2016-12-12

بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

رؤيا جديدة لمبررات القبول بقرار التقسيم

نعيم اﻷشهب

مقدمة

يمكن القول بأن أية قضية سياسية لم تشغل حيزامن النقاش والخلاف في الساحة الفلسطينية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كقضية الموقف من قرار تقسيم فلسطين الى دولتين، الصادرعن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، في 1947/11/29، وبخاصة تصويت الاتحاد السوفياتي الى جانب هذا القرار، ومواقف عصبة التحرر الوطني في فلسطين وبقية الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية من هذا القرار، هذه المواقف التي جرى اعتبارها تماهيا مع الموقف السوفياتي.

والسؤال الأول الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل تصويت الاتحاد السوفياتي  لصالح قرار التقسيم ، حتى ولو كان الاتحاد السوفياتي متعاطفا مع قيام دولة اسرائيل، كان العنصر المقرر في قيام هذه  الدولة؟ بل وأبعد من ذلك، هل عدم صدور هذا القرار، عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كان سيحول دون نشوء دولة اسرائيل؟ ومن الجانب الآخر، هل رفض عصبة التحرر الوطني في فلسطين والأحزاب الشيوعية في البلدان العربية لهذا القرار كان سيمنع قيام دولة اسرائيل ويحول دون وقوع نكبة الشعب الفلسطيني، حتى ولو جزئيا؟

واقع الحال الذي تشكل  في فلسطين والمحيط العربي وفي العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، يجيب بالنفي المطلق على مجموعة  هذه الأسئلة، ويؤكد أن اسرائيل كانت ستقوم بقرار من الأمم المتحدة أو بدونه، بتصويت الاتحاد السوفياتي لصالح قيام دولتين في فلسطين أو بدونه، بقبول عصبة التحرر الوطني في فلسطين والأحزاب الشيوعية في البلدان العربية لهذا القرار، رغم ظلمه، أو رفضها له. ببساطة لأن دولة اسرائيل كان  قد اكتمل تكوينها في رحم الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي أخذ على عاتقه، منذ وعد بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر/تشرين ثاني 1917 تحقيق هذه المهمة، وبالتالي: فأن قرار التقسيم لم يكن، في الواقع، أكثر من شهادة ميلاد هذه الدولة، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، لغياب القدرة، الفلسطينية والعربية، القادرة على منع قيامها، كما تأكد على أرض الواقع.

كانت المقومات الأساسية لقيام  هذه الدولة قد اكتمل تشكلها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، برعاية الانتداب البريطاني، اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

فعلى الجانب العسكري استطاعت الوكالة اليهودية لدى اندلاع الاحتراب، بعد صدور قرار التقسيم، تجنيد 10% من سكان اليشوف اليهودي في فلسطين، رجالا ونساءا، اي في حدود 65 ألف مقاتل؛ بينما بلغ مجموع الجيوش العربية التي دخلت فلسطين في 1948/5/15، لحظة انتهاء الانتداب البريطاني، 21 ألف و500 جندي، (بموجب الجنرال جون كلوب، قائد الجيش الأردني، آنذاك، في مذكراته، كانت مساهمة الدول العربية المعنية في هذه القوة العسكرية التي دخلت فلسطين، كالتالي: مصر 10000 جندي، الجيش العربي الأردني4500 جندي، سوريا 3000 جندي، لبنان 1000 جندي، والعراق 3000 جندي) أما العنصر الفسطيني، فمن المعلوم أن أول اجراء للجيوش العربية لدى دخولها أراضي فلسطين، كان منع الفلسطينيين من أي نشاط عسكري أو سياسي، بدعوى أن مثل هذا النشاط يعرقل مهمتها في "تحرير فلسطين!"، هذا على المستوى الكمي، أما على المستوى النوعي، فقد كانت النواة المركزية للقوات اليهودية تتكوّن من كتائب تتجاوز العشرين ألف محارب، شاركت  في الحرب العالمية الثانية، في اطار الجيش البريطاني، واتقنت فنون الحرب العصرية وخرّجت أعدادا وافرة من الكوادر القيادية. وبينما كانت هذه قوة موحدة وتخضع لقيادة مركزية واحدة كانت الجيوش العربية ليس فقط تفتقر لمثل هذه الوحدة، بل كانت تكيد لبعضها البعض، كما كان الحال بين الجيشين الآردني والمصري.

وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، كان ثقل الصناعة العصرية في فلسطين الانتدابية في الجانب اليهودي. وقد تطور هذا القطاع في الجانب اليهودي، بشكل ملحوظ، خلال الحرب العالمية الثانية، بتشجيع من السلطات البريطانية، للمساهمة في تزويد الجيوش البريطانية ببعض احتياجاتها، في ظروف تعقد الاستيراد بسبب ظروف الحرب؛ كما كانت الزراعة بدورها، في ذلك الجانب، أكثرازدهارا وتقدما وقدرة على ادخال الآلة والأساليب العصرية في هذا الميدان أيضا. وهناك تقديرات بأن اقتصاد اليشوف اليهودي يشكّل حتى 80% من مجمل الاقتصاد الفلسطيني عشية صدور قرار التقسيم، رغم أن نسبته السكانية كانت قرابة ثلث عدد سكان فلسطين، آنذاك.

أما على الصعيد السياسي، فقد شكلت قيادة الحركة الصهيونية في فلسطين، بمساعدة متواصلة، من سلطات الانتداب البريطاني، مؤسسة عصرية لها الأذرع المطلوبة لجهاز دولة في مختلف المجالات، بما في ذلك، السياسة والادارة والشرطة (قوات حرس المستوطنات التي تولى رجال الانتداب البريطاني تدريبها) وحتى أجهزة الرصد والتجسس (يشير البروفسور ايلان بابيه في كتابه "التطهير العرقي" الى جانب من عمليات الرصد والتجسس هذه منذ ثلاثينات القرن الماضي، برصد وتدوين نشاط الفلسطينيين الذين أسهموا في ثورة 1936- 1939، بما في ذلك تحديد أماكن سكناهم وأسماء قراهم وحتى  مخاتير تلك القرى).

بمعنى آخر: لا العامل الفلسطيني المحلي ولا الاقليمي العربي، على حالهما آنذاك، كانا بقادرين على منع قيام دولة اسرائيل. أما العامل الدولي، فقد كان مفعما بالعطف على ضحايا النازية من اليهود؛ هذا العطف الذي أفلحت الصهونية في تجنيده لصالح مشروعها الكولونيالي في فلسطين. وبالتالي: فان مجموعة هذه العوامل كانت تؤكد  توفر الظروف لقيام اسرائيل، مأخوذ في الحسبان كذلك أن قيامها لم يكن مشروعا للصهيونية وحسب، وانما  للامبريالية العالمية ، وبخاصة الأنجلو – أميركية.

وحين غيّرت عصبة  التحرر الوطني موقفها من رفض قرار التقسيم الى القبول به، بعد قرابة ثلاثة شهور على صدوره، كانت خطوط المؤامرة على الشعب  الفلسطيني، التي حبكتها الصهيونية والامبريالية الغربية والرجعية العربية، قد راحت تتضح معالمها، وغدا الخيار الواقعي الوحيد هو بين التقسيم أو التشريد  للشعب الفلسطيني، وليس الخيار بين كل فلسطين أو التقسيم.

بعد هذه الوقائع التي أكدها سير الأحداث اللاحق، تبقى  قضية "مبررات" تأييد الاتحاد السوفياتي لقرار التقسيم، وهل كان هذا التأييد لاعتبارات براغماتية – ذرائعية أم باسم اعتبارات مبدئية مغلوطة؟. ان مناقشة هذه القضية، اليوم، وبعد قرابة سبعين عاما على صدور قرار التقسيم، ليست ترفا فكريا، رغم أنها ذات طابع معنوي ولا تغيّر في الوقائع على الأرض شيئا؛ لكنها تكتسب مبررها من كون القضية الفلسطينية ما تزال بلا حل ومعاناة الشعب الفلسطيني تتفاقم، هذا من جانب ومن جانب آخر، طالما تتجدد، بين حين وآخر، محاولات البعض تحميل الموقف السوفياتي والأحزاب الشيوعية في فلسطين وبقية البلدان العربية، المسؤولية –ولو جزئيا – عن قيام اسرائيل، وبالتالي جرائمها التي لا تتوقف ضد الشعب الفلسطيني.

وجدير بالتنويه، ان هذه المحاولات المغرضة ،جرت وتجري، عن وعي وتخطيط، بغرض اخفاء  وطمس مسؤولية القوى الحقيقية عن نكبة الشعب الفلسطيني، في وقت يندفع فيه النظام العربي الرجعي، اليوم، بزعامة حكام السعودية، نحو التحالف العلني والرسمي مع حكام اسرائيل، في أوج مساعي الأخيرين لتصفية القضية الفلسطينية وتسعير حملات قمعهم الدموي لذلك الجزء الصامد من الشعب الفلسطيني تحت احتلالهم.

مبررات تأييد الاتحاد السوفياتي

لقرار التقسيم

في ضوء تخلف القيادة الفلسطينية السابقة والدول العربية الممثلة في الأمم المتحدة، آنذاك، عن المبادرة في عرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة - حديثة العهد آنذاك - باعتبارها قضية تحرر وطني للشعب العربي الفلسطيني، لانهاء الانتداب البريطاني وجلاء جيوشه عن فلسطين واقامة دولة فلسطينية ديموقراطية لجميع سكانها، دون تمييز..في ضوء هذا التخلف، بادرت بريطانيا، في الثاني من ابريل/نيسان 1947، بعرض القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة من منظورها الاستعماري، باعتبارها نزاعا طائفيا بين العرب واليهود، وأن دورها في فلسطين هو حفظ الأمن ومنع احتراب الطرفين. وقد حصرت مطلبها، من هذا العرض، بارسال لجنة جمع حقائق، بأمل أن يخدم ذلك هدفها الحقيقي، وهو الحصول من الأمم المتحدة على تجديد انتدابها على فلسطين الذي سبق وانتزعته من عصبة الأمم، سلف هيئة  الأمم ،عام 1922.

وقد جاءت هذه المحاولة البريطانية  في ظروف نهوض حركة عالمية  للتحرر الوطني، بعد الحرب العالمية الثانية، من نظام الحكم الكولونيالي - الاستعماري من جهة، وبروز الولايات المتحدة كمنافس جدي لسيطرة بريطانيا على فلسطين وغيرها في المنطقة من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة، تحوّل ولاء الحركة الصهيونية، بزعامة ديفيد بن غوريون، منذ مؤتمر بالتيمور الصهيوني، عام 1942، من بريطانيا الى الولايات المتحدة، التي خرجت من تلك الحرب، كأقوى قوة امبريالية في العالم.

وبينما تمّ احباط المناورة البريطانية بحصر النقاش في الأمم المتحدة في بند ايفاد لجنة جمع حقائق، وتقرر، بدل ذلك، مناقشة مجمل القضية الفلسطينية، فقد تقررعقد دورة خاصة للجمعية العمومية للأمم المتحدة لهذا الغرض ابتدأت في 1947/4/28 وانتهت في 1947/5/15.

وفي 1947/5/14، أي قبل يوم واحد من انتهاء هذه  الدورة الاستثنائية الخاصة لبحث القضية الفلسطينية، قدم أندريه غروميكو، نائب وزير الخارجية السوفياتية، آنذاك، مداخلته الرئيسية حول القضية الفلسطينية، استهلها بالقول:"...قبل كل شيء،ان نظام الانتداب الاداري على فلسطين، الذي تشكل عام 1922، لم يبرر نفسه. انه لم يجتز الامتحان". وكان هذا مؤشرا واضحا بأن قضية انهاء السيطرة البريطانية على فلسطين وسحب جيوشها الجرارة منها، كانت في مقدمة اهتمامات السياسة السوفياتية الشرق أوسطية، آنذاك.

بعد ذلك انتقل غروميكو للقول بأن هناك حلان واقعيان للقضية الفلسطينية، اما دولة ديموقراطية " بتعاون وانسجام السكان العرب واليهود، والآّ تقسيم فلسطين الى دولتين". وكان هذا أول اشارة، من جانب الدولة السوفياتية لامكانية تبنيها قرارا بتقسيم فلسطين، ثم  قال في هذا السياق: "وحقيقة أن أية دولة أوروبية غربية لم تؤمّن الدفاع عن الحقوق الأولية للشعب اليهودي وحمايته من عنف القتلة الهتلريين يفسر طموحات اليهود لتأسيس دولة لهم".

ثم أضاف :"وانه من غير العدل عدم أخذ هذا في الحسبان وانكار حق الشعب اليهودي في تحقيق هذا الطموح". وأضاف:"لا التاريخ الماضي ولا الظروف السائدة في فلسطين بامكانها تبرير حل منفرد للقضية الفلسطينية، سواء في صالح اقامة دولة عربية مستقلة، دون الأخذ في الحسبان الحقوق المشروعة للشعب اليهودي، أو لصالح اقامة دولة يهودية مستقلة، بينما تتجاهل الحقوق المشروعة للسكان العرب". وكان هذا بدوره مؤشرا ثانيا بأن الدولة السوفياتية راحت تعتبر اليشوف (التجمع اليهودي في فلسطين) شعبا له حق تقرير المصير.

وفي الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة خريف 1947، تحدث غروميكو يوم 1947/11/26 ، أي قبل ثلاثة أيام من تبني قرار التقسيم، فأشار الى الآراء التي سبق وطرحها في الدورة الاستثنائية ربيع العام 1947، مذكرا بالحلين الأكثر "قبولا لهذه المشكلة" من وجهة نظر الحكومة السوفياتية وهما:"الأول، اقامة دولة عربية- يهودية ديموقراطية، التي يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق متساوية؛ وفي حال أن يثبت أن هذا الحل غير عملي بسبب تعنت العرب واليهود، وفي ضوء تدهور العلاقات واستحالة العيش سوية، فان حكومة الاتحاد السوفياتي قد أشارت، عبر وفدها في الجمعية العمومية، الى الحل الثاني، والذي هو تقسيم فلسطين الى دولتين حرتين مستقلتين وديموقراطيتين، عربية ويهودية".

وأشار غروميكو في مداخلته تلك، في مجال تبريره لتبني قرار التقسيم  بالقول":الاستنتاج المنطقي من ذلك، اذا كان الشعبان اللذان يقطنان فلسطين، واللذان لكل منهما جذور تاريخية عميقة في البلاد، لا يستطيعان العيش سوية ضمن حدود دولة واحدة، فلا يوجد بديل الاّ دولتين واحدة عربية وواحدة يهودية بدل القطر الواحد، وهذا من وجهة نظر وفدنا الحل العملي الوحيد". وفي هذه المداخلة لغروميكو هناك اعتراف، ولأول مرة، من الاتحاد السوفياتي، بوجود "جذو رتاريخية عميقة في البلاد" لسكان اليشوف اليهودي في فلسطين والذين تتشكل غالبيتهم الساحقة من أصول أوروبية، حديثة العهد نسبيا في فلسطين.

***

وجدير بالتنويه، قبل مناقشة مبررات السوفيات للتصويت لصالح قرار التقسيم الاشارة الى الوقائع التالية، الواقعة الأولى: أن الوفود العربية في الأمم المتحدة والممثلية الفلسطينية ليس فقط لم تبادر للاتصال بالوفد السوفياتي الذي يمثل ثلاثة أصوات في الجمعية العمومية (أصوات الاتحاد السوفياتي وأوكرايينا وروسيا البيضاء) لشرح وجهة النظر الفلسطينية والعربية من القضية الفلسطينية، بل ورفضت طلب وفد الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة لمثل هذا اللقاء، بتحريض من الدوائر البريطانية والأميركية؛ بينما لم تعترض تلك الدوائر الامبريالية على قيام وفد الوكالة اليهودية  بالاتصال بالوفد السوفياتي وعرض القضية الفلسطينية عليه من المنظور الصهيوني الكولونيالي،  بل وربما شجعته على ذلك، والواقعة الثانية أنه بعد تبني الجمعية العمومية لقرارالتقسيم، تشكلت لجنة لرسم الحدود بين الدولتين، لكن الوفد الفلسطيني والوفود العربية الممثلة في الجمعية العمومية قاطعتها، بينما حرص وفد الوكالة اليهودية على الحضور وترك بصماته جلية على رسم حدود قرار التقسيم، بما في ذلك اصراره على أن يكون النقب الذي يمثل قرابة ثلث مساحة فلسطين من نصيب الدولة اليهودية، مع نشر الاعتقاد بأنه كصحراء ذو قيمة متدنية، وهذا ما يفسر لماذا كان نصيب الدولة اليهودية، في هذاالقرار، قرابة 56% من مساحة فلسطين. ومعروف أن الوكالة اليهودية كانت قد أعدت مشروعا لنقل مياه  نهر الأردن الى النقب، قبل زمن  على  قيام اسرائيل، باعتبار النقب فضاءا يتسع لاسكان ملايين عديدة من السكان.

مناقشة المبررات السوفياتية

لتأييد قرار  التقسيم

كانت مواقف لينين وحتى وفاته، واﻹتحاد السوفياتي، منذ ثورة أوكتوبر، من الصهيونية السياسية ومشروعها الكولونيالي في فلسطين، واضحة تماما وﻻ تحتمل أي لبس في رفضها وشجبها. كذلك فان أدبيات الكومنترن (القيادة الجماعية للحركة الشيوعية العالمية، منذ 1919 وحتى 1943 حين تمّ حله، وكان مقره في موسكو) موسومة كلها وبلا استثناء بالعداء للصهيونية ولمشروعها الكولونيالي في فلسطين، باعتبار الصهيونية السياسية أحد اﻹفرازات السامة للرأسمالية في مرحلة اﻹمبريالية.

وكان الشرط اﻷول للكومنترن لقبول عضوية الحزب الشيوعي في فلسطين في صفوف الحركة الشيوعية العالمية (هذا الحزب الذي بادر ﻹقامته رفاق يهود) قطع جميع علاقاته السياسية والتنظيمية واﻷيديولوجية بالحركة الصهيونية، ولم يتحقق هذا اﻹعتراف عام 1924، إﻻّ بعد اﻹعلان عن اﻹلتزام  بهذا الشرط المبدئي، كما ينعكس عداء الكومنتيرن المبدئي والحازم  للصهيونية ومشروعها الكولونيالي في فلسطين، في دعمه الحازم لانتفاضة البراق في فلسطين، عام 1929، والتي التبست، حينها، على الاعضاء اليهود في الحزب الشيوعي الفلسطيني العربي – اليهودي، واعتبروها نوعا من البوغروم ضد اليهود في فلسطين، وموقف الكومنتيرن من ثورة 1936- 1939، واعتبار هذا الكومنتيرن لكليهما: الانتفاضة والثورة موجهين ضد الاحتلال البريطاني والمشروع الكولونيالي الصهيوني في فلسطين. وقد بقي هذا الموقف المبدئي للحركة الشيوعية العالمية، بما في ذلك للحزب الشيوعي السوفياتي، ثابتا من هذه القضية.

وفي أيلول عام 1945 أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، عقد الحزب الشيوعي الفلسطيني (العضوية اليهودية فقط، بعد أن هجرته العضوية العربية في ايار1943) مؤتمره التاسع. وقد تبنى هذا المؤتمر، رسميا، موقفا جديدا من القضية الفلسطينية ومشروع حلها، خلاصته أن المجتمع الفلسطيني راح يتشكل من قوميتين، قومية عربية وقومية يهودية، وأن حق تقرير المصير أصبح ينطبق على القوميتين؛ وبالتالي - فالحل السياسي المقترح، من ذلك الحزب، للقضية الفلسطينية كما صاغه ذلك المؤتمر، هو في إقامة دولة ثنائية القومية، وليس دولة ديموقراطية لجميع سكان فلسطين دون تمييز - كما كانت تنادي عصبة التحرر الوطني في فلسطين، وكذلك ليس تقسيم فلسطين الى دولتين منفصلتين، كما كانت تطالب الحركة الصهيونية، كخطوة أولى على طريق تحقيق طموحها  باﻹستيلاء على كل  فلسطين.

وأواخر ذلك العام أوفد الحزب الشيوعي الفلسطيني (العضوية اليهودية) عضو مكتبه السياسي، مايرفلنر، الى لندن لحضور المؤتمر التأسيسي ﻻتحاد الشباب الديموقراطي العالمي المنعقد هناك، باعتباره، أي ماير، سكرتير منظمة الشبيبة الشيوعية أيضا، وللاتصال، في الوقت ذاته، بمؤتمر اﻷحزاب الشيوعية لبلدان الكومنولث البريطاني، الذي بادر الحزب الشيوعي البريطاني إلى عقده سنويا، بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد حل الكومنترن. وخلال ذلك، قام ماير بعرض موضوعة حل الدولة ثنائية القومية، الذي تبناه للتو مؤتمر حزبه التاسع، على قيادة الحزب الشيوعي البريطاني، وقابل لهذا الغرض الرفيق بالم دات، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي البريطاني آنذاك، وعرض عليه صيغة الدولة ثنائية القومية، على أساس وجود قوميتين في فلسطين لهما، بموجب المباديء الماركسية، حق تقرير المصير. كان رد الحزب الشيوعي البريطاني الواضح والحازم: الشيوعية ﻻ تعترف بحق تقرير المصير لتجمع كولونيالي أقيم على حساب شعب آخر. وحين عاد فلنر لحزبه بهذا الجواب الواضح، ولم تقتنع به قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني (اليهودي)، فقد توجه سكرتير عام الحزب، شمويل ميكونتس، في العام التالي 1946، وفي نفس  الموعد، وطرح نفس القضية، لكنه تلقى نفس الجواب (من مقابلة شخصية مع ماير فلنر، في القدس المحتلة، 1997/9/4).

في ضوء هذا السجل المبدئي الطويل من مواقف الحركة الشيوعية العالمية، بما في ذلك الحزب الشيوعي السوفياتي، من المشروع الصهيوني الكولونيالي في فلسطين، ينبغي التفتيش عن حوافز أخرى لهذا التغير في الموقف السوفياتي من هذا المشروع. وجوهر مناقشة هذا التغير ﻻ تستهدف واقع التصويت لصالح التقسيم، الذي لم يكن من الممكن، واقعيا وعمليا، آنذاك، تحقيق ما هو أفضل منه رغم  ظلمه الواضح بحق الشعب العربي الفلسطيني، وبالتالي تجنب ما هو أسوأ منه بكثير، كما وقع بالفعل، وإنما للكشف عن مبررات تأييد اﻹتحاد السوفياتي لقرار التقسيم، بالاستناد الى اعتبار التجمع الكولونيالي اليهودي في فلسطين شعبا له حق تقرير المصير أوﻻ؛ وثانيا - اسناد هذا الموقف بدعوى وجود جذور تاريخية عميقة، لهذا التجمع الكولونيالي في أرض فلسطين، كما جاء في مداخلات غروميكو.

وحين يقول غروميكو، في 1947/5/14 في خطابه، أمام الدورة اﻹستثنائية للجمعية العمومية لبحث القضية الفلسطينية: ".. وحقيقة أن أية دولة أوروبية غربية لم تؤمّن الدفاع عن الحقوق اﻷساسية للشعب اليهودي وحمايته من عنف القتلة الهتلريين…"، فإنه بهذا يضفي، اعتباطا، صفة "الشعب" ليس فقط على طائفة يهودية بعينها في بلد محدد، وإنما على مجموعة الطوائف اليهودية في البلدان اﻷوروبية التي اجتاحتها الجيوش النازية، بينما كانت هذه الطوائف تمثل، حينها، جزءا عضويا من النسيج اﻹجتماعي لشعوب تلك البلدان. وهذا المفهوم اﻹعتباطي لهوية الشعب مناف كليا للمفهوم الماركسي لمقوّمات الشعب، ويلتقي تماما مع مفهوم الصهيونية لمصطلح "الشعب اليهودي"، باعتبارالدين هو المعيار المقرر في هذا الخصوص، وهو المعيار الوحيد الذي لجأت اليه قيادة الحركة الصهيونية اﻷوروبية - العلمانية لتبرير مشروعها الكولونيالي في فلسطين؛ كما أنه يلتقي، اليوم، مع مفهوم اﻹسلام السياسي- السلفي لمصطلح "اﻷمة اﻹسلامية"، هذا المفهوم الذي يشكل، حاليا، الغطاء اﻷيديولوجي لجرائم عصابات اﻹرهاب السلفية .

وإذا أجازغروميكو، ومن ورائه السياسة السوفياتية الخارجية التي كان يحدد معالمها ستالين، اعتبار أبناء طوائف يهودية متعددة شعبا، أي اعتبارالرابطة الدينية بين طوائف متناثرةفي بلدان متعددة،هي المقرر والبديل للإقتصاد المشترك والعيش التاريخي المشترك فوق أرض واحدة واللغة والعادات المشتركة وغيرها من مقومات الشعب بالمفهوم العلمي المعاصر، فإن هذا المفهوم ﻻ يتناقض مع الماركسية وحسب، وإنما مع المفاهيم العامة اﻷخرى في هذا المجال. يؤكد البروفسور شلومو ساند، في كتابه"اختراع الشعب اليهودي" أن "اليهود لم يكونوا موجودين كمجموعة واحدة أبدا.." (صدرت ترجمة هذا الكتاب بالعربية عام 2010 عن دار اﻷيام).

وإذا كان غروميكو قد اعتبر أبناء  طوائف يهودية متعددة في أوروبا "شعبا" فلا غرابة أن يعتبر تجمّع البعض منهم، من أكثر من بلد، ولو حديثا، في أرض واحدة  كفلسطين وعلى حساب شعبها، شعبا!. عدا هذا، إذا كان غروميكو يحمّل دول غرب أوروبا مسؤولية التقاعس عن حماية "الشعب اليهودي" من جرائم هتلر، أو بمعنى آخر: إذا كان جزء من أوروبا الغربية (ألمانيا النازية وحلفاؤها) مسؤول عن مذابح اليهود، والجزء اﻵخر من أوروبا الغربية مسؤول عن  تقاعسه في حمايتهم، خلال الحرب العالمية الثانية، فلماذا على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن جرائم جزء من أوروبا الغربية ضد اليهود، وتقاعس الجزء اﻵخرعن حمايتهم؟.

أما أسطورة "الجذور التاريخية العريقة" التي ساقها غروميكو لتبرير تأييده لقرارالتقسيم، فإنها أشد غرابة من مفهوم "الشعب اليهودي". فأوﻻ - الذين أقاموا دولة إسرائيل هم تجمع، حديث نسبيا، في فلسطين من يهود أوروبا. وبموجب البروفسور ماجد الحاج، نائب رئيس جامعة حيفا، في كتابه "الشتات الروسي"، فإن العنصر الشرقي من اليهود:

أي اليهود العرب واﻹيرانيين والهنود وغيرهم، لم يشكل، لدى قيام دولة إسرائيل إﻻّ 8٪ من عدد سكانها؛ أي أن 92٪ من التجمع اليهودي في فلسطين الذي أقام  دولة اسرائيل، كانوا من اليهود اﻷوروبيين، حديثو العهد في فلسطين، وصل القسم اﻷساسي منهم الى فلسطين عقب صعود هتلر الى السلطة في ألمانيا 1933، وهؤﻻء اليهود ينحدرون من قبائل الخزر التي أقامت لها دولة في القرن الثامن، في سهوب فازاريا، بين القوقاز والفولجا، وتبنى ملكها، حينها، الديانة اليهودية ﻻعتبارات سياسية، لتفادي اﻷضرار الناجمة عن اﻹنحياز الى أحد طرفي الصراع الدائر، حينها، بين اﻹمبراطوريتين المهيمنتين: الرومانية - البيزنطينية والعباسية اﻹسلامية. وقد دمّر الغزو المغولي تلك الدولة، ما بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ونزح سكانها الى شرقي أوروبا وحتى أواسطها.

بمعنى آخر: فإن "أسلاف هؤﻻء اليهود اﻷوروبيين لم يأتوا من وادي اﻷردن ، وانما من الفولغا، ولم ينحدروا من كنعان وإنما من القوقاز" كما يشير كتاب "القبيلة الثالثة عشر"، تأليف آرثر كوستلر، الذي اعتمد كثيرا في مؤلفه هذا على بحوث البروفسور "بولياك" استاذ التاريخ اليهودي في جامعة تل أبيب؛ أي ﻻ علاقة لهؤﻻء اليهود بمنطقة الشرق اﻷوسط، ﻻ بأرضها وﻻ بتاريخها وﻻ بسكانها ومن ضمنهم يهودها. وبموجب الدكتور عبد الوهاب المسيري، في كتابه "من هو اليهودي؟" فإن اليهود اليديش (يهود شرق أوروبا) كانوا يشكلون، نهاية القرن التاسع عشر80٪ من يهود العالم، وفي هذا السياق، ليس من باب الصدف أن يعتبر هؤﻻء اليهود اﻷوروبيون إسرائيل التي أقاموها جزءا من أوروبا وليس من الشرق اﻷوسط حيث تقوم؛ وفي هذا الصدد، يشير البروفسور ماجد الحاج الى فرض هؤﻻء اﻷوربيين المؤسسين ثقافتهم على كل من يعيش في اسرائيل من اليهود، إذ يقول في كتابه سالف الذكر:"ومن الواضح أن أيديولوجية بوتقة الصهر ﻻ تهدف الى خلق ثقافة جديدة أو مزج مكونات من مختلف الثقافات اليهودية التي تعيش في اسرائيل، بل كانت تقضي وبشكل واضح صهر كل الجماعات اليهودية الشرقية في إطار الثقافة الغربية اﻷشكنازية المسيطرة".

وثانيا - أن جميع الحفريات التي أجراها علماء اﻵثار اﻹسرائيليون ومنهم البروفسر "أسرائيل فلنتشتاين" من جامعة تل ابيب، بكثافة غير عادية، منذ اﻹحتلالاﻹسرائيلي، في حزيران 1967، لبقية اﻷرض الفلسطينية، وبخاصة  الحفريات في مدينة القدس، لم تسفر عن أي أثر لوجود يهودي في فلسطين.  يقول البروفسور زئيف هرتسوغ - عالم اﻵثار اﻹسرائيلي في هذا الصدد:"ﻻ مرتكزات للتوراة في الواقع"، ويضيف:"بعد سبعين عاما من الحفريات اﻷثرية المكثفة في أرض فلسطين، توصّل علماء اﻵثار الى استنتاج مخيف: اﻷمر مختلف من اﻷساس. فأفعال اﻵباء هي مجرد أساطيرشعبية، ونحن لم نهاجر الى مصر ولم نرحل من هناك. لم نحتل هذه البلاد وليس هناك أي ذكر ﻹمبراطورية داود وسليمان، والباحثون والمختصون يعرفون هذه الوقائع منذ وقت طويل، ولكن المجتع ﻻ يعرف…". وهذا ما أكده كذلك الكثير من علماء اﻵثار الغربيون

هذا، وقد جاء قرار منظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة في تشرين أول/أكتوبر 2016 ليؤكد من جديد قرار عصبة اﻷمم عام  1930، الذي أكد ، حينها، أن المسجد اﻷقصى بما في ذلك الحائط الغربي (حائط البراق) هو ملك وإرث إسلامي؛ وبالتالي فأن كل  ما تمّ اكتشافه كان المزيد من الآثار الكنعانية والرومانية في اﻷساس، وهذا باعتراف وشهادات  المشرفين  اﻹسرائيليين على تلك الحفريات.

ولو سلّمنا، جدﻻ، أنه كان لليهود في فلسطين دولة ، قبل أكثر من ثلاثة آﻻف سنة؛ لكن هذه الدولة لم تعمر، بموجب هذه الرواية، أكثر من سبعين سنة، في  عهدي داود وسليمان، وهي رواية موضع شك، حتى من قبل مؤرخين إسرائيليين يهود، فهل يشكل هذا، على افتراض وقوعه بالفعل، جذورا تاريخية تدّعم مطلب حق تقرير المصير في هذه اﻷرض اليوم؟ وإذا كان لليهود، كطائفة دينية، روابط دينية في فلسطين، فأن هذه الروابط الدينية وحدها ﻻ تبرر اﻹدعاء بحق تقرير المصير في فلسطين؛ وإﻻّ  فإن هذا يستدعي تغيير خرائط دول ﻻ أول لها وﻻ آخر في عالم اليوم، بما في ذلك تبرير شرعية الحروب الصليبية التي شنها مسيحيو أوروبا الغربية، ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، بدعوى الروابط الدينية.

من جانب آخر، إذا كان  مجرد الحضور في الماضي  يبرر مثل هذا الحق، فمن حق العرب المطالبة باستعادة اﻷندلس اﻹسبانية التي مكثوا فيها أكثر من سبعة قرون، وآثارهم الجلية والقوية لا يمكن لأحد انكارها، كما أن وجود طائفة يهودية في هذه البلاد  ﻻ يعطي مثل هذا الحق، فمعظم دول العالم تضمّ كلا منها أكثر من طائفة دينية، فكيف يكون الحال إذا طالبت كل طائفة  منها بحق تقرير المصير؟. يقول البروفسور اﻹسرائيلي - اليهودي " يهودا شنهاف شهرياني" في كتابه "اليهود العرب"،: "ومن غير الواضح ما إذا كان اليهود يملكون الحق في أرض إسرائيل بحكم إقامتهم في العراق (أو"بابل" لهذا الغرض) أو في سورية (أو"آرام - سوباح" لهذه الغاية)، أو بسبب سكنهم بصورة دائمة في أرض إسرائيل نفسها".

بمعنى آخر، فالذرائع التي لجأ إليها غروميكو لتبرير الموافقة على قرار التقسيم واهية ومفتعلة، وكان اﻷجدى به أن يبرر هذا التأييد ﻻعتبار واحد - براغماتي - ذرائعي، باعتبار التقسيم، في المناخ الذي كان سائدا  عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة، فلسطينيا وإقليميا وعالميا، كان اﻹمكانية الوحيدة - أي التقسيم - ﻻعتراض المؤامرة الصهيونية - اﻹمبريالية على الشعب الفلسطيني، والتي تستهدف اقتلاعه من أرض وطنه وحرمانه من حق تقرير المصير، وفي الوقت ذاته، اعتراض تعزيز النفوذ اﻹمبريالي في المنطقة - كما جرى.

ما هي دوافع السوفيات الفعلية لتأييد قرار التقسيم؟

في ضوء عدم توفر مستمسكات مادية موثوقة تحدّد هذه الدوافع، فليس إﻻّ التكهن المبني على تقديرات منطقية، الى جانب استنطاق أحداث تلك الفترة التاريخية تحديدا. وهذه وتلك توحي بأن ستالين تولّدت لديه أوهام بأن إسرائيل الموعودة ستتحوّل الى دولة إشتراكية، في منطقة يسيطر فيها النفوذ اﻹمبرياليي وتسودها أنظمة رجعية متخلفة وتابعة، وهذا الوهم يستند الى الظواهرالتالية: قيام العصابات الصهيونية وحتى قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، بعمليات مسلحة ضد سلطات اﻹنتداب البريطاني (وإخراج البريطانيين من فلسطين كان أحد الهواجس اﻷساسية لدى ستالين)؛ هذا الى جانب قيام حركة تعاونية في القرى الزراعية التابعة لليشوف اليهودي في فلسطين؛ وكذلك حركة عمالية عصرية وقوية (الهستدروت)، ورواج الشعارات اﻹشتراكية في أوساط الحركتين التعاونية الريفية والنقابية العمالية.

فيما يتعلّق بالعمليات المسلحة للعصابات الصهيونية ضد سلطة اﻹنتداب البريطاني، فقد كان هدفها استعجال قيام الدولة اليهودية، التي التزمت بقيامها بريطانيا، بموجب وعد بلفور، في الثاني من تشرين ثاني 1917، وعملت من أجله بإخلاص على مدى سيطرتها على فلسطين، الى حد اكتمال تشكل هذه الدولة في رحم اﻹنتداب البريطاني ذاته. وإذا كانت بريطانيا قد تلكّأت، عقب الحرب العالمية الثانية، فيما يتعلق بموعد وﻻدة الدولة اليهودية، فمرد ذلك الى محاولتها المناورة بهدف استبقاء نفوذ لها، ليس في فلسطين وحسب، بل وفي المنطقة برمتها، في وجه الضغط المتزايد للمزاحم القوي العازم على وراثتها وزميلتها الفرنسية: الوﻻيات المتحدة؛ هذا من جانب ومن الجانب اﻷخر، نهوض حركة التحرر الوطني التي بدت بواكيرها في المنطقة.

ولكن حتى تلك العمليات المسلحة للعصابات الصهيونية ضد سلطات اﻹنتداب البريطاني في فلسطين، ما كان لها أن تقع إﻻّ بعد اكتمال استبدال الحركة الصهيونية مركز وﻻئها واعتمادها اﻷول من بريطانيا الى الوﻻيات المتحدة، وذلك  منذ مؤتمر بالتيمور الصهيوني، عام 1942، وتبني الكونغرس اﻷميركي لمقررات هذا المؤتمر، بخاصة حول اﻹسراع في إعلان الدولة اليهودية وفتح أبواب الهجرة اليهودية الى فلسطين دون قيود. أما الحركة التعاونية - الزراعية والهستدروت العمالية وشعاراتها، فقد ثبت أنها ليست أكثر من مؤسسات للرأسمالية اﻹسرائيلية، شأن غيرها في اﻷنظمة التي تقودها أحزاب اﻹشتراكية - الديموقراطية، التي خانت قضية اﻹشتراكية الحقة، وتحوّلت الى أداة للراسماليةاﻹمبريالية.

أما العالم العربي، فإن الصورة المظلمة عنه سرعان ما تبددت، حينها، خلال سنوات تعدّ على أصابع اليد الواحدة. فمنذ أواسط خمسينات القرن الماضي بدأت عملية تحوّل وتغيير في عدد من البلدان العربية اﻷساسية: سورية ومصر والعراق والجزائر، هذه الدول التي تحوّلت الى أصدقاء  للإتحاد السوفياتي وخصوم للإمبريالية العالمية؛  بينما – من الجانب الأخر - كشفت إسرائيل عن حقيقتها كجزء عضوي من النظام اﻹمبريالي الذي ولدت في أحشائه. وقد اتضح ذلك في وقت مبكر، منذ تشكيل حلف الناتو 1949، والحرب الكورية عام 1950.

وحين اكتشف ستالين وهم رهانه على دولة إسرائيل الوليدة، جرت، كردة الفعل، عمليات تطهير في اﻹتحاد السوفياتي، طالت العناصر المشتبه بصهيونيتها، وشملت حتى اعتقال زوجة مولوتوف اليهودية، رغم أن مولوتوف كان حينها الرجل  الثاني في اﻹتحاد السوفياتي (كان وزيرا للخارجية ثم  رئيسا  للوزراء)؛ وامتدت هذه الحملة الى دول شرقي أوروبا، حيث أعدمت، في إطارها، في رومانيا وزيرة خارجيتها، أنا بوكر اليهودية، وفي تشيكوسلوفاكيا، أعدم سكرتير الحزب الشيوعي فيها، سيلانسكي والعديد من أعضاء قيادة ذلك الحزب، الذين كان لهم دور في صفقة السلاح التشيكية مع الحركة الصهيونية أثناء أحداث 1948 في فلسطين.

هذا اﻻضطراب والسطحية في فهم ستالين لقضية الصهيونية السياسية  بخاصة والقضية اليهودية بشكل عام، لهما جذورهما منذ عشرينات القرن العشرين. فعقب وفاة لينين وانتقال قيادة السلطة في اﻹتحاد السوفياتي الى ستالين، قرر، في إطار محاربته لمنظمة البوند اليهودية، الساعية الى فصل العمال اليهود في منظمة خاصة بهم عن بقية جسم الطبقة العاملة السوفياتية.. قرر إقامة منطقة حكم ذاتي لليهود السوفيات أواخر عشرينات القرن الماضي، في شمال شرق روسيا تدعى بيروبيدجان (مساحتها قرابة ٣٥ ألف كيلو متر مربع، أي أكبر من فلسطين اﻹنتدابية).

ورغم الدعاية التي جرت لهذا المشروع، داخل اﻹتحاد السوفياتي وخارجه، فقد ولد ميتا؛ ببساطة لتعارضه مع قوانين الحياة ومع مقومات القومية التي تجاهلها ستالين حين تعامل مع قضية اليهود في اﻹتحاد السوفياتي كقضية قومية، تحت تأثير نشاط منظمة البوندالهدام. وﻻ يوجد في هذه المقاطعة حتى اليوم من بين سكانها إﻻّ أعدادا محدودة جدا من اليهود. فاليهود، في مختلف قوميات اﻹتحاد السوفياتي لم يستجيبوا لهذه الظاهرة المفتعلة وواصلوا حياتهم كجزء عضوي من النسيج اﻹجتماعي للقوميات التي يتواجدون فيها؛ (على سبيل المثال، في هذا الصدد، ولو في مكان غير الاتحاد السوفياتي، يأتي البروفيسور يهودا شنهاف شهرياني في كتابه السالف الذكر"اليهود العرب" على شهادة الصهيوني "أنيزو سيريني" الذي كان أول المبعوثين الى بغداد، مطلع العقد الرابع من القرن الماضي، في إطار الدعاية للمشروع الصهيوني في فلسطين وتحريض اليهود العراقيين على الهجرة اليها، هذه الشهادة التي ساقها سيريني"المرة تلواﻷخرى" في تقاريره عن اليهود في العراق:"إن وجود اليهود في العراق هو وجود عربي")؛ وحتى اللاجئون اليهود، خلال الحرب العالمية الثانية وما قبلها وبعدها مباشرة، من أوروبا الى اﻹتحاد السوفياتي، ويقدرون بحوالي ثلاثة ملايين، لم يتوجه أحد منهم الى هذه المقاطعة. وبالتالي، لم يبق من هذا المشروع الفاشل والمصطنع إﻻّ التسجيل في بطاقة الهوية الشخصية لكل يهودي سوفياتي في خانة القومية مصطلح "عفري"!.

آثار تأييد السوفيات لقرار التقسيم

على اﻷحزاب الشيوعية في البلدان العربية

فيما يتعلق بعصبة التحرر الوطني في فلسطين، فقد أعلنت رفضها لقرار التقسيم لدى صدوره في 1947/11/29.وبخصوص هذا الرفض، جاء في صحيفة "الاتحاد" لسان حال عصبة التحرر الوطني، وفي عددها في التاسع عشر من تشرين أول 1947، أي قبل أربعين يوما على تبني قرار التقسيم، وذلك في ضوء تصريحات غروميكو حول الاتجاه لتبني  التقسيم ومبرراته، ما يلي:

" منذ تصريح غروميكو تبين أن موقف الاتحاد السوفياتي من مستقبل البلاد يقوم على احدى امكانيتين: اما الحل من خلال التفاهم اليهودي العربي على أساس اقامة دولة فلسطينية ديموقراطية مستقلة، واما التقسيم، ولا يوجد طريق ثالث ..ان الاتحاد السوفياتي أعلن  موقفه هذا مع العلم بأن الخيار الأول غير واردفي ظل المؤامرات الامبريالية والصهيونية، وهو ما يعني قبول التقسيم، برغم أن التقسيم هو الحل الأسوأ"، وتضيف"الاتحاد":"نحن لا نقبل موقف الاتحاد السوفياتي هذا بشأن القضية الفلسطينية. ونحن على قناعة بأن التقسيم هو حل غير عادل يحاولون فرضه على سكان البلاد من دون الاكتراث بمواقفهم. ان هذا الحل لا يحقق طموح السكان ولا يضمن الأمن والسلام في أنحاء البلاد، وليس من شأنه وقف المؤامرات الامبريالية". وتواصل "الاتحاد": "ان صداقتنا مع الاتحاد السوفياتي .. لا تعني أننا نأتمر بسياسته الخارجية. فنحن الذين نقررسياستنا على أساس وضع قضيتنا وأهداف شعبنا التحررية العادلة"؛ وأنهت "الاتحاد" قولها بهذا الخصوص:"علينا أن نعمل على توحيد صفوف الحركة الوطنية من أجل النضال ضد التقسيم ومن أجل الغاء الانتداب البريطاني وجلاء العساكر الأجنبية وتحقيق استقلال البلاد". (من مقال لعصام مخوّل بعنوان:"قرار التقسيم – والخيارات الصعبة").

ولم تغير العصبة موقفها هذا إﻻّ  في شباط 1948، عقب اتضاح المعالم اﻷساسية للمؤامرة على الشعب الفلسطيني.أما بقية اﻷحزاب الشيوعية في البلدان العربية، وبخاصة اﻷكثر التصاقا وتأثرا بالقضية الفلسطينية كالسوري واللبناني والعراقي فقد أصيبت، وبخاصة في البدء، بحالة من اﻹرباك، لكنها بدورها أدركت أبعاد المؤامرة وبالتالي تحوّلت ﻹعلان قبولها بقرار التقسيم. وحينها، ﻻ يمكن إنكار تأثرها، بما في ذلك عصبة التحرر الوطني في فلسطين، بالموقف السوفيتي، رغم أن اﻷخيرة، أي العصبة لم تقم بينها وبين الحزب الشيوعي السوفيتي أية علاقة منذ نشوئها وحتى اختفائها.

وفي هذا السياق، ﻻ بد من اﻷخذ في الحسبان أن هذه اﻷحزاب  تعوّدت، منذ ثورة أكتوبر، أن ترى اﻹتحاد السوفياتي يقف دوما الى جانب الشعوب العربية، في نضالها العادل للتحرر والتقدم، بدءا من فضحه ﻹتفاقية سايكس - بيكو اﻹستعمارية وانتهاءا بدعمه الحازم، في مجلس اﻷمن الدولي، لمطلب استقلال سورية ولبنان، عام 1946؛ ناهيك عن تأثيرات دوره الطاغي والحديث العهد في سحق النازية.

لكن هذه اﻷحزاب لم تفرّق، حينها، في تماهيها مع الموقف السوفياتي، بين جوهر القرار بالموافقة على التقسيم ، الذي لم يكن من الممكن، آنذاك، تحقيق ما هو أفضل منه رغم ظلمه، وبين مبررات هذه الموافقة بحيث تتمايز عن مبررات اﻹتحاد السوفياتي غير الصحيحة والمفتعلة، وهذا ما جعل موقفها - أي اﻷحزاب الشيوعية في البلدان العربية - ، وبخاصة في البداية، غير مفهوم  من الجماهيرالفلسطينية بخاصة، والعربية بعامة، مما أتاح للرجعية العربية الضالعة في المؤامرة على قضية الشعب الفلسطيني أن تشكك في حقيقة موقف هذه اﻷحزاب، وتتخذ من ذلك غطاءا لشن حملة إرهاب دموي ضد هذه الأحزاب وضد المعارضة الوطنية، وقمع للحريات غير مسبوق. وقد احتاج اﻷمر لعامل الزمن لتدرك، هذه الجماهير، عبر الوقائع والتجربة الملموسة، بخاصة الجماهيرالفلسطينية، صحة وصوابية جوهر موقف هذه اﻷحزاب، ﻻ مبرراته التي تماهت مع المبررات السوفياتية المغلوطة  لتأييد قرار التقسيم. بمعنى آخر: لو استندت عصبة التحرر الوطني واﻷحزاب الشيوعية في البلدان العربية الى اﻹعتبار البراغماتي –الذرائعي لتفسير الموافقة على قرار التقسيم باعتباره أهون الشرور والسبيل الوحيد المتاح، آنذاك، لتفادي ما هو أسوأ بكثير، لكان من السهل تفهمه من الجماهير المعنية، وفي وقت أسرع .

وفيما يتعلّق بعصبة التحرر الوطني في فلسطين، التي عانت خلال بضعة شهور من هزيمتين  أساسيتين، اﻷولى - فشل مشروعها المتميز لحلّ القضية الفلسطينية ، بإنشاء دولة ديموقراطية لجميع سكانها دون تمييز؛  ثم فشل تنفيذ قرار التقسيم الذي تحوّلت الى تبنيه، منذ شباط 1948، بعد أن تلاشت أية إمكانية لتحقيق مشروعها اﻷول، يضاف الى المعاناة من هذين الفشلين الأساسيين المتلاحقين، ما رافق ذلك من معاناة، بسبب النكبة  والتطهير العرقي الجماهيري للفلسطينيين، بما في ذلك ﻷعضاء العصبة وقياداتها.

لكل ذلك، جاءت ردة الفعل الانفعالية على صورة، جلد للذات. وقد استهدفت هذه العملية، في المقام اﻷول، ظلما، ظاهرة عصبة التحرر الوطني، والتي تمثل، في حقيقتها، أنصع وانبل ظاهرة سياسية يسارية في التاريخ الفلسطيني المعاصر. فبرغم أنها لم تعمّر، قبل النكبة، ما يصل الى خمس سنوات، فقد أفلحت في نشر الفكر اليساري - الماركسي وتحويله الى قوة متنفذة وملموسة في الشارع الفلسطيني، وأن تتحوّل، فعليا وليس نظريا فقط، الى قائد الطبقة العاملة العربية في فلسطين، بتزعمها لمؤتمر العمال العرب في فلسطين، الجسم اﻷكبر واﻷكثر عددا من العمال العرب الفلسطينيين، واستقطابها صفوة المثقفين العرب الفلسطينيين في إطار "رابطة المثقفين العرب" التي كانت تحت قيادتها ايضا، وأن تصوغ  باستقلالية كاملة، وبعيدا عن أية تأثيرات خارجية الحل اﻷكثر ديموقراطية وواقعية للقضية الفلسطينية، بما في ذلك التعامل بواقعية مع التجمع اليهودي في فلسطين الذي نشأ رغم ارادة أهلها العرب، هذه الواقعية التي كانت السبيل الوحيد لسد الطريق على التقسيم الذي ظهر خطره منذ توصيات لجنة بيل البريطانية عام 1937، أي أن العصبة لم تكن ضد التقسيم وحسب، بل وانفردت، في الساحة الفلسطينية، بطرح البديل العملي القادر وحده على اعتراض التقسيم. وكانت  نواة هذا الحل  قد ولدت في أوساط الشيوعيين الفلسطينيين العرب في الحزب الشيوعي الفلسطيني، قبل تفككه في أيار 1943.

عملية جلد الذات

وتعبيرا عن عملية جلد الذات، العاطفية وغير الموضوعية، جاء في "بيان عصبة التحرر الوطني في فلسطين حول مستقبل العصبة السياسي والتنظيمي داخل حدود دولة إسرائيل بموجب قرار التقسيم"، الذي ألقاه إميل حبيبي، ومكتوب بخط يده، في المؤتمر التوحيدي، الذي انعقد في مدينة حيفا، في تشرين أول/أكتوبر1948، جاء التالي:

".. وإن من اﻷسباب التي سلبت من عصبة التحرر الوطني زمام المبادرة في فهم القضية القومية في فلسطين أن تنظيم العصبة كان قائما على أساس قومي. إن عصبة التحرر الوطني تعترف اﻵن، منتقدة نفسها انتقادا ذاتيا صريحا، أن تنظيمها على أساس قومي هو السبب اﻷساسي في اﻷخطاء السياسية التي ارتكبتها. مما ﻻ شك فيه أن عصبة التحرر الوطني قد أعلنت مرارا عن رغبتها في اﻹشتراك مع الحزب الشيوعي اﻹسرائيلي (والحقيقة، الحزب الشيوعي الفلسطيني - كما كان يدعى حتى قيام دولة إسرائيل، وكان يقتصر على العضوية اليهودية - ن.أ)،ﻹنشاء الحزب الموحد اﻷممي، ولكنها لم تستطع التوصل الى هذه الوحدة نظرا للسياسة التي كانت تتبعها. أما وقد وضحت السياسة اﻵن وأثبتت عصبة التحرر الوطني في نضالها الجريء البطولي طول العشرة أشهر الدامية الماضية أنها جديرة بالمسؤولية التي يحمّلها إياها تاريخ شعبنا، وأنها بحق وحقيقة الطليعة الواعية والمنظمة الجريئة لشعبنا في نضاله ضد مستعمره وضد أجراء مستعمره وفي سبيل حريته وحق تقريره مصيره، فلم يعد هناك ما يحول دون نشوء الحزب الموحد اﻷممي الذي تتطلع اليه الجماهير العربية واليهودية منذ وقت طويل ليقود نضالها في سبيل الحرية والحياة والعدالة اﻹجتماعية وفي سبيل السلم واﻹشتراكية".

ثم جاء في هذا البيان ما يلي:"إن عصبة التحرر الوطني تقترح أن تحلّ نفسها في دولة إسرائيل فقط وأن ينضمّ أعضاؤها الى الحزب الشيوعي اﻹسرائيلي. أما في المناطق الخارجة عن حدود دولة إسرائيل، أي في المناطق الواقعة تحت اﻹحتلال اﻹسرائيلي وتحت احتلال جيوش الدول العربية فعصبة التحررالوطني ستحافظ على تنظيماتها  باﻹستقلال عن الحزب الشيوعي اﻹسرائيلي ولكنها تتعاون في الوقت نفسه مع هذا الحزب. إن عصبة التحرر الوطني في مناطق اﻹحتلال ستعمل أيضا على تنظيم نفسها على اساس إقليمي وعلى أساس النضال في سبيل إنشاء الدولة العربية. إن منظمات عصبة التحرر الوطني في الناصرة وعكا ويافا وغيرها من المدن والقرى العربية التي تحتلها القوات اﻹسرائيلية ستحافظ على تنظيمها وعلى وحدتها المركزية مع عصبة التحرر الوطني في القسم العربي من فلسطين".

***

أما ذلك الجزء من تنظيم عصبة التحررالوطني الذي بقي فيما أصبح يعرف بالضفة الغربية للإردن والذي قرر التوحّد مع الحلقات الماركسية في شرقي اﻷردن في أيار 1951، فقد جاء في مقدمة برنامج الحزب الشيوعي اﻷردني الوليد، في إطار عملية جلد الذات،  تحت عنوان "مسؤولية عصبة التحرر الوطني"، ما يلي:

"إن السبب الرئيسي الذي مكّن المستعمرين اﻷنكلو - أمريكان من النجاح في مؤامرتهم الدامية على فلسطين ويسّر لهم منع تنفيذ قرار اﻷمم المتحدة هو فقدان وحدة النضال بين الشعبين العربي واليهودي في فلسطين ضد عدوهما المشترك، اﻹستعمار. ان  قضية الشعب العربي الفلسطيني كانت وﻻ تزال قضية نضال ضد اﻹستعمار وفي سبيل التحرر القومي، ولم تكن هذه القضية لتنفصل مطلقا عن قضية نضال الشعب اليهودي في فلسطين ضد اﻹستعمار وفي سبيل التحرر القومي، إذ لم يكن من الممكن أن تتحرر فلسطين بكاملها من نير اﻹستعمار بدون النضال المشترك للشعبين العربي واليهودي في فلسطين ضد عدوهما المشترك، اﻹستعمار البريطاني. وإن الطبقة الوحيدة القادرة على تحقيق وحدة النضال هذه وقيادة هذا النضال هي الطبقة العاملة الفلسطينية العربية واليهودية، عن طريق حزبها الموحّد، الحزب الشيوعي.

"أن تكوين حزبنا - عصبة التحرر الوطني - عام 1943 على أساس قومي، أي على أساس أنه حزب الطبقة العاملة العربية كان في الواقع ضربة موجهة الى صميم وحدة الطبقة العاملة الفلسطينية، العربية واليهودية على السواء، وبالتالي الى صميم حركة التحرر في فلسطين.

"يقول الرفيق ستالين:"لقد أثبتت التجارب أن تنظيم البروليتاريا في أية دولة معينة على أسس قومية ﻻ يؤدي إﻻّ إلى تدمير وتحطيم فكرة الوحدة الطبقية والتماسك الطبقي. إن جميع اﻷعضاء البروليتاريين من جميع القوميات في أية دولة معينة يجب أن ينظموا في كتلة بروليتارية واحدة متماسكة وغير قابلة للإنقسام". (ستالين - الماركسية والمسألة الوطنية وقضية المستعمرات).

"لم يكن باﻹمكان طرد اﻹستعمار البريطاني من فلسطين بكاملها وتحرر الشعبين العربي واليهودي بدون نضال هذين الشعبين المشترك ضد اﻹستعمار، عدوهما المشترك".

"وفي حالة فلسطين كبلد مستعمر ومتطور رأسماليا، والبرجوازية فيه منقسمة الى قسمين مهادن وثوري، في ظروف كهذه  لم  يكن من المستطاع تحرير فلسطين بدون ثورة ناجحة بقيادة الطبقة العاملة فيها".

"يقول الرفيق ستالين:"إن نجاح الثورة وتحقيق اﻹستقلال التام في البلدان المستعمرة والتابعة المتطورة رأسماليا ﻻ يمكن أن يحدث إﻻّ إذا تمّ عزل البرجوازية الوطنية المهادنة، وتحررت جماهير البرجوازية الصغيرة الثورية من سيطرة هذه البرجوازية، ونشأت زعامة البروليتاريا، وقامت العناصر المتقدمة من الطبقة العاملة بتكوين حزبها الشيوعي المستقل". (ستالين - الماركسية والمسألة الوطنية وقضية المستعمرات).

"إن انعدام وحدة الطبقة العاملة الفلسطينية العربية واليهودية وعدم تكوين حزب الطبقة العاملة، الحزب الشيوعي، قد حرم الشعبين العربي واليهودي من توحيد نضالهما، ووضع الشعب اليهودي تحت رحمة قيادة الحركة الصهيونية التي كانت بأيدي كبار البرجوازيين اليهود المتحالفين مع اﻹستعمار، كما وضع الشعب العربي الفلسطيني تحت القيادة الوطنية الرجعية، البرجوازية ونصف اﻹقطاعية المتحالفة مع اﻹستعمار كزميلتها اليهودية".

"يقول الرفيق ستالين:"نحن نعلم الى أي شيء يؤدي تقسيم العمال على أسس قومية، إنه يؤدي الى تجزئة حزب الطبقة العاملة الموحد، والى تقسيم نقابات العمال على أسس قومية والى تعميق اﻹنقسام القومي، والى تحطيم اﻹضرابات بدوافع قومية، والى انحطاط الروح المعنوية انحطاطا تاما بين صفوف الحركة اﻹشتراكية الديموقراطية. تلك هي ثمار اﻹتحادية التنظيمية. لقد اتضح هذا بجلاء من تاريخ اﻹشتراكية الديموقراطية في النمسا ومن أعمال البوند في روسيا. إن الدواء الشافي الوحيد من ذلك هو التنظيم على أسس أممية (المصدر ذاته).

"إن كيان عصبة التحرر الوطني الذي أقيم على أساس قومي لم يمكّن العصبة من وضع الحل الصحيح للمشكلة القومية في فلسطين. فقد كانت سياسة العصبة الى ما قبل صدور قرار اﻷمم المتحدة قائمة على أساس إلغاء اﻹنتداب البريطاني عن فلسطين وإقامة دولة فلسطينية، ولكن هذه السياسة لم تتعرّض للمشكلة القومية. ومعنى ذلك أن العصبة كانت بتلك السياسة تنكر حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره، في حين أن اﻹعتراف بحق الشعبين العربي واليهودي في تقرير مصيرهما،أي وضع الحل الصحيح للمشكلة القومية في فلسطين كان يشكل حجر الزاوية في النضال ضد اﻹستعمار البريطاني العدو المشترك للشعبين العربي واليهودي. لذلك لم يكن نضال العصبة آنذاك ضد اﻹستعمار ومن أجل استقلال فلسطين مجديا. إن الرفيق ستالين يقول:"عندما نرفع شعار حق  الشعوب في تقرير مصيرها، نكون قد رفعنا شعار النضال ضد اﻹضطهاد القومي الى مستوى النضال ضد اﻹستعمار نفسه، عدونا المشترك. وإذا لم نقل ذلك فإننا نجد أنفسنا في مركز أولئك الناس الذين يضعون الحب في طاحونة اﻹستعمار.." (ستالين - الماركسية والمسألة الوطنية وقضية المستعمرات).

" وهكذا يمكن القول أن إنكار حزبنا آنذاك حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره كان يعني تماما أننا كنا في مركز أولئك الناس الذين يضعون الحب في طاحونة اﻹستعمار".

"إن تكوين العصبة على  أساس قومي وإنكارها حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره  كان يقترن أيضا بإنكار دور الطبقة العاملة الفلسطينية في قيادة النضال الوطني لطرد اﻻستعمار البريطاني من فلسطين ومن أجل تحررها واستقلالها. ولذلك كانت العصبة تدعو الى الوحدة الوطنية العربية دون استثناء. وكان معنى ذلك أن يضع العمال والفلاحون وجميع الكادحين أنفسهم تحت رحمة قيادة اﻷحزاب البرجوازية ونصف اﻹقطاعية العربية التي كانت ممثلة في الهيئة العربية العليا وحزب الدفاع والحزب العربي، هذه اﻷحزاب التي خانت حركة التحرر الوطني في فلسطين منذ أمد بعيد، لقد كانت دعوة العصبة الى مثل هذه الوحدة تقود حتما الى طمس خيانة هذه الزعامات الرجعية عن أعين العمال والفلاحين والجماهير الشعبية".

"إن هذا يفسّر لنا بوضوح لماذا كانت العصبة تجد نفسها دائما في ذيل قيادة الحركة الوطنية العربية الرجعية. لقد كان تكوين العصبة عام 1943 بمثابة حركة انشقاقية في صفوف الطبقة العاملة الفلسطينية أقدمت عليه عناصر برجوازية صغيرة، سبق لها أن كانت في الحزب الشيوعي الفلسطيني وطردت منه ﻻنحرافاتها اﻻنتهازية والشوفينية."

***

من الواضح من هذه المتقطفات المسهبة من برنامج الحزب الشيوعي اﻷردني الصادر في ايار عام 1951، وقبلها من البيان الذي ألقاه إميل حبيبي في مؤتمرالوحدة في حيفا، تشرين أول 1948، أن القاسم المشترك بينهما، باﻹضافة الى جلد الذات، جاء  تماهيا مع الموقف السوفياتي الخاص ليس بالموافقة على قرار التقسيم وحسب وانما مع  المبررات المغلوطة لهذه الموافقة، وذلك في محاولة مرتبكة لتفسير فشل سياسة العصبة وبرنامجها السياسي الذي كان يدعو لحل القضية الفلسطينية بإقامة دولة ديموقراطية لجميع سكانها دون تمييز، ثم إجهاض تنفيذ قرار التقسيم بحرمان الشعب العربي الفلسطيني من حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

أن هذا التفسير الذاتي وغير الواقعي للفشل يتجاهل العوامل الموضوعية الحاسمة التي أدت اليه والتي لا تتحمل العصبة مسؤوليتها؛ ولتبرير هذا التفسير غير العادل جرى اللجوء الى مغالطات واضحة وطمس وتشويه ﻷنصع صفحات اليسار الفلسطيني قبل وقوع النكبة. فالقول بأن تجاهل عصبة التحرر الوطني لحق تقرير المصير للقوميتين العربية واليهودية في فلسطين ".. يفسّر لنا بوضوح لماذا كانت العصبة تجد نفسها دائما في ذيل قيادة الحركة الوطنية العربية الرجعية…"، هذا القول مخالف بالمطلق للوقائع. فظاهرة عصبة التحرر الوطني، ببرنامجها المتميز عن برنامج القيادة الوطنية التقليدية لحلّ القضية الفلسطينية، ليس فقط ينفي أي "تذيّل" لهذه القيادة التقليدية ولبرنامجها المتخلف لمعالجة القضية الفلسطينية، بل يمثل التحدي السافررلهذه القيادة ولبرنامجها السياسي، بل وتحديا لقيادتها للحركة الوطنية الفلسطينية، هذا التحدي الذي بلغ حدّ اضطرار تلك القيادة التقليدية اﻹستنجاد بالنظام العربي الرسمي وجامعة الدول العربية لمواجهته ولتثبيت زعامتها للحركة الوطنية التي غدت مهددة من العصبة تحديدا، كما تشهد على ذلك الزيارات العلنية لمندوبي الجامعة العربية وعلى رأسهم جميل مردم (رئيس وزراء سورية، آنذاك)، لفلسطين خلال العام 1946 على وجه الخصوص لممارسة الضغوط على جميع اﻷحزاب الوطنية التقليدية، ﻹبعادها على العمل المشترك والتعاون مع عصبة التحرر الوطني والتنظيمات الجماهيرية التي كانت تقودها، كمؤتمر العمال العرب ورابطة المثقفبن العرب ذاتي النفوذ الجماهيري الواسع.

وفيما يتعلق ببرنامج العصبة لحل القضية الوطنية الفلسطينية والداعي ﻹقامة دولة ديموقراطية في فلسطين لجميع سكانها دون تمييز، فقد كان يتميز عن بقية الحلول العربية واليهودية للقضية الفلسطينية، وهو دليل بدوره على استقلالية العصبة. فالقيادة الفلسطينية التقليدية كانت تدعو ﻹقامة دولة عربية في فلسطين يكون لليهود الذين كانوا فيها قبل العام 1918، هم وذراريهم العيش فيها؛ بينما كانت القيادة الصهيونية تدعو الى قيام دولة يهودية ولوعلى جزء من فلسطين؛ بينما كان الحزب الشيوعي الفلسطيني (العضوية اليهودية) يدعو الى إقامة دولة ثنائية القومية.

من جانب آخر، حين يقول برنامج الحزب الشيوعي اﻷردني (1951) "قيادة الحركة الوطنية العربية الرجعية" ثم يعتبرها بعد ذلك مباشرة بالخائنة، فإن اعتبارها وطنية، حتى ولو كانت رجعية، ينفي عنها صفة الخيانة. يمكن القول بأنها رجعية وغير ديموقراطية وحتى مهادنة للإستعمار، وكان هذا واقع الحال، بل ويمكن أتهام بعض هذه اﻷحزاب، كحزب الدفاع الذي كان يقوده راغب النشاشيبي، بالخيانة، لكن هذا الحزب لم يكن يمثل الجسم اﻷساسي من القيادة التقليدية الفلسطينية السابقة، بل كان يمثل المعارضة لها.

وليس أقل مجافاة  للحقيقة القول بأن قيام عصبة التحرر الوطني".. عام 1943 كان بمثابة حركة انشقاقية في صفوف حركة الطبقة العاملة الفلسطينية أقدمت عليها عناصر برجوازية صغيرة، سبق لها أن كانت في الحزب الشيوعي الفلسطيني وطردت منه ﻻنحرافاتها اﻹنتهازية والشوفينية".

واقع الحال أن ما جرى في الحزب الشيوعي الفلسطيني، في أيار 1943، لم يكن انشقاقا قامت به "عناصر برجوازية صغيرة"، بل كان تفككا بالكامل لهذا الحزب، حيث انفرزت العضوية العربية عن العضوية اليهودية فيه، دون أن يشذ عضو واحد عن عملية الفرز هذه، بما في ذلك سكرتير عام ذلك الحزب آنذاك رضوان الحلو. وقد جاء هذا الفرز، على شكل انفجار في ذلك الحزب، حين تراكمت الخلافات بين العضوية العربية والعضوية اليهودية الى حد استحال معها استمرار العمل سوية في إطار واحد.

ويقع في أساس هذه الخلافات الموقف من الحل السياسي للقضية الفلسطينية. فبينما كانت العضوية العربية، وعلى رأسها السكرتير العام  للحزب حينها، رضوان الحلو، ترى أن هذا الحلّ هو في إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية لجميع سكانها دون تمييز، راحت العضوية اليهودية، ومنذ أواخر ثلاثينات القرن الماضي، تجاهر بأن هذا الحل هو في دولة ثنائية القومية، بدعوى أن هناك قومية عربية قائمة وقومية يهودية في دور التكوين. يشيرالى هذه المسألة بوضوح صموئيل ميكونيس، الذي غدا السكرتير العام للحزب الشيوعي الفلسطيني بعد أيار 1943 (العضوية اليهودية) ثم للحزب الشيوعي اﻹسرائيلي لسنين طويلة، وذلك في مقال له بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل رضوان الحلو. أما صاعق التفجير للحزب في أيار 1943، فقد كان المقف من دعوة نقابة الهستدروت الصهيونية ﻹضراب عمال معسكرات الجيش البريطاني، التي كان يعمل فيها عشرات اﻷلوف من العمال العرب واليهود، دون الاتفاق والتنسيق مع النقابات العربية المعنية، علاوة على أن هذا اﻹضرابكان يمثل، في الوقت ذاته، خرقا لتعهد مشترك بين الهستدروت والنقابات العربية المعنية بعدم اللجوء للإضرابات، وتسوية نزاعات العمل في هذا القطاع بالمفاوضات طالما الحرب جارية، كنوع من الدعم لجبهة الحلفاء ضد النازية. ولدى مناقشة قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني، العربي - اليهودي، لدعوة الهستدروت لهذا اﻹضراب، استحال اﻹتفاق وكان اﻹنفجار.

وفي الحقيقة، كان لمحاولة الهستدروت فرض هذا اﻹضراب على عمال المعسكرات، وغالبيتهم من العرب دون أي تنسيق أو اتفاق مع النقابات العربية المعنية.. كان لهذه المحاولة غرض سياسي صهيوني محدد، وهو الضغط على بريطانيا، ورحى الحرب العالمية الثانية دائرة، لفتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية واﻹسراع في إعلان الدولة اليهودية في فلسطين، تجاوبا مع قرارات مؤتمر بالتيمور الصهيوني، ربيع العام 1942، هذا المؤتمر الذي شكل علامة فارقة بنقل الحركة الصهيونية مركز وﻻئها من اﻹستعمار البريطاني الى اﻷميركي.

وفي الواقع فإن تاريخ الحزب الشيوعي الفلسطيني، العربي - اليهودي، منذ اعتراف الكومنترن به 1924 وحتى انفجاره  في أيار 1943 تميّز، بشكل عام، بانعدام اﻹنسجام الفعلي بين العضوية العربية والعضوية اليهودية فيه، وأن هذه الوحدة كانت، الى حد كبير، بتأثير الكومنتيرن، فرضه واقع مبادرة العناصر اليهودية لتأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني. إذ بينما كان الهدف اﻷساسي للبلاد هو التحرر الوطني من اﻹنتداب البريطاني وجلاء جيوشه عنها، وإفشال المشروع الصهيوني الداعي لاقامة وطن قومي لليهود في فلسطين الذي أخذ هذا الانتداب على عاتقه تنفيذه، كما يشير الى ذلك وعد بلفور.. هذه الأهداف التي كان ينادي بها الشعب العربي الفلسطيني، صاحب اﻷرض والقضية؛ كانت العضوية اليهودية، التي هي - موضوعيا- جزء من التجمع الكولونيالي في فلسطين تفتقرلمثل هذا  الشعور الوطني، أي لم تكن لها قضية وطنية. وبالتالي كان همها اﻷول والحقيقي هو همّ اجتماعي، وكان شعورها يمثل، وفي أحسن الحاﻻت، تضامنا مع الشعب العربي الفلسطيني في نضاله  من أجل هذا التحرر وضد المشروع الصهيوني الكولونيالي. وهذا ما يفسّر لنا لماذا اشترط الكومنتيرن، منذ البداية ﻻعترافه بالحزب الشيوعي الفلسطيني تعريب هذا الحزب، حتى يتمكن  من التحوّل الى جزء ومكوّ ن  من الحركة الوطنية الفلسطينية وأهدافها.

أكثر من ذلك فقد فشلت كل مساعي الكومنتيرن في تحقيق هذا التعريب بشكل فعلي خلال عقد كامل، من 1924 وحتى 1934، حين فرض الكومنتيرن وبقرار منه، رضوان الحلو سكرتيرا عاما للحزب الشيوعي الفلسطيني، رغم كون العضوية اليهودية فيه هي الطاغية من الناحية العددية. أكثر من ذلك، فقد بقي الحزب الشيوعي الفلسطيني اليهودي - العربي  معزوﻻ في الشارعين العربي واليهودي على نحو يثير الشفقة، نتيجة هذا التناقض الفعلي في دوافع وحوافز طرفي تكوينه الفعلية وبالتالي، فالزعم بأن استمرار ذلك الحزب كان سيحول دون النكبة، أو حتى يحدّ من أبعادها ويزيد من احتماﻻت تحقق الحل المنشود، ولو كان التقسيم .. هذا الزعم هو في أحسن اﻷحوال، أمنية ساذجة.

بمعنى آخر، فإن اﻹستشهادات المتكررة، من أقوال ستالين، الواردة في  مقدمة برنامج الحزب الشيوعي اﻷردني الصادر في أيار 1951، ليس لها مكان في هذه الحالة. فلسنا أمام قوميتين أصيلتين تعيشان، تاريخيا، فوق أرض واحدة. ولو كان اﻷمر كذلك لكان أول تعبير عن ذلك الوحدة الفعلية وليس الشكلية للهدف اﻷول، وهو الاستقلال الوطني  لبلد موحّد

الخلاصة

والخلاصة، يمكن القول بأن عملية جلد الذات، التي تجسدت في إدانة ظاهرة عصبة التحرر الوطني بغير حق، جاءت نتيجة مجموعة عوامل، لعل أبرزها التالية: اﻷول - فشل العصبة، ﻷسباب موضوعية خارجة عن إرادتها، في تحقيق هدف إقامة الدولة الديموقراطية في فلسطين لجميع سكانها دون تمييز، ثم الفشل، خلال أشهر معدودة في تحقيق هدف تطبيق قرار التقسيم الذي تحوّلت الى قبوله العصبة بعد رفضها له لدى صدوره، ثم  تداعيات النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني بدل هذين الحلين اللذين انفردت العصبة وتميزت بتبنيهما في الساحة الفلسطينية، وما تمخض عن هذا الفشل المتتالي من حالة إرباك؛ والعامل الثاني - ضعف الوعي النظري لدى قادة العصبة الذين كانوا لدى تصديهم لتشكيل العصبة عام 1943 في العشرينات من أعمارهم بشكل عام؛ والعامل الثالث - التماهي مع المبررالمزيف الذي ساقه غروميكو لموافقته على قرار التقسيم، هذا التماهي الذي جاء الى حد كبيرتحت تأثير العاملين اﻷولين من جانب، ومن الجانب اﻵخر، تحت تأثير الهيبة واﻹحترام الذي كان يتمتع بهما اﻹتحاد السوفياتي، الخارج لتوّه منتصراعلى النازية والصديق الوفي للشعوب العربية، كما يشهد سجله السابق ، منذ قيام ثورة أكتوبر1917.

***

أما مساعي محور الرجعية العربية الذي يحاول، اليوم، تفادي هزائمه المحتومة، والتي راحت طلائعها تبدو واضحة في اﻷفق، باﻹستنجاد بإسرائيل، وعقد تحالف رسمي وعلني معها، على حساب القضية الفلسطينية.. وفي هذا اﻹطار راح يحرك أقلامه المأجورة لتغطية تكرار عزمه على  خيانة القضية الفلسطينية، باجترار اﻷكاذيب التي رافقت النكبة ضد الحركة الشيوعية في البلدان ألعربية.. ان هذه المساعي البائسة ليست فقط محكومة بالفشل المطلق وحسب، بل وتعرض أصحابها على صورة أهل ألكهف، حيث يسقطون من تاريخ الشعب الفلسطيني والشعوب العربية قرابة سبعين عاما حافلة، تأكدت خلالها الشعوب المعنية، بالممارسة والتجربة، ليس فقط أن شيوعييها، هم أخلص وأشرف أبنائها، في التضحية والفداء، دفاعا عن حقوقها الوطنية واﻹجتماعية، بل وأن التقسيم الذي قبلوا به عام 1948 لتحاشي النكبة، أصبح أمنية، بل وأصبح النضال في سبيل نصف ما قرره من اﻷرض للشعب العربي الفلسطيني هدفا دونه نضال مضن وعسير.