2017-01-13

ثقافة الليبرالية الجديدة تلقي أعباء جساماَ على الثقافة الوطنية

 (2-2)

سعيد مضية

2- التربية تتصدر التحدي لثقافة الليبرالية الجديدة.. دفاعاَ عن العقل والضمير

تتجسد ثقافة الليبرالية الجديدة بأجلى صورها وممارساتها في نظام الأبارتهايد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.

في غياب تام للقانون المدني وحقوق الإنسان تتردى الجموع الفلسطينية في حالة ما قبل الحضارة البشرية: نهب الأرض وتسليمها للمستوطنين اليهود يبنون عليها الفلل وورش الصناعات التكنولوجية ذات الاستعمالات الأمنية والعسكرية.

تهب الأراضي مرادف للنهب الافتراسي الذي مارسه الرأسمال الاحتكاري في أجواء التصحيح الاقتصادي وخصخصة القطاع العام؛ ازدراء إنسانية البشر والقسوة اللامتناهية والعنف المتصدر لمختلف ردود أفعال جيش الاحتلال والمستوطنين. كان تشومسكي اول من قدم العدوان على غزة وحصارها تجسيدا لرسالة عولمة الليبرالية الجديدة في إشاعة ثقافة القسوة والعنف.

وحيث ان الأمثلة كثيرة نسوق توصيف نيفيه غوردون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بن غوريون في النقب، لمشهد التقطه فيديو منظمة "بتسيلم" لمقتل الفلسطيني عبد الفتاح الشريف على يد الجندي أزاريا: بعد إصابة الشريف بجراح وسقوطه على الأرض تجمهر عدد من المستوطنين بالخليل على موقع الحدث.

ولدى قيام أزاريا بقتل الجريح "لم يُظهر الفيديو  ادنى انزعاج او مجرد دهشة بين الواقفين، لم يتقدم احد ويمسك ازاريا ويدفعه بعيداَ عن المشهد، لم يركض أحد نحو الضحية ليرى إن كان من الممكن إنقاذه، أبدا واصل الواقفون أحاديثهم." هذا التصحر الوجداني هو بعض مظاهر الاحتلال الإسرائيلي. يقول غوردون سارع نتنياهو ووزير دفاعه ليبرمان بطلب العفو عن الجندي ازاريا لأنهما يقران أن الجندي نطفة منهما.

ومشاهد أخرى للاحتلال تحدى بها الكاتب الأميركي روبرت فانتينا تهريج نتنياهو وهو يرد على خطاب كيري بصدد المستوطنات. والكاتب مؤلف كتاب " امبراطورية، عنصرية وإبادة أجناس.. تاريخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة". يرد نتنياهو كيف يهاجم كيري الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ويفند فانتينا مزاعم نتنياهو بعدة مشاهد تمارس ضد الفلسطينيين. من تلك المشاهد:

"جرافة تتوقف عند بيت في منتصف الليل والأسرة نائمة، ليصدر الأمر من ضابط عسكري بترك البيت حالا لأنه سوف يهدم.  اقترفت إسرائيل هذا الفعل الشنيع مئات المرات".

"يقود إسرائيلي شاحنة مجهزة بمضخات وخزان مملوء بالمياه العادمة، ويتجه إلى مدرسة وهناك يفرغ محتويات الخزان بروائحها الكريهة على بناية المدرسة والبيوت المجاورة ويرش كل من يصدف مروره تلك الأثناء. تكرر هذا الفعل الهمجي عدة مرات".

إلى جانب نيفيه غوردون وروبرت فانتينا انبرى مئات المثقفين يعارضون الليبرالية الجديدة وثقافتها.

فقد استنفر طغيان ثقافة الليبرالية الجديدة المثقفين العضويين في المجتمعات الرأسمالية كافة؛ برزت معارضات تدافع عن قيم العقل والضمير. فرض نمط التربية لليبرالية الجديدة تحديا خاصا للتقدميين، وانشغل الخبير التربوي البرازيلي، باولو فريري بتعليم الديمقراطية وتثقيف المقهورين كي يعوا القهر النازل بهم وينتزعوا تحررهم بجهودهم المتضافرة. انسجاما مع تمسكه بالديمقراطية عدل فريري عن الالتزام بحق الثورة والعنف من أجل تحرير فئات المقهورين من ثقافة الصمت والاغتراب، مركّزاً على النشاط الإنساني السلمي، وإثارة الوعي لدى المقهورين وتنظيمهم للعمل الديمقراطي السياسي. أعتبر فريري الرائد لنهج التربية النقدية، التربية التي تزرع في الطالب إعمال العقل لمناقشة وانتقاد كل ما يتلقاه، كي لا يكون آلة صماء تردد ما يلقى إليها. لا يتحرج البروفيسور هنري غيروكس  والبروفيسور من مالطا بيتر مايو والبروفيسور حامد عمار من الإقرار بأنهم مداميك في البنيان الذي وضع أساساته - توجه فريري نحو تعليم يعمل على تصفية القهر الاجتماعي. وفي حوار مع بيتر مايو أقر بأنه انطلق من تركيز أنطونيو غرامشي على دور الثقافة بالاستناد إلى فكر باولو فريري في تعليم المضطهدين للعمل معهم وليس من أجلهم".

يواصل في الوقت الراهن رسالة باولو فريري  البروفيسور الأميركي هنري غيروكس، أستاذ الثقافة بجامعة ماكماستر بالولايات المتحدة، فينقل عن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو (1930 -2002) أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا والعالم، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر، أن شغيلة الثقافة في الغالب الأعم "استهانوا بالأبعاد الرمزية  والتربوية للنضال، ولم يقوموا على الدوام بشحذ الأسلحة الملائمة للكفاح على هذه الجبهة". يواصل عالم الاجتماع التأكيد في محادثة لاحقة مع غونتر غراس (روائي الماني راحل حاز على جائزة نوبل) أن "على مثقفي اليسار الاعتراف بأن أهم أنماط الهيمنة ثقافية وبيداغوجية (تربوية) وليست اقتصادية وحسب، وتكمن بجانب المعتقدات والقناعات. ومن المهم ان يتحمل المثقفون على عاتقهم مسئولية ضخمة لتحدي هذا النمط من الهيمنة".

عين غيروكس الإجابة على التحدي بتأكيد "ان مختلف انماط الإنتاج الثقافي بمقدورها تغيير نظرة الشعوب للحياة والعالم، وان أنماطا من التربية العامة تنطوي على احتمالات تنشئة طلبة ومثقفين وفنانين مولعين بالنقد،بل وكذلك تعزز التخييل العام وتوسيعه، وتوفر لهم أدوات نقدية تمكنهم من تغيير التفكير  والممارسة.

إن تفكيرا كهذا شرط مسبق لتطوير حركات اجتماعية تتولاها الرغبة في إعادة التفكير في رؤى وتكتيكات ضرورية في الكفاح من اجل الديمقراطية. بمقدور التقدميين على تعدد مواقعهم وتنوعها ان يقبلوا التحدي ليس فقط فيما يتعلق بتخصصاتهم وأنماط إنتاجهم الثقافي بالنسبة لمنمنمات الحياة اليومية، بل وكذلك ان يعيدوا التفكير في كيف تنشط السياسة وكيف تشكل القوة مركز النشاط".

يسترجع غيروكس إقرار منظرين امثال رايموند ويليامز وكورنيليوس كاستورياديس أن أزمة الديمقراطية لا تدور فقط حول أزمة الثقافة، إنما تدور أيضا حول ازمة الاستبلاشمينت (الملأ) والقيم والتعليم.

والتقدميون وكل من يرفض مساواة الرأسمالية بالديمقراطية يحسنون صنعا إذ يأخذون في الحسبان التحولات العميقة الجارية على الصعيد العام ويهيئون  للتربية دورا مركزيا في السياسة.

يلح الهجوم الضاري على الثقافة والتربية على العودة إلى دعوة الراحل إدوارد سعيد لممارسة أنماط من النقد الاجتماعي موجهة نحو"تعرية التناقض وتوضيحه للجمهور، ثم تحدي وإلحاق الهزيمة بكل من الصمت المطبق وهدوء القوة غير المرئية الذي بات حالة مألوفة كلما وحيثما امكن ذلك". وبتعبير غيروكس،"بتحديد ادق يمكن البدء بتوجيه الأسئلة التالية: ما هي المؤسسات والعناصر والحركات الاجتماعية التي يمكن تطويرها لتكون قادرة على تحدي الأيام القاتمة القادمة؟ علاوة على ذلك أي الشروط التربوية  يلزم إماطة اللثام عنها وقهرها لكي يكون بالإمكان بناء الثقافة التي تضمن نجاح التحدي؟ "حقا فنظم التربية بأوسع معانيها لا تقتصر على الإدراك؛ مهما كان نقديا، وإنما هي علاوة على ذلك تزود بالشروط والقيم والممارسات الضرورية للاضطلاع بالمسئوليات المتوجبة علينا كمواطنين لتعرية ثقافة القسوة والعنف والتضامن مع ضحاياها، علاوة على مقاومة البؤس البشري واستئصال الظروف المنتجة للبؤس.

في مقاله الأسبوعي بصحيفة "المصري اليوم" تحدث وزير الثقافة المصري، حلمي النمنم، عن لقاء دعت إليه اللجنة البرلمانية لشئون التعليم فأشار إلى أن ثمانين بالمائة من خريجي كليات العلوم (طب، هندسة، صيدلة، علوم...) يحملون الفكر السلفي. علل هذه الظاهرة الخطرة بقصور في التعليم المدرسي والجامعي في مجالين يتطابقان مع دعوة الليبرالية الجديدة:

"الأمر الأول يتعلق بطبيعة الدراسة التى تفرض على الطالب أن ينقطع نهائيًا للعمل وللمشرحة ولحفظ (استظهار) المادة النظرية، كما يمليها الأستاذ، ومن ثم فهو شخصية تتحرك، وفق نسق ثابت ومنضبط بأسلوب حديدي، يقتل العقلية النقدية لديه". يسفر نمط تدريس العلوم الطبيعية مجرد نظرات وقوانين يقينية ثابتة عن تناقض مع جوهر العلم المتطور باستمرار من خلال النفي الديالكتيكي، وطابعه النسبي .

والأمر الثاني، حسب المثقف المصري البارز، أن الجامعي "يتخرج، ولا يكون درس شيئا من العلوم الإنسانية، معلوماته في تاريخ مصر تتوقف عند حدود ما درسه في الصف الأول الثانوي، وهو جد محدود، قد يتناسب مع صبى في الخامسة عشرة من عمره، لكنه لا يكفى لتكوين وعى مواطن كامل، وكذلك في الجغرافيا، فضلاً عن الأدب والفلسفة والدين وعلم النفس وغيرها، ومثل هؤلاء الطلاب بحكم الدراسة يتخرجون دون قراءة قصيدة لشوقي أو حافظ أو صلاح عبدالصبور، ودون الوقوف على رواية من أعمال نجيب محفوظ أو طه حسين، أو قراءة مسرحية من مسرحيات توفيق الحكيم، ودون الإلمام بالحدود الدنيا من المعارف والنظريات الفلسفية والسياسية الحديثة، فيكون هذا الطالب معرضا وجاهزا لأن يتم حشو ذهنه بالأفكار المتطرفة؟!".

للتغلب على ضيق الأفق لدى خريجي الجامعات وتقريبهم من قضايا مجتمعهم، ولمقاومة نهج التفتيت والتمزيق بات من صميم مهام التطور الديمقراطي اضطلاع التربية بتعزيز مناعة مجتمعاتهم ضد التفتيت العصبوي والتركيز على التوجه القومي في مجالات الاقتصاد والثقافة والسياسة، وإشاعة التسامح واحترام الحريات والرأي الآخر. يأتي في مقدمة المهام التربوية في المدرسة والجامعة الإقرار بحق المواطنة بغض النظر عن الانتماءات العصبية والطائفية، مع تضمين مناهج التعليم مساقات تحث على التسامح واحترام الحريات وقبول الآخر. ان ترسيخ هذه القيم في الحياة الاجتماعية يجتث النزعات الانفصالية والتجزيئية، حيث يتغلب الانتماء للدولة وللإنسانية، وليس للقبيلة او الطائفة أو المذهب .

بات واجبا على المدرسين وشغيلة الثقافة ان يقرروا لأنفسهم دورا أكثر تشددا، إن لم يكن ملتزما بعلاقة تشدهم بأنماط نقدية وعمل جماعي يتناول اهتراء نظم الديمقراطية، وتشديد الخناق على التفكير الحر.

كان المربي الفلسطيني خليل السكاكيني يردد منذ قرابة القرن ان واجب المدرسة تهيئة مناخات الحرية لكي ينشأ الطالب متمسكا بكرامته الشخصية وبكرامة الوطن. على المعلم في مدرسته أن يعي ضرورة تغذية المجتمع باضطراد  احتمالات النقد الذاتي والعمل الجمعي ونماذج للمواطنة يلعب فيها الناس دورا جوهريا في النقاش النقدي والإشراف على المصالح العامة. وعلى التعليم ان يزود الطلبة، خصوصا في الجامعات بالمعارف المتنوعة لتوسيع الأفق وتعميق التخصصات. ورغم انف القوى الظلامية التي تهدد العديد من المجتمعات حول العالم، من الملح أن ينهض المثقفون والفنانون وغيرهم لرفض أي شكل من اشكال التطبيع مع القوة، ومع الأفكار والنظريات التربوية العامة لليبرالية الجديدة، وان يلتزموا بالديمقراطية الراديكالية كمشروع تربوي ومثال لا يتوقف عن التطور. وسيكون التحدي سهلا إذا ما استطاع التقدميون وغيرهم إرساء الشروط التربوية التي من شانها ان تنتج إحساسا فرديا وجماعيا بالاحتجاج الأخلاقي والسياسي، إدراك جديد للنشاط السياسي، وللمشاريع التربوية  اللازمة لأن تتنفس الديمقراطية من جديد.

بمقدور المعلم الديمقراطي، بدون قرار سياسي، ان يقيم عملية التدريس على مبدا الحوار بدل التلقين والتحفيظ. وبالإمكان خلق مناخ ديمقراطي داخل المدرسة يشعر فيه الطلبة بالكرامة ويقبلون على التعلم برغبة في المعرفة وليس خوفا من العقاب. وليس صعبا ولا مكلفا ترقية التعليم الرسمي إلى مستوى التعليم الخاص في المعاهد الأجنبية المتناثرة في أقطار العروبة بقصد ترويج الثقافة العولمية لليبرالية الجديدة.

"غدت مهمة التربية تكوين عقل متجدد نحو تنظيم مجتمع متجدد في عالم متجدد. وأهم الوسائل لتحقيق الهدف هي مؤسسات التعليم والثقافة، ويمكن اختزالها في تنمية التفكير العلمي ومناعة الهوية الثقافية"، هذه بعض الوصايا النفيسة التي تركها خبير التربية المصري الراحل الدكتور حامد عمار. إن توظيف التربية لأغراض التنمية تدخلها عاملاَ أساسياَ في عملية التقدم الاجتماعي، حيث يرتبط بعلاقة عضوية جدلية مع مهمات تنشيط المجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان بتعزيز قيم المواطنة وترسيخ سيادة القانون وتصفية العصبية، أيا كانت عرقية أو طائفية أو عشائرية، باعتبارها تخل بحقوق المواطنة وامن الإنسان وانتمائه لكل أفراد المجتمع. وهذا يحل عملية التعليم مكانة محورية في السياسة والاهتمام الاجتماعي.