد إلى القانون الدولي، في نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال والعدوان والتمييز العنصري

"استند في التقرير إلى مضامين ومبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان ذاتها التي ترفض معاداة السامية وغيرها من إيديولوجيات التمييز العنصري، بما في ذلك: ميثاق الأمم المتحدة (1945) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكافة أشكاله (1965). ويعتمد التقرير في المقام الأول على تعريف الأبارتهايد في المادة 2 من الاتفاقية الدولية بشأن قمع جريمة الفصل العنصري ومعاقبة مرتكبيها (1973) ".

فتح آذار فضاءات متعددة للنضال، وفضاءات متعددة لمعانقة الحرية؛ ما يشرك أكبر عدد من الناس في التحرر، وصنع التغيير، من أشكال الاحتجاج الجماهيرية، التي يجسدها الثامن من آذار، والثلاثين منه، إلى استخدام آليات النضال والمقاومة كافة، التي جسَّدها استشهاد باسل ودلال وراشيل وخديجة، ورفاقهم، إلى النضال على الصعيد الدولي، مستندين إلى القوانين الدولية، والحق التاريخي، وعدالة القضية الفلسطينية.
استقبلت الأرض في السادس من آذار هذا العام ابنها الفلسطيني "باسل الأعرج"، واستقبلت في الحادي عشر منه، العام 1978، أبناءها الفلسطينيين والعرب: "دلال المغربي"، و"محمود أبو منيف"، و"أبو الرمز"، و"محمد راجي الشرعان"، و"حسين مراد" (لبناني)، و"عامر أحمد عامرية" (لبناني)، و"يحيى محمد سكاف" (لبناني)، و"محمد حسين الشمري" (يمني)، و"عبد الرؤوف عبد السلام علي" (يمني)، كما استقبلت في السادس عشر من آذار، العام 2003، ابنتها الأميركية "راشيل كوري"، وفي الثلاثين من آذار، العام 1976، أبناءها الفلسطينيين: "خديجة قاسم شواهنة"، و"خير أحمد ياسين"، و"رجا حسين أبو ريا"، و"خضر عيد محمود خلايلة"، و"محسن حسن سيد طه"، و"رأفت علي زهدي".

عبَّرت د. ريما خلف عن رأيها في نتائج التقرير، وقرار سحبه؛ بشجاعة ومسؤولية: "أومن أن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقاً للناس فحسب؛ بل هو واجب عليهم".

كما عبَّر عن رأيه كل من مؤلفي التقرير: "ريتشارد فولك"، و"فرجينيا تيلي"، على التوالي: "إن الوثيقة ونتائجها تأتي بعد 50 عاما من الدبلوماسية المحبطة التي فشلت في إيجاد طريقة لتحرير الشعب الفلسطيني من القمع والحرمان من الحقوق".

"لقد أصبح من الواضح تماما بأننا لم نعد نتحدث عن خطر الأبرتهايد وإنما عن ممارسة الأبرتهايد".

فماذا تقول الدول الـ 17 التي تتشكل منها الإسكوا؟ وفي القلب منها فلسطين؟

هل تتحمل مسؤولياتها بناء على نتائج التقرير؟ هل تبني على توصياته؟

سؤال ينتظر الإجابة؛ ليس فقط من دول الإسكوا؛ بل من منظمات الأمم المتحدة كافة،

ومن كل إنسان حر، له ضمير حي، عبر العالم.

faihaab@gmail.com