2016-08-13

المشهد الثقافي.. أعطابه وكيف يتم تجاوزها

سعيد مضية

لم تبلغ ثقافتنا القومية بعد طور الحداثة المرتكزة على العقلانية والديمقراطية.

برزت في مجرى النضال ضد الهيمنة الكولنيالية ثقافة وطنية ذات منحى عقلاني وديمقراطي؛ لكنها لم تتجذر في الواقع الاجتماعي، وبقيت معزولة عن الأغلبية الساحقة من المجتمع. فالديموقراطية لا يمكن لها ان توجد اذا لم تعرف كيف تضع نفسها فى خدمة التقدم الاجتماعى.   عطالة المشهد الثقافي العربي تتمثل في الأعطاب التالية:

  1.  خيبات الأمل والإحباطات هي بعض الثمار المرة لتسلط أنظمة حكم أبوية على المجتمعات العربية – الإسلامية مدت جذورها عميقا في التربة الاجتماعية عبر مئات متتالية من السنين، تطورت في العصر الوسيط عن الفكر الأشعري الذي دعم السلطة الفردية الاستبدادية واحتمى بها محتكرا الخوض في شئون الفقه.

مارس النظام الأبوي  نهجا يقوم على القهر والهدر، هدر التفكير والعقل وإرادات البشر. احتضن ثقافة رأسية ،حيث يحتكر الرأس حقوق التفكير والتقرير والإملاء، وهو يفضل الولاء ويقدمه على الإنجاز، ويقصي الكفاءات فيضطرها للهجرة .النظم الأبوية في العصر الحديث وثقت علاقة التبعية بالكولنيالية، وهي بذلك تتحمل أوزار إفشال النهضة التنويرية، وإفشال مشاريع التنمية  لتبقى التبعية مسنودة بالتخلف وفقه الظلام والاستبداد ومكائد عملاء الامبريالية والصهيونية المتغلغلين في اجهزة الأنظمة الأبوية.

من الثمار المرة للنظم الأبوية ما رسبته عقود الارتباط التبعي بالليبرالية الجديدة، من  خيبات الأمل والإحباطات والأحقاد وغرائز الانتقام المتناثرة على أديم الأرض العربية، والتي تفجرت مع الانتفاضات العربية المناهضة للنظم الأبوية والليبرالية الجديدة. لم تترك الانتفاضات تنجز رسالتها؛ دخلت العناصر المضادة في صراع حياة اوموت أسفر عن ما اطلق عليه البربيع العربي او الخريف العربي.

  1.  الحركات التكفيرية  الفاشية تحصد على أوسع نطاق وابعد مدى هشيم الاحباطات والقهر، ترفد خطابها أميةٌ  سياسية ودينيةٌ تقيم علاقة تماه بين الدين والسياسة، وتلون المزاج العام بنظرة ماضوية تتوهم ان عصرا ذهبيا قد عاشته مجتمعات المسلمين في وقت مضى، وينبغي الرجوع إليه. وحسب توصيف المفكر المصري، الدكتور جابر عصفور،"كان العقل ولا يزال- عند السلفية عقلا إذعانيا أميل إلى السمع والطاعة والإذعان لكل من بيده الأمر، سواء من المشايخ الذين يتنزلون منزلة الأئمة، أو الحكام الذين لهم السمع والطاعة.

ولذلك ارتبط الفكر السلفى بالصمت والصبر على حكام الجور والظلم، ودعوة المسلمين إلى طاعة الحكام، وإن جاروا. وليس من المستغرب على من يحصر العقل فى استعمال الطاعات واجتناب المعاصى أن يجعل من المواطن الذى ينطوى على هذا العقل مواطنا مؤمنا راضيا بالظلم، رافضا للحرية، معاديا للديمقراطية، كارها لمعنى المواطنة الذى يعنى حرية الاختيار ومسئوليته فى آن".

  1.  تبلورت الاتجاهات سالفة الذكر مع تفرد الامبريالية الأميركية بالهيمنة الكونية. استهلت ترتيبات التحالف المعادي بتطورا ت تلاحقت في المنطقة  منذ العام 1980، حين امسك المحافظون الجدد بالسلطة في إدارة ريغان، واستدرجوا الأنظمة العربية لتطبيق تعديلات الليبرالية الجديدة على الاقتصاد وأساليب الحكم وللنشاط الاقتصادي، والثقافي؛ وتصاعدت التطورات وتكاثفت إفرازاتها إثر غزو العراق عام 2003، واستنفار المد الأصولي وإلهاب الصراعات الطائفية والعرقية في أنحاء بلدان المشرق العربي. والهدف الاستراتيجي لكل التطورات تحقيق الخطة الصهيونية للشرق الأوسط والمنطوية على بندين رئيسين: 1) أن تصبح إسرائيل قوة امبريالية إقليمية، و2) تقسيم المنطقة بمجملها إلى دول صغيرة ، وفق أسس طائفية وعرقية عن طريق تفكيك الدول العربية قاطبة.
  2.  شرع المحافظون الجدد ينفذون تباعا بنود مشروع القرن الأمير كي . في عام 1996، ضمّن ريتشارد بيرل ، أحد صقور المحافظين الجدد برنامج نتنياهو الانتخابي بندا يرفض لأول مرة ، الانسحاب من الأراضي المحتلة ؛ وضغط بول وولفويتز والصهاينة ولوبي إسرائيل لتنفيذ غزو العراق. يتطابق نهج المحافظين الجدد في الولايات المتحدة مع توجهات الصهيونية في الحفاظ على بؤرة التوتر ملتهبة والشرق الأوسط منطقة سوق للسلاح . فالحركتان أكثر أشكال التطرف لا منطقية في التاريخ، وتفَوقتا على النازية في هذا المضمار.

ويرى اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة أن الفاشية المتداخلة بالعنصرية هي الشكل الملائم للعولمة الأميركية ، التي تشكل إسرائيل أحد قواها الفاعلة.

ومن شأن اختلال توازن القوى على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي أن البحث عن حل سياسي لا بد وان ياخذ بنظر الاعتبار المخطط الامبريالي – الصهيوني.

5- أشاعت الامبريالية الأميركية،  داخل الولايات المتحدة وعلى صعيد العالم، ثقافة الليبرالية الجديدة، ثقافة العنف والقسوة كمبدأين منظمين للحياة السياسية والثقافية على صعيد العالم. عممت الليبرالية الجديدة نهجا سياسيا عدوانيا وثقافة  تسخر من التكافل الاجتماعي والتفكير في قضايا المجتمع والإنسانية .

بات منطق الثقافة العولمية يتطابق مع منطق الكازينو، حيث الخاسر لا يستحق التعاطف، والمنتصر هو الرابح. وحسب المنطق تعربد إسرائيل بالعدوان وتكرر الوعيد بالعدوان دون ان تجد رادعا من قانون دولي او ميثاق الأمم المتحدة.  وحسب تعبير البروفيسور هنري غيروكس ، أستاذ الفلسفة بجامعة ماكماستر " تستعرض الليبرالية الجديدة باعتزاز أصوليتها الدينية مخلوطة بنوع من التجريف النظري ، إن لم يكن الفساد، الذي يفتح الأبواب لتقبل العنف الأجنبي والمحلي... نحن شهود موت دولة الرفاه الاجتماعي ،  وبروز مجتمع جديد يميزه قبضة ثقيلة  لدولة وطنية أمنية، وتجريف الوعي السياسي للجمهور الأميركي من خلال صحافة مهيمنة امتهنت الكذب وتزييف الوعي . وبإضافة التباين الحاد في المداخيل والثروات، وسياسات جديدة يتحكم بها بقوة الاحتكارات الكبرى والبنوك والنخبة المالية تتجلى لنا فاشية النظام السياسي الأميركي. بمسوغ مكافحة الإرهاب تغير المشهد السياسي بحيث غدا الأميركيون، حسب تعبير الفيلسوف جيورجيو أغامبين، " لم نعد مواطنين بل محتجزين، شان معتقلي غوانتانامو".

وفي مجال آخر يرصد البرفيسور غيروكس، إغلاق مجالات حرية التعبير في التعليم العالي، حيث ينهار الفكر النقدي  لتحل محله بيداغوجيا قهرية خصوصية تخدم الاحتكارات تمجد الأفكار والقيم  ونماذج التمثيل التي تتساوق مع  سحب التمويل الرسمي عن  التعليم العالي وتركه تحت رحمة الشركات المقتدرة، لتطرح  بنفسها مساقات التدريس ومسارات التفكير الأكاديمي. 

ويكون كل ما يعرض في الجامعة سلعة تقايض بالمال. ولاحظ غيروكس، أستاذ  التربية  النقدية أن "رئيس الجامعة تضاءلت سلطته إلى مجرد جمع التبرعات . وما نحن بحاجة إليه تصور جامعات اماكن للتفكير، أماكن للأمن، الجامعة مكان له ما يقوله عن التفكير النقدي ، ومكان يعلم الطلبة كيف يكونون مواطنين فاعلين.  أعتقد ان الطبيعة العامة للجامعة تحت الحصار." كما دعا لأن يدرس الشباب  مساقات غير مسلعة، وان يفكروا في قيم غير مسلعة مثل الثقة والعدالة والأمانة والاستقامة والاهتمام بالآخرين والتعاطف معهم. فلا مجال للخيال ولا للإبداع.

6- ضمن هذا المناخ الثقافي الموبوء أرست النظم الأبوية نظاما تربويا في المدرسة والجامعة ، يعتمد التلقين بدل تنمية التفكير، ويقتل لدى الناشئة ملكة البحث والاكتشاف . حقن نظام التربية عوامل الوهن والجهل بالحقن المنشطة. يقول الدكتور هشام شرابي إن "النهضة فشلت في تحقيق أهدافها في تحديث المجتمع و إقامة نظام عربي ديمقراطي صحيح  وفشلت فشلا ذريعا خصوصاً في تحرير المرأة. علاوة على الإخفاق ارتد فشل التنوير بالمجتمعات العربيةالإسلامية إلى تراجع حركة التحرر وعودة العصبيات الدينية والقبلية والإثنية وسقوط المجتمعات والأنظمة في ربقة الليبرالية الجديدة."

التربية أداة اجتماعية وجزء عضوي من النظام السياسي ليس من اختصاص المربين وحدهم . جرى تسخير التربية منذ تصميم عملياتها من قبل الانتدابات الكولنيالية لتخريج متعلمين غير مثقفين يندمجون في هرم سلطوي يقدم الولاء على الإنجاز.جرى تكريس نظام التربية والتعليم في الأقطار العربية أداة تدعيم للنظام الأبوي:"في هذا الصدد أصدر خبير التربية الراحل، الدكتور حامد عمار كتابه "التربية والثقافة في تحدي العولمة"، أورد فيه ان " ثقافة الاستبداد وما تنطوي عليه من قهر وقمع ، تعمل على إعادة إنتاج الشخصية المستبدة التي تجيد ممارسة علاقات السيطرة والخضوع بإتقان بين القائمين على السلطات الإدارية بمستوياتها المختلفة ، وفي صفوف المعلمين أيضا. ولذلك نجد كل فرد من العاملين في المدرسة يمارس دور القامع والمقموع معا... فهو يركز على المواضيع النظرية ويهمل الممارسة العملية في التدريس.

وحيث تتغرب المناهج عن الحاجات الاجتماعية يتبع أسلوب تدريس اوامري يعتمد التلقين ويتجنب الحوار ؛ ومن ثم يأتي مردوده الثقافي خلوا من الفاعلية الاجتماعية"  إن الوظيفة الاجتماعية للتربية يجب ان تكون رفع كفاءة التحدي للاحتلال الإسرائيلي الذي هو ظاهرة امبريالية ومظهر للعولمة في حياة ومعاناة المجتمع الفلسطيني. وهي مهمة تنجز برفض ثقافة الأسرلة وبتحفيز الإبداع العلمي – الثقافي وتنشيط التنمية الاجتماعية وتعظيم دور العنصر البشري في إدارة عملية التقدم الاجتماعي.

الحكومات المتعاقبة في العالم العربي تعمدت إغفال مهمات هندسة الوعي الاجتماعي وتطعيمه بالعلم والتفكير الاستراتيجي وإرساء قيم تأخذ في الاعتبار حاجات الجماهير وضرورات المرحلة. وبالنتيجة لم تتوجه التربية في الأقطار العربية كافة باتجاه تربية العقل المفكر الباحث الذي يتقن التخطيط والتنظيم فباتت التحركات الجماهيرية تتوجه بالانفعالات النزقة ولا تلتزم بالتفكير الاستراتيجي؛ بينما التحالف الامبريالي - الإسرائيلي يفكر ويخطط برؤى استراتيجية.

إن فشل التعليم في تربية التفكير والعقلانية قد أفسح المجال للانفعالية والنزق في مقاربة القضايا الوطنية والاجتماعية، ومنها مواجهة العدوان الإسرائيلي المتواتر. وبالنتيجة لم تشيد المجتمعات العربية ركائز مجتمع مدني يتعايش سلميا في حقوقه وواجباته ويوفر للجميع حقوق مواطنة متكافئة.  خلال قرن انقضى على بزوغ أشواق التحديث والتنوير فشلت الجهود السياسية والثقافية – التعليمية والاقتصادية في إحداث قطع مع العصر الوسيط .

حظيت الأبوية في السياسة والثقافة بمختلف أنواع الدعم من جانب القوى المستفيدة من تخلف المجتمعات العربية وغايتها فرض أساليب حكم تبعد الجماهير عن السياسة، ثم إلقائها في حضن المحافظة وإقصائها عن درب التحديث، حيث التحرر والديمقراطية والتنمية الاجتماعية

7- واستنت قوى التغيير الديمقراطي نهجا جمد الثقافة في مقولات ثابتة، واغفل رسالة التثقيف لدى الكوادر السياسية. في الاجتماعات الدورية للجان القيادية تحفل التقارير  المقدمة من الهيئات الحزبية العليا بتحليلات سياسية واقتصادية، ويفرد للثقافة بند في التوصيات أشبه بغصن مقطوع من شجرة. اتخذت احزاب التغيير موقفا لاأباليا من نهج التربية والتعليم، أبقاه حكرا للمحافظة والسلفية. إن تجفيف الثقافة داخل أحزاب التغيير الاجتماعي قد قلص دورها إلى تابع للأحزاب والحركات المحافظة، وحفر هوة عميقة بين لقوى التقدمية والجماهير الشعبية. بينما الجماهير ترتبك مع تغييب البوصلة المرشدة إثر تغييب ثقافة التقدم ؛ فتلوذ الجماهير في حيرتها وارتباكها بقوى المحافظة.

خلاصة ما تقدم تعترض الحداثة الثقافية في المجتمع العربي ثلاث إشكاليات توطدت أركانها في ظل التبعية للامبريالية. والإشكالية مركب مشاكل متداخلة؛ أما الإشكاليات فهي التدين والتربية وقهر الأنظمة، وحتى إهدارها للعقل والتفكير والإرادات البشرية. يسند الإشكاليات ويعززها هجوم عدواني عسكري - اقتصادي –ثقافي ، يوجه ممارسات الليبرالية الجديدة على المسرح العالمي تمخض عن العولمة الامبريالية.

الرثاثة الثقافية والفكرية والأخلاقية التي تعرفها مجتعاتنا اليوم لا يتحمل وزرها التراث أو المحافظة الدينية أو التدين المفرط، وإنما تدهور الثقافة المدنية وتراجع التفكير العقلي وتدهور مستوى البحث والتعليم في مجتمعاتنا المعاصرة أو في نظمنا الاجتماعية.

يتم تفعيل العقل وتحديث التفكير  بالتفاعل مع ديمقراطية التربية والتعليم، فتغدو مهمة التعليم  بذلك تحضير الأجيال الشابة للمشاركة الفعالة في النظام السياسي الديمقراطي وخدمة قضية التضامن الاجتماعي من اجل العدالة الاجتماعية الديمقراطية.

إن أي احتمال لظهور رؤية جديدة لمعنى الدين ومفهومه ومكانته في الحياة الفردية والاجتماعية، على مستوى المجتمع لا على مستوى بعض المثقفين المتنورين فحسب، يتوقف على نشوء ثقافة مدنية جديدة، أي على التجديد الثقافي والعقلي الذي تملك قوى التغيير الديمقراطي أدواته وتستطيع الدفع به سواء عن طريق التربية المدرسية أو الارتقاء بالتعليم والبحث العلمي أو الاستثمار في الثقافة الفنية والأدبية الراقية.

بهذه الثقافة المتقدمة تتحقق المواجهة الناجعة لمشاريع الاحتلال الإسرائيلي المعززة بمشاريع الهيمنة الأميركية على شعوب المنطقة عبر سياق استنهاض حركة شعبية ديمقراطية تشمل مجتمعات المنطقة، مناهضة للهيمنة الأجنبية بكل أنماطها ونماذجها. في خضم الصراع يتم الاسترشاد بالعقل العلمي المبدع والنقدي. المراجعة النقدية والتحليل والتركيب العقلانيين تعود بحمولة معرفية مرشدة للنضال الوطني التحرري والديمقراطي.

بالتوجه الديمقراطي يتحول الشباب خريج المعاهد العلمية إلى رصيد مستنير لليسار السياسي والاجتماعي. حينذاك يتم جسر الهوة بين  التعليم والثقافة، وبين القوى التقدمية والجماهير. في ضوء التربية كتغيير للمفاهيم وتربية للتفكير النقدي والإبداعي تظهر المعرفة على أنها إثراء للحياة العملية وإخصاب للجهد البشري. يغدو حب الوطن والانتماء له قيمة عليا مرشدة بدل الانتماء الضيق للعشيرة او الطائفة او العرق او الجهة، قيمة اجتماعية تشكل محور منظومة القيم الاجتماعية.

استُنبِتت الوطنية في العصر الحديث في مجرى النضال الوطني التحرري ضد الامبريالية؛ وهي قيمة تتعزز في الوعي الاجتماعي مع إشاعة الديمقراطية والعلم في حياة المجتمع، ضمن نهوض وطني يثري  الهوية الوطنية المتطورة على الدوام.