2017-02-07

في الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس حزب الشعب الفلسطيني

مسيرة كفاح تزيد على تسعة عقود ونيّف

نعيم ناصر

تعود جذور حزب الشعب الفلسطيني إلى الحركة الشيوعية في فلسطين، التي نشطت تحت اسم "حزب العمال الاشتراكي في فلسطين" في العام 1919، بين صفوف المهاجرين اليهود. وبعد صراع بين جناحيه الصهيوني والعمالي تخلص الحزب من العناصر الصهيونية، وانسلخ عنها أيديولوجيا وتنظيمياً، وغير اسمه في العام 1923 بناءً على ضغط من "الكومينترن" (الأممية الشيوعية) ليعرف باسم "الحزب الشيوعي الفلسطيني". وهذا الحراك لم يقربه من الجماهير العربية، وبقي نشاطه محصوراً داخل صفوف المهاجرين اليهود.

وبقيت مسيرة الحركة الشيوعية في فلسطين، محكومة بخصوصية نشأتها تلك.  فمع أن الحزب بذل، اعتباراً من عام 1924، جهوداً مخلصة للخروج من طابعه اليهودي والسير على طريق التعريب، بناءً على طلب من "الكومينترن" الا أنه بقي في الواقع، بتركيبه وتوجهه، حزباً يهودياً طوال تلك المرحلة.  وبسبب ذلك بقي الحزب الشيوعي الفلسطيني عاجزاً، موضوعياً، عن إدراك طبيعة المسألة القومية في فلسطين وعن تحديد خصوصيتها.

فقد كان المشروع الصهيوني، في سنوات العشرينات، لا يزال في بداية عهده، وكان يعاني من صعوبات مادية عديدة، جعلت إمكانية نجاحه شبه مستحيلة.  أما الحركة الوطنية العربية الفلسطينية فكانت، بسبب طبيعة قيادتها، موجهة ضد الصهيونية وليس ضد الإمبريالية البريطانية.

وانطلاقاً من قناعته الأكيدة، أن الصهيونية ستفلس، وأن مشروعها سيفشل لا محالة، عجز الحزب الشيوعي الفلسطيني عن تقدير خطر مشروع الحركة الصهيونية على مصالح الجماهير العربية، وقبل ذلك على وجودها المادي فوق أرض وطنها. كما عجز عن إدراك حقيقة الدوافع الموضوعية، التي دفعت جماهير الفلاحين والعمال العرب إلى مهاجمة المستوطنين اليهود الصهيونيين، وضمنت، بالتالي، نجاح قيادة الحركة الوطنية العربية، "الإقطاعية – الدينية"، في حرف مسار الحركة عن طريق محاربة الإمبريالية إلى طريق الاقتتال العنصري والديني. وعلى هذا الأساس، قارب الشيوعيون الفلسطينيون، خلال العشرينات، المسألة القومية - الكولونيالية في فلسطين "مقاربة كلاسيكية"، واعتبروا أن التناقض الطبقي، بين جموع الكادحين العرب واليهود، وبين المستغلين الأجانب والمحليين، سيطغى، في النهاية، على جميع التناقضات في البلاد. وقد رأوا أن "التناقض القومي" العربي – اليهودي، الذي كان يتفجر بين الحين والآخر في شكل صدامات دامية، هو تناقض"مصطنع" تغذيه الإمبريالية والصهيونية وقيادة الحركة الوطنية العربية الإقطاعية.

وبهدف تصفية جذور ذلك "التناقض القومي"، ركز الشيوعيون الفلسطينيون على المسألة الاجتماعية في البلاد.  واعتبروا أن "المصلحة الطبقية الواحدة" ستكون بمثابة القاسم المشترك الذي يجمع الكادحين العرب واليهود، جنباً الى جنب، في النضال ضد الاستغلال الطبقي والسيطرة الاستعمارية.  وبتركيزه على المسألة الاجتماعية – الطبقية، وقع الحزب الشيوعي الفلسطيني في انحراف النزعة العمالية "اليسارية" الذي تجسد، أساساً، في توجيه نشاط الحزب، بشكل رئيسي، باتجاه التجمع الاستيطاني اليهودي حيث توجد "بروليتاريا واعية لمصالحها ومجربة نضالياً".

ونتيجة لاعتقادهم أن الصهيونية هي أيديولوجية حركة البرجوازية "القومية" اليهودية، التي ليس للطبقة العاملة اليهودية أي مصلحة فيها، استسهل الشيوعيون الفلسطينيون إمكانية سلخ العمال اليهود عن جسم الحركة الصهيونية.  وقدّروا أن دينامية الصراع الطبقي، داخل التجمع الاستيطاني اليهودي، ستكون بحد ذاتها، كفيلة بتصفية الطابع "القومي – الصهيوني" الطارئ، للحركة العمالية اليهودية في فلسطين.  وستضمن بالتالي نجاح جهودهم الرامية الى توحيد نضال العمال اليهود والعرب في جبهة أممية موحدة، تكون قادرة على التصدي لحل معضلات المسألة القومية الكولونيالية، من خلال الثورة الاجتماعية. وعليه يمكن القول إن عجز الحزب الشيوعي الفلسطيني، خلال العشرينات، عن تحديد خصوصية المسألة القومية الكولونيالية في فلسطين، والتي كانت في الأساس، "مسألة قومية عربية" ناشئة عن الصهيونية، قد ساعد، في الواقع، على بقاء الشيوعية معزولة عن حركة القومية العربية.  ومن جهة ثانية، فان غلبة التوجه اليهودي على نشاط الحزب، وسيادة انحراف النزعة العمالية "اليسارية" بين صفوفه، أديا إلى وضع "الطبقة" في خندق، و"الأمة" في خندق آخر.  وساهم، بالتالي، في عرقلة توغل الحزب بين صفوف الجماهير الكادحة العربية، وتعاظم دوره في صفوف الحركة الوطنية العربية.

***

وجاءت أحداث آب (أغسطس) 1929، التي عرفت بهبة البراق، لتؤكد أن تطور الأحداث في فلسطين، كان يتعارض مع تصورات الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولتثبت أن "التناقض القومي" طغى، في الواقع، على المصلحة الطبقية الواحدة.  وهكذا ساعدت الانتفاضة الفلسطينية على طرح المسألة القومية العربية، بحدة، على جدول أعمال الحركة الشيوعية في فلسطين.  كما جاء التبني الحازم لسياسة التعريب، ليساهم في دفع الحزب الشيوعي الفلسطيني في بدء تلمس خصوصية المسألة القومية الكولونيالية في فلسطين، باعتبارها خصوصية نابعة من المشروع الصهيوني، المرتبط بالمخططات الامبريالية في المنطقة، والى إدراك حقيقة، أن هذه المسألة هي، في الأساس، في الظروف الفلسطينية، مسألة قومية عربية، تتضمن مضموناً زراعياً، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من المسألة القومية العامة، التي كانت تجابهها شعوب البلدان العربية الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية.

ومن هنا يمكن القول إن الحركة الشيوعية في فلسطين، بسيرها على طريق التعريب، وبنجاحها في إدراك خصوصية المسألة القومية الكولونيالية، قد تجاوزت العوائق الموضوعية التي كانت تعترضها،  وفتحت المجال أمامها، للاقتراب من القومية العربية ودفع "الطبقة" إلى الخندق الذي كانت توجد فيه "الأمة"، وبالتالي القضاء على انحراف النزعة العمالية "اليسارية"، الذي كان يسود صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني خلال العشرينات.

غير أن تبني الحزب، في ضوء مقررات المؤتمر العالمي السادس للأممية الشيوعية (1928)، لسياسة انعزالية "يسارية"، داخل صفوف الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، قد أعاقه عن إنجاز هذه المهمات.  فمع أن "الطبقة"، عقب تطبيق خطة التعريب، باتت تشكل موضوعياً جزءاً من "الأمة"، إلا أنها بقيت في الواقع، وبسبب السياسة الانعزالية التي انتهجها الحزب، تجاه قيادة الحركة الوطنية العربية، في خندق مقابل للخندق الذي وجدت فيه "الأمة"، واستمرت سيادة انحراف النزعة العمالية "اليسارية" بين صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولو بشكل جديد.

 ففي حين كان هذا الانحراف في العشرينات، انحرافاً "يهودياً" صار قي مطلع الثلاثينات، انحرافاً "عربياً".  وهنا كانت تكمن المفارقة.

وفي ضوء مقررات المؤتمر العالمي السابع للأممية الشيوعية، الذي انعقد في موسكو في أواخر شهر تموز من عام 1935، تخلى الحزب الشيوعي الفلسطيني عن السياسة الانعزالية "اليسارية"، التي كان ينتهجها.  وتبنى شعار الجبهة الشعبية المتحدة المعادية للإمبريالية وللفاشية، متجاوزاً بذلك انحراف النزعة العمالية بين صفوفه. وبسبب خصوصية الأوضاع الفلسطينية، أكد الحزب الشيوعي الفلسطيني أن الجبهة الشعبية ستكون، في الأساس جبهة "عربية" موجهة ضد الامبريالية والصهيونية، وعارض في المقابل، المحاولات الرامية إلى إقامة جبهة شعبية، بين صفوف التجمع الاستيطاني اليهودي الواقع تحت سيطرة الحركة الصهيونية.  وقد سعى الحزب، خلال سنوات ثورة 1936 – 1939، الى تطبيق سياسته، الجبهوية الجديدة، في الممارسة العملية.  وبالفعل ساهم الشيوعيون الفلسطينيون بنشاط، في أحداث الثورة، ودعموا قيادتها، وحاولوا دفع "الطبقة" الى الانخراط، وبكل ثقلها، في النضالات التي كانت تخوضها "الأمة".

وكردة فعل على السياسة الانعزالية "اليسارية" التي كان ينتهجها في السابق، داخل صفوف الحركة الوطنية العربية، عجز الحزب الشيوعي الفلسطيني عن إدراك أهمية حفاظه على موقف طبقي واضح ومستقل، تجاه المسألة القومية العربية، وانتهج بالتالي، خلال سنوات الثورة، سياسة تبعية "يمينية"، تجسدت أساساً في قيامه بتقديم دعم غير مشروط لقيادة الحركة الوطنية العربية الفلسطينية، وفي تقاعسه عن انتقاد انحرافاتها.

وخلال سنوات ثورة 1936 – 1939، اندمج الحزب في القومية. وغابت الحدود، الأيديولوجية والسياسية، بين "الطبقة" و"الأمة".  وفي مثل تلك الظروف، بدأت تتبلور عوامل الانقسام القومي، بين العرب واليهود، داخل صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني، خصوصاً في ظل تعمق الشرخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، القائم في بنية المجتمع الفلسطيني، بين القطاعين العربي من جهة، واليهودي من جهة ثانية.

وقد وقع الانقسام القومي، بين صفوف الحركة الشيوعية الفلسطينية، في العام 1943 في الوقت الذي أعلن فيه في موسكو عن حلّ "الكومينترن" الذي بدأت فيه الطبقة العاملة العربية، بفضل جملة من التطورات، الاجتماعية والاقتصادية، التي طرأت على بنية المجتمع العربي الفلسطيني، تلعب دوراً أكثر فأكثر أهمية في المجتمع، وتطمح الى التحول الى "الطبقة القائدة قومياً"، والى "ممثل لمجموع الأمة". وفي ظروف تبلور تيار وطني يساري عريض بين صفوف الجماهير العربية، قطع الشيوعيون الفلسطينيون العرب، على الصعيد التنظيمي، الصلة مع تجربتهم السابقة، وابتكروا، بهدف تأطير هذا التيار الوطني اليساري العريض، شكلاً تنظيمياً "متميزاً"، كان يقع في منتصف الطريق بين شكل التنظيم الشيوعي، وشكل المنظمة القومية اليسارية.

وعقب الإنقسام، وفي شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1945، وهو العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية، عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي اقتصرت عضويته على اليهود فقط، مؤتمره التاسع، وفيه تبنى رسمياً موقفاً جديداً من القضية الفلسطينية، ومشروع حلها، خلاصته أن المجتمع الفلسطيني أخذ يتشكل من قوميتيين، عربية ويهودية، وأن حق تقرير المصير أصبح ينطبق على القوميتين، وبالتالي فإن الحل المقترح للقضية الفلسطينية يستند على إقامة دولة ثنائية القومية، وليس دولة ديمقراطية لجميع سكان فلسطين دون تمييز، كما نادت بذلك عصبة التحرر الوطني في فلسطين، وكذلك ليس تقسيم فلسطين إلى دولتين، كما كانت تطالب به الحركة الصهيونية، كخطوة أولى على طريق تحقيق طموحها بالاستيلاء على كل فلسطين.

وفي أواخر العام نفسه (1945) أوفد الحزب الشيوعي الفلسطيني (المقتصر على العضوية اليهودية) عضو مكتبه السياسي، مايرفلنر، إلى لندن لحضور المؤتمر التأسيسي لاتحاد الشباب الديمقراطي العالمي المنعقد هناك، وللاتصال في الوقت ذاته بمؤتمر الأحزاب الشيوعية لبلدان الكومنولث البريطاني، الذي بادر الحزب الشيوعي البريطاني الى عقده سنوياً، بعد الحرب العالمية الثانية وبعد حل "الكومينترن".  وخلال ذلك قام مايرفلنر بعرض موضوعة حل الدولة ثنائية القومية على قيادة الحزب الشيوعي البريطاني الذي تبناه المؤتمر التاسع، على أساس وجود قوميتين في فلسطين لهما، بموجب المبادئ الماركسية، حق تقرير المصير.

وكان رد الحزب الشيوعي البريطاني واضحا بالرفض كون "الشيوعية لا تعترف بحق تقرير المصير لتجمع كولونيالي اقيم على حساب شعب آخر".

وبفضل تجربة عصبة التحرر الوطني، التي تأسست رسميا في شهر شباط 1944، استطاعت الحركة الشيوعية الفلسطينية أن تضرب جذوراً عميقة بين صفوف السكان العرب الفلسطينيين.  وأظهرت وللمرة الأولى في تاريخها، تفهماً واضحاً لطبيعة العلاقة الديالكتيكية التي تربط بين الوطني والطبقي، في نضال الطبقة العاملة التي تتصدى لحل مهام الثورة الوطنية التحررية.  وتمكنت بالتالي من تحديد ملامح مشروعها الخاص، بكيفية القضاء على نظام السيطرة الاستعمارية في البلاد، وبناء الدولة الوطنية المستقلة.  وكان من المؤمل، بالفعل، أن تلعب الطبقة العاملة العربية دوراً مهماً في حياة البلاد السياسية، وأن تتصدر النضال الوطني التحرري الذي كانت تخوضه "الأمة"، ضد الإمبريالية والصهيونية. غير أن المؤامرة كانت أكبر منها بكثير. وأكبر من كل الطبقات الوطنية الخيرة في فلسطين.

عصبة التحرر الوطني والحل الواقعي للمسألة الفلسطينية

كانت عصبة التحرر الوطني القوة السياسية الفلسطينية الوحيدة التي طالبت، في ظروف الحرب العالمية الثانية، بضمان استقلال وتحرر فلسطين.

فحينما حل موعد تنفيذ الكتاب الأبيض في الأول من نيسان 1944 أعلنت العصبة أنها تؤيد الخطوات التي أقرها الكتاب الأبيض لإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتحديد بيوع الأراضي،  إلا أنها اعتقدت أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون الحل النهائي للقضية الفلسطينية، على اعتبار أن المرحلة التي وضع فيها غير المرحلة التي كانت تجتازها.  وقد أشارت العصبة إلى أن المرحلة التي تجتازها فلسطين هي مرحلة الاستقلال والحرية.

وطورت العصبة عند انتهاء الحرب العالمية الثانية تصورها للحل الواقعي للمسألة الفلسطينية، حيث أكدت في المذكرة التي رفعتها في تشرين الأول 1945 إلى رئيس الوزراء البريطاني، أن الحل الوحيد للعقدة الفلسطينية يكمن في إعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.  ودعت إلى إقامة حكم وطني ديموقراطي مستقل يضمن حقوق سكان فلسطين جميعاً.

وبتاريخ 28 نيسان 1947 عقدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة دورة طارئة لمناقشة القضية الفلسطينية.  وقد أقرت الدورة الطارئة بتاريخ 15 أيار 1947 تشكيل لجنة خاصة من ممثلي إحدى عشرة دولة لتحري الحقائق في فلسطين، واقتراح توصيات ملائمة، لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

ورفضت الهيئة العربية العليا، التي كانت ائتلافاً للأحزاب القومية العربية، التعاون مع الأمم المتحدة، وقررت مقاطعة لجنة التحقيق الدولية، كما فرضت هذه المقاطعة على جميع الأحزاب والقوى الوطنية في فلسطين.

استجابت عصبة التحرر الوطني إلى قرار المقاطعة، حفاظاً منها على وحدة الصف الوطني العربي، وامتنعت عن مقابلة لجنة التحقيق الدولية التي وصلت إلى فلسطين في شهر حزيران 1947.  وفي الوقت ذاته وجهت عصبة التحرر الوطني مذكرة إلى الأمم المتحدة أعربت فيها عن معارضتها لمشروع تقسيم فلسطين، وأشارت إلى أن تطبيق هذا المشروع سيؤدي إلى القضاء على جميع إمكانات التفاهم بين العرب واليهود، وأن الدولة اليهودية في حال قيامها، ستتحول إلى قاعدة ثابتة للإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط.  وأعادت العصبة إلى الأذهان -في مذكرتها- الحل الذي كانت قد اقترحته والذي يقضي بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وسحب الجيوش الأجنبية منها، واقامة دولة ديموقراطية مستقلة تضمن حقوقاً متساوية لجميع سكانها العرب واليهود.

وتقدمت لجنة التحقيق الدولية في أيلول 1947 بتوصياتها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية.  وأوصت اللجنة بإجماع أعضائها على ضرورة تصفية الانتداب وجلاء القوات البريطانية عن فلسطين، إلا أنها لم تتفق على حل موحد للقضية الفلسطينية، حيث اقترحت أكثرية الدول المشاركة في اللجنة تقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة عربية، وأخرى يهودية تجمع بينهما وحدة اقتصادية.  أما الأقلية فقد اقترحت إقامة دولة فلسطينية اتحادية مستقلة من ولايتين: عربية ويهودية، تكون القدس عاصمتيهما.

وقد رحبت عصبة التحرر الوطني بالتوصية الإجماعية للجنة التي دعت إلى إنهاء الانتداب البريطاني، وضمان استقلال فلسطين،  ولكنها أعربت عن تحفظها على توصية الأكثرية الداعية إلى تقسيم فلسطين، وأكدت أنه لا يزال من الممكن السعي إلى إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية مستقلة، يتعايش فيها العرب واليهود بحقوق متساوية. وبقيت العصبة تعارض مشروع التقسيم، وتناضل في سبيل إقامة دولة ديموقراطية على كامل التراب الفلسطيني، حتى تاريخ صدور قرار هيئة الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947.

جابهت عصبة التحرر الوطني بعد صدور قرار الأمم المتحدة مرحلة من أحرج مراحل تاريخها.  فباستثناء البند المتعلق بإنهاء الانتداب البريطاني، لم يقدم قرار الأمم المتحدة الحل الأفضل للقضية الفلسطينية.  كما أنه الحق إجحافا كبيراً بالشعب العربي الفلسطيني، وبحقوقه الوطنية الثابتة.  ومع ذلك أدركت العصبة أن البديل الواقعي عن قرار الأمم المتحدة، في ظل الأوضاع المزرية، التي خلقتها وكرستها الإمبريالية والصهيونية، والقيادات الموالية للاستعمار في العالم العربي، "هو كارثة مهولة تحل بالشعب العربي الفلسطيني".

وفي شهر شباط 1948 بلورت عصبة التحرر الوطني موقفها من قرار الأمم المتحدة، حيث وافقت أغلبية المندوبين في الكونفرنس الذي عقد في مدينة الناصرة، على القرار المذكور.  وقررت دعوة الجماهير العربية للبقاء فوق أراضيها، ومنع القوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية من تمرير المؤامرة التي كانت تحاك ضد الشعب الفلسطيني، الهادفة إلى تفريغ فلسطين من سكانها.

عطفا على ما تقدم، يمكن القول إن العصبة، عانت، خلال بضعة شهور من موافقتها على قرار التقسيم، من هزيمتين أساسيتين، الأولى، فشل مشروعها المتميز لحل القضية الفلسطينة بإنشاء دولة ديموقراطية فلسطينية لجميع سكانها دون تمييز، ثم فشل تنفيذ قرار التقسيم الذي تبنته، بعد أن تلاشت إمكانية تحقيق مشروعها الأول.  يضاف إلى المعاناة من هذين الفشلين الأساسيين المتلاحقين، ما رافق ذلك معاناة ، بسبب النكبة والتهجير للأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، بما في ذلك أعضاء العصبة وقيادتها.

ومع ذلك تُعتبر العصبة أهم وأنصع ظاهرة سياسية يسارية في التاريخ الفلسطيني المعاصر.  فعلى الرغم من أنها لم تعمّر، قبل النكبة، سوى نحو خمس سنوات (1943 - 1948)، إلا أنها أفلحت في نشر الفكر اليساري - الماركسي، وتحويله إلى قوة متنفذة وملموسة في الشارع الفلسطيني، وأن تتحول فعلياً، وليس نظرياً، إلى قائد للطبقة العاملة العربية في فلسطين، بتزعمها لمؤتمر العمال العرب في فلسطين، الجسم الأكبر والأكثر عدداً من العمال العرب الفلسطينيين، واستقطابها صفوة المثقفين العرب الفلسطينين في إطار "رابطة المثقفين العرب" التي كانت تحت قيادتها أيضا، وأن تصوغ باستقلالية كاملة، وبعيدا عن أية تأثيرات خارجية، الحل الأكثر ديموقراطية وواقعية للقضية الفلسطينية، بما في ذلك التعامل بواقعية مع التجمع اليهودي في فلسطين، الذي نشأ رغم إرادة أهلها العرب.. هذه الواقعية التي كانت السبيل الوحيد لسد الطريق على التقسيم الذي ظهر خطره، منذ توصيات لجنة "بيل" البريطانية عام 1937. أي أن العصبة لم تكن ضد التقسيم، فحسب، بل وانفردت في الساحة الفلسطينية بطرح البديل العملي القادر على اعتراض التقسيم.  وكانت نواة هذا الحل قد ولدت في أوساط الشيوعيين الفلسطينيين العرب في الحزب الشيوعي الفلسطيني، قبل تفككه في شهر أيار (مايو) 1943.

الشيوعيون الفلسطينيون يشكلون الحزب الشيوعي الأردني

نتيجة للنكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني تمزقت فلسطين، وتمزقت، كذلك، عصبة التحرر الوطني.  فأغلبية قيادة العصبة بقيت في إسرائيل وشكلت مع الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان مقتصراً على اليهود، الحزب الشيوعي الإسرائيلي.  وبقي عدد قليل من أعضاء العصبة وكوادرها في الضفة الغربية وقطاع غزة، واحتفظوا باسم عصبة التحرر الوطني في فلسطين، ووقفوا ضد ضم الضفة الغربية إلى الأردن، وطالبوا بإنشاء الدولة الفلسطينية، ولكن العصبة فشلت في هذا النضال.

وعقب ذلك، وفي أيار 1951 اتخذت قيادة العصبة قراراً بتكوين الحزب الشيوعي الأردني بالتعاون مع الخلايا الماركسية في شرقي الأردن، ووضع برنامجاً جديداً، وابتدأ نضالاً جديداً.

وفيما بعد عقدت قيادة عصبة التحرر في قطاع غزة بتاريخ 23 آب (أغسطس) 1953 مؤتمراً قررت فيه تحويل العصبة إلى "الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة". وقد أصدر المؤتمرون بياناً سياسياً أكدوا فيه على طبيعة وهوية الحزب الفكرية كممثل للعمال والفلاحين والكادحين والمثقفين الوطنيين والثوريين، ويمثل استمراراً تاريخياً ونضالياً لعصبة التحرر الوطني، وتركزت أهدافه، في تلك المرحلة، على النضال من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، طبقاً لقرار التقسيم، وحق اللآجئين في العودة إلى ديارهم وتعويضهم وفقاً للقرار الأممي (194)، والنضال من أجل إطلاق الحريات العامة، ووقف أساليب القمع والإعتقالات، وإلغاء لأحكام العرفية وقانون الطوارئ الإستعماري، والعمل على حماية الحدود من الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة (على القطاع).

وقد حكمت الظروف السياسية المستجدة، التي نشأت بعد النكبة الفلسطينية، والمتمثلة في ضم الضفة الغربية رسمياً إلى الأردن، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، اتخاذ هاتين الخطوتين.  وبهذا الضم "توحدت" الطبقة العاملة في كل من شرق الأردن وغربها.  وهو ما استدعى بالتالي أن يكون هناك حزب موحد للطبقة العاملة.

ومنذ تأسيسه، وحتى الخامس من حزيران 1967، ركز الحزب الشيوعي الأردني على القضايا الاجتماعية والمطلبية، بحيث غدت القضية الوطنية للشعب الفلسطيني في المرتبة الثانية من اهتمامه،  في حين كانت هذه القضية في مركز اهتمام الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة، كون هذا الحزب كان يعمل بين جماهير فلسطينية خالصة.

ومن هنا يمكن القول إن الحزب الشيوعي الأردني، على الرغم من أنه كان يؤكد في وثائقه على ضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وتعويض من لا يرغب، وذلك وفق قرار الأمم المتحدة (194)، واقامة دولة فلسطينية على الأراضي العربية، التي شملها قرار التقسيم، إلا أنه غلّب في نضاله الطبقي على الوطني، مؤكداً في الوقت نفسه على أهمية وحدة الضفتين.

وعقب هزيمة الدول العربية في العام 1967، واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، عاد البعد الوطني يأخذ الأولوية في موقف الحزب الشيوعي الأردني، وحاول مواءمته مع البعد الاجتماعي في نضاله. إلا أن ظهور فصائل المقاومة الفلسطينية في الساحة الأردنية، والتفاف الجماهير حولها، وخصوصاً الجماهير الفلسطينية، دفع الحزب إلى إعطاء الأولوية إلى النضال الوطني. لكن سعيه هذا كان يصطدم بعقبتين: الأولى قد تكون شكلية، ولكنها ذات تأثير كبير، وبخاصة في الضفة الغربية، وهي متعلقة باسم الحزب.  إذ لم تستوعب جماهير الحزب الفلسطينية أن يقود نضالها باسم الشيوعي الأردني، في وقت أخذ فيه الشعور الوطني يتبلور باتجاه فلسطينية النضال ونحو كيانية فلسطينية مستقلة، في الوقت الذي كانت فيه أدبياته تؤكد على وحدة الضفتين ضمن المملكة الأردنية الهاشمية. والثانية، وهي تحفظ الفصائل الفلسطينية المسلحة على التعامل مع الحزب الشيوعي الأردني، كون الحزب، ليس "فلسطينياً"، إضافة إلى أنه ليس لديه فصيلاً مسلحاً.  والأهم من ذلك كله، أنه "ضد تحرير فلسطين من النهر إلى البحر". وظهرت هذه الإشكالية بصورة حادة في الضفة الشرقية التي كانت مركزاً رئيسياً للفصائل الفلسطينية المسلحة.  أما الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة فلم تقف هاتان العقبتان عائقاً أمامه.

ومما عزز الاعتقاد لدى الفصائل المسلحة، وقطاع واسع من الجماهير الفلسطينية، بأن الحزب أردني التوجه، موافقته على القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في العام 1967، والذي نص على عودة الضفة الغربية إلى الأردن.  وهذه الإشكالية يمكن إدراجها ضمن الخاص والعام في النضال الفلسطيني.  ففي حين أدركت بعض القوى الفلسطينية، وخصوصاً "فتح" في وقت مبكر، خصوصية وأولوية النضال الفلسطيني، وعملت على إبراز الكيانية الفلسطينية، غلّب البعض الآخر من الأحزاب "الفلسطينية" ومن بينها الحزب الشيوعي الأردني، العام العربي والدولي، على الخاص الفلسطيني.

وشهدت الفترة من حزيران 1967 والنصف الأول من أيلول 1970، نمواً كبيراً في الشعور الوطني الفلسطيني، وبالتالي إقبالا كبيراً من قبل الجماهير الفلسطينية، على الانخراط في صفوف الفصائل المسلحة، التي زاد عددها باضطراد ليتعدى العشرة فصائل، من بينها فصائل تنتمي إلى أحزاب قومية عربية، مثل حزب البعث وحركة القوميين العرب.  وهذا الوضع زاد في عزلة الحزب، ما دفع قيادته إلى التفكير في محاكاة الفصائل الفلسطينية وإنشاء فصيل مسلح تابع له. 

وقد شهدت تلك الفترة، وخصوصاً في الضفة الشرقية، حيث الثقل الأساسي للفصائل الفلسطينية، نقاشات حادة، لم تقتصر على قيادة الحزب الشيوعي الأردني، وانما شملت أغلب الكوادر الحزبية، أسفرت عن بروز اتجاهين: الأول سعى إلى تشكيل فصيل مسلح يفتتح له مكاتب في المخيمات والمدن الأردنية، على غرار الفصائل الأخرى، ويحاكيها في أساليبها في مقاومة الاحتلال.  وقد أطلق على مؤيدي هذا الاتجاه، وهم الأكثرية، مجازاً "الاتجاه القومي"، أما الاتجاه الثاني، وان لم يكن يريد تأسيس فصيل كالفصائل الأخرى في الضفة الشرقية، فانه كان لا يمانع اللجوء إلى النضال المسلح، ولكن في الضفة الغربية حيث الاحتلال الإسرائيلي، والجماهير المكتوية بنار هذا الاحتلال، وأن لا يعلن عن اسم الفصيل، إلا من خلال أعماله.  وقد سمي أنصار هذا الاتجاه، وهم أقلية ب "الاتجاه اليميني".  وقد حسم هذا الجدل في صفوف الحزب الشيوعي الأردني في الكونفرنس الذي عقد في عمان العام 1970، لصالح من عرفوا ب "الاتجاه القومي".

وهكذا، ونتيجة للظروف المستجدة بعد الهزيمة العربية في حزيران 1967، وما تلاها من رفض جماهيري للهزيمة، والتهاب المشاعر القومية ضد الاحتلال الإسرائيلي والدول الاستعمارية، اتجه الحزب نحو الوطني (القومي) على حساب الطبقي.  وكاد أن ينسى أن هناك جماهير أردنية بحاجة إلى من يدافع عن مصالحها.  كما غاب عن بال قيادته أن أي عمل مسلح ضد الاحتلال ينبغي أن تتوفر له شروط موضوعية وذاتية، حتى ينجح وينجز أهدافه، وهو ما كان يفتقر له... فلا الظروف الموضوعية كانت تسمح بعمل مسلح في الضفة الغربية، ولا حتى انطلاقاً من الأراضي الأردنية، ولا الظروف الذاتية، أيضاً، حيث لم تتفق الفصائل الفلسطينية على الأهداف السياسية للنضال الفلسطيني، باستثناء الشيوعيين، حيث كانت تدعو كلها، في حينه، إلى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، بواسطة الكفاح المسلح.

ورغم ذلك، دخل الحزب الشيوعي الأردني في مفاوضات مع الأحزاب الشيوعية الشقيقة في سورية ولبنان والعراق، أسفرت عن اتفاق بإنشاء فصيل مسلح باسم "قوات الأنصار" في أوائل عام 1970 يكون تابعاً للحزب الشيوعي الأردني، ومدعوماً من الأحزاب الثلاثة.

وقد افتتح هذا الفصيل عدداً من المكاتب في العديد من المخيمات والمدن الأردنية، وغدا له قواعد عسكرية على الضفة الشرقية لنهر الأردن، كغيره من الفصائل المسلحة الفلسطينية.  ولم ينجح في ذلك في الضفة الغربية، رغم المحاولات التي بذلت وأفضت إلى اعتقال عشرات من كوادر الحزب في العام 1974.

وعلى الرغم من التزام الاتجاهين "القومي" و"اليميني" في الحزب بقرارات الكونفرنس الحزبي في العام 1970، إلا أن الهوة بينهما أخذت بالاتساع، بحيث أصبح التعايش بينهما مستحيلاً، الأمر الذي أدى إلى انشقاق الحزب، في النصف الأول من عام 1971 بخروج أنصار الاتجاه الثاني وتأسيس "الحزب الشيوعي الأردني/ الكادر اللينيني".

بعد الانشقاق لم تعمر قوات "الأنصار" طويلاً.  فعقب أحداث أيلول العام 1970 وخروج فصائل المقاومة من الأردن في العام التالي، توجه من بقي من عناصرها إلى لبنان مع الفصائل الأخرى، لتنتهي هناك بعد أن اتخذ قرار بانضمامها إلى حركة فتح في العام 1975.  وبهذا أسدل الستار عن تجربة الشيوعيين الفلسطينيين في الأردن في مجال النضال المسلح، إذا استثنينا مشاركة عناصر منهم في الدفاع عن المخيمات الفلسطينية، أثناء الحرب الأهلية في لبنان، أو في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية على مخيمات اللاجئين في ذلك البلد.  كما كانت هذه التجربة نقلة نوعية ليوجه الحزب نشاطه الوطني بالكامل نحو الضفة الغربية باعتبارها ساحة النضال الرئيسية ضد الاحتلال، معتمداً أسلوب المقاومة الشعبية والجماهيرية.

أما في قطاع غزة فقد شارك الحزب الشيوعي الفلسطيني في القطاع، منذ الأشهر الأولى للاحتلال، في مقاومة المحتلين، ولعب دوراً بارزاً في قيادة وتعبئة الجماهير الشعبية، وهو أول من بادر إلى تشكيل اللجان الوطنية الواسعة في المدن والقرى وفي المخيمات وفي المدارس والمعاهد، وقاد الجبهة الوطنية المتحدة.

وفي الأول من شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 1967 أقرّت اللجنة المركزية في اجتماعها الموسع، البدء بالتحضير لاستخدام اسلوب النضال المسلح، جنباً إلى جنب مع اساليب النضال الأخرى، فشكل الحزب الجناح المسلح من اعضائه ومن أعضاء الجبهة الوطنية، ونفذ مئات العمليات العسكرية، منفرداً، أو بالتعاون مع قوات التحرير الشعبية التابعة لجيش التحرير الفلسطيني، ما جعل سلطات الإحتلال تتشدد في عمليات القمع والتعذيب الوحشي بحق أعضائه، وبحق أعضاء الحزب، كان نتيجته استشهاد قائد الجناح العسكري الرفيق عمر أحمد عوض الله.

ومع أن الحزب شارك بكل قواه في النضالات الوطنية للجماهير الفلسطينية، تحت اسم الشيوعي الأردني، إلا أن خوض النضال بهذا الاسم، خلق له اشكالات، ليس في داخل صفوف فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، فحسب، وانما بين صفوف الجماهير الفلسطينية، وخصوصاً سكان المخيمات الفلسطينية في لبنان.. الأمر الذي دفع قيادة الحزب إلى التفكير في بدائل للخروج من هذا المأزق.. وكانت أولى هذه المحاولات عام 1975 عندما اتخذ قرار بالشروع بإنشاء إطار حزبي باسم "الحزب الشيوعي الفلسطيني". لكن الجهود التي بذلت في هذا الاتجاه فشلت، بسبب معارضة الاتحاد السوفياتي، وعدم تحمس عدد من قيادة الحزب لهذا الأمر.  وعليه اتجه تفكير الحزب لمناح أخرى، محورها تشكيل أطر فلسطينية تتبع الحزب الشيوعي الأردني. وهكذا شكل الحزب في الضفة الغربية في العام 1975 "التنظيم الشيوعي في الضفة الغربية"، ومثله في لبنان.

ورغم أن هذه الخطوات، كانت أحد المخارج لمعالجة إشكالية اسم الحزب، إلا أنها لم تكن الحل الأمثل، لا للتنظيم الشيوعي في لبنان، ولا لعلاقة الحزب بمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المختلفة. إذ بقي اسم الشيوعي الأردني، وبرنامجه السياسي، المتعلق بالقضية الفلسطينية، أحد الأسباب التي حالت بين الحزب وبين انضمامه لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً بعد أن أصبحت المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وقائدة نضاله، ابتداء من العام 1974.  وقد كانت هذه التطورات، وتطورات أخرى إقليمية، وراء استعادة الشيوعيين الفلسطينيين لاسم حزبهم "الحزب الشيوعي الفلسطيني" في مؤتمرهم الأول، الذي عقد في شهر شباط العام 1982 في الضفة الغربية، لينضم إليه لاحقاً في العام 1983 الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة، وعصبة الشيوعيين الفلسطينيين في سورية عام 1985، ليصبح في العام 1987 عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وليمثل في عدد من المنظمات الجماهيرية التابعة لها.

***

وبالانفصال عن الحزب الشيوعي الأردني وتأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، دخل النضال الوطني للحزب مرحلة جديدة عززت مكانته داخل صفوف الجماهير الفلسطينية، وأكسبته احترام الفصائل الفلسطينية وأحزاب وقوى حركة التحرر الوطني العربية والدولية.  وعدا ذلك جمع الحزب في شكل خلاق بين النضالين الطبقي والوطني. فهو من جهة المدافع الأمين عن مصالح الفئات الشعبية الكادحة، ومن جهة أخرى مناضل عنيد ضد الاحتلال الإسرائيلي.  كما حافظ على استقلاله السياسي والتنظيمي، عن الفصائل المؤتلفة ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، وبقي مخلصاً لسياسته الواقعية المتعلقة بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، التي أصبحت، فيما بعد السياسة الرسمية للمنظمة.

ونتيجة للمتغيرات الإقليمية والدولية، التي شهدتها سنوات الثمانينات، بعد ظهور بوادر انهيار الاتحاد السوفياتي واعادة النظر ببعض المفاهيم الأيديولوجية المستندة إلى الماركسية، على صعيد المنطقة والعالم، ولدواعي نضالية بحتة، رأت قيادة الحزب أن أسلوب عملها باسم الشيوعي الفلسطيني، يحد من نشاطها كما يجب ضد الاحتلال، لذا جرى التخلي من جديد عن اسم "الحزب الشيوعي الفلسطيني" في  المؤتمر الثاني، الذي عقد في العام 1991 واحلال اسم "حزب الشعب الفلسطيني" بدلاً منه، ليتلاءم مع المضمون النضالي للمرحلة الجديدة.  كما أدخل المؤتمرون تغييرات جذرية مست الأساس الفكري للحزب، وخصوصاً أيديولوجيتة الماركسية – اللينينية، ونظامه الداخلي.

وفي مؤتمره الثالث الذي عقد في البيرة عام 1997، أدخل الحزب تغييرات واسعة،  في نظامه الداخلي وبرنامجه، آخذاً بنظر الاعتبار المتغيرات العاصفة على الساحة العالمية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بحيث أحل الديمقراطية الواسعة محل المركزية الديموقراطية، وأسقط مقولة "ديكتاتورية البروليتاريا"، وانتهج نهجاً أكثر مرونة في علاقاته مع الفئات الاجتماعية المختلفة.

أما في المؤتمر الرابع الذي عقد في رام الله في الفترة من 6-7/3/2008 فقد حافظ الحزب على مجمل منطلقاته الفكرية المقرة في مؤتمره الثالث، وبخاصة اعتماده في تحليله للواقع والمجتمع الفلسطيني على المنهج المادي الجدلي المستند إلى منجزات العلم، ويستلهم في ممارسته النظرية والعملية التراث الفكري الماركسي والإشتراكي، وكل ما هو تقدمي وإنساني في التراثين الفكريين العربي والعالمي.  "كما يتمثل خبرات التجارب الكفاحية للعشب الفلسطيني والشعوب العربية، وخلاصة تجارب الحركة الشيوعية والإشتراكية والتحررية العالمية".  وأقام تنظيمه على أساس الديمقراطية الواسعة في إطار وحدة هيئاته القيادية ومنظماته الحزبية داخل فلسطين وخارجها.

تضحيات جسيمة

وخلال مراحل نضالهم الطويلة، المعبدة بالمعاناة والدموع والدماء، تعرض الشيوعيون لقمع وتنكيل أعدائهم الاستعماريين والصهاينة ورديفهما الأعداء الطبقيين، وقدموا التضحيات الجسيمة على هذه الطريق.

فطوال عهد الانتداب البريطاني ناضل الشيوعيون الفلسطينيون في ظروف صعبة ومعقدة.  فقد قامت سلطات الانتداب باضطهادهم وملاحقتهم، فأغلقت نواديهم واضطرتهم الى العمل تحت الأرض، منذ العام 1921 وحتى العام 1942.

وخلال تلك الفترة اعتقلت السلطات البريطانية مئات الشيوعيين من العرب واليهود، وطردت خارج فلسطين أكثر من ألفي شيوعي، كانت أغلبيتهم من اليهود.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدأت الحركة الصهيونية، بمنظماتها وأحزابها بمطاردة وملاحقة الشيوعيين اليهود باعتبارهم خونة.  كما جرى تنظيم اعتداءات على كل من هو شيوعي، أو له علاقة بالشيوعيين، وطردت العمال الشيوعيين من أماكن عملهم في المؤسسات الصهيونية.

وفي المقابل لجأت الأحزاب الإقطاعية العربية إلى تأليب الجماهير على الشيوعيين العرب، من خلال مقولة أن الشيوعية تساوي الصهيونية، وأن مبدأهم يقوم على الإلحاد والإباحية.

ولم يسلم الشيوعيون من الاضطهاد والقمع، حتى بعد مرحلة النكبة واللجوء. فقد تعرضوا للتنكيل والاعتقال على يد المخابرات الأردنية، طيلة أكثر من عقدين من الزمن، سقط خلالهما أكثر من شهيد، والتهم معتقل الجفر الصحراوي زهرة شباب المئات من الشيوعيين.

ومن جهتهم ذاق الشيوعيون الفلسطينيون في قطاع غزة الأمرين على يد المخابرات المصرية، فاعتقلت العشرات منهم وزجتهم في المعتقلات الصحراوية، إلى جانب رفاقهم الشيوعيين المصريين.

وخلال النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، سقط العديد من الشهداء في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، وشهدت السجون الإسرائيلية المئات من الشيوعيين المعتقلين إلى جانب المعتقلين الآخرين من القوى الوطنية.  وما يزالون إلى اليوم يقدمون الغالي والنفيس من أجل حرية واستقلال وطنهم.

الشيوعيون والوحدة الوطنية

منذ أن عُرّب الحزب الشيوعي الفلسطيني في العام 1924، واختيار المناضل رضوان الحلو، كأول أمين عام عربي له، مد الحزب يده للتعاون مع الأحزاب العربية، بهدف توحيد الجهود لمقاومة الاستعمار البريطاني والصهيونية، ولكنه لم يلق آذاناً صاغية منها.  ومع ذلك لم ييأس، وكرر المحاولة أكثر من مرة، ولكنه لم ينجح كذلك، ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب: الأول طبقي مرده البنية الطبقية الإقطاعية لهذه الأحزاب، وأبرزها حزب الإصلاح، وحزب الكتلة الوطنية وحزب الشباب الفلسطيني وحزب الدفاع الوطني والحزب العربي الفلسطيني، والأخير يعد من أكبر الأحزاب في فلسطين في حينها.  وكانت هذه الأحزاب تتمحور حور عائلتي الحسيني والنشاشيبي الإقطاعيتين.  والثاني قومي، وهو وجود شيوعيين يهود داخل صفوف الحزب، والثالث استعماري، وتمثل بالضغط على هذه الأحزاب كي لا تدخل في تحالفات مع الشيوعيين.

وعقب انبثاق عصبة التحرر الوطني في فلسطين عام 1943، بادرت قيادتها إلى الاتصال بالأحزاب الفلسطينية جميعها، داعية إلى توحيد الجهود لمقاومة الاحتلال البريطاني والصهيونية، ولكن دعواتها، هي الأخرى لم تلق آذاناً صاغية من قيادات تلك الأحزاب.

وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1945، عارض ممثلو هذه الأحزاب، بضغط من جامعة الدول العربية، اشتراك العصبة في اللجنة العربية العليا، التي أشرفت على تشكيلها، في حينه، جامعة الدول العربية، بحجة أن العصبة تنادي باتحاد العرب واليهود.

وفي شهر حزيران 1946، نجحت العصبة، بالتعاون مع أحزاب الاستقلال والإصلاح والدفاع والكتلة الوطنية، ومؤتمر الشباب العرب، ومؤتمر العمال العرب، في إقامة الجبهة العربية العليا، ولكن هذه الجبهة لم تعمر طويلاً، بسبب انسحاب تلك الأحزاب منها، بضغط من الدول العربية.

وعندما تشكلت الهيئة العربية العليا، بعد ذلك، استبعدت العصبة منها، بالحجج والذرائع ذاتها، ولكن ذلك لم يثن العصبة عن مواصلة النضال من أجل الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، إلى جانب القوى الوطنية الأخرى.

وبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، واصل الشيوعيون الفلسطينيون نضالهم من أجل الوحدة الوطنية بهدف تكثيف الجهود للنضال ضد الاحتلال.. ففي الوقت الذي رفضت فيه الفصائل الفلسطينية المسلحة في الأردن انضمام الحزب إلى منظمة التحرير الفلسطينية، نجح رفاقهم في قطاع غزة، عقب حرب حزيران، في إقامة الجبهة الوطنية المتحدة التي ضمت إلى جانب الحزب، كلا من حركة القوميين العرب، وحزب البعث العربي الإشتراكي، وجبهة التحرير الفلسطينية، وقوات التحرير الشعبية، التابعة لجيش التحرير الفلسطيني. تلاهم الرفاق في الضفة الغربية عام 1967 في تشكيل "لجنة التوجيه الوطني" التي ضمت إلى جانب الحزب، العديد من الشخصيات الوطنية.  وقد ترأس هذه اللجنة الشيخ عبد الحميد السائح. 

ومن عام 1973 نجح الحزب في تأسيس الجبهة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية مع حركة "فتح" وعدد من فصائل م. ت. ف والعديد من الشخصيات الوطنية، الأمر الذي عرض تلك القوى إلى حملة اعتقالات وتنكيل على يد الاحتلال الإسرائيلي، ما أدى إلى إضعاف الجبهة ثم إلى تلاشيها، لتعود وتنهض مع الانتخابات البلدية في عام 1976 تحت اسم لجان التوجيه الوطني، التي قادت النضال الوطني والسياسي للجماهير الفلسطينية.

وعقب اندلاع الانتفاضة الأولى في العام 1987 نجح الحزب والفصائل المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية في إقامة القيادة الوطنية الموحدة، التي قادت نضال الجماهير الفلسطينية حتى العام 1993.

هذا على صعيد الداخل الفلسطيني، أما على الصعيد الخارجي، وعقب الانشقاق الذي شهدته منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1983، شكل الحزب الشيوعي الفلسطيني تحالفاً مع الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية، وجبهة التحرير الفلسطينية، عرف باسم التحالف الديموقراطي، هدف إلى إعادة الوحدة إلى منظمة التحرير الفلسطينية.  وقد تكللت هذه الجهود بالنجاح عام 1987.  وفي أثناء دورة المجلس الوطني الفلسطيني، التي عقدت في العام نفسه، تم قبول الحزب عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة.. وما زال عضواً فيها إلى يومنا هذا.

إشارة:

  1. استعنا في إعداد النص الذي يتناول مسيرة الحزب الشيوعي الفلسطيني، في الفترة من 1919 – 1948، بكتاب "الشيوعية والمسألة القومية في فلسطين" للدكتور ماهر الشريف، الصادر عن مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت عام 1981.
  2. كما استعنا بدراسة للرفيق نعيم الأشهب، نشرت في الموقع الألكتروني "الحوار المتمدن" بتاريخ 10/12/2016 تحت عنوان: "رؤية جديدة لمبررات القبول بقرار التقسيم"، وبخاصة الفقرات المتعلقة بعصبة التحرر الوطني في فلسطين.
  3. الفقرات المتعلقة بالحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزة الواردة في النص "استمدت من كتاب: "الحركة الشيوعية في فلسطين" للرفيق عبد الرحمن عوض الله/إصدار المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية/الطبعة الأولى/رام الله/آذار- 2016.