2017-02-27

الذكرى المئوية لثورة أكتوبر

د. ماهر الشريف

(الحلقة الثالثة)

السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب): استراحة محارب

أشار لينين أكثر من مرة، بعد انتصار ثورة أكتوبر، إلى أن الحفاظ على السلطة السوفيتية سيكون أصعب من استلامها، معتبراً أن القاعدة الاقتصادية لبناء الاشتراكية غير متوفرة  بعد في روسيا، وأن الانتقال  من الرأسمالية إلى الاشتراكية فيها سيستغرق وقتاً طويلاً.

شرطان لضمان انتصار الثورة الاشتراكية

ففي نظر لينين، لم يكن في وسع  الثورة الاشتراكية أن تنتصر بصورة نهائية في بلد مثل روسيا – يشكّل فيه عمال الصناعة أقلية ويشكّل فيه المزارعون الصغار أغلبية – إلا بشرطين: الأول، أن تدعمها، في الوقت المناسب، ثورة اشتراكية في بلد أو في عدة بلدان أوروبية متقدمة؛ والثاني، أن يتحقق التفاهم بين البروليتاريا، التي تمتلك زمام السلطة السياسة، وبين غالبية السكان من الفلاحين (1).

وعشية ثورة أكتوبر وغداتها، راهن لينين كثيراً على انتصار ثورة اشتراكية في بلدان أوروبا المتقدمة، تشكّل سنداً للبلاشفة، وتصوّر أن ألمانيا قد تكون مهيأة أكثر من غيرها لمثل هذه الثورة. فعندما استلم البلاشفة السلطة في روسيا، كان لديهم شعور بأنهم ليسوا سوى كتيبة متقدمة في جيش الثورة العالمية الكبير، وهو ما أشار إليه لينين بقوله في التقرير الذي قدمه  أمام مندوبي المؤتمر الثالث للسوفييتات المنعقد  في سنة 1918: "لقد جرت الأحداث في الواقع خلافاً لما كان يتوقعه كلٌ من ماركس وأنجلز.

فقد توجب علينا، أي على الطبقات الكادحة والمضطَهَدة في روسيا، أن تلعب دور طليعة الثورة الاشتراكية العالمية المشرّف، لكننا  نرى الآن بوضوح ارتسام آفاق تطور هذه الثورة: لقد شرع الروسي في الثورة، التي سيكملها من بعده الألماني، والفرنسي والإنكليزي، بما يضمن انتصار الاشتراكية [العالمي] " (2).

وبعد أن خاب أمله في تحقق انتصار قريب للثورة الاشتراكية في بلدان أوروبا المتقدمة، لم يعد أمام  لينين من خيار سوى التركيز على الشرط الثاني الذي حدده، معتبراً أن تحالف  البروليتاريا مع الفلاحين هو وحده القادر على إنقاذ الثورة الاشتراكية في روسيا، إلى أن تتوفر شروط اندلاع  ثورة في البلدان الأوروبية الأخرى. ومن جهة أخرى، صار لينين، في تلك الفترة،  يولي أهمية استراتيجية كبرى لآفاق  التطور الثوري في بلدان الشرق، المستعمرة وشبه المستعمرة، التي "أدخلتها الحرب الإمبريالية في تاريخ العالم"، معتبراً أن أمل شعوب هذه البلدان في التحرر بات مرتبطاً بانتصار الثورة العالمية، وأن البروليتاريا العالمية هي الحليف الوحيد لمئات الملايين من الكادحين والمضطَهدين في الشرق.

لينين  والتوجه نحو "النيب"

في ربيع سنة 1921، كانت أراضي روسيا قد تحررت من القوات الأجنبية التي غزتها وانتهت الحرب الأهلية، ما طرح على السلطة السوفيتية بإلحاح مسألة إعادة بناء الاقتصاد. فالوضع الاقتصادي للبلاد  كان مأساوياً، في ظل افتقاد المواد الأولية ووسائل التدفئة من الأسواق، وقيام أكثر من 200 مصنع بإغلاق  أبوابه، وبخاصة في قطاع النسيج، وانتشار المجاعة على نطاق واسع. وفي ظل استمرار سياسة المصادرة في الأرياف، التي شهدت موجات جفاف قاسية، تعاظم استياء الفلاحين إلى حد كبير، وصارت قطاعات واسعة منهم تنتفض على السلطة.  

كان تخفيف القيود المفروضة على الفلاحين هو نقطة انطلاق  السياسة الاقتصادية الجديدة التي عُرفت بـ "النيب". فبمبادرة من لينين، تقرر في المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي (البلشفي) في روسيا الذي عقد  في آذار 1921، أن يُستعاض عن نظام مصادرة المنتجات الغذائية في الأرياف باقتطاع  جزء محدد من فوائض إنتاج الفلاحين على شكل ضريبة عينية، تُحتسب على أساس طبيعة المنتوج  وعدد أفراد الأسرة الفلاحية وحجم قطعة الأرض المستثمرة، وتوظّف فقط لتغطية الحاجات الأساسية للجيش، والعمال، وسكان  المدن. وخلال سنة 1921-1922، جرى تخفيض هذه الضريبة العينية بنسبة 10 في المئة، وصارت تقتصر على القمح والشعير، ثم تحوّلت في سنة 1924إلى ضريبة نقدية ذات طبيعة تصاعدية، بحيث يكون مقدارها على الفلاحين الأغنياء أكبر من مقدارها على غيرهم من الفلاحين المتوسطين والفقراء.

ومع أن الأرض، وقطاعات  الصناعة الكبيرة، ووسائل النقل، والتجارة الخارجية، ظلت ملكيتها في أيدي الدولة، فقد تقرر، في إطار هذه السياسة الاقتصادية الجديدة،  تمكين رأس المال الفردي الخاص من الاستثمار في التجارة الداخلية، وتبادل المنتجات الصناعية في مقابل المنتجات الزراعية، بحيث أصبحت التجارة هي الشكل الأساسي للعلاقات الاقتصادية بين المدينة والريف وبين قطاع الدولة والقطاع الخاص. كما أعيدت المصانع الصغيرة والمؤسسات الحرفية التي يقل عدد عمالها عن عشرة –وجرى تأميمها في ظل نظام "شيوعية الحرب"- إلى مالكيها، الذين صار في وسعهم بيع منتجاتهم بحرية في الأسواق. كما صدرت مراسيم ألغت العمل الإجباري، الذي فُرض زمن "شيوعية الحرب"، وسمحت للمواطنين بالتنقل بحرية، ورفعت أجور اليد العاملة المؤهلة، وتمّ إقرار خطة طموحة  لنشر الكهرباء على نطاق واسع  في روسيا (3). 

 

طبيعة "النيب" وآفاق تطورها في تصوّر لينين

كان لينين قد بدأ يشعر، منذ ربيع العام 1920، بالحاجة إلى انتهاج سياسة اقتصادية جديدة، تكون قادرة على إعادة بناء الاقتصاد المدمر وتحسين مستوى معيشة السكان. وكان واعياً، كما بيّنت الملاحظات التي كتبها تمهيداً للخطاب الذي ألقاه أمام مندوبي المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية في تشرين الثاني 1922، أن تبني مثل هذه السياسة الاقتصادية الجديدة هومسألة مصيرية بالنسبة لمستقبل الثورة، إذ كتب في الملاحظة التاسعة منها: "منذ خمس سنوات، ونحن وحدنا؛ فحتى هذه اللحظة لم تندلع ثورة في البلدان الأخرى؛ ونحن في مواجهة الحرب والمجاعة. فهل علينا أن نفنى؟" (4).

لقد أعادت سياسة "النيب" إحياء الإنتاج البضاعي وعلاقات السوق، ومثّلت، في نظر لينين، عودة إلى مرحلة "انتقالية" بين الرأسمالية والاشتراكية، تقوم على اقتصاد مختلط تتعايش  فيه العلاقات الرأسمالية، لا سيما في الزراعة والإنتاج الصناعي الصغير، مع سيطرة الدولة على الأرض والصناعات الكبيرة واحتكارها التجارة الخارجية. من الصحيح أن سياسة "النيب" مثّلت تراجعاً – كما رأى - لكنه تراجع تكتيكي، سيسمح بتطوير القوى المنتجة وإعادة توفير الموارد اللازمة للقيام بقفزة جديدة نحو الاشتراكية.

وكان لينين، الذي عارض اتّباع سياسة الإكراه إزاء الفلاحين، يأمل بأن تشجع هذه السياسة الفلاحين على زيادة إنتاجهم، معتبراً أن انضمام الفلاحين الطوعي إلى التعاونيات سيوفر شروط قيام الاشتراكية في الزراعة، وأن التعاونيات يمكن أن تمثّل "مؤسسات اشتراكية" تربط مصالح الفلاحين الفردية بمصالح الدولة العامة. كما كان مقتنعاً بأن مكافحة ظاهرة تكاثر فئة الفلاحين الأغنياء (الكولاك) لا يمكن أن يتمّ باللجوء إلى "تدابير قسرية"، وينظر إلى تجميع الأراضي باعتباره هدفاً يحتاج تحققه إلى وقت طويل، ويتطلب مرور الفلاحين بأشكال انتقالية من التعاون، واصفاً أولئك الشيوعيين الذين كانوا يراهنون على تحويل أساس الزراعة الصغيرة الاقتصادي، في مدى سنوات قليلة، بأنهم "من ذوي التفكير الخيالي"، ومؤكداً أن تحويل المزارع الصغير، بما يشمل تغيير ذهنيته وعاداته، سيكون"مهمة أجيال بكاملها" (5).

وفي تقريره أمام مندوبي المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)، في آذار 1921، لاحظ لينين أن الفلاحين المتوسطين باتوا يشكّلون غالبية السكان في الأرياف، بعد أن امّحت التناقضات وتمّ توزيع الأراضي، وشدّد على ضرورة كسب تأييد هؤلاء الفلاحين وإرضائهم من خلال  ضمان حرية التبادل، أي حرية التجارة، التي تعني حرية الرأسمالية إلى حد ما، شريطة أن يتمّ ذلك في حدود لا تؤدي إلى نسف سلطة البروليتاريا السياسية. وأشار لينين، في هذا السياق، إلى أن السلطة السوفييتية ارتكبت في الماضي الكثير من الأخطاء، عندما مضت بعيداً جداً في طريق تأميم التجارة والصناعة وتجميد المبادلات المحلية، وأن أوضاع الحرب الصعبة فرضت اتّباع الأسلوب العسكري في الميدان الاقتصادي أيضاً (6).

وبسبب عجز الصناعة الروسية عن توفير المنتجات اللازمة لتنشيط حركة المبادلات بين المدن والأرياف، أعار لينين، في ذلك الحين، أهمية خاصة لتطوير علاقات روسيا الاقتصادية، لا سيما في ميدان التجارة، مع البلدان الرأسمالية المتقدمة، ودعم بحزم فكرة منح الرساميل الأجنبية تسهيلات معينة للمشاركة في إعادة بناء الاقتصاد الروسي المدمر. وكان المرسوم الخاص بـ "الامتيازات" الأجنبية قد صدر منذ 23 تشرين الثاني 1920، مؤذناً ببداية التوجه لانتهاج سياسة اقتصادية جديدة في ميدان العلاقات الخارجية، ومؤكداً أن السلطة السوفيتية "تضمن عدم تأميم ملكية أصحاب الامتيازات، وعدم مصادرتها أو وضع اليد عليها" (7). وفي السادس عشر من آذار 1921، وقّعت روسيا اتفاقية تجارية مهمة مع انكلترا، ثم أبرمت اتفاقيات تجارية مع كلٍ من ألمانيا وإيطاليا والنرويج والنمسا وبلدان أخرى، وطبَّعت، في الوقت نفسه، علاقاتها مع كلٍ من تركيا وأفغانستان وإيران. ولم يكن يخفى على لينين أن كل هذه الإجراءات، المتخذة في إطار سياسة  "النيب"، ستساعد على انتعاش العلاقات الرأسمالية، لكنه كان يراهن على إمكانية التحكم في نمو هذه العلاقات طالما ظلت السلطة السياسية في أيدي ممثلي الطبقة العاملة.

وعموماً، جاءت نتائج السنوات الأولى لـ "النيب" مرضية ومشجعة، إذ أدت هذه السياسة الاقتصادية الجديدة، على الرغم من الظروف المناخية القاسية، إلى تحسين الأوضاع في الأرياف، وساعدت على زيادة حجم الإنتاج من الحبوب، وعلى تحقيق تقدم ملموس في مجال تربية المواشي. كما كان من نتائج  تلك السياسة الاقتصادية الجديدة  تحسين مستويات الإنتاج الصناعي، على الرغم من  معاناة الصناعة من قلة عدد العمال والكوادر المؤهلين. أما سياسة التوجه نحو الرساميل الأجنبية لتحفيزها على الاستثمار في الاقتصاد الروسي فقد باءت بفشل ذريع، إذ امتنعت الشركات والمؤسسات الغربية عن توظيف أية أموال في قطاعات هذا الاقتصاد، متذرعة برفض السلطة السوفييتية الجديدة الاعتراف بالديون القديمة المستحقة على الحكومة الروسية قبل انتصار ثورة أكتوبر.

 

انفتاح اقتصادي  لم يترافق مع انفتاح سياسي

بيد أن هذا الانفتاح الاقتصادي الذي انطوت عليه سياسة "النيب"، وكرّس شكلاً من أشكال التعددية الاقتصادية في البلاد، لم يترافق مع انفتاح سياسي ومع تبلور تعددية سياسية، بل ترافق مع تصفية شكل "التعددية الاشتراكية" التي كانت تسود في إطار الحزب الواحد الحاكم، لا سيما بعد بروز تكتلات مختلفة داخله صارت تهدد وحدته.

فمنذ أواخر سنة 1920، تشكّلت "معارضة عمالية" بزعامة  شليابنيكوف، جمعت قادة  نقابات المعادن والمناجم، وعدداً من القادة  النقابيين الآخرين، وشرعت في تنظيم مجموعات سرية في موسكو، باسم "جماعة العمال" و"جماعة الحقيقة العمالية". وكان قادة هذه المعارضة يرون أن النقابات يجب أن تكون المنظّم الوحيد المسؤول عن الاقتصاد، ويدعون  إلى انتهاج سياسة التصنيع الثقيل. ومع أن المؤتمر العاشر للحزب، في آذار 1921، قد أدان هذه "المعارضة العمالية"، وحدد دور النقابات، باعتبارها "مدرسة للشيوعية" تساهم في تربية العمال على قواعد الإنتاج الحديث، وعلى كيفية تحسين إنتاجية العمل ومواجهة الانحرافات البيروقراطية، إلا أنه لم يوقف نشاطها، بل انتخب زعيمها، شليابنيكوف، عضواً في اللجنة المركزية، هو وقائد آخر من قادتها. وفي آذار 1922، وبعد أن قدم شليابنيكوف في المؤتمر الحادي عشر، الذي عقد في آذار 1922، خطاباً ينتقد فيه سياسة "النيب" وتوجهها في صالح الفلاحين، تدخل لينين شخصياً وأكد "أن هناك حاجة، في الظروف الحالية، للانصياع للحزب والالتزام بالانضباط الحزبي". ووجّه المؤتمر، بعد نقاشات عنيفة، إنذاراً لشليابنيكوف، وهو ما آذن بالانهيار السريع لهذه "المعارضة" ثم حلها (8).

وكان المؤتمر العاشر للحزب قد أصدر، في مقرراته، قراراً بتحريم النشاط  التكتلي داخل الحزب وحل جميع التكتلات القائمة فيه بلا استثناء، داعياً جميع أعضاء الحزب إلى العمل على تعزيز الوحدة بين صفوفه، بصفتها الشرط الأساسي لنجاح سياساته وضمان حسن تفاهم حقيقي بين أعضائه يجسّد فعلاً "وحدة إرادة طليعة البروليتاريا"، مشيراً إلى أن التكتل داخل الحزب "يُضعف حسن التفاهم هذا ويؤدي إلى تعميق الفرقة واستغلالها لمآرب الثورة المضادة" (9 ).

أما فيما يتعلق بالموقف من الأحزاب السياسية الأخرى، فقد كان تروتسكي قد أثار هذه المسألة في مقال له نشرته صحيفة "البرافدا"، في 10 أيار 1922، في صيغة تساؤل عن إمكانية السماح، بعد انتهاء الحرب الأهلية وانتهاج سياسة "النيب"، بنشاط أحزاب سياسية أخرى، إلا أنه استبعد مثل هذه الإمكانية معتبراً أن روسيا السوفيتية "لا تزال قلعة محاصرة ". بينما صرّح زينوفييف، العضو الآخر في المكتب السياسي، في خطاب ألقاه أمام مندوبي المؤتمر الحادي عشر للحزب في آذار 1922، بما يلي: "لقد أصبحنا الحزب الشرعي الوحيد القائم في البلاد، وبتنا نحتكر العمل السياسي...لقد قمنا بحرمان خصومنا من أي حرية سياسية، لكن لم يكن في وسعنا أن ننهج نهجاً آخر" (10).

وبتكريس سلطة الحزب الواحد، برزت مسألة العلاقة بين الحزب والدولة، وطُرحت مهمة  تعزيز دور كوادر الحزب في الإشراف على هيئات الدولة وأجهزتها.  وبهدف توفير الكوادر الحزبية اللازمة، قامت قيادة الحزب بتوسيع جهازها المتفرغ، بحيث ازداد عدد المتفرغين في جهاز اللجنة المركزية للحزب  من 80 متفرغاً في أواخر سنة 1919 ليصل إلى 602 في سنة 1921 (11)، وباتت اللجنة المركزية للحزب تتدخل في كل الشؤون الصغيرة والكبيرة المتعلقة بالإدارة والاقتصاد والنشاط الإيديولوجي، وامتدت سيطرتها لتشمل اتحاد الشباب واتحاد النقابات العمالية وكل المنظمات الاجتماعية.  

 

لينين يحذر قبل رحيله  من استفحال البيروقراطية ويدعو إلى ثورة ثقافية

كانت وجهة نظر لينين منذ البداية  أن آفاق الاشتراكية في روسيا سترتسم عندما يطوّر العمال والفلاحون مبادراتهم السياسية الخاصة ويشاركون أكثر فأكثر في إدارة الدولة، وهو ما يمثّل، في نظره، مهمة صعبة التحقيق  في بلد متأخر مثل روسيا، إذ  كتب: "ليست أقلية – أي  الحزب – هي من سيحقق الاشتراكية، بل من سيفعل ذلك هم عشرات الملايين من الأشخاص، الذين سيتعلمون بأنفسهم كيف يفعلون ذلك". أما مهمة البلاشفة فهي تسريع سيرورة تعليم الطبقات الكادحة (12). وفي الفترة الأخيرة من حياته، صار لينين يحذر من الروتين البيروقراطي لعمل الحزب، ويدعو إلى ضم عدد أكبر من العمال والفلاحين إلى لجنته المركزية، وإعدادهم لإدارة الدولة بحسب المعايير الإدارية الحديثة السائدة في أوروبا الغربية، معتبراً أن الاشتراكية في روسيا لن يكون لها مستقبل ما لم تنجح في تملك شروط الحضارة الحديثة في أسرع وقت ممكن (13).

كان وجود لينين على رأس الحزب الشيوعي، على الرغم من الخلافات الكثيرة التي كانت تندلع بين الحين والآخر داخل قيادته، يشكّل ضامناً رئيسياً لوحدة صفوفه. ومنذ أواخر العام 1922، صار لينين  يعبّر عن مخاوفه من حصول انقسامات داخل قيادة الحزب، قد يتسبب بها، في المقام الأول، كلٌ من ستالين وتروتسكي: "فالنقطة الجوهرية في مسألة تماسك الحزب – كما كتب - هي وجود أعضاء  في اللجنة المركزية، مثل ستالين وتروتسكي، قد تشكّل العلاقات بينهما خطراً رئيسياً يؤدي إلى انقسام ".

وكان لينين هو نفسه الذي اقترح، في المؤتمر الحادي عشر للحزب المنعقد في آذار 1922، أن يشغل ستالين منصب الأمين العام للحزب، باعتباره "منصباً إدارياً" في الأساس، وذلك قبل أن يلحظ، بعد بضعة شهور، نزوع ستالين إلى تركيز سلطات غير محدودة بين يديه، وأسلوبه "الفظ" في التعامل مع الآخرين. ففي ملاحظات صاغها في 24 كانون الأول من ذلك العام، تمهيداً لانعقاد المؤتمر الثاني عشر للحزب في نيسان 1923 - الذي لم يتمكن بسبب مرضه من المشاركة فيه – لكنها لم تنشر داخلياً سوى في سنة 1927 لدى انعقاد المؤتمر الخامس عشر للحزب (14)؛ في تلك الملاحظات، شجع لينين رفاقه  على البحث عن وسيلة لإقصاء ستالين عن منصبه "الإداري" هذا، وأخذ عليه، وعلى زعماء بلاشفة آخرين، ما أسماه  بنزعة "الروسي الأكبر" القومية، لا سيما في تعاملهم مع المسألة الجورجية، فكتب: "لقد جمع الرفيق ستالين بين يديه، بعد أن أصبح سكرتيراً عاماً، سلطات غير محدودة". ثم أضاف بعد أيام على هذا التاريخ: "الرفيق ستالين فظ جداً، وهذه المثلبة... ليست مقبولة عند رفيق  يضطلع بوظائف السكرتير العام. لذلك، أقترح على الرفاق أن يدرسوا وسيلة لإقالة ستالين من هذا المنصب وتعيين رفيق آخر مكانه، لا يتميز عنه سوى بكونه أكثر تسامحاً، وأكثر وفاء، وأكثر لباقة، وأكثر استماعاً للرفاق"، معتبراً أن هذا الأمر "ليس تفصيلاً، بل قد يكون تفصيلاً لكنه يكتسي أهمية كبيرة" (15). أما بخصوص تروتسكي، فقد أخذ عليه ثقته الزائدة بنفسه وتعامله الإداري البحت مع المسائل، فكتب: "يتميّز الرفيق تروتسكي بقدرات كبيرة... لكنه يميل إلى ثقة مبالغ فيها بنفسه، كما يميل، بصورة مبالغ فيها،  نحو الجانب الإداري البحت للأمور" (16).

وفي كتاباته الأخيرة، صار شغل  لينين الشاغل  التحذير من مخاطر ظاهرة البيروقراطية، الموروثة عن العهد القيصري، واستفحالها في صفوف الحزب وداخل أجهزة الدولة: "إن جهاز دولتنا، باستثناء مفوضية الشعب للعلاقات الخارجية، يشكل، إلى حد كبير – كما كتب - إرثاً من الماضي، ولم تطرأ عليه سوى تغيّرات محدودة جداً؛ فقد تم تجميله على السطح، بينما  بقي نمط جهاز الدولة القديم". وبغية مواجهة هذه الظاهرة، شدّد لينين على ضرورة القيام بثورة ثقافية تتصدى  لمشكلة التخلف الثقافي في المجتمع، باعتبارها من أكبر  المشكلات التي تواجهها السلطة السوفييتية، لا سيما بعد أن هاجر أكثر من 80 في المئة من المثقفين والكوادر المؤهلين إلى خارج روسيا. وكان النجاح في تحقيق هذه الثورة الثقافية يتطلب، في نظره، تطوير التعليم، وتصفية الأمية، وتهيئة الكوادر التقنية. ففي 6 كانون الثاني 1923، كتب: "لقد سبقت  الثورة السياسية والاجتماعية في روسيا الثورة الثقافية التي تفرض نفسها علينا الآن، إذ ما أن ننجزها حتى نصبح بلداً اشتراكياً. لكن هذه الثورة الثقافية تطرح علينا صعوبات ذات طابع ثقافي (الأمية) وطابع مادي في آن معاً، لأننا كي نصبح أشخاصاً متملكين للثقافة يتوجب على  وسائل الإنتاج المادية عندنا  أن تحقق نوعاً من التطور، وأن نمتلك قاعدة مادية" (17).

الهوامش

1- لينين، تقريرعن النشاط السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي (البلشفي) في روسيا"، المختارات في 10 مجلدات، المجلد 10، موسكو، دار التقدم، 1977، ص 317-318.

2- لينين، المؤلفات الكاملة، المجلد 26، ص 498؛ أورده جان  إيلنشتاين في: من روسيا إلى أخرى. حياة وموت الاتحاد السوفييتي، باريس، المنشورات الاجتماعية، 1992، ص 154.

3- "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، إشراف جاك دروز، الجزء الثالث من 1919 إلى 1945، باريس، المطبوعات الجامعية في فرنسا، 1977، ص 36-37.

4- لينين، المؤلفات الكاملة، المجلد 36، ص 597؛ أورده إيلنشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 154.

5- لورنز، ريشار، "بناء الاشتراكية عند لينين"، في: تاريخ الماركسية المعاصرة، الجزء الرابع، باريس، الاتحاد العام للمنشورات، 1978، ص  250-251 .

6- في سنة 1925، بيّنت الإحصاءات الرسمية أن الفلاحين المتوسطين يشكّلون 7،64 في المئة من مجموع الفلاحين في مقابل 24 في المئة من الفلاحين الفقراء و9،6 في المئة من الفلاحين الأغنياء (الكولاك). انظر: إيلنشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 156.

7- المصدر السابق، ص 151 .

8- "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"؛ في: التاريخ العام للاشتراكية، الجزء الثالث، المصدر المذكور، ص 33-34 . وكذلك: إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 184.

9- لينين، "مشروع أولي لقرار المؤتمر العاشر للحزب في روسيا حول وحدة الحزب"؛ في: المختارات في10مجلدات، المصدر المذكور، ص 369-3373؛ وكذلك:"تقرير حول وحدة الحزب وعن الانحراف السنديكالي الفوضوي"، في المصدر نفسه، المجلد نفسه، ص 374-383.

10- إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 159.

11- المصدر نفسه، ص 159-160.

12- لورنز، "بناء الاشتراكية عند لينين"، في: تاريخ الماركسية المعاصرة، المصدر المذكور، الجزء الرابع،  ص 258- 259.

13- المصدر نفسه، ص 264.

14- إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 177.

15- المصدر نفسه، ص 177-178.

16- المصدر نفسه، ص 178-179.

17- لينين، "كيف نعيد تنظيم  التفتيش العمالي والفلاحي؟"، المؤلفات الكاملة، المجلد 33، ص 495، أورده  إيلينشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 182.

18- لينين، المصدر السابق، المجلد 33، ص 488؛ أورده إيلينشتاين، المصدر نفسه، ص 182.