2017-01-30

الذكرى المئوية لثورة أكتوبر

د. ماهر الشريف

(الحلقة الثانية)

الثورة تنتصر على أعدائها الداخليين والخارجيين وتثبّت أقدامها

هل "خان" لينين مرشده كارل  ماركس عندما اتّخذ قراره بأن يتسلم البلاشفة السلطة إثر طور قصير مرت به الثورة "البرجوازية الديمقراطية" في روسيا، رافضاً التعامل مع الانتقال إلى الاشتراكية، في ظروف روسيا المتميّزة، باعتباره  سيروة طويلة؟

إن مشروعية هذا السؤال تنبع من حقيقة أن استلام البلاشفة السلطة في أكتوبر 1917، وانتقالهم السريع من مرحلة الثورة "البرجوازية الديمقراطية" إلى مرحلة الثورة "الاشتراكية"، كان متعارضاً مع "المخطط" الذي وضعه ماركس لسبل الانتقال إلى الاشتراكية في أمور ثلاثة رئيسية: فمن جهة أولى، جرى الانتقال إلى مرحلة الثورة الاشتراكية في بلد زراعي في الأساس، كان ما يقرب من 85 في المئة من سكانه يعيشون في الأرياف؛ ومن جهة ثانية، كانت الطبقة العاملة فيه محدودة الحجم، إذ كان عدد العمال المأجورين فيه نحو 18 مليوناً، من أصل 174 مليوناً من السكان، ولم يكن يعمل في الصناعات الكبرى فيه أكثر من 5،3 مليون عامل تقريباً؛ ومن جهة ثالثة، وبسبب استنادها إلى أقلية في المجتمع، لم يكن من الممكن ان تتطبع الثورة الاشتراكية في روسيا بطابع ديمقراطي، يجعل منها ثورة "الأغلبية الساحقة" على حد تعبير ماركس (1).

ولكن هل كانت "ماركسية" لينين تعني بالضرورة التزامه بهذا المخطط النظري، حتى بعد أن توفرت، على أرض الواقع، شروط انتصار الثورة واستلام السلطة؟

إذا كان بعض الباحثين قد قدّر أن البلاشفة نجحوا في ثورتهم ليس بفضل قوتهم ونفوذهم، وإنما بفضل ضعف خصومهم وعدم قدرتهم على الاستمرار في الاضطلاع بأعباء الحكم، وهو ما يفسر السرعة التي تمت فها عملية  قلب الحكومة الائتلافية والسيطرة على قصر الشتاء، فإن باحثين آخرين قدّروا أن انتصار البلاشفة كان يعود، في المقام الأول، إلى نجاحهم في كسب تأييد الفلاحين وتأييد  شعوب وأمم روسيا التي كان يضطهدها الحكم القيصري. فالقوى الاحتياطية للبروليتاريا الروسية الفتية، التي لم تكن تشكّل بالفعل  سوى أقلية ضئيلة في المجتمع، كانت في صفوف الفلاحين، الذين قاموا بانتفاضات شملت معظم مناطق البلاد، كما كانت في صفوف  الأمم والشعوب غير الروسية، التي غلب عليها الطابع الفلاحي أيضاً وكانت تتعرض لاضطهاد قومي شديد في ظل الحكم القيصري.

الإجراءات الثورية الأولى

لكن، ماذا كان، تصوّر لينين والبلاشفة للمستقبل، بعد استلامهم السلطة، وماذا كان، بخطوطه العريضة، مشروعهم للحكم؟

صبيحة يوم 14 تشرين الثاني 1917 [بحسب التقويم الساري حالياً]، انتخب مؤتمر سوفييتات مندوبي العمال والجنود في عموم روسيا لجنة تنفيذية مركزية جديدة، ضمت 62 بلشفياً و 29 اشتراكياً ثورياً و 10 ممثلين عن المناشفة "الأمميين" وعدداً قليلاً من غير الحزبيين. وفي اليوم نفسه، أصدرت هذه اللجنة التنفيذية المركزية المنتخبة مرسوماً يقضي بفرض "رقابة عمالية" على الإنتاج والتوزيع. كما صدر في 15 تشرين الثاني، عن مجلس مفوضي الشعب، بيان "حول حقوق شعوب روسيا"، يؤكد على المساواة والسيادة لكل شعوب روسيا ويضمن حقها في تقرير المصير، بما في ذلك الانفصال وتشكيل دول مستقلة.

وما بين 18 و 27 كانون الأول صدرت مراسيم تأميم المؤسسات الصناعية الكبيرة، وتأميم البنوك، ثم أعلن بعد فترة  تأميم التجارة الخارجية. وفيما يتعلق بأجهزة السلطة الجديدة الأمنية والعسكرية، أصدر مجلس مفوضي الشعب، في 7 كانون الأول 1917، مرسوماً يقضي بتشكيل "لجنة أمنية  استثنائية للنضال ضد الثورة المضادة" ومكافحة عمليات التخريب، ثم أصدر، في الخامس عشر من كانون الثاني 1918، مرسوماً ثانياً يقضي بتشكيل جيش العمال والفلاحين الأحمر. وكان مجلس مفوضي الشعب قد أصدر، في 10 تشرين الثاني 1917،  مرسوماً يقضي بتعطيل جميع الصحف المناهضة للثورة (2).

كان ممثلو  البلاشفة  قد شغلوا كل المناصب الحكومية في مجلس مفوضي الشعب لدى تشكيله. وبعد ظهور معارضة جدية لانفرادهم  بالسلطة، كان أحد  مراكزها في نقابة عمال السكك الحديدية، اتُفق على توسيع مجلس مفوضي الشعب، ودُعي ممثلو الاشتراكيين الثوريين "اليساريين" و"اليمينيين"، الذين كانوا يتمتعون بتأييد كبير في سوفييتات مندوبي الفلاحين، إلى المشاركة في حكومة البلاشفة. وفي ليلة 9 و 10 كانون الأول 1917، وبعد اندماج سوفييتات مندوبي الفلاحين وسوفييتات مندوبي العمال والجنود، انضم  الاشتراكيون الثوريون "اليساريون" إلى مجلس مفوضي الشعب وتسلموا خمس حقائب وزارية، من بينها وزارة الداخلية، بينما رفض الاشتراكيون الثوريون "اليمينيون" دعوة البلاشفة للانضمام إلى هذا المجلس.

بيد أنه لم تمضِ سوى أشهر قليلة على مشاركة ممثلي الاشتراكيين الثوريين "اليساريين" في الحكم، حتى قاموا، في 6  تموز 1918 ، بتنظيم انتفاضة ضد البلاشفة، ثم قام  أحد أعضاء حزبهم، في 30 آب من العام نفسه، بإطلاق النار من مسدسه على لينين لدى خروجه من مهرجان في أحد معامل موسكو، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة. وبذلك، انفرط التحالف بين البلاشفة والاشتراكيين الثوريين "اليساريين"، وتلاشت  كل الآمال بقيام نظام اشتراكي تعددي في روسيا (3).

وقبل أشهر من حدوث هذه القطيعة بين الطرفين، وبداية تكرس نظام حكم الحزب الواحد، كان قد وقع  حادث آخر دلّ على كيفية  تصوّر لينين والبلاشفة لممارسة الديمقراطية في ظل سلطة السوفييتات، وفي ظروف خاصة  شهدت اندلاع حرب أهلية قاسية وتدخلاً عسكرياً أجنبياً واسعاً.

فبعد تسلّمهم السلطة، لم يكن في وسع البلاشفة، الذين كانوا قد تبنوا في عهد الحكومة الائتلافية قبل أكتوبر 1917 مطلب انتخاب "جمعية تأسيسية"، أن يرفضوا الدعوة إلى إجراء انتخابات لهذه الجمعية. وعليه، شهدت روسيا، منذ منتصف تشرين الثاني 1917، حملة واسعة لانتخاب أعضاء هذه الجمعية التأسيسية، شارك فيها نحو 36 مليون ناخب، وأفضت نتائجها إلى حصول الاشتراكيين الثوريين، بجناحيهما، على ما يقرب من 42 في المئة، وهي النسبة الأكبر من أصوات المقترعين، بينما لم يحصل البلاشفة سوى على نسبة 24 بالمئة من الأصوات، بحيث فاز في الانتخابات 175 مندوباً عنهم من مجموع 715، بينما توزعت النسبة المتبقية من أصوات المقترعين على المناشفة وأحزاب سياسية أخرى غير اشتراكية. وإذا كانت الأرياف قد صوتت، عموماً، لصالح الاشتراكيين الثوريين، فقد جاءت نتائج التصويت في المدن الكبرى لصالح البلاشفة في الغالب.

وما أن أُعلنت نتائج انتخابات الجمعية التأسيسية حتى أصدرت اللجنة التنفيذية المركزية لسوفييتات عموم روسيا قراراً يقضي بحلها، وقامت وحدات من الحرس الأحمر، بعد يوم واحد من التئامها في 5 كانون الثاني 1918، باحتلال القصر الذي اجتمع فيه النواب المنتخبون. وفي تبريرهم ذلك القرار، أكد  البلاشفة أن الجمعية التأسيسية هي"نتاج القوى الاجتماعية التي سادت قبل انتصار ثورة أكتوبر، وهي قوى، في غالبيتها، مناهضة للثورة"(4).

وقد أثار قرار البلاشفة بحل الجمعية التأسيسية ردود أفعال عنيفة في صفوف الحركة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية. وفي إطار السجال الذي احتدم آنذاك بين البلاشفة وخصومهم، برز، بوجه خاص، موقف كارل كاوتسكي الذي كان قد اتّخذ، منذ انتصار ثورة أكتوبر، موقفاً نقدياً من سياسات البلاشفة وممارساتهم. إذ اعتقد كاوتسكي أن الديمقراطية هي الأساس لبناء الاشتراكية، وشدّد على أن نجاح الثورة الاشتراكية يفترض وجود طبقة عاملة "ناضجة" ليس على مستوى الوعي والتنظيم فحسب، وإنما كذلك على مستوى حضورها في المجتمع، وهو ما  يشترط درجة عالية من التطور الاقتصادي والاجتماعي، كما يشترط  أن تمتلك البروليتاريا تجربة غنية في ممارسة الحريات السياسية والمدنية في إطار نظام برلماني ديمقراطي. فالاشتراكية تمثّل، في تصوّره، "تنظيماً اجتماعياً  للإنتاج" و"تنظيماً ديمقراطياً للمجتمع" في آن معاً. من الصحيح أن كاوتسكي لم يرفض فكرة "ديكتاتورية البروليتاريا"، إلا أنه نظر إليها بصفتها سلطة بروليتارية يكون مركزها البرلمان، وتعبّر عن نفسها عبر الديمقراطية السياسية. ولكل هذه الاعتبارات، رفض كاوتسكي بحزم إقدام البلاشفة على تصفية التعددية السياسية، وتوقع، بعد قيامهم بحل الجمعية التأسيسية، أن يتحوّل نظامهم إلى نظام "بونابرتي"، وأن تتحوّل "الديمقراطية السوفييتية" إلى ستار إيديولوجي لسلطة الحزب الواحد المطلقة(5).

وكما هو معرف، رد لينين بعنف على طروحات كارل كاوتسكي هذه، وخصص لها كتاباً كاملاً وصفه فيه بـ "المرتد" عن الماركسية، الذي انضم "إلى البرجوازية ليسخر من كل فكرة عن الثورة"، و"حوّل ماركس إلى ليبرالي مبتذل"(6). وفي كتابه هذا، أشار لينين إلى أن كاوتسكي عندما يتحدث عن "ازدراء الديمقراطية" من جانب البلاشفة، فهو يطرح مسألة الديمقراطية بوجه عام لا مسألة الديمقراطية البرجوازية، أي الديمقراطية "ما قبل الاشتراكية"، وهي الديمقراطية التي تظل - وإن كانت بمثابة خطوة تاريخية إلى الأمام - ديمقراطية "ضيقة، مبتورة، مزورة، منافقة، فردوساً للأغنياء وفخاً... للمستَثمَرين الفقراء". وأكد لينين أن الديمقراطية البروليتارية تظل "أكثر ديمقراطية بمليون مرة من أية ديمقراطية برجوازية"، وأن سلطة السوفييتات تبقى أكثر ديمقراطية بكثير"من أوفر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطية". وفي دفاعه عن قرار البلاشفة بحل الجمعية التأسيسية، عاد لينين إلى الموضوعات التي كان قد كتبها في 26 كانون الأول 1917، وورد فيها أن الاشتراكية الديمقراطية الثورية في روسيا ترى في جمهورية السوفييتات " شكلاً  للديمقراطية أرقى من الجمهورية البرجوازية المعروفة التي تقوم فيها جمعية تأسيسية"، وأن مصالح الثورة "تعلو الحقوق الشكلية للجمعية التأسيسية"، معتبراً، في هذا السياق، أن عدم حل الجمعية التأسيسية كان سيعني أنه "لا ينبغي السير بالنضال ضد البرجوازية إلى النهاية، ولا ينبغي إسقاطها، [وإنما] ينبغي أن تتوافق البروليتاريا مع البرجواازية".

وإذا كان ذلك السجال الذي دار بين كارل  كاوتسكي ولينين، والمواقف التي تبناها هذا الأخير عشية انتصار الثورة وغداتها، يبيّنان أن زعيم البلاشفة كان مقتنعاً، من حيث المبدأ، بأن"الديمقراطية السوفيتيتة"، التي ستضع لبناتها روسيا الاشتراكية، ستكرس تجربة في الحكم تتفوق على"الديمقراطية البرجوازية" التي عرفتها دول أوروبية أخرى، فإن الباحث الموضوعي، الذي يدرس تلك المرحلة، لا يمكنه تجاهل الظروف الملموسة التي حكمت سياسات البلاشفة وممارساتهم بعد تسلمهم السلطة مباشرة، إذ فُرض عليهم، منذ البدء، أن يواجهوا ثورة مضادة واسعة في الداخل، وتدخلاً عسكرياً خارجياً شارك فيه أكثر من عشرة بلدان، إضافة إلى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي اصطدموا بها، وبخاصة مشكلة المجاعة التي انتشرت على نطاق واسع في البلاد.

تبني سياسة "شيوعية الحرب"

ما أن استلموا السلطة، حتى جابه البلاشفة مقاومة داخلية شرسة اتخذت شكل الحرب الأهلية؛ فوقعت  انتفاضات عسكرية ضد سلطتهم  في مناطق عديدة من البلاد، وتشكلت حكومات مناهضة لهم  في أرمينيا وجورجيا وأذربيجان وفي شمال القوقاز وفي تركستان. ومنذ مطلع نيسان 1918، بدأ التدخل العسكري الخارجي بنزول قوات يابانية وإنكليزية في ميناء فلاديفستوك، أعقبه توغل قوات إنكليزية وفرنسية في شمال البلاد. وقد أثار هذا التدخل الأجنبي الواسع  المشاعر القومية حتى في أوساط خصوم البلاشفة في الداخل، ودفع عدداً من الضباط الموالين للقيصر للانضمام  إلى الجيش الأحمر.

وبغية فك الحصار، الداخلي والخارجي، الذي فرض عليهم، شرع البلاشفة، في 3 كانون الأول 1917 ، في مفاوضات مع الحكومة الألمانية هدفها التوصل إلى هدنة تمهد الطريق أمام قيام  صلح بين البلدين. وأفضت تلك المفاوضات، التي جرت في بريست-ليتوفسك، إلى اتفاق بأن تتوقف المعارك على الجبهة الروسية الألمانية ما بين 7 و 17 كانون الأول 1917. وفي 9 كانون الثاني 1918، استؤنفت المفاوضات التي ترأسها عن الجانب الروسي تروتسكي، وتمّ التوقيع، في 3 آذار 1918، على صلح بريست- ليتوفسك بشروط قاسية لروسيا، التي اضطرت أن تتخلى عن بولونيا، وليتوانيا، ولاتفيا، واستونيا وفنلندا، وعن جزء من روسيا البيضاء، وأن توقع صلحاً مع أوكرانيا، وأن تتخلى عن مناطق  لتركيا (7).

وكان البلاشفة قد اضطروا، بعد اندلاع الحرب الأهلية والتدخل العسكري الأجنبي، إلى جانب انتشار المجاعة، إلى تبني سياسة اقتصادية عرفت بـ"شيوعية الحرب"، أٌخضع الاقتصاد بناء عليها لمتطلبات تأمين المواد الأساسية للسكان. واتخذت هذه السياسة طابعاً مركزياً شديداً، تميز باللجوء إلى إجراءات قاسية للقضاء على المضاربات، وعلى مقاومة الفلاحين الأغنياء (الكولاك). وفي إطار هذه السياسة، قامت السلطة السوفيتية بتأميم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، واحتكرت تجارة القمح، وتشكلت وحدات عمالية خاصة صارت، بالتعاون مع لجان الفلاحين الفقراء، تجوب الأرياف لجمع القمح ونقله إلى المدن، وتمّ  فرض العمل الإجباري على كل شخص يبلغ من العمر ما بين 16 و 50  سنة. وكان المؤتمر السابع للحزب البلشفي، المنعقد في ربيع 1918، قد اتخذ قراراً بتغيير اسم الحزب ليصبح اسمه: "الحزب الشيوعي الروسي (البلشفي)"(8).

تراجع المد الثوري في أوروبا يمهد الطريق أمام "الاشتراكية في بلد واحد"

كان لينين مقتنعاً بأن انتصار الثورة الاشتراكية العالمية، أو انتصارها على الأقل في عدد من البلدان الرأسمالية المتقدمة، هو وحده الذي سيضمن الانتصار الدائم للثورة الروسية ونجاحها في بناء الاشتراكية. ففي تقديره، كانت البروليتاريا الروسية قادرة على البدء  بالثورة الاشتراكية، لكن سيكون من الصعب عليها وحدها  مواصلتها ودفعها نحو النصر النهائي، أي نحو التنظيم الشامل للمجتمع الاشتراكي.

وكانت الثورة التي أمل بها لينين قد انطلقت بالفعل من فنلندا، حيث نظمت اللجان الشعبية والشيوعية انتفاضة، ما بين 25 كانون الثاني و15 أيار 1918، قضت عليها بالقوة قوات "الحرس الأبيض" الرجعية.

وشهدت ألمانيا، في تشرين الأول-تشرين الثاني 1918، ثورة أجبرت القيصر على الهروب والتوصل إلى الهدنة في الحرب في 11 تشرين الثاني من العام نفسه. ثم اندلعت في برلين، في مطلع كانون الثاني 1919، انتفاضة عمالية واسعة بقيادة "السبارتاكيين"، قُتل على أثرها عدد كبير من الثوار من ضمنهم روزا لوكسمبورغ وكارل ليبخنت. وفي آذار 1921، انتفض عمال برلين مجدداً وقمعت انتفاضتهم بالنار والحديد. وكان الحكم الإمبراطوري قد تهاوى، في تشرين الثاني 1918، في النمسا-هنغاريا، ثم خفق، في آذار 1919، العلم الأحمر في سماء هنغاريا، بعد أن أعلن بيلا كون قيام جمهورية المجالس العمالية، التي قُضي عليها  في نهاية آب  من العام نفسه. وشملت الحركة الإضرابية، التي اندلعت بتأثير الثورة الروسية، عدداً من البلدان الأخرى في الغرب؛ فاندلع في سويسرا، في تشرين الثاني 1918، إضراب عمالي عام سحقه الجيش بالقوة، ووقعت إضرابات في نهاية سنة 1919 لعمال المعادن والمناجم والسكك الحديدية في الولايات المتحدة الأميركية، وتصاعد التوتر السياسي في فرنسا وبلغ ذروته في أيار 1920، وبرزت في إيطاليا حركة للسيطرة على المعامل في أيلول 1920، وأعلنت البروليتاريا التشيكية الإضراب العام في كانون الأول 1920، كما نظّم عمال المناجم الإنكليز إضراباً  واسعاً. وكانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) قد تأسست في موسكو، بمبادرة من لينين، خلال انعقاد مؤتمرها الأول ما بين 2 و 5 آذار 1919. وانتظمت في العديد من البلدان الأوروبية حركات سلمية ولجان تضامن مع الثورة الروسية، تناضل من أجل وقف التدخل العسكري الأجنبي ضد روسيا السوفيتية. وفي هذا السياق، انتفض بحارة الأسطول الفرنسي في البحر الأسود في سنة 1919 ورفضوا المشاركة في الحرب على روسيا، كما امتنع عمال الموانئ الإنكليز عن تحميل الأسلحة على السفن الحربية الإنكليزية المتجهة نحو روسيا.  

ولكن ما أن شارفت سنة 1920 على الانتهاء حتى كانت هذه الموجة الثورية العالمية قد اندحرت، وبقيت الثورة المنتصرة في روسيا معزولة. وهو ما علّق عليه لينين، في 21 تشرين الثاني 1920 بقوله:"عندما طرحنا، قبل ثلاث سنوات، السؤال المتعلق بمهمات وشروط  انتصار الثورة البروليتارية في روسيا، قلنا بصورة واضحة إن هذا الانتصار لن يكون مضموناً بصورة نهائية إلا بشرط أن تلقى روسيا دعماً من الثورة البروليتارية في الغرب، وأن ثورتنا لا يمكن تقويمها بصورة صائبة إلا من وجهة نظر عالمية... وبعد ثلاث سنوات من النضال الضاري، نرى إلى أي حد صحت توقعاتنا وإلى أي حد لم تصح. فالأمر الأساسي كان الحفاظ على سلطة البروليتاريا وعلى الجمهورية السوفيتية، بانتظار الثورة الاشتراكية في بقية العالم. ومن وجهة النظر هذه، يتوجب علينا القول إن وضعيتنا الدولية الحالية تعطينا التأكيد الأمثل والأدق لحساباتنا وسياساتنا... فقد انتزعنا حقنا في الوجود الدولي وسط الدول الرأسمالية. والوضع الداخلي للدول الرأسمالية الأقوى لم  يسمح لأي منها  بأن تدفع جيشها لمحاربة روسيا... من الصحيح أنه دخلت الأراضي الروسية، خلال هذه السنوات الثلاث، قوات إنكليزية، وفرنسية، ويابانية...[لكننا]  نجحنا في مقاومة هجومها، وهو أمر يعود أيضاً إلى رفض القوات الفرنسية التعبئة ضدنا، وبروز  تململ في صفوف القوات الإنكليزية واليابانية " (9).

والواقع أن البلاشفة كانوا قد حققوا في سنة 1920 انتصارات كبرى في الحرب الأهلية وفي مواجهة التدخل العسكري الأجنبي، ونجحوا في كسر الحصار المفروض عليهم. وبحلول سنة 1921، كانت الحرب الأهلية قد انتهت، ووقعت الحكومة الروسية، في 16 آذار 1921 ، اتفاقين مهمين: اتفاق  مع تركيا واتفاق تجاري مع انكلترا، وخرجت من عزلتها الدبلوماسية. أما التدخل العسكري الأجنبي فقد اندحر نهائياً بانسحاب القوات اليابانية، في تشرين الأول 1922، من فلاديفستوك.

وهكذا انتصرت ثورة أكتوبر على أعدائها الداخليين والخارجيين وثبّتت أقدامها، ولكن بثمن باهظ، إذ  فقدت الإمبراطورية الروسية القديمة 770000 كيلومتر مربع من أراضيها ونحو 30 مليوناً من سكانها، من دون حسبان ضحايا الحرب. وأصبحت كل من بولونيا ودول البلطيق الثلاث وفنلندا دولاً مستقلة. وواجه الاقتصاد الروسي كارثة حقيقية، فانخفض الإنتاج الصناعي انخفاضاً كبيراً، وانتشرت المجاعة على نطاق واسع، الأمر الذي تسبب، من جهة، في اندلاع إضرابات عمالية وانتفاضات فلاحية عديدة، كان من أخطرها التمرد الذي قام به بحارة كرونشتاد المرفأ العسكري لمدينة بتروغراد في نهاية  شباط 1921، وتسبب، من جهة ثانية، في دفع لينين إلى التخلي عن سياسة "شيوعية الحرب" وانتهاج سياسة اقتصادية جديدة عُرفت باسم "النيب"(10).

الهوامش

  1.  إيلنشتاين، جان، تاريخ  الاتحاد الاتحاد السوفييتي، في أربعة أجزاء، الجزء الأول، باريس، المنشورات الاجتماعية، 1975، ص  134.

2- إيلنشتاين،جان، من روسيا إلى أخرى. حياة وموت الاتحاد السوفييتي، باريس، المنشورات الاجتماعية، 1992، ص 123 و ص 134.

3- المصدر السابق، ص 126 و ص 129.

4- المصدر نفسه، ص 113-115.

5- سلفادوري،ماسيمو. ل، "مفهوم العملية الثورية عند كارل كاوتسكي"؛ في: تاريخ الماركسية المعاصرة، الجزء الأول، باريس، الاتحاد العام للمنشورات، 1976، ص 183-191 .

6- لينين، الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي(تشرين الثاني 1918)؛ المختارات في 10 مجلدات، المجلد 8، موسكو، دار التقدم، 1977، ص 159-275 .

7- إيلنشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 118-122.

8- بورتال، روجيه، "بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفييتي"، في: التاريخ العام للاشتراكية، إشراف جاك دروز، الجزء الثالث، باريس، المطبوعات الجامعية في فرنسا، 1977، ص 25؛ لورنز، ريشار، "بناء الاشتراكية عند لينين"، في: تاريخ الماركسية المعاصرة، الجزء الرابع، باريس، الاتحاد العام للمنشورات، 1978، ص 223-268 .

9- لينين، "وضعيتنا الدولية والداخلية ومهمات الحزب"؛ أورده لورنز، "بناء الاشتراكية عند لينين"، تاريخ الماركسية المعاصرة، الجزء الرابع، المصدر المذكور، ص 231 ؛ وقد نُشر النص الكامل لخطاب لينين هذا باللغة الفرنسية على الموقع الإلكتروني  www.marxists.org

10- إيلنشتاين، من روسيا إلى أخرى، المصدر المذكور، ص 140 و ص 147.