2016-07-10

تحديث التعليم.. أهداف وتحديات

ورقة مقدمة لمؤتمر التجديد الثقافي بالقاهرة، الذي عقد بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة في مصر خلال الفترة 29-31 أيار 2016.

سعيد مضيه

الثقافة العربية مأزومة وتعاني انيميا حادة. شهدت محاولات جادة للتحديث على أيدي المنورين العرب، ومنهم فلسطينيون؛ ثم انتعشت وتطورت ثقافة وطنية إبان حقبة النهوض التحرري واكتسبت عناصر حداثة لم تتغلغل في الوعي الاجتماعي حين اعترض تطورها الصاعد ازمات سياسية أربكت حركة التحرر العربية، وافقدتها قدرة المبادرة ثم اضطرتها للانكفاء. كان أمل رواد التنوير عصرنة الوعي الاجتماعي كي يمكنه تفهم واحتواء التطورات العالمية. خاب الأمل، نظرا لأن الإدارات الانتدابية نمطت نظاما تعليميا يؤهل المتعلمين للعمل في وظائف بيروقراطية ضمن نظام سياسي أبوي يفضل الولاء على الإنجاز. ضمن هذا التنميط خصص للمعلم دور مخاطبة الطلبة من منزلة عالية بدون مشاركة حوارية؛ فيطبع الأجيال للتعايش مع نظم أبوية أوامرية الإدارة لا تقبل التشاركية. ينمي التعليم الطبقي ثقافة صمت تشي خضوعا طبقيا و ثقافة لفظية ماضوية، ثقافة سطحية تدفع المرء تلقائيا في لجج التيار السلفي.

تقتضي مطالب عصرنة الحياة الاجتماعية، من ديمقراطية وتنمية اجتماعية وتقدم، إدخال مبدأ التعليم الحواري، خير وسيلة لاجتثاث ثقافة الصمت". مع الحوار ودوراته وتموجاته في العملية التعليمية تتولد القدرة النقدية ويتم تشجيع التأمل الذاتي الواعي والتبصر كيف يتعلم المعلم وفي تقييم ما يتعلمه وفي قيمة ما يتعلمه في فهم الواقع وتفهم مداخل العمل لتغييره . [1/200].

مظاهر الأنيميا الثقافة

ترتبط الثقافة بعلاقة جدلية مع ظاهرات المجتمع كافة، خاصة السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ، واوثق علاقة تبادلية منسوجة مع التربية والتعليم.  ان علل المجتمعات العربية يكمن معظمها في تقليص حيز الثقافة بعملية التعليم. ففي عرف الإرشاد التربوي يتميز المدرس المتفوق بالقدرة على حقن المعلومة في ذاكرة التلاميذ لكي يسترجعها على ورقة الامتحان؛أسلوب تلقيني سخر منه الخبير التربوي المشهور دوليا،باولو فريري، إذ أطلق عليه مفهوم " التعليم البنكي"، كناية عن إيداع مؤقت لا يدخل في نسيج الوعي المرشّد للممارسة العملية في الحياة. إن الهدف الأساس لتحديث التعليم العربي تنمية التفكير النقدي والإبداع، وإكساب مهارات التخطيط والتنظيم ضمن ملكة التفكير الاستراتيجي.

من مظاهر انيميا الثقافة وهن مقاومة الوعي الاجتماعي العربي لتدفق امبريالية الثقافة، وفدت في زي نهج استهلاكي تطور إلى ليبرالية جديدة بزغت على المعمورة مع بداية سبعينات القرن الماضي. ومن ظاهرات الأنيميا الثقافية عزوف عن المعرفة، حيث "المعرفة هي الفريضة الغائبة في امة العرب" حسب تقرير التنمية الإنسانية للعام 2003[3/173]. واورد نفس التقرير أن امة العرب تقبع في ذيل قائمة إنتاج الكتب في العالم، إذ يبلغ إنتاجها دون إنتاج تركيا التي لا يتعدى سكانها ربع عدد سكان البلدان العربية، ويعادل نصف ما تنتجه إسرائيل ذات الملايين الستة. وفي مجال الترجمة فإن ما ترجم من الكتب منذ العصر العباسي يعادل ما يترجم في إسبانيا وهي ليست رائدة في الميدان .

تفصح إحصاءات نشر الكتاب في بلاد العرب عن تصحر ثقافي هو، في الأساس والجوهر، الثمرة المرة لنظمها التعليمية. الإقبال على المطالعة يضع مجتمعات العرب في ذيل القائمة .

الثقافة نسق من المعلومات والقيم ومعايير السلوك تتواشج في الممارسة العملية لتقارب المشاكل والتحديات .

من مظاهر تخلف التعليم الفلسطيني وتخلف المجتمع بأسره فصم علاقة التعليم بالثقافة. فمن شروط عصرنة التربية والتعليم تعزيز الهوية القومية لتحدي نزعة الهيمنة للتنميط الثقافي طبقا للنظرة الأميركية. الفريضة الغائبة للتربية في فلسطين عقلنة التحدي للاحتلال . فمن عوامل الانتكاسات المتلاحقة للمقاومة الفلسطينية فشل التعليم في تربية العقل النقدي والمبدع ، الأمر الذي أفسح المجال للانفعالية والنزق والارتجال، على مدى النضال الفلسطيني المقاوم. وليس بغير الحداثة والعقل العلمي المبدع والنقدي يمكن إنجاز مهام كنس الاحتلال الإسرائيلي  وإقامة الدولة الوطنية ذات السيادة.

تعمد المنهاج المدرسي في فلسطين منذ عهد الانتداب البريطاني، تغييب ثقافة التنوير الفلسطينية، وموضوع الفلسفة. أرسى الانتداب البريطاني نظاما تعليميا معاقا ألقى ظلاله القاتمة على ثقافة التنوير فعطل قدرات العقل الإبداعية وحال دون تمكين الثقافة بمنجزات العلم. استمرت الأمية بمستوياتها العالية كما تركها السلاطين العثمانيون. وبتأثير النظام التعليمي وأنماط الاقتصاد الفاعلة تشكلت حياة ثقافية هشة أغرت الهجمة الصهيونية بتقويضها من اجل تعميق الهزيمة .

سرت جينة التسلط مفهوما للسلطة في الممارسة السياسية والتعليمية وعبر اللغة العربية  منطويا على التسلط المشحون بالعنف والجبروت والسطوة والتغلب. نسخت الإدارة الانتدابية تجربة نظام التعليم الذي أقره لمصر لورد كرومر. النظام الكولنيالي قمع براعم الحداثة وحقن القديم بالمنشطات، نماذج اقتصادية وثقافة وعلاقات اجتماعية.  وكذلك أنظمة الحكم التي ورثت السيطرة الكولنيالية حافظت على العلاقات الاجتماعية واحتكرت الإشراف على التعليم والإعلام  كي تعيد إنتاج نظامها وتمده بأسباب القوة والمنعة. 

قبل ان تبتلى الثقافة العربية في فلسطين بالتباسات السياسة تصدّر النشاط السياسي مثقفون تنويريون ادركوا ملابسات الواقع، خاصة الغزو الصهيوني الاستيطاني، وعكسوه في إبداعاتهم. أدركوا قيمة الثقافة في تنوير الوعي وسلطوا الأضواء على الاستبداد السياسي والتخلف الدهري وصولا إلى تحديث الحياة والفكر. بزغت الثقافة الحداثية عفية في إبداعات المنورين الفلسطينيين، محمد روحي الخالدي وخليل السكاكيني وبندلي الجوزي وإسعاف النشاشيبي وخليل بيدس ونجيب نصار ونجيب عازوري وكلثوم عودة وتوفيق كنعان. التباسات السياسة أحالت على الثقافة ارباكا وحيرة، وطمرت جميع إبداعات التنوير الفلسطيني تحت ركام كارثة 194؛ وما زال رواد التنوير مجهولين في فلسطين ، لأن الظلامية التي كافحها التنوير عادت وأمسكت بزمام التربية والتعليم.

ومن أعراض الأنيميا الثقافية فتور عزائم التغيير الديمقراطي في عالم العرب وتلوث الوعي الاجتماعي بالتعصب وضيق الأفق وهزال المشاركة العامة في قضايا المجتمع. فتور العزيمة حصاد تعليم لفظي لا يعنى بالتطبيق العملي. ومن منظور مثقف عربي بارز [4] "اهم أسباب التخلف والتفكك الاجتماعي والهزائم، وبالتالي حالة الإحباط التي يعيشها العالم العربي، جهل لقيمة أساسية غائبة عن الثقافة السياسية العربية، أي اقتناع المواطن، وخاصة النخب العربية، بأن عليها يقع وبشكل أساسي، عبء حل الإشكاليات ومواجهة التحديات التي تعترضها والتغلب عليها ، وان يترسخ لديها وعي عميق لأهمية الربط بين الجهد والنتيجة لتحقيق أي هدف تسعى إليه".

اما أفدح مخاطر التعليم على المصير الوطني فيتمثل في عزلة قوى التغيير الديمقراطي عن الجماهير. فالمدرسة والجامعة تخرجان سلفيين تحكموا في مفاصل العملية التعليمية وقطاعات اقتصاد الليبرالية الجديدة، وتحكموا في وعي الجماهير باسم المقدس . نشأت أجيال من المتعلمين احتفظت بالثقافة التقليدية، دأبها الولاء والطاعة العمياء. أفرغ التعليم من الثقافة الوطنية، باستثناء نسبة ضئيلة امكنها تجاوز مقتضيات النظام الأبوي، بل والتمرد عليه.

أخذ يتعمق اغتراب قوى التغيير الاجتماعي عن الجماهير المأزومة منذ سبعينات القرن الماضي، حين وعت الرأسمالية أزمتها البنيوية المزمنة، وأدركت ان ليس بمقدورها القضاء على الفقر والبطالة في مجتمعها او  تقديم علاج ناجع للفقر والتخلف في البلدان النامية. في ستينات القرن الماضي صدّرت اميركا للعالم الاستهلاكية نمط اقتصاد وثقافة فقوضت مشاريع التنمية في الأقطار النامية وهوت بالتعليم إلى تنمية الاستهلاك والتخلف. وفي السبعينات صدرت عولمة الليبرالية الجديدة.

عوائق التحديث

في دراسة أجراها الخبير التربوي عيسى السورطي [2] بعنوان " التربية السلطوية" اورد الباحث انتقادات لنظم تربية عربية لا تثمر ثقافة. نقل عن 360 خبيرا تربويا في بلاد العرب انتقاداتهم لنظم التربية دون ان تحظى باستجابة المشرفين على التربية. فلماذا الإصرار على نهج في التعليم يعيد إنتاج الجهل واستلاب المواطن واغترابه ؟!

عوامل ثلاث، متشابكة عضويا بالتخلف والاستلاب، تكالبت لتثبيت الأعطاب الاجتماعية : جدل التخلف والتبعية الذي عزز عاملين محليين رئيسين للتخلف، قوة الاستمرار أو التقليد، النظم السياسية الأبوية .

أشد العوامل فتكا بأشواق التحرر الإنساني نظام كوني اكتسح البشرية وحركة التحرر الإنساني متجسدا في ليبرالية جديدة معولمة، هي "نموذج متوحش لأصولية السوق، لم تنبذ القيم العامة والمؤسسات العامة والمصالح العامة وحسب، بل احتضنت إيديولوجية السوق التي تمجد سلطة النخبة المالية والبيزنس الكبير"[9]. أحد المطلعين على دواخل النظام الليبرالي الجديد في اميركا، عمل في السابق مساعد وزير المالية ومحرر بصحيفة وول ستريت جورنال، حلل آلية عمل الليبرالية الجديدة، حيث "ثروات البليونيريين تجمعت بأساليب طفيلية قائمة على الاستغلال وليس على الإنتاج". والأموال ترفع السلطة السياسية للأفراد درجات على سلطة الناخبين. حقا غدت الأموال هي القوة الناخبة. توظف الأموال في شراء التحكم السياسي الذي يقوض الحكومة التمثيلية.. الليبرالية تنشر الحكم الشمولي داخل الولايات المتحدة وعلى صعيد العالم. تلك هي حقيقة وطابع الليبرالية الجديدة في مجالي الاقتصاد والسياسة"(11).

هذا النمط الافتراسي من النهب يطبقه المستوطنون اليهود، مسخرين نظام الابارتهايد الاسرائيلي في فلسطين. فهو نظام يمد جذوره في عولمة الليبرالية الجديدة، يشكل مخالبها الفولاية التي تمزق ما تبقى من الوطن الفلسطيني. كان ريتشارد بيرل، احد كواسر الليبرالية الجديدة، هو الذي حرض نتنياهو اثناء الحملة انتخابية عام 1996 على إدخال بند في برنامجه الانتخابي ينص لأول مرة على رفض الانسحاب  من أراضي السلطة الفلسطينية. وعلى الأراضي الفلسطينية المحتلة تبنى مؤسسات إنتاج المعدات الأمنية والعسكرية التي تصدر إلى دول عدة ذات نظم أمنية، وعززت روابط إسرائيل مع تلك الدول. وضع الاحتلال شعب فلسطين في منزلة فضلات ينبغي التخلص منها disposable، مستلهما فكر الداروينية الاجتماعية ومبدأها الرئيس"البقاء للأصلح".

عرض البروفيسور الأميركي، غيروكس، رئيس كرسي الدراسات الثقافية بجامعة ماكماستر، التوصيف الموضوعي لجناية الليبرالية الجديدة في ميدان التعليم والثقافة.

من أحدث مؤلفاته "نواقص التعليم في اميركا والحرب ضد الشباب"(مانثلي ريفيو بريس2013) و"حرب الليبرالية الجديدة ضد التعليم العالي(هاي ماركت بريس 2014)، "التفكير الخطير في عصر الشمولية الجديدة (ناشرو نيو باراديغم، 2015). كشف الأكاديمي الأميركي الطابع اللاإنساني والمناهض للديمقراطية في ثقافة الليبرالية الجديدة؛ فرسالتها تجريف التعليم العالي وقصره على التدريب المهني.

تستبدل الشمولية بالديمقراطية. في مقابلة اجراها معه بيتار جاندريك من جامعة زغرب (صربيا) كشف مساعي "الليبرالية الجديدة، تدعمها الأصولية الدينية، لتصفية التعليم العام، على الأقل داخل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وإفراغ التعليم الجامعي من الدراسات الإنسانية وبخاصة الفلسفة، وإذا تعذر ذلك يتم حصار الفلسفة خلف أسوار الجامعات. "ما تبقى طافيا على السطح فلسفة بلا أسنان لا تعنى بشيء ويصعب فهمها "[9].

يصوت ممثلو الليبرالية الجديدة داخل المجالس التشريعية لتقليص مخصصات التعليم والصحة. كما تجهد للحد من الدراسات الثقافية التي تلقي الأضواء على المشاكل الاجتماعية . تريد الليبرالية الجديدة تعليما ينحصر في التدريب على مهن تخدم الراسمال، منزوعا منه ثقافة تهتم بقضايا العدالة والديمقراطية والسلم والبيئة ومجمل الروابط الإنسانية. "في ظل الليبرالية الجديدة ينظر للتعليم العالي على انه يشكل خطورة، لأن لديه قابلية ترشيد الشباب إلى التفكير النقدي والتعلم كيف يقومون بأعباء السلطة... وأي نسق، او موضوع أكاديمي او فكرة لا تخدم حاجات الرأسمال تعتبر غير جديرة او عديمة الفائدة. والمعرفة الوحيدة التي تحتفظ بالقيمة هي تلك التي تباركها المصالح التجارية وكل ما يمليه النشاط التجاري"[10].

عرى غيروكس جينات العقم "في هذا النظام السياسي لا تتهدد قيم الديمقراطية والحماية الاجتماعية وحسب، بل وكذلك الثقافات المدنية التي تجعل من تلك القيم والحمائيات مركز الحياة الديمقراطية". هناك الخيط اللاظم في صلب الليبرالية الجديدة بمختلف نماذجها ينمي الكيانات المتوحشة، السياسية والاقتصادية، ويتعهد العنف على نطاق واسع، ويمسخ الحياة السياسية ويحيل مهماتها التنفيذية إلى المؤسسات الخاصة.  إمعانا في مكافحة الثقافة الإنسانية ابتكرت الليبرالية الجديدة ما سمي  آلية ثلم الخيال (disimmagination). والآلية "مركب من أجهزة ثقافية تمتد من المدرسة والميديا المتنفذة حتى الثقافة الساذجة وأجهزة الدعاية العاملة بصورة رئيسة لتقويض قدرة الأفراد على التفكير النقدي وتعطيل المخيال المبدع، ثم تعطل  الانخراط في الحوارات العقلية النقدية"[9].

جرى تعميم النظام الاقتصادي الجديد على جميع الدول التي كابدت النهب الافتراسي والإفقار. انحطت معايير تقييم البشر، إذ تدهورت كتل بشرية  إلى مكانة  فضلات يتوجب الخلاص منها. طفت على سطح المستنقع نخب جديدة ذات تفكير عولمي منمط ،تنظر إلى ارتباطها القومي بقايا ثقافة متخشبة آيلة للانقراض. تلك النخب "لا تبدي الولاء لدولة قومية ولا يهمها ما تنزله من خراب بالعمال وبالبيئة او ببقية البشر" [10]

بتسلط الليبرالية الجديدة نشرت داخل الولايات المتحدة الأميركية وعممت على العالم المتورط بمشاريع "التصحيح الاقتصادي"، المستلهمة مخطط الهيمنة الكونية لعولمة الليبرالية الجديدة، "تخفيض مخصصات التعليم في كل مستوياته، بات مقتصرا على التدريب منزوعا منه التفكير النقدي  والحوار والتعلم  النقدي. حاصرت الخصخصة مؤسسات التعليم ، وهوت بمنزلة المعلم إلى حاجب على باب الامبراطورية؛ وفى نفس الوقت بات التعليم العالي عرضة لهجمات من قبل انصار الشركات الاحتكارية" [10].

صاغ الباحث مفهوم رأسمالية الكازينو للتعبير عن رأسمالية تقذف الخاسر والمغلوب خارج الحلبة بدون تعاطف ولا تضامن او تكافل. حقا فالجمهور الواسع الذي لفظته إجراءات التصحيح الاقتصادي (وهو ما أطلقته  الليبرالية الجديدة على عمليات التدمير لاقتصادات بلدان عديدة) وجميع ضحايا نشاط الاحتكارات على صعيد العالم، وكذلك الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره.. كل هؤلاء شكلوا مكاره اجتماعية يتوجب الخلاص منها.

لحقت الخصخصة قطاع التعليم بناء على وصفة تخفيض نفقات الحكومة. برز نمطان من التعليم أحدهما حكومي يطلق عليه التعليم المجاني ، رغم انه يكلف خزينة الدولة، وآخر عالي الكلفة لأبناء الأثرياء يؤهل لتسلم الوظائف المقررة ويشيع توارث المراكز الحساسة من الآباء للأبناء. باتت الوظائف العالية حكرا للأغنياء يورثونها للأبناء ممن تأهلوا بفضل نوعية التعليم المتاحة؛ سعت الليبرالية وما زالت تسعى لتنميط وعي عولمي يعزز نظرة النخب لانتمائهم القومي على انه مجرد صدفة. ثقافة الليبرالية تدعو لإهدار الكيانات الوطنية.

والعامل الثاني تجسد في ثقافة العصر الوسيط التي لم تستاصل من المجتمعات العربية – الإسلامية. فنظام التعليم الموحد في الأقطار العربية، وإن تناسل من النظام الذي وضعته السيطرة الكولونيالية، إلا أنه تمكن طوال اكثر من قرن نظرا لأنه واصل تقليد الثقافة العربية –الإسلامية في العصر الوسيط، تقديم النقل على العقل. والتقليد والعادة عقبة كأداء بوجه التغيير التقدمي. كان هناك "سياق منهجي لانتقال التعليم الديني في المساجد، على الأخص المساجد الكبيرة الجامعة، حيث كانت تلتئم حلقات من التلامذة حول معلم يجلس مستندا إلى عمود، يشرح موضوعا عن طريقة قراءة كتاب والتعليق عليه"[6].

نظرا لنفوذ التدين على الوعي الاجتماعي فإن تعليم مادة الدين في المدارس، وفي المعاهد الدينية على وجه الخصوص، يرسخ في الوعي الاجتماعي مفهوما مناقضا للتفكير السوي. تزخم المناهج بما يناقض التفكير العقلاني. كما إن أسلوب التدريس التلقيني متكامل مع نمط  الفقه والتفسيرات والتأويلات التي يتم تدريسها وتبنيها.

تستحضر مناهج التعليم الديني فقه العصر الوسيط، الداعمة للاستبداد السياسي والموجهة خصيصا لتغييب وعي الجماهير المسحوقة. مجافاة منهج التعليم الديني للراهنية الحضارية، وهو ما يتجلى في غياب عناصر الواقعية، والعلمية، والمعقولية يحيله حشوا فارغا لا يسقط على تربة اجتماعية بذرة صالحة للنماء. صِدقية المعرفة أحد الشروط اللازمة لحفظ الفكر الدّيني من الزّيغ والضلال.

إن انغلاق الدرس الديني على المنجَز العلمي العالمي هو نتيجة طبيعية لانعدام المنفتحين على علوم العصر وفلسفته بين مشايخ السلفية السنية والشيعية. بات الإلمام بعلوم شتى ضرورة ملحة لتفهم آلية النفسية الاجتماعية الراهنة مثل علم الاجتماعي السياسي والديني وتاريخ الأديان وإنسانية المبحث الديني. يقتضي الإصلاح الجوهري في تدريس الدين إدخال المناهج التحليلية والانفتاح على القضايا الإنسانية المعرضة لضغوط العولمة وثقافة الليبرالية الجديدة؛ كما يستوجب تفكيك  جدلية التخلف والتبعية في ميدان التعليم.  

حقا احتضنت الكولونيالية الكثير من قيم التخلف في الحياة الاجتماعية العربية، وأمدتها بالمنشطات من خلال الأنشطة الإدارية، السياسية والاقتصادية والثقافية. تحالفت الكولونيالية مع إرث العصر الوسيط وأضفت عليه طابع العلم الزائف.

والنقل تلفيقي لا يسترشد بحاجات المجتمع، بل يتبع الهوى وإرضاء السلطان؛ يعطل العقل ويسترشد بفكر العصر الوسيط وقيمه ومعاييره.

لدى الحديث عن اركان العملية التعليمية يُذكر المعلم والكتاب او المنهاج الدراسي والبناء المدرسي، ويغفل ذكر الثقافة السائدة او فلسفة الحياة تغذي بصورة ارتجاعية العملية التعليمية، لتقيم علاقة تفاعل جدلي بين التعليم والثقافة. إن محاربة العقلانية قد أرست في الحياة الاجتماعية قيما تناقضت مع رسالة التعليم في نشر التنوير العلمي وإشاعة منهجية العلم في التفكير والحياة العملية.

حوربت العقلانية في الفقه في القرن الثالث الهجري، حيث حظرت المناظرات بمرسوم سلطوي، بدل الحوارات والمناظرات أقحم تكفير الرأي الآخر على الثقافة العربية – الإسلامية. اعتبر مروجو المعرفة والعلم زنادقة، وأدخلت حكاية الفرقة الناجية والفرق الهالكة التي اورثت الثقافة العربية الإسلامية تقليد اضطهاد المعارضة وفرض الصراع التناحري بين الآراء. كما أقحمت احاديث مفبركة عن الرسول؛ منها النبوءات التي سخرت مخدة تحفظ الوعي النائس من الارتطام بالفتن واختلال الأمن وسطوة الأشقياء؛ وكذلك الحديث المختلق حول شفاعة الرسول لأمته لتسويغ إدمان المنكر وعدم مساءلة الحكام. كان مما لابد منه تدهور الأمن واستباحة المجتمعات وفرض الخاوات واغتصاب الاملاك والممالك، حتى وصل الأمر بالفقه أن سوغ استيلاء صاحب الشوكة على الحكم "ولو كان سفيها او جهولا". اسقط فقه الاستبداد حد السرقة عن ممارسات النهب من قبل حاشية السلطان.

أتبعت السلفية طرد العقلانية من الفقه بطردها من الفكر والفلسفة في القرن الخامس الهجري. يحتفظ بأهمية في هذا المجال اعتراف أبي حامد الغزالي(450-505 هجرية 1058- 1111م) بأنه في كتاباته وتدريسه بالمدرسة النظامية لم يتبع الحق ومرضاة الله، بل الشهرة ورضى الحاكم. أدرك انه على شفا جرف هار.، انتابته لوثة عطلت لسانه، وعجز عن تدريس مريديه. سجل اعترافه في كتابه اللاحق، "إحياء علوم الدين". فك بذلك طلسم اعتكافه المفاجئ واعتزال التدريس في النظامية وخروجه سرا من بغداد. غيبت الأشعرية الاعتراف، وأبقت ملغزا اعتكافه واعتزاله المباغتين، بينما تمسكت بشطره السلفي في مؤلف " تهافت الفلاسفة" المتجني على العقلانية في الفكر، أسفر استبداد العصر الوسيط وهيمنة مقولة الفرق الهالكة عن تجذر نظام أبوي للحكم السلطوي.

احتكرت الأنظمة الأبوية نظام التعليم والإعلام، ورعت تربية سلطوية، وضعتها تحت إشراف السلفية لتدعيم وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية. استوعب التعليم السلطوي بيسر في ستينات القرن الماضي الاستعمار الجديد وثقافته ونمط اقتصاده الاستهلاكيين وتعايش معها. وقد ابتكر نمط الاقتصاد الاستهلاكي وثقافته مثقفون اميركيون محيطون بالرئيس جون كندي لغاية امبريالية؛ فاستبدلوا الاستهلاكية بالاقتصاد الإنتاجي. تدمرت مشاريع التنمية وبرز اتجاه لتنميط ثقافي عولمي معياره مستوى الاستهلاك واقحمت العادات الاستهلاكية الغربية على البلدان الفقيرة، تطلب النمط الاستهلاكي المستورد إنفاقا يفوق المداخيل المشروعة، الأمر الذي فاقم الاستغلال والنهب الافتراسي.

أجهضت النظم الأبوية النهضة التنويرية، وحافظت على التخلف. كشفت هزيمة حزيران 1967 عن مدى استفحال التخلف في شتى مناحي الحياة العربية الراهنة. إثر الهزيمة تأمل الدكتور هشام شرابي أسبابها في ثنايا المجتمعات العربية ؛ فأصدر عام 1973كتابه القيم "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، ابرز فيه جرائر النظام الأبوي المتحكم في ألأسرة وكل تنظيمات المجتمع. والتقط في نظام التعليم أسلوب التلقين، نموذ ج لأبوية النظام التعليمي، يروض الأجيال على الانصياع لمن هم أعلى واقوى.

وفي العام 1987 نشر كتابه عن النظام الأبوي. قيّم الشرابي الأبوية ، كنظام اجتماعي "سمة العلاقة الاجتماعية المركزية للتشكل الاجتماعى السابق على الرأسمالية".

المجتمع الأبوي يشد المجتمع إلى الأنماط القديمة في الاقتصاد والسياسة والثقافة، وبذلك يقعد المجتمع عن اختراق مأزق التخلف والتبعية. هو الذي أفشل النهضة التنويرية، حيث أنه "نوع محدد من البنية الاجتماعية/ السياسية، أيا كان هذا النظام - من العائلة إلى العصابة والمنظمة الاجتماعية  إلى الدولة – فإن الرأس يحتكر كل ما للمركز من هيمنة وسطوة ومسئولية مما يستنبت مع الزمن ششوتكرر في الممارسة ثقافة سلطوية اتكالية تنعدم معها التشاركية كقيمة وسلوك، سواء فى الحكم أو فى منافع الحكم"[5].

طورد الفكر الحداثي بتهم التكفير والتأثيم، وحيثما تركد البيئة الاجتماعية بتأثير التحريم والتكفير ونتيجة التباسات السياسة تغدو البيئة طاردة للإبداع. تنتعش ظاهرة التعصب الميت القابع خلف حركات السلفية الإرهابية . "حين يخصى العقل يتصلب الفكر ويسود الانفعال بالضرورة، ويفتقد الإنسان القدرة على التعامل المرن والاستيعابي مع الوقائع لخدمة نمائه، وكذلك الدينامية والحيوية الذهنية وما فيهما من قدرة على التجديد والتنويع. إن إلغاء التاريخ، بما هو بناء الكيان، يجعل العقل العربي لا إستراتيجي، لا تخطيط بعيد المدى ولا استيعاب للواقع في رؤية شمولية دينامية جدلية. [3/39]. تتدخّل سلطات الحكم لمنع الأفكار المغيرة للواقع نحو الأفضل، "وإذا حدث أن تمكن إبداع من الإفلات من هذه البنية المتحكمة بالعقل والآسرة للفكر، فإن الرقابة له بالمرصاد على مستوى النشر والتوزيع... يهدر الفكر الفعال المخصب  ويكتفى بالوجبات الفكرية السريعة عديمة القيمة الغذائية.[3 /174] .

والحصيلة أن "المجتمعات العربية خلت من ركائز مجتمع مدني يتعايش سلميا في حقوقه وواجباته ويوفر للجميع حقوق مواطنة متكافئة. وفي مجال الثقافة والتعليم، لا مجال للاتفاق بين التحديث وما تطرحه السلفية من تأويل للدين انطلى على الجماهير التي لم تدخل مدرسة السياسة، وتجهل حقيقة التاريخ العربي ـ الإسلامي، وتجهل قيمة العلم في الحياة. التحديث يقترن بالعلمانية التي تعنى بتقصي أسباب فقر الجماهير وتخلف المجتمعات وخضوعها لهيمنة القوى العظمى، وفشل صمودها بوجه التحديات، وهي أسباب أرضية تاريخية مرتبطة بواقع متعين. وأنى يكون للعلمانية مقام في فكر سياسي  يحجر على البحث العلمي في الجامعة، ويقصر النشاط الجامعي بتلقين المعلومات المنقولة عن السلف او المستوردة من المراكز العلمية المتقدمة؛ حينئذ تزدحم الجامعات بالسلفيين من أساتذة وطلبة، ينبذون معارفهم العلمية ويعزفون عن توظيفها  في حياتهم العملية؛ يعجزون عن التفكير المنطقي، ناهيك عن الإبداع في ميدان العلوم؛ بينما السلفيون يفرضون فكرهم بصولة الإرهاب التكفيري.

من خلال وعي القهر ووعي الفقر يتولد الموقف الثوري. ووعي مخاطر النظم الأبوية على المصير الوطني والقومي، خاصة في مجال التربية والتعليم، هو المحفز للنشاط الديمقراطي من اجل نظام يتقبل تداول الحكم. وفي الانتفاضات الجماهيرية الأخيرة امسكت الشعوب العربية الاستبداد الأبوي متلبسا بجرائم نهب قرصني منظم للمال العام وفق نظام الليبراليبة الجديدة. وللأسف لم يسبر الوعي جوهر ثقافة الليبرالية الجديدة المتشابكة مع النظام الأبوي، خاصة في ميدان التعليم. وكذلك حركات التغيير الديمقراطي ما تزال تغفل نظام التعليم في برامجها السياسية.

التحديث والتحرر الإنساني

كسر الحصارَ الخانقَ المفروض من قبل ثقافة الليبرالية الجديدة كوةُ التقنية الرقمية (الإليكترون) وثقافتها، حيث نفذت إشعاعاتها إلى جمهور واسع، نهضوا للدفاع عن جماليات العقل واشواق التحرر الإنساني. امكن توظيف الأفلام التلفزيونية والبرامج الإخبارية ووسائل الاتصال الاجتماعي وغيرها من المنابر الثقافية لموضعة العملية التعليمية في مركز سياسات التحرر الإنساني الملتزمة بالثقافة الديمقراطية. توفرت الإمكانية لرؤية البديل الإنساني لثقافة العولمة. بفضل الإليكترون استطاع مثقفون محاصرون امثال هنري غيروكس، كسر الحصار  المفروض عليهم وتعميم أبحاثهم وأفكارهم بين جمهور واسع.

تقتضي وقائع التصحر الوجداني في كنف الليبرالية الجديدة اضطلاع التربية بمهمة تحدي العولمة وثقافتها المتفسخة اللاإنسانية في تمكين علاقة الفرد ببيئته الاجتماعية والطبيعية، وتنمية حس العدالة والنزاهة في وعيه. التربية تفقد مضمونها إن هي اغفلت الانفتاح على ضرورات ترقية المجتمع والوطن وترسيخ  رابطة حميمة معهما تحث باضطراد على وعي المؤثرات الخارجية، السلبية والإيجابية، كي تُضمن التنمية المضطردة للمجتمع في ظروف التحرر والديمقراطية. فانتزاع الجماهير حقها في التحرر والتقدم والتنمية يعادل انتزاع حقها في البقاء كيانا حضاريا؛ ذلك أن التوحش الرأسمالي يهدد البشرية بأكثر من خطر مهلك؛ ولم تعد القضية تقبل  تأجيل التحديث لأعوام او عقود.

حيث باتت الشعوب تواجه مخاطر تهدد الحياة على سطح الكرة الأرضية، باتت ديمقراطية التعليم النقدي ضرورة ملزمة تفرض تحويل المدرسة إلى مؤسسة مجتمعية رائدة في التغيير المجتمعي ـ السياسي والثقافي والاجتماعي. ومثلما أسهم العقل اللاتطوري للسلفية الدينية في هزائمنا وانتكاسات نضالاتنا رغم ما قدمته شعوبنا من تضحيات، فإن إدخال العقل التطوري يوفر شروط كنس جميع معوقات التقدم وفي طليعتها التبعية لليبرالية الجديدة، وإصلاح التعليم الديني في المدرسة العامة وفي المدارس الدينية. الفكر الديني شابه قدر كبير من الأحكام والأفكار المتناقضة مع قويم الدين. واختلط الفكر الديني في عصور الظلام والانحطاط بالخرافات والفتاوى اللاعقلانية. حقا فأعظم النظريات تصطدم لا محالة بغبار الواقع وتتعثر بمنزلقاته.

وهذا ما حدث في العصر الوسيط. تتعذر تنقية الفكر الديني في مناخ يزدري التفكير وتنشط فيه الحركات الإرهابية وتتردد أصداء ندائها بين شرائح اجتماعية حائزة على التعليم العالي. 

وحسب تقديرات غيروكس (10) "يتحمل المثقفون مسئولية دمج نشاطهم بالقضايا الاجتماعية الهامة والعمل مع الحركات الشعبية والانخراط في تشكيل السياسات التي تعود بالنفع على الجميع.  في صميم هذا المقترح تنتصب الحاجة للإقرار بأن الأفكار ذات قيمة في المعركة الدائرة ضد التسلطية ، وبأن التربية يجب ان تكون في بؤرة النضال الجماعي ومشتبكة مع جميع منمنمات  السياسة. وعلى المثقفين واجب النضال من اجل السلم العالمي والحريات الفردية والعناية بالآخرين وبالعدالة الاقتصادية والتشاركية الديمقراطية، خاصة في زمن اكتسب  العنف والسلطة الطاغية المشروعية القانونية."

التنمية البشرية تفوق، من حيث مدخلاتها في تطوير المجتمع، وجود الثروات الباطنية او القوة العسكرية. حيث ان الثقافة نسق من المعلومات والقيم الخلقية والمعايير السلوكية، فإن التنمية الاجتماعية تنطوي، ضمن مركب التغيير التقدمي، على تنمية البشر مهنيا ومعرفيا وإبداعيا، بما يعزز سيطرتهم على نواميس الطبيعة وحياة المجتمع، وكذلك تنمية القيم والمعايير والمفاهيم بتحديثها، أي تخليصها من قيم العصر الوسيط، إلى جانب تنمية القوى المنتجة غير البشرية من خلال إدخال العلم في العملية الإنتاجية. تمضي ترقية التعليم بالتفاعل مع تطوير الاقتصاد وفق أحدث منجزات ثورة التقاني. فالتنمية تعني الاندماج في عملية تراكمية تحسّن باضطراد من الظروف الاقتصادية والمعاشية والسياسية للمجتمع البشري. وحيث أن جوهر التغيير المطلوب ديمقراطي تحرري وتنموي في آن معا فإن قوته المحولة هي الإنسان المزود بالثقافة الوطنية الديمقراطية، ومنطلقها الرئيس اكتساب قدرات التفكير المنطلق والإبداعي والامتدادي. بذا تكتسب الثقافة وصنوها التربية مكانة القوة الدافعة لعملية التحرر الإنساني؛ إذ من خلال نظام متقدم للتربية ومنظومة قيم ومعايير اجتماعية ومثال ملهم لقوى التغيير ينفتح أفق الخلاص أمام المجتمع المتخلف وتجاوز مأزق التقدم.

كشفت الهبات الجماهيرية في السنوات الأخيرة عن منابر وقنوات توعية وتعبئة للجماهير تعوض بقدر قصور التعليم المدرسي وتتحدى ثقافة الليبرالية الجديدة.

تنطوي ثقافة الإليكترون، بجاذبيتها القوية،على إمكانات تنويرية وتعبوية. وبالإمكان اعتماد عليها لتوفير ثقافة بديلة للطلبة إذا ما خلت برامج التدريس من قيم التربية الوطنية، كما هو قائم تحت الاحتلال.

يستطيع المدرسون بدون قرار سياسي تنوير عملية التغيير الديمقراطي، لتغدو العملية التربوية إحدى العتلات الأساس لإحداث التغيير الاجتماعي. لا يقتصر الأمر على تدريس العلوم. فعلى سبيل المثال عندما يدرس التاريخ تتابع عهود حكام أو"إنجازات" أسر حاكمة تنغرس في أذهان الناشئة  والأجيال مسلّمة توهم أن الفرد يملك قوة الحسم في التاريخ، وأن الحكام هم أصحاب الفضل بناة الحضارات، ومن حقهم لذلك الاستئثار بالثروات الوطنية، ومن واجب الجماهير الولاء لهم بالطاعة. بالمقابل يتولد انطباع نقيض حين تقدم مظاهر العمران والحضارات حصيلة جهد المنتجين ممن يحركون عجلة الإنتاج ويطورون القوى المنتجة حيث بالجهود الجماعية يتطور العلم والمعرفة وتزدهر القيم الروحية وتتعاظم القوة المادية. حينذاك تنغرس مسلّمة أن عمل الكادحين وتطوير القوى المنتجة البشرية والمادية، هو القوة الدافعة للتحولات الاجتماعية.

للتدريس جانبه السياسي الملتزم لأن التعليم مهمة سياسية، ولا يوجد تعليم محايد.

بمقدور المدرسين ودون حاجة إلى قرار سياسي أن يعوا على الدوام مع من الاصطفاف حين التدريس، وأن يلتزموا بتوجه التربية النقدية لتخريج اجيال منتمين للوطن يرفضون التهميش السياسي . وباتباع نهج التربية يمارس المدرس تكوين العقل النقدي والمبدع لدى التلاميذ، حيث يتبع نهج الحوار بدل الإكراه على الحفظ، فيكمل بذلك مسيرة تعليم الديمقراطية والأمل والتفكير النقدي، على غرار مدرسة باولو فريري. من الضروري ان يدرك كل معلم أن مهمة  التعليم العمل مع المضطهَدين وليس من اجلهم.

تنطلق التربية النقدية من جذر علمي  أن لدى كل طالب القابلية للتعلم ولا يجوز دمغ أي طفل بفقدان القدرة على التعلم. والمطلوب، في جميع الحالات، استخدام وسائل التعليم المناسبة والتبسيط والتدرج في معالجة الضعف والقصور. فمحدودية الذكاء وعدم قابليته للنمو مفهومان طبقيان رجعيان يعارضهما نظرية تعدد مظاهر الذكاء وتزايد عدد التشابكات العصبية مع اكتساب الحرية الثقافية وتطور الخبرات العملية.

واتباع الأسلوب الحواري في التعليم يكرس نهج التفتح العقلاني إحياء لمدرسة فكرية قمعها استبداد السلاطين في العصر الوسيط. نشط علم الكلام وتواصل طوال قرنين لعد وفاة الرسول يحاول أن يرسي تفسيرا عقلانيا للنص المقدس، قبل أن يصدر أمر سلطاني عرفي بحظر الحوارات والمناظرات. الحوار منهج أصيل في الثقافة العربية الإسلامية، وفي نظر أبي حيان التوحيدي، "بالحوار تتقادح النفوس وتتلاقح العقول وتتفاتح الألسنة".

تتميز الثورة العلمية الراهنة بالالتحام المباشر للعلم مع الإنتاج، تنسيق التعليم ومناهجه مع الإنتاج يضمن تقليص البطالة وتوفير الكوادر البشرية اللازمة لتطوير الإنتاج.

تعتمد الصناعات المتقدمة على الذرة، الالكترون، الكمبيوتر، الأتمتة العصرية، الليزر، علم البصريات، الاتصالات والمعلومات، الهندسة الوراثية، الإنسان الآلي، وكل العلوم التي أنجزها العقل البشري، وكل التكنولوجيات الجديدة التي تنمى القدرة العقلية للإنسان، وتنمي بموازاة ذلك الأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة. يصعب توفر العامل المناسب للثورة العلمية التقانية بدون استيعاب قدر هائل من العلوم  المكتسبة بالتعلم والثقافة والتدريب. حيث ينشط العقل أثناء التعلم وينشط في ميادين الإنتاج المادي والروحي، يدخل العلم عاملا محولا للحياة الاجتماعية والفكرية. من خلال الإنتاج الاجتماعي في المقام الأول يسهل عملية ترشيد حياة الأفراد بمعطيات العلم وتغلغل منهجية العلم في الحياة الاجتماعية ويتحقق التقدم الاجتماعي.

يرصد الدكتور حجازي خطرا قد يستفحل إذا تم تجاهله، يقبع خلف الثورة العلمية التقنية  في ظل عولمة الليبرالية الجديدة؛ إذ "تؤدي العولمة إلى هدر الكفاءات والطاقات لسببين يفاقمان من هذه الحالة: اتساع التحولات في التكنولوجيا المتقدمة مما يجعل الكثير من المهن عرضة للزوال، حيث تراكم الخبرة لا يشكل ضمانا لاستمرار العمل بالضرورة، مع بروز تقنيات جديدة في المجال نفسه مقطوعة الصلة تماما بالتقنيات السابقة عليها . ويذهب بعض الخبراء إلى أن 75% من السلع المتداولة حاليا مما يرتبط بتكنولوجيا المعلومات والإليكترونيات الدقيقة لم تكن معروفة قبل عقدين من الزمن، كما أن نصف المهن المستقبلية لا نعرف عنها حاليا شيئا. لقد ولى عهد المسار الوظيفي المستقر ذو البداية والمنتهى"[2/224].

وخطورة أخرى تقبع في التعلم. ايا كان التخصص العلمي فإن القدرة على الإبداع والتفوق مرهونة بتنويع الخبرات الثقافية. قد يقع الباحث في أحد فروع المعرفة – خاصة في الفروع العلمية – في مطب الانعزال عن بقية جوانب الطبيعة والحياة الاجتماعية، فيعتبر حقله المعرفي هو العلم، ويتلقى العلوم قوانين ثابتة يقينية، وهذا يناقض طبيعة العلم المتطورة باضطراد. والمطب تورط فيه ذوو الاتجاهات السلفية من اختصاصيي العلم. من شان التعددية الفكرية أن تفسح مجالا لإثراء المعرفة والتعليم، يدرك الطالب حيالها أن ليس هناك نص وحيد للمعرفة مطلقا وقطعيا، والعلم سيرورة دائمة من التجديد ونفي القديم. من ثم يعي المتخصص في مجال العلم ضرورة التحاور وتبادل الخبرة؛ وبهذا أيضا تتولد المرونة الذهنية والانفتاح العقلي للمتغيرات والتحولات والاجتهادات.

 الضلع المغيب للعملية التربوية، والأدق البوتقة التي يتم فيها بلورة المواهب والكفاءات العملية، يتمثل في وضع الأجيال الناشئة ضمن ثقافة إنسانية تنطوي على القيم الإيجابية، الارتباط الحميم بالبيئة والوعي بمسئوليته تجاه مجتمعه وتجاه الإنسانية، إلى جانب الصدق والاستقامة الفكرية والمثابرة  والجرأة.  اوصى ادوارد سعيد المثقف أن يمتثل للحقيقة مثل سقراط والمسيح وأن يتحلى بالجرأة امام الحكام .

فلا يسهم في عملية التنمية والتقدم مثقف منغلق على الذات لا يدرك أن كفاءته العلمية والعملية ثروة وطنية ينبغي أن تسهم في تقدم المجتمع ورفعة شأنه. ومهما بلغ التحصيل العلمي يستحيل أن يكون بانيا للحياة الجديدة حين يكون الغش والتدليس نمط أداء المهام، والتكاذب والتعتيم المتبادل أسلوب التعامل بين مراتب السلطة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية. اكتسبت قصائد محمود درويش مصداقيتها وطاقة تأثيرها من خلال الصدق الفني للشاعر الملهم  لدفق الانفعالات الصادقة. بلغت قوة قصائده درجة دفعت وزير التربية الإسرائيلي للمطالبة بوضع بعض قصائده في المنهاج التعليمي ـ (وهو أمر رفضه يومها يهودا باراك) ـ حتى أن شارون بنفسه قال بعد أن قرأ "لماذا تركت الحصان وحيدا"  بأنه فهم الآن تعلق الفلسطينيين بأرضهم.

 التعليم بناء للمستقبل، وطبيعة العملية التربوية تنعكس في الحياة الفكرية للمجتمع، وتهيئ الشروط الثقافية لأن يتجسد في الواقع المعاش حلم الراحل محمود امين العالم في أن تغدو التربية والثقافة "وعيا مجتمعيا جماهيريا شاملا، يتسم بالعقلانية والاستنارة والتفتح وروح النقد والإبداع، وأن يتحول هذا الوعي إلى فعل جماعي ديمقراطي مشارك، تأسيسا على هذه المعرفة العلمية، واختيارا وتحقيقا للمصلحة المجتمعية والإنسانية العامة".

التعليم المتجدد

يتوقف نجاح التعليم المدرسي على أسلوب ونمط تربية الطفل في مراحل الطفولة الأولى. يبدأ الاستثمار ذو المردود الوطني العالي في الطفولة. إن تعويد الطفل على العمل الجماعي وروح الفريق، وتنمية قدراته ومهاراته من شأنها ان تسمو بشخصية رجل المستقبل التنمية. "المحصلة النهائية لكل عمليات التعليم ومضامينها هي ما يترسب في عقل المتعلم ووجدانه وسلوكه من توافر المساحات لحركته في مجتمعه مؤثرا ومتأثرا فاعلا ومنفعلا، مرسلا ومستقبلا، مكيفا ومتكيفا، معطيا وآخذا، مشاركا وناقدا ومبدعاً"[1/220]. ينصح الخبير التربوي الراحل، الدكتور حامد عمار، باحتواء كتب المطالعة موضوعات علمية لكي تظل اللغة العربية لغة ثقافية حية، إذ أن حاجة مجتمعنا إلى العلوم الطبيعية والبيولوجية لا تقل عن حاجتها إلى العلوم الإنسانية. وكلا المجالين يدخلان في صياغة النظرة العلمية التي تشكل روح الثقافة[1/217]. والتاريخ العربي الحديث شاهد على تزاوج الأدب والعلم، وعلى إغناء الثقافة الوطنية بالترجمات عن اللغات لتوسيع حيز المعرفة المستنيرة بالعلم على حساب الشعوذة والخرافة والأوهام.

تندرج رعاية الأطفال ضمن مركب التنمية الاجتماعية. يسمو بنفوس الأطفال ادب الخيال العلمي. من بين مصادر الثقافة يعتبر الكتاب الادبي اغزر مصدر ثقافي للطفل نظرا لجمالية أسلوبه الفني المستنفر لخيال الطفل. كما انه يعقد علاقة صداقة حميمة مستدامة مع الكتاب. وبقدر ما يسمو الأدب في فنيته وتخييلاته يكون انعكاسه أعظم على اجتذاب الأطفال وشحن مواهبهم الإبداعية.

غالبا ما تنقص بيئة الطفل الكثير من شروط التنمية السليمة والمتكاملة لشخصيته. وتنبه التيار السلفي لاستغلال ظاهرة تقصير الأسرة والمجتمع بحق الفتى ودخلوا لتعبئة الفراغ، وإشغال الفتيان بعيدا عن البيت، ولكن بما يضيق المدارك ويزرع مناعة بوجه الانفتاح الثقافي والاتصال بالحياة الاجتماعية. ونظرا لما يسببه الطفل من إزعاج للأم بما يجلب عليه الصد والتقريع الجارحين للنفس، يجد الفتى بديلا مريحا في رعاية مختصين يقدمون الرياضة والتسلية ويقدمون معها تربية ايديولوجية ونظام طاعة صارم يروض الذهن عبر مسرب الولاء والطاعة، ويئد لديه حب الاستطلاع، وكل ذلك في إرهاب  ثقافة دينية.

مرحلة الطفولة هامة رئيسة في بناء شخصية الفرد من شتّى النواحي الاجتماعية، والنفسية، والعقلية، والمهارية وبالطبع الثقافية؛ والقيم التي تعتني بها الأسرة تتغلغل في وعي الطفل وتشكل القاعدة التي تبنى عليها منظومته القيمية. وانطلاقا من الإيمان بقيمة الكتاب، والكتاب الأدبي، في تشكيل الثقافة ذات المضمون الإنساني فإن ثلاثة منافذ رئيسة قد تهيئ او تعيق نسج العلاقة المطلوبة بين الطفل والكتاب، وهي الأسرة والمدرسة وثقافة الإليكترون. وهي ضمن تردي الواقع الاجتماعي لا تسعف بالقدر المطلوب في عقد صداقة وألفة بين الجيال والكتاب.

دور الأسرة: يتعرف الطفل على المجتمع من خلال الوالدين والأسرة. الأبوان يؤديان وظيفة اجتماعية، إذ يعتبران عتبة الحياة الاجتماعية. إذا أحيط الطفل بأسرة متعلمة تعنى بالثقافة، يساعده ذلك على التفتح المبكر لذهنه  وتتعزز ميوله لاستيعاب قيم الثقافة. والأم المتعلمة او المثقفة يتسع صدرها لأسئلة الطفل وتقدم الأجوبة المقنعة والعقلانية لتساؤلاته المتعددة، تحزم وتحنو في الظرف الملائم؛ فتسهم بذلك في تنشئة رجل محب للمعرفة ويتقصى الحقيقة؛ الأسرة والأم المثقفة الحنون تربي رجالا يتمتعون بشخصية قوية مفعمة بالثقة بالذات. 

ديمقراطية التعامل مع الطفل تنشئه قابلا للحوار وتقبل الرأي الآخر. والتسامح فيما بين الوالدين يسمو بالطفل عقليا وينشئه قادرا على احتواء الآخرين. تتجلى الديمقراطية في تكامل الشخصية الإنسانية وفي الاقتدار المعرفي. يلعب دورا إيجابيا في اكتساب الوعي الثقافي في مرحلة الطفولة أمور أبرزها تعويد المطالعة، والمشاركة في الأنشطة الثقافية المحلية والوطنية، وحضور المحاضرات والندوات الفكرية، والمساهمة في المسابقات، وممارسة الحوارات الفكرية داخل الأسرة، ووجود المجلّة والكتاب والصحيفة اليومية وانكباب أفراد الأسرة عليها. إنها عوامل  النموّ السليم والتنشئة التي تسمح بسرعة التكيّف الاجتماعي والثقافي مع الوسط المدرسي من ناحية، ومع الوسط الاجتماعي الثقافي من ناحية أخرى.

وبخلاف ذلك، إذا سادت سلطة الأمر والنهي في الأسرة تغلب اتجاهات نفسية وقيمية نحو مسايرة للسلطة الطاغية في شتى صورها. التصلب الذهني والتعصب مرادفان للجهل وضحالة المعرفة.

واخطر ما قد يعرض للطفل في المرحلة المبكرة  هدر يتمثل في ما يدعونه في علم النفس عصاب الفشل. تكرر الأسرة التلويم والتقريع والتحذير فيصاب الطفل بتشنج مرضي مصاحب لتكرار حالات الفشل،يرجعه علم النفس التحليلي إلى ما يطلق عليه عصاب المصير أو القدر. هي حالة عصابية ترجع الفشل إلى قدر خفي ملازم للمرء، يجد  تفسيره في اللاوعي، وخصوصا في اضطراد تكرار الفشل والشقاء.

وكما أن الإسراف في الردع يضر بالطفل فإن الإسراف في البرود واللامبالاة حالات تنطوي أيضا على هدر شخصية الطفل. إنه الهدر الذاتي الخفي يندرج ضمن معايير الصرامة في الالتزام بالواجب، " وتنشأ عادة عن أساليب التعامل والتنشئة الخاطئة من قبل الوالدين من مثل ارتهان الطفل لرغبات الوالدين وتوقعاتهم. أو هي تنتج عن نمط من الرعاية الوالدية يتصف بالبرود والتباعد والنبذ والمنع أو الحط من ثقة الطفل بنفسه وعدم تعزيز قدرته على الإنجاز المستقل أو القمع المفرط لمشاعر الطفل العفوية[3/274).

أما في المدرسة فيتعلم الطفل عبر الممارسة الحرية وحب الجمال والاحترام والنزاهة، احترام المعلمين والزملاء واحترام اللغة وسلامة التعبير. إذا لم يتقن الطالب التعبير عن افكاره بسلاسة وبدون تحرج او خجل يصعب عليه استيعاب المعرفة ثقافة في الحياة. واول دروس الديمقراطية توفير حيز احترام الطفل وحريته بتركه يعلم نفسه بنفسه ويثقف نفسه بنفسه.

يتحمل المعلم مهمة نقل الطفل بالتدريج من اللهجة العامية إلى المكتوبة المبسطة. يمكن ربط المفردات المحكية مع مفردات مكتوبة اوجُمل بدل جمل، كي يتعود الطفل او الفتى على التكلم بلغة فصيحة سليمة. يشكو أغلبية المثقفين وحتى الأدباء المبدعون من ضعف في النحو وقواعد الإعراب. النقص يعود إلى أخطاء في التدريس. بإضافة منوعات الأناشيد والأشعار والآيات القرآنية والأحاديث يغني الفتي قاموسه اللغوي؛ التركيز على الممارسة، تعبيرا شفاهيا أو كتابة، ينمي علاقة حميمة مع اللغة. دعا السكاكيني من اوائل القرن الماضي إلى اعتماد النصوص وسيلة لتعليم فقه اللغة.

"النحو والإعراب مهما يسرناه او أكثرنا من التدريب عليه فالنشاط اللغوي العملي أهم منه". تكمن مهارة المعلم وبلاغته حين تتوافق ملكته اللغوية وحفظه للشعر وللأقوال وطريقة تعليمه مع أشواق الطالب لإتقان التعبير اللغوي حتى في العلوم. يحسن التركيز على أهمية التعبير كتابة ونطقا في أكثر من موضوع،  وتوظيف المحادثة بين الطلاب، او  التمثيل والخطابة والمناظرة، أو المشاركة في إصدار صحيفة حائط.

اما الثقافة الإليكترونية، هذا المنجز الحضاري فيحمل الفائدة والإضرار. البعض يحض على اتباع رؤية سلبية تجاه تكنولوجيا المعلومات، نظرا لتضمينها بشكل متعمد لئيم محتويات تخرب الوجدان وتوهن العقل. ثقافة التكنولوجيا قد تزيح الكتاب بتأثير جاذبيتها الساحرة للأطفال. لكن تكنولوجيا المعلومات ضرورية لمواجهة ظاهرة الانفجار المعرفي، وهو ما يستوجب إكساب الطفل العربي القدرة على التعلّم الذاتي مدى الحياة، والتعامل المباشر مع مصادر المعرفة دون وسيط بشري في هيئة مدرّسٍ أو كتاب مدرسيٍّ. يتطلب ذلك تحصين الطفل خلقيا، وإكسابه مهارات البحث والإبحار في الشبكة العالمية - الإنترنيت. وهذا قد يخلق تحديا للمعلم، يفرض عليه التزود بالجديد والجديد من المعرفة والخبرات.

الخطر الوافد مع ثقافة الإليكترون كامن في احتوائها على ثقافة مفسدة و ساقطة يجري تهريبها بقصد لئيم. يلقى العبء كبيراً على الأطفال ممن شرعوا يتعاملون مع جهاز الحاسوب دون أن يكون لأبويهم اهتمام مماثل أو حتى الرغبة المماثلة. هذا يوجب أن تكون الوقفة في هذا الصدد جادة تقدم الوقاية والمناعة.

مما تقدم يتضح أن مرحلة الطفولة حرجة ومصيرية في مضمار التنمية الاجتماعية؛ إذ تحيق بها المخاطر القابعة في منعطفات نمو الطفل. مرحلة الطفولة مصيرية في مستقبل الأمة وتتطلب مزيدا من الرعاية والحرص. وحيث القصور واضح حيال مصادر الخطر فإن الضرورة تقضي بتكثير أندية رعاية الأطفال في القرى والبلدات وضواحي المدن، لتوفير رعاية المجتمع. للتقليل من الآثار السلبية في البيت والمدرسة وثقافة الإليكترون على الطفل يستحسن إنشاء نوادي اطفال تتولى تعويض نقص الرعاية بإشراف ذوي خبرة من معلمين او موظفين متقاعدين وهيئات اجتماعية مختصة تحمي الأطفال من تسرب الثقافات أو العادات السلوكية الضارة.

سعى السكاكيني، وهو يستشرف صراعا حضاريا مع الهجمة الاستيطانية الصهيونية، إلى تعليم تحدوه الرغبة في توظيفه لمصلحة ترقية مدارك الأجيال وتعزيز اعتمادهم على الذات وتحفيز روح المبادرة لديهم والحس بالكرامة. حث خليل السكاكيني المعلمين على تعليم الحرية و إكساب الطفل ثقته بذاته وبمجتمعه. تحتفظ بأهمية توجيهات المربي خليل السكاكيني للمعلمين بشان الطفل. يجدر التنويه إلى ان حكمة السكاكيني ظهرت قبل نششصف قرن قبل باولو فريري ونظرته في تعليم الديمقراطية وتربية الأمل:"...إفهموا التلميذ، إنه من الهيئة الاجتماعية وإنه شيء له قيمته ومكانته. أيها المدرس احترم التلميذ ناده يا سيد، إياك أن تجعله يقف أمامك وقفة الخاضع الضعيف، أشعر التلميذ بأنك عادل،  وانفخ فيه من روح الرجولة ما يجعله عاملا في المستقبل، ليست وظيفتك أيها المعلم أن تخرج للأمة دراويش مطأطئي الرؤوس! إياك أن تكون شديد المراقبة على التلميذ، أشعره بأنك تثق به وبشرفه.

غض الطرف إن ظهر منه أي شيء! لا تقل له أنت كاذب، صدقه ولو كان كاذبا[7/82] .

ترى هل قدر لكوارث فلسطين أن تأخذ كل أبعادها المأساوية لو تم الإصغاء لتوجيهات السكاكيني التربوية؟!

ترقية التعليم الجامعي

تتيح المنزلة الموضوعية للجامعة أن تكون المؤسسة المعنية بتهيئة وتوفير القوى المؤهلة للانخراط في مؤسسات التنمية الشاملة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لتلبية احتياجات المجتمع الحيوية في تحقيق استقلاله الاقتصادي والسياسي. في المناخ النهضوي يجري إعلاء قيم الإنتاج والعمل على حساب قيم الاستهلاك والثراء والنفوذ بغض النظر عن أبعاده ومصادره.

تتماثل أوضاع الأقطار العربية في ميدان التنمية، مثلما تتماثل في مجالات الحريات الإعلامية وتردي التعليم وتأزم الأوضاع الاجتماعية على مختلف القطاعات. ولعل أهم ما يمكن رصده كمؤشر على مأزق الثقافة العربية وفقرها المدقع هو واقع الجامعات: هل تجتهد جامعاتنا وتعمل ضمن منظور التربية المتكاملة وخدمة التطور الاجتماعي؟ وهل تحقق مهامها في إعداد القوى البشرية بالمستوى العلمي والفني والمعرفي اللائق لانخراط شبابنا في عملية التنمية؟ وهل تقدم ما يلزم لإنتاج كوادر تدعم البنية التحتية وتزودها بمؤهلات تخوض بها غمار البحث العلمي الذي أثبتت ضرورات التنمية أهميته الحيوية؟!

لدى تقييم الجامعات في العالم تعتمد المؤسسات المهتمة على عدد من المعايير والمؤشرات منها ما هو بارز لكل مراقب مثل: تواجد الجامعة وأعضاء هيئتها التعليمية على صفحات الشبكة العنكبوتية، قيمة المعلومات الواردة في هذه الصفحات ومدى أهميتها التبادلية مع صفحات الجامعات الأخرى، التبادل العلمي الأكاديمي فيما بين أعضائها، القيمة العلمية للأوراق العلمية المنشورة وتأثير أهم هذه الأوراق العلمية في مجال تخصصها، التي تدعم البنية التحتية. ومن المؤشرات ما يظهر أثره في مستوى التحصيل الأكاديمي، وكفاءات الخريجين. وهناك مؤشر النسبة بين العدد الإجمالي للطلاب إلى عدد أعضاء الهيئة التدريسية، وتنوع التخصصات العلمية، وكذلك مؤشر الإنفاق على التعليم نسبة إلى الناتج المحلي، بحيث تستجيب لمتطلبات نهوض الجامعات بمهماتها التنموية والرد على تحديات العولمة. واهم المؤشرات طبيعة الاقتصاد، حيث الإنتاج يحفز الأبحاث المخبرية ويشرك المؤسسات الاقتصادية في دعم الأبحاث العلمية.

حسب ترتيب الجامعات عام  2013، جاء ترتيب جامعة دمشق 3400، (وهي الأولى في الترتيب الوطني)،  في حين كان ترتيب معهد التكنولوجيا في بومباي الهند 492، جامعة استنبول في تركيا 500، لوس أنديز في فنزويلا 599، جامعة طهران في إيران 645، القاهرة في مصر 796، النجاح الوطنية في فلسطين 1030، القديس يوسف في لبنان 1813، صنعاء للعلوم والتكنولوجيا اليمن 3706، بغداد في العراق 4341، و جاء ترتيب الجامعة العبرية في القدس رقم 213[8].

تردي التعليم الجامعي حصيلة نهج سياسي – اقتصادي محافظ تخلى عن مهمة تطوير الإنتاج الوطني، وأغفل  رابطة  التربية بالتنمية الاجتماعية؛ وهذا يتجلى في معدل الإنفاق لتمويل البحث العلمي في إطار  التعليم العالي. وحسب إحصاءات منظمة اليونيسكو [مؤشرات معهد اليونيسكو للإحصاء للعام 2008 تقرير صادر عام 201] بلغ الإنفاق في إسرائيل على التعليم العالي 6,4%من الإنتاج المحلي (المرتفع بطبيعته)؛ بينما تبلغ النسبة 13,6% في كوبا و4.3% في الجزائر و 3.8% في مصر،و2% في لبنان[8].

هذا الواقع المتردي للتعليم والبحث العلمي في الأقطار العربية يفسر أسباب التراجع في عملية التنمية الشاملة، حيث يدل تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لعام 2011 (إحصاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2011) والذي تناول قضايا التعليم والتنمية في 187 دولة، أن إسرائيل تحتل المرتبة 17، وتحتل مصر المرتبة 113، وفي تقرير صدر عن منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) في تسعينات القرن الماضي، يلاحظ أن "المحور الأهم في التقرير هو مفهوم التعليم المستدام، إذ ليس في مقدور أي مؤسسة تعليمية نظامية أن تزود طلابها خلال فترة التدريس برصيد كاف من المعرفة والمهارات والدراسات التي يقومون بتوظيفها خلال فترة حياتهم، وذلك نظرا لتجدد مطالب الحياة ومعارفها وسرعة تدفقها. ليس للمعرفة فترة انتهاء            (Expiry Date)، ومن ثم يعتبر التقرير أن "التعلم مدى الحياة وأثناءها، ومن خلالها من أهم مفاتيح التكيف مع حركة متطلبات القرن الحادي والعشرين".

خاتمة

في مناهج التدريس تتناثر نزعات طائفية تخدم المشروع الصهيوني. الاحتلال الإسرائيلي يسهل هجرة المسيحيين من فلسطين، وانخفضت نسبتهم بين شعب فلسطين. ترى إسرائيل أن تصفية الوجود المسيحي يسهل تحويل الصراع الدائر صراعا حضاريا. وعندما يدمر التعليم الانتماء الوطني وينكر على الناس حقهم في المواطنة المتكافئة فهذه كارثة على مستقبل الوطن كله. إن ديمقراطية التعليم، أو التعليم من اجل الديمقراطية يفرض أن يكون مناخ المدرسة غير طائفي ، كما لا يقر أي تمييز عرقي أو عشائري أو إقليمي، ولا يقبل العنف اللفظي او المادي.

كم هو ضروري وملح أن تأخذ القوى الوطنية الديمقراطية على عاتقها مهمة طرح قضية التربية والتعليم قضية سياسية بامتياز ومدخلا لترقية المجتمع على قواعد الديمقراطية والتحرر الوطني والتنمية الاجتماعية. يركز التعليم على تعزيز كرامة الفرد وتحفيز الكفاح من اجل غد يوفر العدالة للجميع. وفي نفس الوقت يعي الجميع وجود قوى تتصدى لهذا الكفاح. بصورة خاصة ينبغي تغذية الأمل في مستقبل واعد بسعادة البشر بفضل الجهود المشتركة. والقوة لم تكن كلها بجانب  الهيمنة، والمقاومة ليست ترفا، بل ضرورة.

يجدر التنويه في هذا البحث بمؤتمر "من أجل تعليم عصري في فلسطين" دعت إليه جمعية فؤاد نصار لأبحاث التنمية يومي 23 و24 آذار 2014، و شارك فيه تربويون واكاديميون قدموا من القدس الشرقة ومن المجتمع الفلسطيني خلف الخط الأخضر.

أجمعت اوراق المؤتمر على أن التربية اداة اجتماعية لا تنحصر في التربويين، فهي جزء عضوي من السياسة. وانتشال التعليم من وهدة التخلف بتحديثه مدخل رئيس للتغيير الثقافي والعافية الاجتماعية. وجه المؤتمر نداء لقوى التحرر والديمقراطية ان تطرح قضية التعليم في برامجها  وانشطتها السياسية.

القت اوراق المؤتمر الضوء على عنصرية منهاج التعليم في إسرائيل ؛ فهو مؤشر على عنصرية تأبى التعايش مع العرب والفلسطينيين على وجه الخصوص. يطمس منهاج التعليم الهوية القومية العربية ويسعى لتغريب الأجيال عن انتمائها القومي ؛ كما يحرض اليهود على ازدراء العرب وتاريخهم الحضاري.

وبصدد قضايا التربية والتعليم اولى المؤتمر اهتماما خاصا لتربية الطفل ضمن منظور التنمية الاجتماعية، وطرح مقترحات بشان تعليم المواد العلمية والإنسانية.

مراجع البحث

1ـ حامد عمار: مواجهة العولمة في التربية والثقافة ـ سلسلة كتاب الأسرة،  القاهرة 2006)

2. يزيد عيسى السورطي:السلطوية في العملية التربوية/ عالم المعرفة 362ـ إبريل 2009

3-ـ مصطفى حجازي: الإنسان المهدور، معهد الإنماء العربي، ط2، 2006

4- داوود خير الله: مكمن العلل في التخلف والتفكك الاجتماعي العربي/ عن الأخبار اللبنانية

5- أيمن الصياد : عن الثقافة الحاكمة – عودة إلى هشام الشرابي، صحيفة الشرق 21/9/2014

6- فتحي الحبوبي: أي نصيب للعرب من طباعة وقراءة الكتب؟ !  الحوار المتمدن- العدد 4816 بتاريخ 2015 / 5 / 24

7- محمد حبيب الله:خليل السكاكيني بين الوفاء والذكرى

8- عفيف رحمة : التعليم في سوريا ومشاكله. المؤسسة الإسبانية المستقلة(Ranking web of University)  – الحوار المتمدن عدد 4190 بتاريخ20/8/ 2013

9-Henry Geroux:Beyond The Spectacle Of Neoliberal Misery And Violence In The Age  of Terrorism-Counterpunch,Augost25,2014

10-Henry Giroux:Demcracy In Crises- Counterpunch May ,30 ,2014

11- PAUL Craig Roberts:Where are Marx and Lenin When We Need Them Counterpunch,April11,2016