2016-07-19

الإسلام السياسي في خدمة المؤامرة الامبريالية وليس ضحيتها

حسن مصاروة

مسؤول "الاخوان" سعيد رمضان مع الرئيس الأمريكي إيزنهاور في البيت الأبيض عام 1953

"لقد كان الناس وسيظلون أبدا في حقل السياسة ضحايا ساذجة يخدعها الآخرون، بل يخدعون أنفسهم ما لم يتعلموا استقراء المصالح الطبقية بين أسطر الخطب والبيانات والمواعظ والدعاوى الدينية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية ." لينين -المؤلفات الكاملة -المجلد 23 ص 47.

 النقاشات الأخيرة في فضاء التواصل الاجتماعي عن قضايا مثل سلب حقوق المرأة وحريتها والتي قادها في الأساس ديماغوغيو الإسلام السياسي المعروفون في الداخل الفلسطيني سمحت لنا بأن نتعرض مرة أخرى لاحدى "ديباجات" الإسلام السياسي القديمة والمملة والمفضوحة، الا وهي "ديباجة" أن الإسلام يتعرض لمؤامرة غربية استعمارية، مؤامرة يخوضها الغرب عن طريق جمعيات وأحزاب لضعضعة القيم الاجتماعية والأخلاقية للمسلمين، عن طريق شعارات خادعة مثل التنوير والتقدمية وتحرر المرأة. فهم يدعون أن المعادلة هي الآتية: هم المدافعون عن القيم الأخلاقية السامية للمجتمع المسلم ونحن الذين ندعو للقيم التقدمية، المخادعون الذين نريد إفساد أخلاق هذا المُجتمع باسم التقدمية والعلمانية والتنوير وبمساعدة من الغرب، وهم طبعًا - كما يروجون - خط الدفاع الأول عن القيم الإسلامية المجتمعية كأوصياء على الدين وعلى المجتمع، مما يعطيهم شرعية لا يستحقونها في مواجهة أفكار التنوير والتقدمية وصدها بالترويج لخطورتها المكذوبة. ولا يستطيع أي عاقل واع أن لا يرى سخافة هذه المعادلة المُدعية الكاذبة، المعادلة الحقيقية هي أننا نقف باسم الديمقراطية والتقدم والتنوير أمام كل أشكال الظلامية والرجعية والتخلف والتحجر وتكبيل المرأة وسلبها حقوقها، وكل هذه المظاهر التي لا تمت لمسمى الأخلاق المجتمعية بأي صلة ولا تمت لجوهر الإسلام الحقيقي بصلة، الإسلام الذي يحاولون احتكار فهمه وحدهم دون غيرهم من مركبات المجتمع

والحقيقة الأهم في المعادلة هي أن الغرب الاستعماري ليس عنده أي مشكلة مع هذه الأفكار الرجعية التي تحملها الحركات الإسلامية السياسية ولا ينوي أن يتآمر عليها أو على الفكر الذي تبثه، بل العكس هو الصحيح: الغرب الاستعماري مُستعد أن يدعم ويقوي ويمول هذه الأفكار الرجعية في مواجهة الأفكار العلمانية والتنويرية خاصة إذا كانت تحمل أفقا تقدميا تحرريا يسعى إلى الانعتاق من الاستعمار والمركز الرأسمالي، لذلك لم يكن لدى الغرب الاستعماري مشكلة بالتحالف مع السعودية مثلًا-وهو مجتمع ذو جرعة زائدة من قيم الإسلام السياسي - ودعمها أمام أنظمة علمانية عربية مثل نظام جمال عبد الناصر. ومع أن أردوغان الاسلامي-لا بل خليفة المسلمين كما يتعامل معه البعض هنا- هو أكبر حليف استراتيجي لأمريكا وإسرائيل. ولنا أيضا في أفغانستان من التاريخ خير دليل على التوافق الغربي الاستعماري مع حركات الإسلام السياسي الأصولية، فقد دعمت وبقوة جبارة الإدارة الأمريكية حركات الإسلام السياسي الرجعية في أفغانستان بهدف القضاء على الحكومة الشيوعية هناك، ولنا في الحاضر خير دليل على ما يحصل في سوريا من دعم غربي غير مشروط لكل حركات الإسلام الجهادي في سوريا.

داخل إستراتيجية الإمبريالية

مشروع الإسلام السياسي الفكري لا يتناقض مع مشروع الامبريالية الغربية أبدًا بل يساهم في إستراتيجية الإمبريالية في إحلال ما يسمى بصراع الحضارات بديلًا للصراع بين المراكز الإمبريالية والأطراف المهيمن عليها، يشوه حقيقة الصراع العالمي والذي هو بين الطبقات المسحوقة وبين المحور الرأسمالي ليصوره انه صراع بين حضارة شرقية إسلامية وبين حضارة غربية مسيحية.

إن التشديد الوحيد على الحضارة يسمح للإسلام السياسي بأن يحذف من كل مجالات الحياة المواجهات الاجتماعية الواقعية بين الطبقات الشعبية والنظام الرأسمالي العالمي الذي يضطهدهم ويستغلهم. ناشطو الإسلام السياسي لا وجود حقيقي لهم في المجالات التي تجري فيها صراعات اجتماعية واقعية، وقادتهم يكررون باستمرار أن مثل تلك الصراعات لا أهمية لها. على أرض المسائل الاجتماعية الحقيقية يقف الإسلام السياسي في خندق الرأسمالية والإمبريالية المهيمنة، إنه يدافع عن مبدأ قدسية الملكية الفردية ويجيز عدم المساواة وكل متطلبات إعادة الإنتاج الرأسمالي، وأكبر مثال على ذلك يأتينا من متابعة نشاطات الحركات الإسلامية في البرلمانات العربية فهي كانت تدعم دائمًا القوانين التي تفيد الملاك الكبار وأصحاب رأس المال على حساب الفلاحين والمزارعين البسطاء، الاسلام السياسي حليف ثمين للإمبريالية - حتى لو ظن نشطاؤه عكس ذلك-، والامبريالية تعرف ذلك جيدًا.

قبل بداية الحرب الباردة -الحرب التي شكلت أوج العلاقة بين أمريكا والإسلام السياسي في الشرق الأوسط - وقعت حادثتان هامتان، الأولى عام 1933 وهي توقيع اتفاقية امتياز لأمريكا في السعودية بالنسبة لتصدير النفط لتصبح السعودية فيما بعد أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم من خلال شركة ارامكو. والتطور الثاني هو إعلان روزفلت أن السعودية خاضعة للحماية الأمريكية، وهو ما جاء في قوله إن الدفاع عن السعودية أمر حيوي للدفاع عن الولايات المتحدة، وجاءت هذه الخطوة من روزفلت لسببين:

أولها هو نفط السعودية الثمين. والسبب الثاني الاستراتيجي وهو التهديد السوفييتي المحتمل للخليج العربي، رغم أنه كان بعيدًا في ذلك الوقت، وكل رئيس أمريكي بعد ذلك أكد على إعلان روزفلت بأن امريكا تدافع عن السعودية، خاصة مرسوم أيزنهاوزر في عام 1957 ومرسوم كارتر عام 1980، وسبق في عام 1944 ان أرسلت أمريكا أول بعثة عسكرية لها إلى السعودية ووقع البلدان في 1945 اتفاقية تعاون عسكري أدت إلى إقامة قاعدة جوية أمريكية في الظهران، وتبع تلك الاتفاقية معاهدة في عام 1951 تقر بتمركز بعثة تدريبية دائمة في السعودية.

طابع السعودية كدولة إسلامية تتبع الفكر الوهابي الرجعي وتصدره إلى باقي أطراف العالم العربي لم يمنع الولايات المتحدة والغرب الاستعماري بأن يبني علاقات استراتيجية عميقة معها، بل بالعكس طبيعة السعودية الأيديولوجية هي أحد أهم العوامل التي عززت هذا التحالف، لما يحمله هذا الطالع الأيديولوجي الإسلامي السعودي من فوائد تعزز الأهداف الاستعمارية للغرب في العالم العربي.

ومع تطور الحرب الباردة أضيف عامل آخر يعزز وجود الغرب الاستعماري في الشرق الأوسط المتجسد في أمريكا وبريطانيا في حينه، وهو السلطة الدينية والثقافية للإسلام السياسي، والأهم بصفة خاصة في هذا الصدد هو الدور الذي ستلعبه السعودية باعتبارها مركز الإسلام السياسي وسفراؤها من تنظيم "الإخوان المسلمون" في العالم العربي باعتبارهم القوة الأكثر تنظيمًا وشعبية بين قوى الإسلام السياسي. وعندما ظهرت السعودية لتقوم بدور عنصر التوازن أمام ناصر في مصر والقومية العربية، ظهر عدد من عناصر "الإخوان المسلمون" ليقوموا بدور الدعاة لليمين الإسلامي في أنحاء المنطقة. وفي الوقت الذي كان "الإخوان المسلمون" يناضلون للحفاظ على وجودهم في مصر بفعل العداء لنظام جمال عبد الناصر كانت السعودية تغدق عليهم بالعطاء المادي كما عرضت عليهم أن يستخدموا أراضيها كملاذ آمن للهروب إليه، وقد شعر ملوك السعودية بتهديد من الشيوعية ورأوا في "الإخوان المسلمون" وغيرهم من اليمين الإسلامي حركة مناهضة للشيوعية، لذلك ومن أجل مناهضة الشيوعية والقومية العربية شجعت السعودية وساهمت في نمو "الإخوان المسلمون" في مصر وفي الشرق الأوسط قاطبة.

أيزنهاوزر و "الإخوان المسلمون"

في عام 1953 شهد البيت الأبيض مقابلة بين الرئيس الأمريكي أيزنهاوزر وسعيد رمضان المسئول العسكري والأيديولوجي لتنظيم "الإخوان المسلمون" في حينه وقد كان صهر مؤسس الجماعة حسن البنا وخلفه في قيادتها وخلفه في دوره كسفير سعودي للأسلمة في العالم العربي بالتالي سفير للاستراتيجية الأمريكية، كان وجود رمضان في أمريكا في الأساس بهدف المشاركة في منتدى عن الثقافة الإسلامية في جامعة برينستون الى جانب رحلة إلى واشنطن ضمن البرنامج، كان المنتدى من تنظيم الحكومة الأمريكية ودعت إليه مشاركين ترى أنهم يمكن أن يكونوا متعاونين معها على نحو يعود بالفائدة، ومنهم سعيد رمضان، وكانت إدارة المعلومات الدولية التابعة للخارجية الأمريكية والتي لها جذور في المخابرات المركزية من بين الممولين للمؤتمر. الهدف من هذا المنتدى الإسلامي كان سياسيا بحتا، كان يهدف المؤتمر الى جمع شخصيات ذات نفوذ كبير في تشكيل الرأي العام الإسلامي ومن المتوقع منها أن تخدم الأهداف الأمريكية في الولوج إلى العالم العربي وتوجيهه الى محاربة السيطرة السوفييتية. كان لسعيد رمضان الدور الأساسي في قيادة "الإخوان المسلمون" ونشر فروع لهم في الدول العربية وتوجيههم لمحاربة المشاريع والحركات التقدمية والعلمانية والاشتراكية والقومية وقد أصبح حليفا مهما للعائلة المالكة السعودية في تعبئة الكتلة الإسلامية من الدول والحركات المناهضة للشيوعية والتوسع السوفييتي في تنفيذ للاستراتيجية الأمريكية.

تميزت فترة الحرب الباردة بتحالف استراتيجي عميق بين الغرب الامبريالي والسعودية والإسلام السياسي بهدف ضرب كل الحركات اليسارية والعلمانية التنويرية المنحازة للاتحاد السوفييتي والتي تشكل خطرًا على مصالح الغرب في المنطقة، وقد حاول الإسلام السياسي تجنيد الشعوب العربية إلى جانب الغرب في مواجهة السوفييت بقناع الإسلام وبحجة أن امريكا هي في النهاية دولة مؤمنة تحارب الإلحاد الذي يحاول ننشره الاتحاد السوفييتي وأتباعه من الشيوعيين في العالم العربي، أما الغرب الرسمي المتمدن فقد فضل دومًا الاستبداد الظلامي والفكر الأصولي الرجعي للإسلام السياسي- الأقل خطرًا على مصالحه - على مشروع اليسار التنويري الحضاري.

أفغانستان مثلًا شهدت أفضل فترة في تاريخها الحديث خلال ما يسمى بالجمهورية الشيوعية، كان ذلك النظام نظامًا حداثيا وتنويريا، فتح النظام المدارس للأطفال من الجنسين. كان معاديًا للظلامية، ولهذا السبب كان له دعم حاسم في المجتمع. الإصلاح الزراعي الذي قام به كان بأغلبه مجموعة من الإجراءات الهادفة لتقليص سلطات القادة القبليين وطغيانهم، ودعم الأغلبية الفلاحية كان من شأنه أن يضمن النجاح المحتمل لهذه البداية الجيدة للتغيير، كانت أفغانستان دولة إقطاعية يحكمها نظام شاه وراثي ويسودها التخلف قبل الثورة التي قادها الحزب الديمقراطي الشعبي (حزب ماركسي لينيني)، حينما وصل الحزب إلى الحكم قام بإصلاحات عديدة وجعلوا التعليم إلزاميا ومجانيا للجميع وقام بتحرير المرأة وتشجيعها على العمل وقام ببناء العديد من المصانع وتوفير فرص العمل لعديد من أبناء الشعب الأفغاني، وأعلن أفغانستان جمهورية علمانية مما أغضب رجال المؤسسة الدينية وصنع أرضية خصبة للدعاية الامبريالية ضد النظام، الدعاية التي نشرها الإعلام الغربي وكذلك الإسلام السياسي، والتي تصور هذه التجربة الشيوعية على أنها إلحادية وشمولية.

وبالفعل كما أٌعلن أصبحت أفغانستان لأول مرة دولة علمانية وفصل فيها الدين عن السياسة، وأما المرأة فقد تم القضاء على كل ممارسات التمييز ضدها وتم إعطاؤها مناصب مهمة في الدولة كما تم إلغاء "المهر". وبحلول عام 1988 كانت النساء تُشكلن 40% من نسبة الأطباء في الدولة، الغرب الاستعماري في حينه جند كل قوته في دعم نشر الأفكار الإسلامية المعادية للشيوعية، الغرب الاستعماري ساهم وبكل قوة اقتصادية ومخابراتية وعسكرية في تعزيز الأفكار الظلامية الرجعية المعادية للتقدم والتنوير بهدف تجنيد الشعب الأفغاني البسيط ضد النظام الشيوعي، كما ساهم بتسليح الحركات الرجعية التي أطلقت على نفسها مسمى "المجاهدين"..

"مجاهدو" عملية "سايكلون"

سُميت عملية الاستخبارات الأمريكية لتسليح من وصفوا بـ المجاهدين بعملية "سايكلون"، أي الإعصار. كانت هذه العملية أطول عملية في تاريخ المخابرات الأمريكية وأكثرها تكلفة حيث بدأ التمويل بـ 10 ملايين دولار سنويًا في أول الحرب وانتهى بمبلغ يقدر بمليار دولار سنويًا في نهاية الحرب. كانت عملية سايكلون بتنسيق مباشر مع العديد من الوكالات الاستخباراتية أهمها الباكستانية والمصرية والإسرائيلية والسعودية. في البداية، لم تكن ترغب حكومة الولايات المتحدة بتزويد "المجاهدين" بالأسلحة الأمريكية فذلك يُعتبر فضيحة دولية، وهنا يأتي دور اسرائيل حيث باعت مخزونها الضخم من الاسلحة السوفييتة الى الولايات المتحدة التي بدورها كانت تُزود المجاهدين بها، فقد كانت اسرائيل اكثر دولة صديقة للغرب تمتلك أكبر مخزون اسلحة سوفييتية حيث اغتنمتها خلال حروبها مع مصر وسوريا والفصائل الفلسطينية الذين كانوا جميعًا يتسلحون بالأسلحة السوفييتية آنذاك. اما بعد أن أصبح الدعم الأمريكي للمجاهدين مفضوحًا عالميًا، أصبحت الولايات المتحدة تزود المجاهدين بصواريخ التاو المضادة للدبابات وصواريخ الستينجر المضادة للطائرات، التي كانت سببًا رئيسًا في ترجيح كفة "المجاهدين" في ساحة المعركة. استمر هذا الدعم العسكري الأمريكي حتى انسحاب القوات السوفييتية الداعمة ومن ثم سقوط النظام الشيوعي في أفغانسان. وبعد أن اصبحت أفغانستان من أفضل الدول في العالم الثالث ومن أسرع الاقتصادات نموًا تحت حكم الشيوعيين، تحولت بعد تسلّم الاسلاميين للحكم الى دولة تُعتبر من أفشل الدول اقتصاديًا وأكثرها جهلا وتخلفا ومن أكثر الدول تصديرًا للمخدرات. بعد أن كان لدى أفغانستان أمل في التطور وفي أن تكون دولة مدنية صناعية حديثة أصبحت على أيدي الاسلاميين المدعومين من أمريكا وكرًا للإرهاب والتطرف والتخلف والظلامية. ومرة أخرى فضل الغرب الاستعماري الحركات الإسلامية وفكرها الرجعي ودعمها بكل قوة أمام التقدم والتنوير.

من اليسار: رئيس المخابرات الباكستانية حميد غُل، رئيس الـ سي آي ايه ويليان وبستر نائب الرئيس لشؤون العمليات كلير جورج، عقيد باكستاني ومسؤول كبير في الـ سي آي ايه، في تدريب لـ"المجاهدين" الأفغان في معسكر شمال-غرب باكستان

ولنا في الحاضر السياسي للمنطقة الكثير من الشواهد والأمثلة فالنظام السوري مثلًا لم يكن أكثر الأنظمة ديمقراطية في العالم ولم يكن علمانيًا بمعنى الكلمة، لكن يُشهد له أنه أكثر نظام عربي خاض شوطًا كبيرًا في التنوير والتقدم العلمانية وكان للمرأة فيه مكانة لم تحصل عليه تحت حكم أي نظام عربي آخر، ومع ذلك لم يدعم هنا الغرب الاستعماري التقدم والتنوير والابتعاد عن الإسلام كما يُروج الإسلاميون، بل دعم الحركات الإسلامية المتطرفة والمتشددة عدوة المرأة والتحرر والتقدم، دعم الغرب الاستعماري في سوريا حركات رجعية لم ير التاريخ لها مثيلًا أمام الفكر المتنور والتقدمي فقط لأنه يحمل أفقا مقاوما وتحرريا منعتقا من المركزية الامبريالية.

غير أن خطة الادارة الأمريكية اليوم واضحة في ظل الصراع القائم اليوم في الشرق الأوسط وهي تحويل الصراع في المنطقة من صراع عربي-اسرائيلي يكرس المواجهة ضد اسرائيل كدولة احتلال تسلب حقوق الشعب الفلسطيني وتنفذ ضده أبشع الجرائم الانسانية وتشكل مشروعا استعماريا توسعيا يساهم في كتم ومحاربة كل نفس تحرري في المنطقة الى صراع سني- شيعي يكرس المواجهة بين الدول العربية وبين ايران وحزب الله والنظام السوري وحلفائهم، والاسلام السياسي في تحريضه المستمر على الشيعة من على كل المنابر المتاحة والترويج على أنهم الخطر الاكبر الذي يدهم المسلمين اليوم، يصب في مصلحة الخطة الامبريالية في بث أيديولوجيا مزيفة في الوعي العربي المسلم العام على أن ايران هي العدو والخطر الأكبر الذي يستوجب التحالف مع اسرائيل وأمريكا لمواجهته. والحركة الاسلامية في الداخل لم تكن بعيدة عن هذا الترويج الكاذب من على منابر المساجد ومنصاتهم الاعلامية المختلفة، بالتحريض على ايران وحزب الله وإظهار الشيعة على انهم حاقدون على الاسلام، بالشكل الذي يرضي المشروع الأمريكي ويشفي آماله التفريقية النهبوية.

وكما أن المخطط في تأجيج الصراع السني-الشيعي وهو ما تساهم به حركات الاسلام السياسي إن لم يفض إلى تفتيت المنطقة بشكل تام وتحويلها الى دوليات متحاربة ولقمة سائغة للانتشار الاستعماري، فهو له توابع تتعلق بالحل المطروح من قبل الادارة الأمريكية والذي يشكل صلب مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته الادارة الأمريكية عام 2004، والذي كان أحد أهم أهدافه المعلنة هو ربط المنطقة الممتدة بين كابول والدار البيضاء وحلب وعدن بمنظومة الناتو الاقتصادية والأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وهذا الحل الذي يصب في صلب المشروع هو الحل المسمى "بديمقراطية المكونات" أي بناء منطقة يتحدد الانسان فيها ويُعرف ويتفاعل مع مؤسسات الدولة حسب مكونه الطائفي أو الاثني أو الديني، وليس من خلال انتمائه الأيديولوجي كما في الدول الأوربية وأمريكا، كما تم تنفيذه في العراق ويطرح الآن كحل يلوح في الأفق للأزمة السورية، وللإسلام السياسي بالذات الدور الأكبر في تحضير أرضية خصبة لهذا المُخطط وتمكينه، عن طريق تعزيز المكون الطائفي الديني للفرد كأساس لتعريفه وتحديد تفاعله مع المنظومة السياسية ودثر المُكون الوطني الجامع للأفراد وتجريدهم من الأيديولوجيات السياسية، وهذا ما تعيه الادارة الأمريكية جيدًا وتعتمد أيما اعتماد على هذه المساعدة التي يُقدمها الاسلام السياسي.

لا مشكلة للاستعمار مع الطائفية

الترويج اذًا لوجود مؤامرة غربية على الاسلام وكلاؤها الأحزاب والجمعيات التي تنشر قيم التقدمية والتنوير وتصدها الحركة الاسلامية ومنظروها، كلام ليس له أي اساس من الصحة، لان الحقيقة التاريخية والواقع السياسي يبين وبشكل واضح ان الغرب الاستعماري ليس لديه أي مشكلة مع الأفكار الرجعية والمتحجرة والطائفية التي تبثها حركات الاسلام السياسي في العالم العربي وفي الداخل، والتي يجب أن نؤكد دائمًا أنها لا تمت للإسلام كدين بأي صلة، بل هي نتاج لاحتكار البعض للفكر الديني وتفسيره واستخدامه ليخدم مصالحهم ومآربهم السياسية الانتهازية، بل ان الغرب دعم ويدعم هذه الأفكار التي يبثونها لفائدتها التفريقية والتفتيتية التي تصب في قلب مصالحهم الاستعمارية والنهبوية.

هناك مؤامرة غربية استعمارية نعم، ولكنها ليست على الاسلام ولا تصدها الحركة الاسلامية، هناك مؤامرة على الطبقات المسحوقة والمهمشة وعلى الشعوب المحتلة والمضطهدة بمسلميها ومسيحييها وبسنييها وشيعييها، هناك مؤامرة على حركة التحرر الوطني في المنطقة وعلى النفس المقاوم التقدمي الذي يريد أن ينعتق من التبعية الامريكية. والحركة الاسلامية ومنظروها وخطباؤها لا يصدون شيئًا بل هم بوعي أو بغير وعي جزء من هذه المؤامرة على الشعوب العربية بارتمائهم بحضن الرجعية العربية والوهابية السعودية وتحريضهم على الشيعة وايران وحزب الله ونشر فكرهم الطائفي الفتنوي واشغالهم الناس بصغريات الأمور عن القضايا القومية والانسانية الملحة، وأما من يقف بوجه المؤامرة حقًا فهو نحن بتعزيز الثقافة التقدمية والتنويرية الانسانية وبوقوفنا في الخندق الصحيح المقابل والمواجه للثلاثي الدنس: الرجعية العربية والامبريالية والصهيونية.