2016-07-30

الراحل تيسير العاروري يكتب عن:

 الانتفاضة الشعبية وعن علاقتها بمفاوضات "السلام"

د. ماهر الشريف

كان الرفيق الراحل تيسير العاروري، بصفته عضواً في المكتب السياسي للحزب، من أبرز قادة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، التي اندلعت في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين في شهر كانون الأول/ ديسمبر 1987، كما كان من أكثر من أبرزوا خصائص تلك الانتفاضة المميزة، وعملوا على تعميق طابعها الشعبي والديمقراطي، وحذروا من   المظاهر السلبية التي صارت تشوبها في "المرحلة الثانية" من تطورها.

ونظراً إلى دوره  في قيادة تلك الانتفاضة، اعتقلته  سلطات الاحتلال الإسرائيلي في آب/أغسطس 1988، ثم قامت في 27 آب/أغسطس 1989 بإبعاده خارج وطنه إلى فرنسا، وذلك بعد أن نُظّمت حملة دولية واسعة لإطلاق سراحه، كان من أبرز مظاهرها العريضة التي وجّهها أكثر من 1200 عالم من كبار علماء الطبيعيات في العالم، من بينهم 18 عالماً من الحائزين على جائزة نوبل، إلى حاييم هرتسوغ رئيس دولة إسرائيل وإلى وزير حربه يتسحاق رابين. 

وبعد انعقاد مؤتمر "السلام" في مدريد في نهاية  شهر تشرين الأول/أكتوبر 1991، وتشكيل الوفد الفلسطيني إلى مفاوضات واشنطن برئاسة القائد الفلسطيني الراحل الدكتور حيدر عبد الشافي، وذلك قبل أن تفتح قناة المفاوضات السرية في أوسلو، عُيّن الرفيق تيسير مستشاراً سياسياً لهذا الوفد، فكتب كثيراً عن "معركة" المفاوضات، وعن أداء الوفد الفلسطيني فيها، وعن كيفية تفعيل هذا الأداء، وعن ضرورة التمسك بوقف الاستيطان وبانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعن طبيعة العلاقة الديالكتيكية القائمة  بين الانتفاضة والمفاوضات.

وسأستعيد فيما يتبع بعضاً من الأفكار التي طرحها الرفيق تيسير العاروري في مقالات نشرتها مجلة "صوت الوطن" الشهرية، التي كانت تصدر في نيقوسيا، ثم نشرت  ضمن مواد  كتاب الرفيق تيسير: "الهزائم ليست قدراً" الذي صدر في مدينة رام الله سنة 2013.

طبيعة الانتفاضة ومقومات استمرارها

"إن الانتفاضة تشكّل إضافة نوعية جديدة لتجارب الحركة الثورية العالمية... وبذلك فإنها تحتل بالضرورة مكاناً خاصاً متميزاً في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني. إنها تلك القفزة النوعية الجديدة التي أخذت شكل الانفجار الجماهيري الثوري العظيم، التي هي بدورها تتابع لعملية تراكم طويلة، بدأت منذ السنوات الأولى للاحتلال بجوانب وعمليات متعددة، أهمها تراكم خبرة بناء المنظمات الجماهيرية وتكتيك النضال الجماهيري والسياسي، وتعمق الوعي السياسي والتعبئة السياسية وانبعاث الشخصية الفلسطينية، وتراكم أثر عمليات القمع والبطش والإذلال والحصار والاستعباد التي مارستها سلطات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني...

أما أهم مقومات استمرارية الانتفاضة حتى تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، فتكمن في الدرجة الأولى في المحافظة على المشاركة الجماهيرية وعدم التهاون تجاه أية مظاهر أو أساليب تقلص من قاعدتها الجماهيرية، والمحافظة على طابعها الديمقراطي العميق والتمسك بحزم بالنهج السياسي الواقعي، كما عبرت عنه قرارات الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني ومبادرة السلام الفلسطينية...

إن الانتفاضة كعملية ثورية عميقة قد شملت كافة جوانب حياة المجتمع الفلسطيني على أرض دولة فلسطين المحتلة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية والتربوية وغيرها، وكذلك كافة جوانب علاقات هذا المجتمع بقوى الاحتلال وسلطات الاحتلال ومؤسساته ومجتمع الدولة المحتلة، وفي ذلك أحد أبرز مظاهر عظمتها وقوتها واستمراريتها.

ولذلك، فلدى الحديث عن تصعيد الانتفاضة، لا يجوز اختزال الانتفاضة وإحلال تكتيك نضالها ضد قوات الاحتلال بديلاً منها... فتصعيد الانتفاضة كما أفهمه هو تصعيد كافة أوجه عملية التغيير الثورية المذكورة أعلاه، أي عملية تطوير وتجذير وتعميق وتوسيع لكافة المظاهر والمجالات والجوانب التي تشملها الانتفاضة...".

من حوار أجراه معه بولس كارمي ونشر في مجلة "صوت الوطن"، نيقوسيا، العدد 2، تشرين الأول/أكتوبر 1989، ص 6-8.

خصائص الانتفاضة وسبل مواجهة المظاهر السلبية

"... إن الخصائص الرئيسية المميزة للانتفاضة وفق فهمنا لها تكمن في: أولاً: المشاركة الشعبية الواسعة ومستوى التنظيم العالي للمشاركة الجماهيرية، وهذا هو الأساس للطابع الديمقراطي العميق للانتفاضة؛ ثانياً: تكتيكات النضال التي اتبعتها الانتفاضة، التي تستجيب للواقع الموضوعي والإمكانيات الواقعية المتاحة، وبالتالي تحييد آلة الحرب الإسرائيلية، والفعالية العالية لهذه التكتيكات، وضمانة المشاركة الجماهيرية الواسعة في مجمل جوانب العملية الثورية واستمرارية هذه المشاركة؛ ثالثا: النهج والبرنامج السياسي الواقعي الذي تبنته الانتفاضة، وفيما بعد جرى إقراره في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني ليصبح برنامج منظمة التحرير الفلسطينية السياسي...

إن ديناميكية الاستمرار الرئيسية تكمن في القدرة على المحافظة على خصائصها المميزة وطابعها الرئيسي، وبشكل خاص المشاركة الشعبية الواسعة... ومن هنا لا بدّ من المواجهة الحازمة والصريحة لكافة المظاهر السلبية  التي تظهر بين حين وآخر، وخاصة تلك التي تمس بالطابع الديمقراطي للانتفاضة، وتؤثر على مستوى مشاركة الجماهير الشعبية فيها، وأخص بالذكر مظاهر البيروقراطية والتعالي على الجماهير وطرح شعارات ومهمات غير واقعية أو غير مدروسة، وبالتالي لا قدرة لدى الجماهير على تنفيذها، ثم مظاهر العسكرتاريا الكاريكاتيرية، وما ارتبط بها من مظاهر وممارسات سلبية، وروح التنافس الفئوي الضيق الأفق والصراعات الجانبية، سواء بين أطراف القيادة الوطنية الموحدة أو بين أطراف هذه القيادة وحركة حماس، وما تشكله من مخاطر على الوحدة الوطنية التي هي ركيزة أساسية من ركائز استمرارية الانتفاضة وتطويرها...

ثم هناك مجموعة المسائل المرتبطة بعلاقات الخارج والداخل، وبالدرجة الأولى علاقات قيادة م.ت.ف. ومؤسساتها ومجمل تجمعات الشعب الفلسطيني في الخارج مع الداخل...وفي هذا المجال، نجد ضرورة للإشارة إلى بعض الجوانب الرئيسية التالية: أولاً: إن الدعم الاقتصادي والمادي للانتفاضة لا زال بعيداً عن الحد الأدنى الضروري لتخفيف معاناة الناس والتقليل من أثر الإجراءات الاقتصادية الإسرائيلية ضد الانتفاضة، وخاصة طبقات الشعب الكادحة. هذا بالإضافة إلى استمرار مظاهر التمييز الفئوية في عمليات الدعم القائمة حالياً، وذهاب كميات غير قليلة من الدعم لغير مستحقيها ولأغراض لا تخدم مصلحة تطور الانتفاضة؛ ثانياً: إن بعض المواقف والممارسات السياسية غير المنسجمة مع سياسة الإجماع الوطني...لا يمكن إلا أن تثير البلبلة في صفوف الشعب الفلسطيني وبشكل خاص في صفوف الانتفاضة؛ ثالثاً: إن منهج العلاقة السياسية وغير السياسية بين الخارج والداخل يجب أن يرتكز فقط على قناة علاقة واحدة، هي قناة العلاقة بين قوى م.ت.ف. في الخارج والداخل، وبين قيادة م.ت.ف. في الخارج وقيادة الحركة الوطنية في الداخل...".

من مقال: "سبل إنجاز برنامج الانتفاضة: من سيصرخ أولاً: الفلسطينيون أو الإسرائيليون؟"، مجلة "صوت الوطن"، نيقوسيا، العدد 5، كانون الثاني/يناير 1990، ص 6-9.

الانتفاضة على مفترق طرق

"... يمكن ملاحظة مرحلتين للانتفاضة محددتين تحديداً واضح المعالم:

المرحلة الأولى: وتمتد منذ اندلاع الانتفاضة [كانون الأول/ ديسمبر 1987] وحتى ربيع عام 1989. ويميزها في الجانب الإسرائيلي أن الهدف كان وقف الانتفاضة، وأما أسلوب تحقيق ذلك فهو الاعتماد بالدرجة الأولى والأساسية على الجيش وأساليب القمع العسكرية...إلى أن توصل دان شمرون [رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي] إلى الاستنتاج الصحيح وهو عدم إمكانية القضاء على الانتفاضة باعتماد الأساليب العسكرية فقط، وإلى أن أصبح استنتاج شمرون سياسة رسمية تبناها رابين [وزير الدفاع]، أي الجهاز السياسي وصاحب القرار، وعمل بالتالي على بلورة سياسة جديدة بأهداف مرحلية جديدة وتكتيكات جديدة، عبرت عنها مبادرة (خطة) شامير-رابين التي هي في الأصل خطة رابين نفسه.

وفي الجانب الفلسطيني، فإن خط الانتفاضة في هذه المرحلة كان صاعداً باستمرار، والمشاركة الشعبية النشطة في فعاليات الانتفاضة المختلفة كانت واسعة جداً، بحيث شملت كافة طبقات وفئات المجتمع الفلسطيني بدون استثناء، وكذلك كافة الأعمار من الأطفال وحتى الشيوخ من الجنسين. وبرزت في هذه المرحلة اللجان الشعبية التي غطى نشاطها عشرات ميادين العمل المختلفة (الاقتصادية والصحية والاجتماعية والزراعية والإعلامية والتعليمية) في غالبية مدن وقرى ومخيمات الضفة والقطاع. وجرى ترسيخ وتكريس ما أصبح يعرف فيما بعد بنمط حياة الانتفاضة في المجتمع الفلسطيني في المناطق المحتلة، وحققت الانتفاضة و م . ت. ف. نجاحات كبيرة وهامة،  وتمّ حشر إسرائيل في زاوية من العزلة الدولية لم تعرفها من قبل.

المرحلة الثانية: وتمتد من ربيع عام 1989 ولا زالت مستمرة حتى الآن [خريف 1990]. ويميز هذه المرحلة في الجانب الإسرائيلي أن الهدف المباشر المرحلي أصبح خفض مستويات الانتفاضة إلى مستويات أدنى تستطيع إسرائيل ان تتعايش معها لفترة زمنية طويلة (تحويلها إلى بلفاست شرق اوسطية)، وبالتالي تبهيتها وجعلها تتآكل وتأكل من رصيدها إلى أن تتوقف أو على الأقل تتهمش تماماً. أما أسلوب تحقيق هذا الهدف فقد اعتمد، إلى جانب مختلف أساليب البطش العسكري التي جرى إدخال تغييرات و"تحسينات" عليها، الأساليب الاقتصادية والنفسية والإعلامية والسياسية، والتخريب من الداخل.

أما في الجانب الفلسطيني، فإن المشاركة الشعبية في فعاليات الانتفاضة، وبخاصة تلك المرتبطة بالصراع المباشر مع جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين، كالتظاهرات والصدامات، فقد تراجعت بشكل ملموس، ورافق ذلك تراجع ملموس أيضاً في اللجان الشعبية المختلفة، سواء من حيث عملها ونشاطها وانتشارها. وبرزت وتطورت بشكل خطير مظاهر الصراعات الفئوية ليس فقط بين أطراف الحركة الوطنية وحركة حماس، بل كذلك بين اطراف الحركة الوطنية نفسها. وغدت هذه ظاهرة ليست هامشية في حياة الانتفاضة، ونمت بشكل سرطاني مظاهر "بقرطة" الانتفاضة من خلال تأسيس العشرات إن لم يكن المئات من المؤسسات والهيئات البيروقراطية بأموال دعم الانتفاضة التي تضخ من الخارج (من م.ت.ف. ومن غيرها)، وبدأت تتزعزع واحدة من أهم المميزات التي طبعت الانتفاضة في مرحلتها الأولى وهي طابعها الديمقراطي العميق، المستند إلى المشاركة الشعبية الواسعة والمنظمة...وبالإحمال، أصبحت الانتفاضة إلى حد بعيد تراوح في مكانها.

ولكن هدف الإسرائيليين في خفض مستوياتها إلى المستوى المنشود إسرائيلياً لم يتحقق حتى الآن، رغم كل ما ذكر أعلاه وغيره الكثير من تراجعات ومظاهر سلبية...  

إن مرحلة المراوحة في المكان التي طبعت المرحلة الثانية، وحالة عدم الحسم في الصراع بين الاستراتيجيتين الإسرائيلية والفلسطينية تجاه مستويات الانتفاضة، لا يمكن أن تستمر لفترة زمنية طويلة، ولا مفر من انتصار إحداهما على الأخرى...أما في أي من المسارين ستجد الانتفاضة نفسها به بعد تجاوز مفترق الطرق، فالأمر في نظرنا مرهون بالأساس بكيفية حل ثلاث معضلات أساسية:

المعضلة الأولى: وهي المعضلة الأكثر إلحاحية والأكثر خطراً على مصير الانتفاضة، وبالتالي فإنها لا تحتمل التأجيل، وهي لذلك يجب أن تحتل رأس سلم الأولويات في برنامج العمل الفلسطيني (في الداخل والخارج) لهذه المرحلة.

إنها مسألة تخليص الانتفاضة من كافة المظاهر السلبية، ومعظمها ظهر خلال المرحلة الثانية...إن الأوهام لدى البعض، التي خلقت في أواخر عام 1988، على أثر سلسلة الانتصارات والإنجازات الكبيرة التي حققتها الانتفاضة خلال عامها الأول، بأن الدولة الفلسطينية أصبحت قريبة المنال وأنها على الأبواب، دفعت هذا البعض للخوض في صراعات ثانوية على أمل تحسين وضعه على أرض الدولة قبل إعلانها، وكان ذلك بالطبع من قبيل الصراع على جلد الدب قبل اصطياده. وقد فتحت بذلك نافذة دخل منها المحتل الصهيوني وأذرع مخابراته وعملائه...

المعضلة الثانية: وهي ترتبط بجوانب التحرك السياسي والدبلوماسي لـ م.ت.ف. وتحديد المواقف السياسية تجاه القضايا والخطط التي تمس الانتفاضة بشكل مباشر أو غير مباشر، لما في ذلك من أثر عميق وبعيد المدى على الانتفاضة وتطورها وفعاليتها، ولما لذلك من آثار على نفسية الجماهير ومزاجها وتعبئتها السياسية وثقتها بحكمة وأهلية قيادتها السياسية...

إن اتخاذ الانتفاضة معياراً وحيداً، أي اعتبار نتيجة الإجابة عن السؤال التالي هي العامل الوحيد لتحديد الحركة السياسية وتحديد الموقف السياسي، والسؤال هو:  ما هو أثر هذه الخطوة السياسية أو هذا الموقف السياسي على الانتفاضة؟...وبهذا يمكن أن نضمن ان تخدم الحركة السياسية قضية الانتفاضة ويحل الانسجام السياسي التام بين الداخل والخارج، ونتجنب أية تباينات يمكن ان تخلق بلبلة سياسية لدى جماهير شعب الانتفاضة، نحن في أمس الحاجة لتجنبها.

المعضلة الثالثة: وتتعلق بمختلف أوجه الدعم للانتفاضة، المالية، والاقتصادية، والإعلامية والمعنوية. فاستمرارية الانتفاضة وتطورها، والتخفيف من معاناة الجماهير الشعبية، تتطلب إعادة نظر جذرية وجادة ومسؤولة في كل جوانب عملية الدعم، بحيث تشمل سياسة الدعم نفسها، وسلم الأفضليات والأولويات فيها، والأساليب المتبعة، وقنوات الاتصال، والهيئات ذات العلاقة والأشخاص "المعتمدين" في الداخل والخارج. أليس من الضروري والحيوي بذل الجهود الكافية، ووضع الخطط الملائمة لتحويل مسألة دعم الانتفاضة إلى قضية تكون بمثابة الشغل الشاغل لأوساط واسعة، إن لم يكن لكافة الجماهير الفلسطينية في كل مواقع الشتات الفلسطيني في البلاد العربية والأجنبية؟ ألم يحن الوقت لندخل في ذهن ووعي كل فلسطيني في الخارج بأنه، ضمن المدى المنظور وفي الظروف القائمة فلسطينياً وعربياً ودولياً، فإن الانتفاضة هي الفرصة التاريخية الوحيدة والواقعية لتحقيق الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وأن ضياع هذه الفرصة قد يعني تأخير قضية الاستقلال والدولة لسنوات طويلة، ولا يمكن التكهن كم ستطول؟...

ضمن كل ما أتينا على ذكره أعلاه، لا بدّ وأن يتبادر إلى الذهن السؤال: وأين موقع قضية الإصلاح الديمقراطي ضمن الإشكاليات التي تواجه م.ت.ف. منذ سنوات، وجرى التطرق لها في اجتماعات وقرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي واجتماعات القيادة الفلسطينية، وخاصة على ضوء حقيقة الطابع الديمقراطي العميق للانتفاضة من جهة، وغيابه عن م.ت.ف. ومؤسساتها ونهج عملها من جهة اخرى، في الوقت الذي تربط الانتفاضة بـ  م.ت.ف. علاقة ترابط عضوي وتأثير متبادل حيوي؟...".

من مقال:"الانتفاضة على مفترق طرق: نظرة استراتيجية على الانتفاضة"، مجلة "صوت الوطن"، نيقوسيا، العدد 14، تشرين الأول/أكتوبر1990، ص 4-9.

الوفد الفلسطيني المفاوض

"...[إن] المشاركة في عملية المفاوضات لا يجوز ان تقتصر على الحوارات وتبادل الخطب وإقامة الحجج وتفنيد ادعاءات الخصم وما إلى ذلك، في غرف المفاوضات المغلقة، وإنما هي جبهة صراع سياسي وإعلامي على أوسع مدى...ووفق هذا التصوّر، فإن مسألة العلاقة والتأثير الجدلي المتبادل ، وبالتالي التناغم بين هذه الجبهة الجديدة، وما تفتحه من آفاق على الصعيد السياسي والإعلامي، وبين جبهات الصراع الأخرى، تتطلب أن تعار ما تستحقه من أهمية، حيث لا يخفى على أحد أن كل تطور أو تقدم على جبهات الصراع الأخرى من شأنه أن يشد من عضد المفاوض الفلسطيني ويدعم موقفه...

في اعتقادنا أنه لا يجوز إطلاقاً أن ننسى ولا للحظة واحدة، أن وفدنا الفلسطيني قد بدأ عملية المفاوضات مع الإسرائيليين من نقطة بداية أبعد ما تكون عن نقطة يمكن وصفها بأنها متوازنة أو متكافئة أو عادلة أو حتى معقولة، وذلك بفعل مجموعة الشروط التي فُرضت عليه مسبقاً، وبفعل مجموعة التنازلات التي تمّ تقديمها مسبقاً، وقبل الذهاب إلى مدريد، وهو بالتالي في وضع تفاوضي غير مريح، بل صعب للغاية، حيث إن هامش المناورة لديه ضيق للغاية ولا مجال أمامه لتقديم أية تنازلات من أجل الوصول إلى "الحلول الوسط" التي يتوصل إليها المتفاوضون عادة...

وبالتالي فمن حق الفريق الفلسطيني المفاوض، الذي آل على نفسه أن يقوم بهذه المهمة الصعبة، ومن أجل القضية التي تطوع لخدمتها أولاً، ومن أجل أعضاء الفريق ثانياً، أن توفر له أفضل شروط العمل، وأن يحشد فيه وحوله مساعدون ومستشارون وخبراء، من أفضل الكفاءات والطاقات والعقول الفلسطينية، وهي ولا شك أكثر من كثيرة...

إن المعيار الوحيد المقبول والصحيح، من وجهة نظرنا، الذي يجب أن يؤخذ به عند اختيار أي من أعضاء الفريق، سواء كانوا مفاوضين أو مستشارين أو مساعدين أو إعلاميين أو إداريين أو غيرهم، هو الكفاءة والالتزام الوطني. وأما الاعتبارات والحسابات الفئوية، ضيقة الأفق، فلا مكان لها في مثل هذه العملية المصيرية، ويجب أن تنبذ جانباً، ومثلها أيضاً كافة الاعتبارات المشابهة، كالاعتبارات العشائرية والقبلية والعائلية والجغرافية والاجتماعية وما إلى ذلك...

وفي الخلاصة نقول: أما وقد قررنا الاشتراك فيما يطلق عليه بالعملية السلمية، وخوض معركة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل(وفق قرار المجلس المركزي)، فإن علينا أن نقوم بذلك على أحسن وجه ممكن، وأن نحشد أفضل طاقاتنا وإمكانياتنا، وندير العملية بأداء رفيع المستوى وأن نلعب "اللعبة" بتصميم واع. إننا لا نستطيع ولا يحق لنا أن نخسرها، فوضعنا التاريخي لا يحتمل ذلك...".

من مقال: "الوفد الفلسطيني المفاوض ومستلزمات تفعيل أدائه"، مجلة "صوت الوطن"، نيقوسيا، العدد 30، شباط/فبراير  1992، ص 10-12.  

وقف الاستيطان وانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة

"...مسألة أخرى تستحق الإشارة إليها [لدى الحديث عن مواقف الوفد الفلسطيني] هي الاشتراط الفلسطيني، ضمن خطته التفاوضية، ضرورة أن توقف إسرائيل كافة النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس، وتقر بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على هذه الأراضي باعتبارها مستلزمات يجب أن تتحقق قبل أن يتم الشروع في التفاوض على ترتيبات نقل السلطة ليد الحكومة الذاتية المؤقتة .

ولكلتا المسألتين أهمية خاصة ومضمون  عميق في العملية السلمية الجارية، حيث إنه على ضوء الموقف منهما يمكن كشف حقيقة الموقف والنوايا ليس فقط الإسرائيلية بل والأمريكية أيضاً...والأمر هنا لا يقتصر على الجانب الذي يتردد كثيراً من أنه في حالة استمرار الاستيطان مع استمرار المفاوضات قد يأتي وقت، إذا طال أمد المفاوضات (وهو احتمال متوقع)، لن تبقى أراضٍ فلسطينية ليتم التفاوض عليها، أو الجانب المتعلق بإقرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية كافة، المحتلة عام 67، الأمر الذي يعني الإقرار بأنها  أراض محتلة وليست "مدارة" أو "يهودا والسامرة" وغزة، وغيرها من المصطلحات التي لا تفيد أنها محتلة وفلسطينية.

ولا شك بأنه مع قدوم حكومة رابين العمالية لن تقل أهمية التمسك بهذين الشرطين الحيويين بالنسبة للطرف الفلسطيني، وجزء كبير من مصداقية الوفد الفلسطيني والموقف الفلسطيني أصبحت مرتبطة بهذا الأمر... أضف إلى ذلك بأن هذين الأمرين، الاستيطان واتفاقية جنيف، هما الأكثر ملاءمة والسلاح الأقوى والأمثل لوضع رابين وحكومته على المحك، لكشف مدى صدق توجههم نحو التوصل إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين والعرب...".

من مقال: "بعد الانتخابات الإسرائيلية: معالم ومتطلبات المرحلة الجديدة لمفاوضات السلام"، مجلة "صوت الوطن"، نيقوسيا، العدد 35، منتصف تموز/يوليو- منتصف آب/أغسطس/ 1992، ص 4-7.

ديالكتيك العلاقة بين الانتفاضة والمفاوضات

"... إن مصدر القوة الرئيسي الذي يستند إليه الطرف الفلسطيني عموماً، والفريق المفاوض بشكل خاص، يبقى الانتفاضة وشعلتها المستمرة. فالانتفاضة هي التي حملت الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد، وهي قاعدة قوته الصلبة على أرض الوطن، وتفرض وجودها، كما الاحتلال، وهي نقيضه، في كل جولة  بل وفي كل جلسة من جلسات المفاوضات. وفي الوقت الذي يستظل بظلها المفاوض الفلسطيني، فإن وهج لهيبها يلفح وجه خصمه الإسرائيلي.

فإذا كانت المفاوضات هي جبهة صراع ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهي كذلك، وحيث إن الانتفاضة هي جبهة الصراع الرئيسية ضد الاحتلال، فإن العلاقة الديالكتيكية التي تربطهما هي ببساطة كأي علاقة بين جبهتي صراع للمعركة نفسها؛ إنها علاقة تأثير متبادلة، أي نجاح في أي منها لا بدّ وأن ينعكس ويؤثر إيجابياً في الجبهة الأخرى. وكذلك، فإن أية انتكاسة أو هزيمة في واحدة ستنعكس سلباً وتؤثر في الثانية. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، بقدر ما يكون التنسيق والتفاعل والتكامل فيما بينهما أفضل، تكون فعالية كل منهما على حدة أشد وأعلى...".

من مقال: "نظرة على عملية السلام"، مجلة "صوت الوطن"، نيقوسيا، العدد 41، منتصف كانون الثاني/يناير - منتصف شباط/فبراير/ 1993، ص 12-16.