2016-08-01

حديث خاص مع كمال بيومي كبير مهندسي السد العالي:

الخبراء السوفيات كانوا مخلصين لمصر وإخراج السادات لهم خيانة سافرة

حاوره: إلياس نصرالله - لندن

في جلسة مع أصدقاء من جنسيات عربية مختلفة في لندن بينهم المهندس المعماري المصري المعروف كمال بيومي، جرى الحديث حول الطريقة التي يتعامل بها الفنيون والعمال الغربيون في البلدان العربية، الذين يُقدّر عددهم بمئات الآلاف، ففي دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها مثلًا يعمل اليوم حوالى ربع مليون عامل بريطاني. فقد عرف عن غالبية الغربيين الذين يعملون في الدول العربية تعاليهم على زملائهم المحليين في العمل واحتقارهم لهم، حيث أكد كمال بيومي، كبير المهندسين التنفيذيين المصريين في مشروع بناء السد العالي في أسوان، الذي عمل في مشاريع إنشائية أخرى في مصر ودول عربية أخرى، أنه خلال عمله في عقد السبعينيات الماضي مع الخبراء الغربيين في السعودية لمس لديهم شعورًا بالتعالي وكراهية للعرب، وأضاف أن الأمر كان مختلفًا جدًا مع المهندسين والخبراء والفنيين وغيرهم من العمال والموظفين السوفيات الذين عمل إلى جانبهم في مشروع بناء السد العالي الذي بدأ عام 1960 وانتهى رسميًا عام 1970، وتحدث بيومي عن تواضع المهندسين والفنيين السوفيات الشخصي من مختلف المناصب، وتفانيهم في العمل واحترامهم للموظفين والعمال المصريين، وعن تلك الروح الأممية التي تحلى بها المهندسون والفنيون السوفيات، ما لفت نظري، فقررت أن أجري حديثًا صحافيًا معه لإلقاء مزيد من الضوء على فترة من أهم الفترات في تاريخ مصر الحديث في شكل خاص، والشعوب العربية  بشكل عام، وعن الكيفية التي تم بها إنجاز أهم مشروع إنشائي في العالم العربي وأحد أكبر مشاريع البنى التحتية في العالم، ألا وهو السد العالي.

كمال بيومي، الذي أطلق عليه لقب "الباش مهندس"، بدأ العمل في مشروع بناء السد العالي وترقى فيه إلى أن أصبح كبير المهندسين التنفيذيين، حيث شغل هذا المنصب في المشروع شخصان، الأول مصري والآخر سوفياتي، كانا مسؤولين عن مشروع بناء السد العالي برمته، ومقابل كمال في الجانب السوفياتي كان بوريس إيفانوفيتش، كبير المهندسين السوفيات، وعمل معهما 25 ألف مهندس وعامل مصري وآلاف من المهندسين والفنيين السوفيات.

ولد كمال في عام 1929 في مدينة ليفربول الإنجليزية التي جاء إليها والده الطبيب البيطري زكي محمد بيومي عام 1927 لمواصلة تخصصه العلمي في جامعتها، حيث أمضى في بريطانيا أربع سنوات إلى أن أنهى دراسته، فتعرف خلالها على فتاة إيرلندية تدعى إيمي منى وتزوجها وأنجب منها ابنه كمال وثلاث بنات. نشأ كمال في حي الجيزة في القاهرة ودرس في مدارسه الابتدائية والثانوية، والتحق بجامعة القاهرة لدراسة الهندسة المعمارية وتخرج منها عام 1954، أي بعد عامين على ثورة 23 تموز/يوليو بقيادة جمال عبدالناصر.

وروى لي كمال أنه بعد تخرجه من الجامعة لاحظ أن الحكومة المصرية بتوجيه من الرئيس جمال عبد الناصر لم تهتم بعدد من الفروع العلمية في الجامعات المصرية مثل الهندسة المعمارية والحقوق، لأن عبد الناصر اعتبرها هدرًا للمال، في حين أن مصر في رأي عبد الناصر كانت بحاجة إلى المهندسين المدنيين لتنفيذ مشاريع تغطي البلد ببناء المدارس والمستشفيات والمجمعات السكنية الشعبية والمصانع التي يتم وضع مخططات سريعة لبنائها وشبه جاهزة في أحيان كثيرة، ويتم تكليف المقاولين بتنفيذها بسرعة. فانخرط كمال بعد تخرجه في العمل في هذه المشاريع وأشرف على تنفيذ بناء مدارس أبتدائية في الفيوم والسيدة زينب في القاهرة، بعد ذلك انتقل للعمل في مشاريع المساكن الشعبية، حيث أشرف على بناء عمارات سكنية كبيرة مؤلفة من 12 طابقًا في العباسية حتى منتصف عام 1956.

علاوة على استخدام كامل مهارته في الهندسة المعمارية تطلب العمل في هذه المشاريع من كمال أن يكون مسؤولًا عن تخطيط الأراضي المعدة لبناء المشاريع وإعداد العطاءات وتوفير المعدات اللازمة لها وإلى ما تحتاجه من أيد عاملة بالتعاون مع المقاولين، ومن ثم التعامل مع الدوائر الحكومية المسؤولة عن المشروع، ونتيجة لذلك تسرب الملل إلى قلب كمال الذي كان يتوق إلى ممارسة مهنته مهندسًا معماريًا.

في عام 1956 أتيحت لكمال فرصة الانتقال والعمل في شركة مقاولات خاصة تدعى "إيجوبا" وهي شركة كانت تشرف على بناء المباني الخاصة وصيانتها في مصر لحساب شركة  "إيموبيلاري" التابعة للفاتيكان، وتقوم ببناء مساكن خاصة فاخرة للراغبين من أبناء مصر. لكن بعد بضعة أشهر من بدئه العمل في هذه الشركة وقع العدوان الثلاثي على مصر من قِبَل إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، فاضطربت الأوضاع الداخلية في البلد، فقررت شركة "إيموبيلاري" الانتقال من مصر إلى فرنسا، فعرضت على كمال الانتقال معها، لكنه اعتذر، وفي عام 1957 انتقل للعمل في شركة "مصر لأعمال الأسمنت المسلح".

كان ذلك بعد مرور خمس سنوات على ثورة الضباط الأحرار وسقوط نظام الحكم الملكي في مصر، وروى لي كمال أنه اكتشف من خلال عمله الجديد كم كانت مصر تعاني من نهب خيراتها على يد نظام الحكم الملكي الفاسد والدول الاستعمارية، حيث كانت تفتقر إلى المعدات اللازمة لتنفيذ الأعمال المزمع القيام بها، فالرافعات الكبيرة (الونشات) لم تكن متوافرة، ولم يكن في مصر كلها سوى رافعة كبيرة واحدة يمتلكها الجيش المصري، وهي نفس الرافعة التي استخدمت في نقل تمثال رمسيس الثاني الذي جرى تفكيكه وتركيبه أمام محطة السكك الحديدية في القاهرة

كانت شركة "مصر لأعمال الأسمنت المسلح" تستلف الرافعة من الجيش المصري لتنفيذ بعض المهمات. وأشرف كمال في هذه الشركة على تنفيذ بناء عدد من المشاريع الكبيرة منها مصنع الجوت في بلبيس، ومحطة مياه الأميرية، واستاد القاهرة الذي أشرف على تنفيذ بنائه مع عثمان أحمد عثمان، ومصنع شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى، الذي كان في حينه أكبر مصنع نسيج في العالم وجلبت ماكناته من سويسرا، فأشرف كمال على بناء المصنع برمته وكانت تلك بالنسبة له تجربة تعلم منها الكثير، وارتبط بصداقات متينة مع عدد من زملائه في العمل منهم الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، الذي درس الهندسة في القاهرة، وعمل في هذا المشروع إلى جانب كمال.

قصة كمال مع السد العالي

كان كمال بيومي شاهدًا على المعركة التي خاضتها مصر في تلك الفترة من أجل الاستقلال الحقيقي والتحكم بثروات البلد ومقدراته وبناء قاعدة اقتصادية قوية من أجل تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية الذي آمن به الرئيس عبدالناصر، ما وضعه في صدام مباشر مع الدول الإمبريالية وربيبتهم إسرائيل الذين بذلوا كل ما بوسعهم لمنعه من تحقيق تلك الرغبات. كان مشروع بناء السد العالي الحجر الأساس في ذلك البرنامج، إذ أنه سيساعد على ري مساحات شاسعة من الأراضي البكر في مصر، ويزيد من أنتاج القطن المصري العالي الجودة الذي طبقت شهرته الآفاق والذي بناء عليه بنت الدول الرأسمالية صناعات النسيج لديها، وكان من المنتظر أن يولد السد العالي طاقة كهربائية هائلة تساعد في بناء قاعدة صناعية تنهض بمصر وبشعبها. فرفضت الولايات المتحدة السماح للبنك الدولي منح مصر قرضًا لبناء السد العالي، فأقدم عبدالناصر على تأميم قناة السويس التي كانت تملكها بريطانيا وفرنسا، فوقعت على أثر ذلك حرب السويس عام 1956 لـ"تأديب" عبدالناصر والمصريين، وفشل العدوان. وكان الاتحاد السوفياتي أمد مصر بالسلاح من خلال ما عرف بصفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، فعرض السوفيات مساعدتهم لمصر على بناء السد العالي وقدم لها قرضًا قيمته 1,2 مليار دولار بفائدة مخفضة
عندما بدأ تنفيذ مشروع بناء السد العالي في عام 1960 اعترف لي كمال بيومي قائلًا "لم أكن متحمسًا للمشروع"، ففي عام 1957 تزوج كمال من ناديا المغاوري، وهي من أصل تونسي، وأنجبا ابنيهما رامز (في عام 1958) ومروان (في عام 1960)، مما جعله مترددًا في الانتقال مع زوجته وطفليه إلى أسوان المعروفة بمناخها القاسي. وربما كان عدم حماس كمال لمشروع السد العالي ناتجًا عن تأثره من النهج العام للإدارة المصرية التي نظرت في حينه نظرة دونية إلى المهندسين المعماريين من جهة، ولافتقار مصر إلى المعدات اللازمة لتنفيذ المشروع من جهة أخرى. واستغرق عدم حماس كمال للمشروع حوالى ثلاث سنوات، رغم أن "شركة مصر للإسمنت المسلح" التي عمل فيها كانت مع شركة عثمان أحمد عثمان للمقاولات، الشركتين المصريتين الوحيدتين (حتى بعد تأميمهما لاحقًا) اللتين عملتا مع السوفيات على بناء السد العالي تحت إشراف هيئة السد العالي برئاسة الوزير صدقي سليمان، ففي عام 1964 نجح محمد سامي بحيري، المدير العام التنفيذي لـ"شركة مصر للإسمنت المسلح" في إقناع زميله كمال بأن يقوم بزيارة إلى مدينة أسوان وموقع بناء السد العالي. وروى لي كمال قائلًا "عندما وصلت إلى موقع السد العالي صُدِمت من المشهد والأعمال الجارية هناك، فأيقنت أن أمامي فرصة العمر للعمل في مثل هذا المشروع الجبار". في الحال وافق كمال على الانتقال للعمل في مشروع السد العالي.

بالإضافة إلى ضخامة مشروع السد العالي، شاهد كمال في أسوان كيف اهتمت الحكومة المصرية بتوفير شروط عمل مريحة للعاملين في السد العالي، حيث تم بناء مدينتين جديدتين واحدة للعمال والموظفين المصريين في المشروع وتقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، والثانية للعمال والموظفين السوفيات على الضفة الغربية للنيل، وقال كمال أن عملية الفصل بين المصريين والسوفيات العاملين في السد العالي تمت بناء على توجيهات عليا من الحكومة المصرية خشية أن يؤثر الشيوعيون السوفيات على أفكار المصريين. حيث انتشرت في مصر آنذاك إشاعات مقيتة وكاذبة عن السوفيات واتهموهم بالتفكك الأسري والأخلاقي وأن الدولة السوفياتية تنتزع الأبناء من والديهم وتعمل على تنشئتهم بعيدًا عن عائلاتهم وما شابه ذلك من الإشاعات المغرضة.

بالإضافة إلى المساكن أقيمت في المدينتين المدارس لأبناء العمال والموظفين والعيادات الطبية والمستشفيات والملاعب بأنواعها والمسارح ودور السينما وشبكتي مواصلات حديثة، وافتتحت دورات لتعليم اللغات العربية والروسية وغيرها، واستقدمت الحكومة المصرية معهد "غوتيه انستيتيوت" الألماني الشهير لتعليم اللغات الذي افتتح معهدًا له في أسوان. وشاهد كمال بأم عينه كيف عملت الحكومة المصرية على تنفيذ مشروع جبار آخر مواز لبناء السد العالي  وهو بناء قرى جديدة على ضفتي النيل، بدلًا من القرى النوبية التي غمرتها مياه السد العالي، وكيف تم نقل الآثار التاريخية القديمة من تلك المنطقة ونصبها في أماكن آمنة.

عندما باشر كمال بيومي عمله في السد العالي في يوليو 1964 كانت المرحلة الأولى من بناء السد العالي قد انتهت، وفاته حضور الحفل الضخم الذي أقيم في أسوان وحضره الرئيسان المصري جمال عبدالناصر والسوفياتي نيكيتا خوروشوف في مايو 1964. كان العمل في بناء السد العالي يجري ليل نهار، وتتناوب على العمل فيه ثلاث مجموعات عمل أو ثلاث ورديات من دون توقف، تعمل كل واحدة منها ثماني ساعات، ثم تأتي المجموعة التالية فتستلم العمل من المجموعة التي سبقتها وتواصل تنفيذ المخططات الموضوعة للمشروع.

وكان رئيس الموقع في حينه إسماعيل ماجد الذي كلف كمال بأن يترأس واحدة من الورديات الثلاث التي كانت مكلفة ببناء محطة الكهرباء الرئيسة داخل الانفاق عند أسفل السد وهي واحدة من أعقد المهمات التي تم تنفيذها في بناء السد العالي. وقال كمال أنه بالإضافة إلى عمله ساهم في وضع بعض التفاصيل المعمارية لمبنى محطة الكهرباء الرئيسة للسد العالي مع الخبير السوفياتي مستخدمًا خبرته كونه مهندسًا معماريًا.

لم يمض وقت طويل على عمل كمال في السد العالي، حتى حدثت تغيرات مهمة في المناصب في الجانب المصري وفقًا لرغبة الهيئة المشرفة على بناء السد العالي، فاستقال إسماعيل ماجد من عمله وجرى تعيين رئيس جديد للموقع هو وجيه الدرويش، فبادر الدرويش إلى تعيين كمال رئيسًا لوردية إضافية من الورديات الثلاث. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ استقال الدرويش من منصبه بعد فترة وجيزة، فتقرر عام 1966 تعيين كمال بيومي رئيسًا للموقع ومسؤولًا عن عملية بناء السد العالي كلها، وظل محتفظًا بهذا المنصب حتى عام 1970 إلى حين انتهاء العمل في بناء السد العالي، وكانت آخر عملية أشرف عليها كمال هي بناء النصب التذكاري الضخم للتعاون المصري السوفياتي الذي أقيم في الموقع.

السوفيات وظروف العمل الصعبة

كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها مصر الرافعات الضخمة التي تعمل بالكابلات في فترة بناء السد العالي، حين أحضر الطاقم السوفياتي معه عددًا منها. كان كمال يبدأ العمل في وقت مبكر، فيصل إلى مكتبه الواقع في محطة الكهرباء في السادسة صباحًا فيلتقي بمهندسي الوردية التي أنهت عملها ويطلع على عملية تسليم المهمات للوردية التالية، من أجل مواصلة العمل فيها، ويقوم بتوزيع الرافعات، والتأكد من تدوين تفاصيل العملية والمهمات التي تم تنفيذها والمهمات التالية في دفاتر خاصة أطلق عليها لاحقًا "وثائق السد العالي".

وقال كمال إن كل منصب في بناء السد العالي كان مزدوجًا، خصوصًا المهندسين والعمال الفنيين، فمقابل كل مصري من هؤلاء كان هناك سوفياتي. وكان كمال يجتمع يوميًا قبل بدء العمل في الموقع مع نظيره السوفياتي بوريس إيفانوفيتش. وأصر كمال خلال حديثي معه على استخدام مصطلح سوفياتي لأن المهندسين والفنيين والعمال السوفيات كانوا خليطًا من الروس والأوكراينيين والبيلوروس وغيرهم من الأقاليم الآسيوية للاتحاد السوفياتي، فيما كان هناك عدد من النساء السوفياتيات يشغلن مناصب فنية، منها تشغيل الرافعات، الأمر الذي أدهش العمال المصريين الصعايدة. بعد الاجتماع كان كمال يذهب يوميًا مع بوريس للكشف على مواقع العمل ومعالجة المشاكل التي كانت تنشأ باستمرار وتوفير حلول سريعة لها.

وأضاف كمال قائلًا إن المهندسين والفنيين والعمال السوفيات كانوا مخلصين جدًا في عملهم وتصرفوا كما  لو أنهم يعملون في بناء سد في الاتحاد السوفياتي وليس في دولة أجنبية، فذكر لي كمال ان أحد المهندسين الروس واسمه رازين حدثه بأنه ولد في بلدة واقعة قرب سد كبير في روسيا، فنشأ رازين في ظل هذا السد وكانت لديه خبرة واسعة في مجال عمله، خصوصًا وأن والده كان مهندسًا عمل في بناء ذلك السد.

حدثني كمال عن أن القيادة المصرية كانت تريد تنفيذ مشروع السد العالي بسرعة، فكان الجانب المصري يزج أحيانًا بالعمال في مشروع السد العالي من دون إخضاعهم إلى دورات تدريب، فنتج عن ذلك حوادث عمل وإصابات مأساوية ومميتة في بعض الأحيان. وأكد لي كمال أن تلك الحوادث لم تكن كثيرة، ولم يخرج عدد الذين ماتوا فيها عن العادة. أما في الجانب السوفياتي فكان الوضع مختلفًا، وكان الخبراء السوفيات يقدمون للمصريين النصائح القيمة والمفيدة.

وأكد كمال على أن السوفيات في حالات معينة لم يتوانوا أثناء العمل في بناء السد العالي عن المخاطرة بحايتهم، خصوصًا لدى وقوع حوادث عمل، أو حدوث انهيارات ينشأ عنها وضع خطير، فكانوا يقتحمون المخاطر ويدخلون إلى موقع الحادث بجرأة منقطعة النظير، وللتدليل على تأقلم السوفيات وتقبلهم لظروف العمل الصعبة روى لي كمال أن العمال المصريين تجمهروا في أحد الأيام حول خزان مياه الشرب في الموقع عندما شاهدوا داخله بعض الفئران التي سقطت فيه وغرقت، فجاء فني روسي اسمه كراسوشنكو فلم يكترث بوجود الفئران وشرب من ماء الخزان أمام الجميع.

وأضاف كمال أنه إلى جانب كل المشاكل التي واجهت العاملين في بناء السد العالي كانت هناك مشكلة أكبر ألا وهي الصراع مع الطبيعة. فحالة الطقس القاسية ودرجة الحرارة المرتفعة التي تصل إلى 60 درجة مئوية في فصل الصيف، كانت تؤدي إلى اشتعال الخشب المستخدم في السقالات، فيتعطل العمل وتنهمك أطقم الإطفاء في إخماد الحرائق، واستدعى ارتفاع درجات الحرارة صب الخرسانة (الباطون) بسرعة خشية أن تجف، وفي كثير من الأحيان كانت الخرسانة تجف في الأنابيب التي تستخدم في صب الخرسانة، نظرًا لارتفاع حرارة الأنابيب، فتنسد، ويتوقف العمل. وقال أنهم من أجل تخفيف حرارة الأنابيب كانوا يحاولون تغطيتها بالخيش ويبلونه بالماء، وكانت هذه الإجراءات الوقائية لا تنفع في أحيان كثيرة عندما تكون درجات الحرارة مرتفعة. فهذه المشكلة كانت بالنسبة للسوفيات غريبة لأنهم معتادون في بلادهم على مشاكل ناتجة عن انخفاض درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر بعشرات الدرجات. كذلك تسببت درجة الحرارة المرتفعة في تعطيل أجهزة التكييف، فتصبح أجواء العمل لا تطاق، ويصعب النوم في الليل. مع ذلك يتذكر كمال أن أيًا من السوفيات لم يَشْكُ من الحر.

وقال كمال بيومي إن تحذيرات الحكومة المصرية للعاملين المصريين في السد العالي من التعاطي مع السوفيات لم تفلح، وتدريجيا بدأت تنشأ علاقات صداقة بين الطرفين، فأقام كمال سلسلة صداقات مع مهندسين وفنيين سوفيات، و"اكتشف" أنهم أناس عاديون مثلهم مثل المصريين، وكانوا يأتون إلى العمل في السد العالي بصحبة عائلاتهم من نساء وأطفال ويعيشون حياة عادية ويرسلون أبناءهم إلى المدارس التي أنشئت لهذا الغرض في أسوان، ما أدهش كمال وساعد على إزالة المخاوف التي عششت في داخله طوال الفترة السابقة. وتبادل وزوجته ناديا وطفليهما الزيارات العائلية مع أولئك السوفيات، خصوصًا مع بوريس إيفانوفيتش وهو من أوكراينا

كان كمال يُدعى لحضور حفلات الموسيقى الكلاسيكية التي كانت تقام في الجانب السوفياتي، وحضر عددًا كبيرًا من الحفلات المشتركة التي كان المصريون والسوفيات يشاركون فيها، خصوصًا عندما يأتي ضيف سوفياتي كبير لزيارة مصر وموقع السد العالي. وكان ترتيب تلك الحفلات يجري على نحو يجلس فيه المصريون والسوفيات حول نفس الطاولات، فكل ثلاثة أو أربعة مصريين كان يجلس إلى جانبهم نفس العدد من السوفيات حول نفس الطاولة.
وروى لي كمال أن إحدى الحفلات الكبيرة التي حضرها كانت بمناسبة زيارة  وزير السد العالي المصري صدقي سليمان برفقة نظيره السوفياتي الوزير ك.ي. سميرنوف، وكان جو الاحتفال حماسيًا فشارك الضيف السوفياتي بنفسه في تقديم بعض أغاني الأوبرا وفي النهاية غنى أغنية باللغة الروسية ألهبت حماس السوفيات الحاضرين في الحفل، فراحوا ينشدون معه بأصواتهم القوية العالية على نحو أنعش أجواء الحفل أكثر. فدهش المصريون من ذلك الحماس واستفسروا من نظرائهم السوفيات عن سره، فقيل لهم إن الأغنية تتحدث عن التضامن الأممي بين الشعوب وتحكي قصة الطيارين البولنديين الذين فرّوا من وجه الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية ولجأوا إلى الاتحاد السوفياتي، حيث اندمجوا في الجيش السوفياتي وساهموا في الهزيمة التي ألحقها بجيش ألمانيا النازية وصولًا إلى قلب برلين عام 1945.

برزت قدرات كمال بيومي وكفاءته المهنية العالية بوضوح خلال عمله في السد العالي مما أهله في عام 1966 الحصول على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى الذي منحته إياه الحكومة المصرية، وقام وزير السد العالي صدقي سليمان بمنحه الوسام في احتفال خاص أقيم في موقع بناء السد العالي.

السوفيات والسياسة في مصر

لم يذكر كمال أنه تطرق يومًا في الحديث بينه وبين أصدقائه وزملائه السوفيات في العمل حول السياسة أو الشيوعية والاشتراكية، وقال إنه فجأة في حزيران عام 1967 حين هجمت إسرائيل على مصر واحتلت قطاع غزة وصحراء سيناء برمتها حتى الضفة الشرقية من قناة السويس، بالإضافة إلى احتلالها المرتفعات السورية في الشمال والضفة الغربية لنهر الأردن من الشرق. وقال كمال ما أن انتهت الحرب حتى أصيب العاملون السوفيات في السد العالي بحالة من الغضب الشديد، "فلأول مرة بدأوا يتكلمون بالسياسة وكانوا يصرخون ويتحدثون بصوت عال من شدة الغضب، وقالوا لنا إن هذه الحرب كانت تهدف إلى تعطيل مشروع السد العالي وهدمه"، وأخذوا يحضون المصريين على الصمود وعدم اليأس والعمل من أجل استرجاع ما فقدوه في تلك الحرب، واستمر مشروع بناء السد العالي بنفس الجهد والعزيمة إلى أن تم الانتهاء من بنائه.

وقال كمال بعد الانتهاء من بناء السد العالي نشأت البحيرة الضخمة التي أطلق عليها "بحيرة ناصر" فتطوع السوفيات لمساعدة مصر على الاستفادة من الثروة السمكية التي بدأت تتجمع في مياه البحيرة، فأهدوا مصر أسطولًا كاملًا من المراكب الخاصة بصيد السمك للاستفادة من الثروة السمكية التي نشأت في بحيرة ناصر. لكن فجأة وأثناء الحديث ارتسمت مسحة حزن على وجه كمال، فقال "للأسف أهْمِلت هذه المراكب ولم تُستخدم"، وتحدث عن فداحة الإهمال في مختلف نواحي الحياة في مصر لدرجة أن "الأسماك في بحيرة ناصر تضخمت لأنه لا يوجد من يصطادها سوى التماسيح". كما أهْمِلت إلى اليوم عملية تنظيف "بحيرة ناصر" من الطمي الذي يتجمع فيها من مياه النيل والتي تهدد عمل الطوربينات الكهربائية، وقد يؤدي تراكم هذا الطمي بعد حوالي 200 عام إلى جعل السد غير صالح لتأدية المهمة التي أقيم من أجلها. إذ على الحكومة المصرية أن توظف أطقم عمل تقوم بجرف الطمي الذي يتجمع في أسفل "بحيرة ناصر" وتوزيعه على الأراضي الزراعية في حوض النيل لزيادة خصوبة التربة فيها، لكنها لم تفعل.

وروى لي كمال أن بعض التكتيكات التي جلبها السوفيات معهم للعمل في بناء السد العالي، ومنها استخدام خراطيم المياه ذات القدرة العالية على الضخ بقوة لإزالة التلال الرملية استخدمت لاحقًا في حرب تشرين الأول 1973 لفتح الثغرات في التلال الرملية التي أقامها الإسرائيليون على الضفة الشرقية لقناة السويس ضمن ما عرف بخط  بارليف والتحصينات الأخرى.

***

بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، لم يكن كمال مسرورًا للطريقة التي تعامل بها أنور السادات مع الخبراء السوفيات، وتخليه كليًا عنهم، وتنكره للمساعدات الجمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي إلى مصر وشعبها. وسار خلفه على نفس النهج الناكر للجميل حسني مبارك وبكل صلف طلب من الولايات المتحدة تزويد السد العالي بطوربينات كهربائية أميركية بدلًا من الطوربينات السوفياتية، إلى أن اكتشف الخبراء المصريون لاحقًا أن الطوربينات الأميركية ليست بنفس الجودة، وأن روسيا، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، واصلت إنتاج الطوربينات نفسها، فاستنجد المصريون مجددًا بالروس!
وقال كمال بيومي إن "الطريقة التي تعامل بها السادات مع الخبراء السوفيات مخجلة للغاية. بل إن طرد الخبراء السوفيات من مصر كان بمثابة خيانة سافرة وغير مبررة"، وأضاف "إن ما قاله السادات بأن السوفيات لم يساعدوه كان كذبًا ومحض افتراء".