2017-03-11

بدأ الرجل كأنه جَمد في مكانه – عندئذ بدأ الجنود بإطلاق النار عليه

"هآرتس" الاسرائيلية

كتب جدعون ليفي وأليكس ليبك في صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، مقالاَ جاء فيه:

قبل أسابيع طلب نضال مهداوي من أمّه (في الصورة) أن ترافقه إلى المقبرة، لزيارة قبر أبيه..

توقّف نضال مهداوي عن تناول الأدوية النفسانيّة وذهب إلى الحاجز. عندما  أمره الجنود بالتوقّف، جَمد عن الحركة. فقط عندما بدأ الجنود بإطلاق النار عليه، من مسافة بعيدة،  بدأ بالتّحرّك ثمّ مات  فورا

بيت والدة  نضال مهداوي، البيت الذي نشأ فيه، وهرب إليه عندما تأزم وضعه النفسي، يبدو كمخزن خردة. من الصعب معرفة كيف يبدو البيت من الداخل، أخته المريضة بالسرطان ترقد هناك وأمّه تمنع الزوّار من الدخول. ونحن جلسنا على كراس من البلاستك في باحة البيت المهملة والتي تبدو كمزبلة: بقايا طعام على الأرض، زجاجات من البلاستيك فارغة، حفر من الماء والوحل والقاذورات. أيضا مدخل البيت يمر عبر أكوام من الخردة، لم يُزِلْها أحد. كتب احدهم على نبات الصبر المقابل كلمة "الله".

فستان الأم المطرز والتقليدي ملوّث وبعض أسنانها الأمامية متساقطة. تبكي مصيرها:  توفي زوجها عن عمر 46 سنة والآن قُتِل ابنها من نيران الجنود بعمر قريب من 44 سنة. ربّت أبناءها على مدار السنين وحدها. تجمع لقمة عيشها من أعشاب الحقول حول بيتها وبيعها في السوق. هذه هي نعيمة مهداوي ابنة  الـ67 سنة، أرملة منذ حوالي 20 سنة وأم لخمسة أبناء وبنتين. بيتها في حي شويكة في طولكرم، حي صعب جدا، عُرف  في حينه كمركز مسالخ المركبات، مقبرة للمركبات المسروقة  من إسرائيل.

سائقو السيارات  التي تمر على الطريق الترابي يرسلون نحونا نظرات معادية. الجو مشحون بالشكوك. وصلت الأم نعيمة إلى البيت مع ابنها محمود، دهّان سيارات عمره 37 سنة، عمل آخر مرّة في إسرائيل، والآن بعد أن قتل الجنود أخاه عند الحاجز، صودر تصريح عمله في إسرائيل.

منه ومن أخيه ومن أبناء عمّه، كالعادة بعد كل محاولة اعتداء. لكن ما هو الاعتداء هنا؟  في شريط الفيديو الذي بُثَّ فورا بعد ذلك، حتى لو لم يكن واضحا بما فيه الكفاية، يُرى رجل يقف بجانب الكتل الإسمنتيّة عند الحاجز.

يبدو الرجل كأنه تجمّد في مكانه من الخوف. نادى عليه الجنود بأصوات عالية وأوامر ليست واضحة – أحدهم قال له "روح!" - وبدأوا بإطلاق النار باتجاهه، وهو واقف  لا يتحرك. لم يبدُ كأنه يشكّل خطرا على أحد، في وقوفه هكذا،  قرب  برج الحراسة المسلح بالإسمنت،  وكشّافه الضوئي الذي يضيء المنطقة كلّها. كان رتل من السيارات يقف على جانب الشارع. فقط عندما بدأ إطلاق النار، بدأ الرجل بالسير نحو الجنود – في البداية مشى ببطء، لكن عندما ازداد إطلاق النار أسرع الخطى، وبدأ بالركض، كأنه يحاول عبثا النجاة بنفسه، وليس كما يهرب مخرب جاء  ليهاجم الجنود، وبعد لحظة وقع على الشارع يتخبّط بدمه.

* عاد لبيت طفولته

حدث ذلك بتاريخ 17 كانون الثاني بعد الظهر، عند  حاجز 104، يسميه الفلسطينيون حاجز نتانيا، يقع بين طولكرم  ونتانيا. وُلِد نضال في أواخر 1972. وفي 1997 تزوّج من خلود آيات، امرأة من باقة الغربية وأنجبا أربعة أولاد، ولدا وثلاث بنات، أعمارهم اليوم 12 – 17. سكنوا في باقة الغربية، وحصل نضال على بطاقة هوية زرقاء في الوقت الذي كان ذلك ممكنا وعمل مجلّسا للسيارات في باقة الغربيّة.

كانوا يأتون في الأعياد لمعايدة أمه وإخوته في الشويكة. قبل عقد من الزمن بدأت تنتابه موجات من العنف ونوبات غضب، وقد اضطرت زوجته إلى تقديم شكوى ضده قبل سنوات في مركز الشرطة، واتّهم بالعنف ضد زوجته، وأدين وأمضى سنة في السجن. لكنه بعد إطلاق سراحه تحسّن وضعه، قبل مقتله بشهرين أرادت زوجته أن تُدْخِله مستشفى الأمراض العقليّة، لكنه فضل العودة إلى بيت أمه والاحتماء به نفسانيا. قبل ذلك بأسابيع، عاد نضال للإقامة في بيت طفولته.

وأثناء ذلك انتهى سريان مفعول بطاقة الهوية الإسرائيلية. يقول أخوه محمد إنه يوم قُتِل  طلب أن يدخل إلى إسرائيل، للالتقاء بزوجته وأبنائه، لكن الجنود منعوه بحجة أنه ليس معه تصريح.

قبل أسابيع طلب من أمّه أن ترافقه إلى المقبرة، لزيارة قبر أبيه. ومنذئذ بدأ يزور القبور ويوم  قُتل ذهب إلى هناك. ولسبب مجهول توقف عن تناول أدوية المرض النفساني التي اعتاد على تناولها، مما سبب له، حسب أقوال أمّه، لأن يكون عصبيا وعنيفا أكثر من العادة. تُخرج من جيب فستانها محفظة  مطرّزة وتُخْرِج منه صورتي جواز سفر مهترئتين: الأولى لزوجها المتوفّى والثانية لابنها المقتول. تعرض صورة ابنها باعتزاز، تقبلها أكثر من مرة وتنفجر بالبكاء. "اعتاد أن يناديني بـ (نعنع)، وبمودة"، تحكي وتبكي.

عندما قال الجيران أن ابنها قُتِل عند الحاجز،  لم تصدق أول الأمر. حتى جاء الأقارب. الآن تحملهم  مسئوليّة: "لم يهتم بمشاكله أحد". لا تعرف بالضبط ماذا جرى عند الحاجز. محقق بتسيلم، عبد الكريم السعدي، يقول أنه كان من السهل إيقافه بدون إطلاق نار، وطبعا بدون قتله، وأنه من غير الواضح لماذا أطلق الجنود النار، في الوقت الذي وقف كالمشلول بجانب كتلة الإسمنت عند الحاجز. احتفظت إسرائيل بالجثة عشرة أيّام وفي 27 من يناير/ كانون الثاني أُعيدت الجثة وشيعت، بشروط مقيد.

مرّ أكثر من شهر منذ الحادث، وقد صرح الناطق بلسان جيش الاحتلال الاسرائيلي هذا الأسبوع انه يظهر من التحقيق أن نضال مهداوي "اندفع شاهرا سكينا باتجاه جنود الجيش  وحاول طعنهم.

وقد ردّ الجنود حسب إجراءات اعتقال مشبوه، وفي النهاية أطلقوا النار باتجاهه لإبعاد خطره.

ونتيجة لذلك قُتِل مهداوي".  

عادت أرملته  وأبناؤها الأربعة إلى باقة الغربية بعد تشييع الجنازة. وقد رأت نعيمة زوجة ابنها منذ ذلك التاريخ مرة واحدة فقط: طلبت من مكاتب السلطة الفلسطينية إدراج اسم نضال  كشهيد، ربّما كي تتلقى المخصصات المُعَدّة لعائلات الشهداء، فقالوا لها أن على زوجته أن تُقدّم مثل هذا الطلب. ولهذا جاءت أرملته إلى طولكرم، لكن لا تزال بعض المستندات ناقصة كي يُعْلَن رسميّا أن نضال مهداوي شهيد فلسطيني، لأنه كان مُخْتلا عقليا.

ترجمة: أمين خير الدين