2017-03-14

حدود الدولة

عبد المجيد حمدان

كانت زيارة نتانياهو لواشنطن، وعودة الحديث عن حل الدولتين، والدولة الواحدة، واللاحل، قد أعادت التذكير بموضوع الحدود. وكالعادة، أقولها للمرة الثانية، قابل كُتَّاب أعمدة، محللون سياسيون، مثقفون وقادة رأي..الخ، تصريحات نتانياهو وليبرمان عن رفض إسرائيل لفكرة الانسحاب من الأغوار والحدود مع الأردن، وكأنها انقلاب على عروض أو أفكار سابقة، ودفعة جديدة من ترامب لتدمير حل الدولتين. 

والمحزن أنه إذا صح للمواطن العادي أن يكون من أصحاب الذاكرة القصيرة، فإنه لا يصح مطلقا لكاتب العمود السياسي، أو للمثقف، أو للمفكر أن يكون كذلك. فمنذ تشكل السلطة، وبدء مفاوضات الحل النهائي، لم يتزحزح القادة الإسرائيليون، منذ شامير ورابين وباراك وإيهود أولمرت وحتى نتانياهو، عن موضوع بقاء السيطرة العسكرية الإحتلالية على السفوح الشرقية، والأغوار، وضفة الأردن الغربية. كما لم يتزحزحوا عن موضوع الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وفي كل السنوات الماضية، بدا هذان الموضوعان وكأنهما معزوفتان موسيقيتان، تستهلان كل التصريحات الإحتلالية، وافتتاح أية جلسة مفاوضات. 

وقبل تركي لمقعد الأمانة العامة للحزب، أي في العام 20022 على ما أتذكر، طرحت على اجتماع القيادة الوطنية موضوع الجدار الذي كانت إسرائيل قد قطعت شوطا في تحضير الرأي العام لبنائه. في ذلك الوقت سوقت إسرائيل العمليات الاستشهادية كأحد أهم المبررات لإقامته. وربما تذكرون أن سياسيين كثر من جانبنا رأوا في تلك العمليات تعديلا لما وصفوه بميزان الرعب الإستراتيجي مع إسرائيل، وبما قد يجبر إسرائيل على الاعتراف بحقوقنا، وتطبيق حل الدولتين. 

ولأنني كنت أرى انعكاساته السلبية على قضيتنا، وقد أطلت في شرحها في كتابي "الانتفاضة محاولة تقييم"، ولأن هذا اللون من نضالنا غدا في تراجع، ويقترب من التوقف، فقد أشرت على الاجتماع، سحب هذا المبرر من بين يدي إسرائيل، كمقدمة لإحباط مشروع الجدار. وما زالت ترن في أذني الكلمات التي رد بها علي رفيقي وصديقي مندوب الجبهة الشعبية في الاجتماع. قال: سلامة تسلمك يا رفيق أبو وديدة. أي هي إسرائيل بحاجة لمبررات؟ رددت: أنتم كلكم تعرفون أن إسرائيل أكثر بلد في هذا العالم يحتاج للمبررات. إسرائيل تعيش على تضليل الرأي العام العالمي. تختلق الأكاذيب، وتسندها بجهاز دعاية وإعلام هائل القوة. ومن غير المعقول أن نواصل نحن منحها ما تحتاجه من مواد ومبررات تضفي صدقية على أكاذيبها وضمان نجاحها تضليلها للرأي العام. وفي النتيجة رفض اقتراحي. ولم يطل الوقت حتى توقفت العمليات الاستشهادية، بعد بدء العمل في الجدار. 

وفي لقاءات لاحقة جرى الحديث عن الجدار ومقاومته. وتساءلت فيها إذا كان الجدار الغربي، ومبرره الفصل بين الكثافتين السكانيتين، الفلسطينية والإسرائلية، قد التهم ما نسبته 7 أو 8 % من أرض الضفة الغربية، تساءلت عن النسبة التي سيلتهمها الجدار الشرقي. وأظنني قلت للحضور: ألا ترون أن هذا الجدار هو الحدود الشرقية لدولتنا العتيدة؟

وفيما بعد، وبعد استعفائي من المسؤولية الحزبية، عدت مرار وتكرارا للكتابة في هذا الموضوع ، خصوصا وقد تكرر الطرح الأمريكي عن الحل بإقامة دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة. آنذاك وصفت هذه الحل النهائي بأن أرض الدولة، المعزولة بجداري الضم الغربي والشرقي، تشبه أكثر ما تشبه حدائق السفاري الإفريقية. ونبهت مرارا لأن هذا الحل سيتركنا في معازل تفصل بينها الحواجز الإحتلالية، يتصارع سكانها فيما بينهم كما يشاؤون، فيما يقف الاحتلال متفرجا على صراعهم من وراء الجدار، ويفصلهم متى شاء بتفعيل الحواجز . 

وسؤالي الآن: هل اختلف الحال عن هذه الرؤية ؟ أليس كل ما يقوم على الأرض هو ترسيخ لهذا الحل؟ 

في كل الأوقات ظل الاستخفاف بالواقع، والاستهانة بالمواقف وبالتصريحات تحكمنا. لماذا؟ لأننا أصحاب حق لا بد ينتصر، ولأن العالم يرى أن الوقائع الإحتلالية غير شرعية، أما الأهم فهو أن مواقفنا هي في حقيقة الأمر المنتج الطبيعي لعقلية الفهلوة الحاكمة للسياسي، للمفاوض، للكاتب، للمفكر وللمواطن. الفهلوة المعادية للعلم والقائمه على نقيضه.