2017-02-21

ضحايا الإسلام السياسي: مروّة وفودة وبلعيد والبقية تأتي

قاتل فرج فودة أجاب المحكمة: 'لأنه كافر'، فسأله القاضي: 'كيف عرفت إنه كافر؟ ومن أي كتبه تبيّن لك ذلك؟' فأجابَ 'لم أقرأ أيا من كتبه لأنني لا أقرأ ولا أكتب'!

* عبد الجليل معالي

عندما يجعلون الله سيفاً بأيديهم!

تاريخنا العربي الإسلامي حافل بسجلات القتل والاغتيال والتصفيات الجسدية، لكن الذاكرة الجماعية حفظت عمليات مخصوصة كان غدرها طافحا على الفعلة (تُدبّر وتنفذ بليل الغدر) وعلى الفاعل (الجاهل عادة) وعلى المفعول به (المتحرر دائما من عقال التطرّف والتعصّب) يتحوّل القتل إلى فصل من مواجهة ضروس بين الفكر النيّر وترهّات الجهل "المقدّس".

ما الذي يجمع بين فرج فودة وحسين مروّة وشكري بلعيد؟ الصلة الأولى التي تتبادر رأسا للأذهان هي أن كلّ هؤلاء –وغيرهم- تمّ اغتيالهم في فترات ساخنة ودموية من تاريخنا، لكن الصلات الأكثر عمقا وإيلاما هي صلات نابعة من تساؤلات-طفولية- من قبيل: من هؤلاء؟ ولماذا قُتلوا؟ ومن قتلهم؟

 مروّة: في النجف تعلّم الماركسية

البداية كانت مع الدكتور حسين مروّة (1910-1987) الذي اغتيل في منزله يوم 17 شباط (فبراير) 1987 برصاصات غادرة لم تقدّر شيخوخته ولا مرضه. وهو مفكر وقيادي بارز في الحزب الشيوعي اللبناني، أثرى المكتبة الفكرية العربية بعشرات الكتب كان أشهرها وأكثرها إثارة للجدل كتاب "النزعات المادّية في الفلسفة العربية الإسلامية".

كان حسين مروّة يمثل نموذجا فريدا في الفكر التنويري العربي أولا لأنه كان رجل دين نهلَ من معين المدرسة الدينية في النجف العراقي وتشبّع بالثقافة العربية الإسلامية الشيعية، وثانيا لأن مزجَ ذلك التراث مع ثقافة حديثة علمانية في معناها العام وماركسية لينينية بشكل أكثر تحديدا. نجح حسين مروّة باقتدار في تحقيق مزيج معقد بين المنهل العربي الإسلامي والمشرب الفكري الاشتراكي، وهو ما أتاح له إنجاز قراءة علمية جدلية للتراث العربي الإسلامي وهو ما أنتج مجموعة قيمة من الكتب على غرار "دراسات في الإسلام" الذي الفه بالاشتراك مع عديد الكتّاب من امثال محمود سعيد العالم وسمير سعد وغيرهما، كما أصدر كتاب "التراث والشريعة" عام 1984 وكتاب "من النجف دخل حياتي ماركس" والكتاب المشار إليه آنفا: "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية".

عشرة أعوام في تأليفه والكاتم قتله بثانية

كان حسين مروّة يفكر ويكتب خارج السرب الطائفي والمذهبي الذي اجتاح لبنان، وحرص على عدم الدخول والمشاركة في عاصفة الاصطفافات الطائفية المتقاتلة في لبنان. هو كذلك كاتب صحفي في عديد المجلات الفكرية كمجلّة الطريق "الطريق" اللبنانية وساهم بمقالات عديدة في صحف كالحياة والاخبار والنداء حيث واظب على كتابة عمود يومي في هذه الجريدة أثناء الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 بعنوان "الوطن المقاتل"، ولكنه قُتلَ بأياد لبنانية آثمة اغتالته يوم 17 فبراير من عام 1987 وعجزت عن محو آثاره الفكرية والصحفية والسياسية.

 الأمّي الذي قتل فرج فودة:

كان اغتيال المفكر المصري فرج فودة يوم 8 حزيران (يونيو) 1992 تعبيرا جليا آخر على رفض قوى الظلام لكل منفذ تنويري متحرر، حيث هاجمه القتلة –الذين كانوا ينتظرونه- بطلقات نارية أردته قتيلا، وكان القتلة ينتمون إلى الجماعة الإسلامية المصرية، وتبيّنَ لاحقا أن قرار التصفية كان ترجمة لفتوى أصدرها شيوخ الجهاد ومفادها أن فرج فودة "مرتدّ وجب قتله".

أثناء المحاكمة سُئل القاتل عن دواعي قتله لفرج فودة، فقال "لأنه كافر"، فسأله القاضي "كيف عرفت انه كافر؟ ومن أي كتبه تبيّن لك ذلك؟" فأجابَ "لم أقرأ أيا من كتبه لأنني لا أقرأ ولا أكتب".

كانت كتابات فرج فودة تثير دائما جدلا واسعا في الساحة الفكرية والسياسية المصرية حيث دافع عن ضرورة فصل الدين عن السياسة، وكان يؤمن أن الدولة المدنية لا علاقة لها بالدين لكنه لم يكن "ناعما" في إبراز أفكاره بل كان واضحا ومباشرا ولم يخشَ التعبير عن أفكاره ولم يلجأ إلى "المواربة" مثل غيره من الكتاب، حيث كان يسمي الأشياء بأسمائها ولم يستبدل مثلا كلمة "علمانية" بلفظ "مدنية" مثلما فعل غيره تفاديا لجرح مشاعر أغلبية الناس مثلما كان يدافع بعض الكتاب الليبراليين. الحدث المفصل والذي تسبب في اغتيال فرج فودة تمثل في المناظرة الشهيرة التي جمعته بمحمد أحمد خلف الله في مواجهة مامون الهضيبي ومحمد عمارة ومحمد الغزالي يوم 1 يونيو(حزيران) 1992، وقال فرج فودة يومئذ أن "هذه المناظرة هي إحدى ثمار الدولة المدنية التي تسمحُ لكم بأن تناظرونا ثم تخرجون رؤوسكم فوق أعناقكم، اعطوني نموذجا لدولة دينية واحدة تسمح بمثل هذه المناظرة"

مناظرة قضت على حياة مؤلفه

صدر أمر اغتيال فودة ثم تنفيذه بعد أسبوع واحد من المناظرة التي أزعجت "سكان الكهوف الفكرية" وتم قتله يوم 8 يونيو 1992 بعد نشر جريدة "النور" الإسلامية لفتوى تبيح دمه بعد انتصار حججه على مناظريه مقابل عجزهم عن تفنيدها.

 شكري بلعيد: ضحية أخرى

لم يكن شكري بلعيد ـ فكرياً- في قامة من سبق ذكرهم، لم يكن مفكراً أو كاتباً صحفياً، لكنه كان مناضلاً شرساً عُرف بتسديده لسهام نقده مباشرة إلى المرمى، ولم يكن يبحث عن تأويلات أو خلفيات لما يحدث، بل يقول تماما ما يتردد غيره في قوله، فحين ارتفع نسق العنف السياسي قال أن حركة النهضة الإسلامية تقف وراء ذلك – سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- لأنها تتساهل وتتسامح مع جهات قريبة منها تمارس العنف دون رادع.

وحين تندلع أزمة سياسية حادة يوصّف الأمر بأن راشد الغنوشي زعيم الحركة الإسلامية يقف وراءها لأنه الحاكم الفعلي للبلاد، وأن الحكومة بألوانها المختلفة مجرد أداة لتنفيذ تعليمات الشيخ. لم يكن شكري بلعيد يسعى إلى تجميل مواقفه أو تلطيفها وهو ما جرّ له عداء التيارات الإسلامية وهو أيضا ما جعله يتلقى التهديد وراء التهديد ولكنه لم يعر تلك التهديدات اهتماما وإن اوصل بعضها إلى الجهات المسؤولة التي لم تتحرك لحمايته وإيقاف من يهدد.

اغتيال شكري بلعيد يمثل إنذارا ودعوة لغيره أن اصمتوا بدوركم، ويمثل كذلك اعتداء فجا على كلّ فكر يخالف ما يسود –سياسيا في هذا المقام- وهو سعي فاشل إلى فرض نمط واحد وفكر واحد.

الرابط بين حسين مروّة وفرج فودة وشكري بلعيد، هي أنهم جميعا كانوا ينادون –وفي أزمان مختلفة- بمشروع دولة مدنية ديمقراطية تكرّس المواطنة وتنأى بالدين عن التوظيف السياسويّ. الصلة الأخرى هي أنهم – جميعا- تلقوا وابلا من رصاصات الغدر عقوبة لهم على فكرهم المتحرر وعلى "تطاولهم" على بارونات الإسلام السياسي. اما الصلة الثالثة فتتمثل في أنهم ظلوا أحياء في الذاكرة الجمعية العربية بل تحولوا إلى رموز للفكر النيّر المتحرر الذي حاول التخلص من سطوة ونير الظلام.

* كاتب تونسي

نشر في العرب اللندنية/ 10-2-2013