2016-06-25

ملف خاص:

الليبرالية الجديدة توسع دائرة ضحايا الرأسمالية

سعيد مضية

يتناول الكاتب الكبير الرفيق سعيد مضية في هذا الملف الهام الذي يتضمن ثلاث حلقات، قضية الليبرالية الجديدة كمفهوم ونظام من أدوات الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي والهيمنة الاستعمارية، وهو النظام الذي كان ولا زال له نتائج وخيمة على حقوق وحريات الشعوب وسيادة وتطور دولها، بما في ذلك على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية خلال العقود الماضية وحتى الوقت الراهن، وكذلك على الاستقرار والسلام الدوليين.

بريكاريات بدل بروليتاريا..

تقْصر الليبرالية الجديدة ليبراليتها على نشاط الرأسمال الكبير؛ بينما تقلص لأقصى حد الحريات المتاحة للجماهير في الدفاع عن العيش الكريم. مناخ الليبرالية الجديدة اطلق العنان للاحتكارات الكبيرة لنهب الشغيلة والبلدان الفقيرة بأساليب غاية في المكر والخديعة والنهب المكشوف. دُمرت نقابات العمال وألغيت مكاسب الطبقات العاملة التي اضطر الرأسمال تقديمها للشغيلة بموجب اقتصاد الرفاه، أثناء المنافسة مع الاشتراكية.

ترافق العدوان الاقتصادي بغطاء إيديولوجي يرمي لتقويض المقاومة لنهج الليبرالية الجديدة. بات هجوم الليبرالية الجديدة في مجال الثقافة والتعليم مركز اهتمام العديد من الأكاديميين في الولايات المتحدة، نظرا لما يتهدد الثقافة من مخاطر التجريف. من بين رجال المقاومة الثقافية هنري غيروكس، أستاذ الدراسات الثقافية بجامعة ماكماستر، الذي تصدى مبكرا مع اكاديميين اميركيين للحملات الإيديولوجية لليبرالية الجديدة. استغلت هذه هيمنتها على أجهزة الثقافة والمجالس المنتخبة في الولايات المتحدة، وسخرتها لإشاعة الإرهاب وثقافة الخوف وعروض العنف، ولإضفاء الشرعية على ما يجري من عسكرة الحياة العامة والمجتمع الأميركي. نرجئ إلى فقرات لاحقة مقاربة غيروكس لإيديولوجيا الليبرالية الجدية كي نستكمل توصيف تداعيات النهج الاقتصادي للسيبرالية الجديدة.

يستند غيروكس، في مقدمة البحث، إلى تحليلات مؤلف ميشيل ييتس (فجوة اللامساواة الواسعة)، حيث "الرأسمال يثري في اللحظة الراهنة من العنصرية ونشر الخوف وإشاعة ثقافة الإجرام ونظام اللامساواة الذي يؤثر في جميع جوانب المجتمع. يجمل حصيلة نشاط الرأسمال الكبير في زيادة نفوذ رأسمالية الهبش واللهف، جنبا لجنب اللامساواة في الثروات والمداخيل والسلطة والفرص. "لم يعد الرأسماليون يرغبون في التوصل إلى تسويات؛ ووسعوا استخدام القوة للهيمنة على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية". "عولمة السلطة وسياسات محلية" أتاح لنخب الحكم ابتزاز العمال والجماعات الأخرى موضع الاستغلال الافتراسي وعدم تقديم التنازلات لها؛ بل اعتبرت جميع هذه الشرائح فاشلة في سباق السوق ومن ثم فهي فائض عن الحاجة او فضلات. وسط هذا الكابوس الرهيب لم تنشأ الهوة بين أغنياء وفقراء فحسب، بل وكذلك يجري تخفيض الطبقات الوسطى والعاملة إلى صفوف مجموعات ما يسمى البريكاريات (بروليتاريا إلى جانب شرائح اجتماعية محرومة من الامان الوظيفي)... مضت سياسات الفضلات لتغدو تيارا رئيسا ، حيث المزيد والمزيد من الأفراد والجماعات تعتبر فائضة عن الحاجة وفي موقف الضعف. إن لبرلة التجارة في السلع واستثمار الرساميل وإلغاء تنظيم الحكومة للمؤسسات والشركات المالية وتدمير دولة الرفاه والنقابات، وكذلك العملية التي لا تتوقف لتسليع المجتمع وتعريضه لقيم السوق.. كل ذلك ينخرط ضمن نتائج النشاط المنفلت لليبرالية الجديدة". 

ضمن نهج الخصخصة يتنامى هجوم الليبرالبة الجديدة على موظفي القطاع العام. وعلى الجانب الآخر أسفرت مفاهيم الفضلات وسياساتها عن ثقافة انتهاك القوانين والقسوة المتجلية في تراجع نسب التصويت والحرب ضد حقوق النساء، وبروز دولة الرقابة وتنامي عسكرة قوات الشرطة المحلية. تلك القوة لا تولد فقط اتجاهات مناهضة للديمقراطية، بل وتفرض كذلك كوابح وقوانين وحرمانات على جمهور التسعة والتسعين بالمائة، ممن لم يتبق لهم سوى خيار الكفاح من اجل البقاء... سقطت من الأدب السياسي مفاهيم تعويض البطالة والخدمات الاجتماعية ودولة الرفاه، وبات "التضامن " و"التعاطف" من بقايا لغة خشبية يجب ان تنقرض. بالمقابل استعين ب "تسليح الشرطة والحد من الحريات المدنية والتوسع في دولة القصاص وتجريم كل مسلك يومي وقمع المعارضة.

في مقال بعنوان "امبراطورية الشر تزج العالم في قبضة الموت" تناول باول كريغ روبرتس، الكاتب الذي عمل مساعدا لوزير الخزانة الأميركية ومحررا بصحيفة وول ستريت جورنال قبل أن ينتقل للصحافة الإليكترونية المعارضة لنشر مقالاته (كاونتر بانش23 شباط 2016)..تناول إحدى فضائح النهب اللصوصي من جانب الرأسمال الكبير للبلدان الفقيرة، نقلها عن كتاب بيركينز "اعترافات هداف اقتصادي". جوهر المخطط "تحليلات مالية مشوهة، مشاريع ضخمة بحسابات مشكوك بها"، يسند لأحد الهدافين الاقتصاديين الترويج لها في إحدى البلدان. وإذا لقي الصد، يأتي دور "التهديدات والرشى"، وربما يتدخل رجل الاغتيالات. يدخل في مرحلة تالية صندوق النقد الدولي، ليعرض قرضا يضمن تسديد القرض الممول للمشروع التخييلي. القرض ليس مساعدة، إنما تبديل المديونية للشركة بمديونية الصندوق.

يفرض الصندوق على الدولة المقترضة قبول خطة تشديد التقشف، وتخفيض نفقات الخدمات الاجتماعية والعمالة والأجور، كي تسدد الوفورات الناجمة أقساط قرض الصندوق. وأحيانا يشترط التصويت بجانب الولايات المتحدة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، مثلما حدث أثناء فرض دولة إسرائيل في رئاسة اللجنة القانونية للأمم المتحدة. اما الخصخصة فتعني بيع شركات النفط والتعدين والبنية التحتية العامة( الطرق والمطارات مثلا). وإذا تعثرت الصفقة فالاغتيالات او تحريك القطعات العسكرية، اذا لزم الأمر. يورد كتاب بيركينز عدة حالات اضطر فيها حكام دول تغيير مواقفهم نتيجة الضغوط الأميركية. 

أسفرت الوسيلة او غيرها من اساليب النهب عن اتساع الفجوة بين الفقر المدقع والثراء الفاحش. مركزة الثروة والمداخيل يضمن السلطة للنخب المالية والبؤس الجامح لأغلبية المجتمع. نقل روبرتس عن كتاب بيركينز استنتاجه ان "موقف الولايات المتحدة لمساعدة البلدان الفقيرة ليس سوى مخططات لنهب تلك البلدان". في ظل الليبرالية نشأت شرائح كبيرة ممن يكابدون عدم الاستقرار الوظيفي والمعدمين فتوسعت البروليتاريا إلى بريكاريات، جميع ضحايا الليبرالية الجديدة.

في نظر ميشيل ييتس بات من الملح تفهم كيف تعمل القوة في ظل الرأسمالية العولمية، وذلك لكي نمسك بفجوة اللامساوة الشاسعة ونستوعب تعدد عوامل إنتاجها، وما يمكن عمله لتغيير الحالة.

غدت السياسة احدى قنوات الثقافة ؛ تولد الليبرالية الجديدة من خلال سياسيات الدول المتواطئة ، الولايات المتحدة وغرب أوروبا وإسرائيل، ثقافة القوة المنفلتة والعنف والقسوة وكل ما تسفر عنه ممارسات النشاط العالمي للرأسمال الاحتكاري. ألا تدخل الضغوط الأميركية لتنصيب إسرائيل رئيسا للجنة القانونية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ضمن الجهود الحثيثة لإشاعة قوانين الغاب بدل القوانين الدولية الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان والاتفاقات الدولية مثل اتفاقيات جنيف؟ بزغت الليبرالية الجديدة عن مساعي المحافظين الجدد دعاة الأصولية المسيحية، ممن يستبدلون قيمهم ومعاييرهم، المموهة بطلاء ديني، بمبادئ القانون الدولي الإنساني. واستنفر المحافظون الجدد داخل المجتمعات العربية وعلى صعيد العالم تيارا أصوليا مضادا لكنه يخدم أغراضهم. إنها حركات التكفير الإسلاموية التي تنفذ ممارسات تخرجها على الدين الإسلامي. والمحافظون الجدد من ناحية اخرى هم رعاة نهج دولة إسرائيل والداعمون له على مسرح السياسة الكونية. بمثال أفغانستان قدم نوعام تشومسكي كيف ترعى السياسات الأميركية الإرهاب الدولي. "استهدف الرئيس بوش الابن القاعدة، وكانت بضع مئات ينتسبون لعشيرة أفغانية؛ وبعد غزو العراق باتت القاعدة تضم عشرات الآلاف... اما منظمات الإرهاب مجتمعة فتضم مئات الآلاف موزعين على العالم بقاراته الخمس، ينشطون في غرب إفريقيا حتى العراق وجنوب شرقي آسيا"، كما يقول تشومسكي، ويتساءل:

هل "الحرب على الإرهاب" حرب حقيقة، ام هي دخان لتبرير سياسات الهيمنة على العالم؟.

أقر صندوق النقد الدولي في دراسة اجراها عن تأثير الليبرالية الجديدة في اقتصادات العالم (مجلد 53 عدد 2 حزيران 2016) بمسئولية الليبرالة الجديدة في تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي. حسب الدراسة فإن "سياسات شد الأحزمة لا تعمل فقط على رفع تكاليف الرفاه الاجتماعي، في جانب العرض منها فقط، بل وتخسف جانب الطلب- تدهور العمالة والبطالة". تجنبت الدراسة البحث عن وسيلة لتعويض الأضرار، مساعدة أقطار مثل اليونان مثلا. تواصل أسلوب التقشف، ذلك الكرباج التي تجلد به الشرائح المحرومة .

مع ذلك تحتفظ الدراسة بموقف إيجابي كبير؛ حيث تعير مصداقية هائلة لادعاءات امثال ساندرز بصدد اللامساواة، ونسبة (الواحد بالمائة الغارمين من الليبرالية الجديدة) والأنشطة اللصوصية للبنوك الأميركية. على كل حال فدراسة الصندوق تقدم اكثر من شعاع امل في ان تواجه سياسات الليبرالية الجديدة بتحديات قوية بينما الاقتصاد العالمي يهبط إلى ما دون الكساد المكشوف، ما يشكل بيئة للعقول التقدمية كي تتصدى في هجمة مضادة لجدول أعمال الليبرالية الجديدة، أي التركيز على برامج الرفاه الاجتماعي وليس تدميرها. وأكثر ما يهيج المحافظين الجدد مفهوم الرفاه الاجتماعي.

أعباء التسلح وخدعة مقاومة الإرهاب

تسدر الامبريالية الأميركية في فرض هيمنتها الكونية بشتى السبل ، ولو زجت العالم في أتون حرب نووية. أميركا ، تقودها الليبرالية الجديدة، وقوتها الدافعة المحافظون الجدد، لا تقبل لعدوى التطور المستقل، أي بعيدا عن سيطرة احتكاراتها عابرة الجنسية، أن تستقر ولو ببلد واحد. ولا تقبل لبلد ان يعادلها من حيث قدرات التسلح، وتحث الخطى كي تتفوق في مضمار المنافسة في التجارة الخارجية. الحرب على الإرهاب ذريعة الامبريالية ومبررها لفرض إرادتها على شعوب العالم كافة من خلال مخطط القرن الأميركي الذي وضعه المحافظون الجدد.

لاحظ نوعام تشومسكي ان "عمليات اغتيال مواطني دول اجنبية بواسطة طائرات بدون طيار، والتي فاقت أرقام ضحاياها أرقام كل عمليات الإرهاب، ربما تجيّش قوى بجانب منظمات الإرهاب وبسرعة اكثر مما تقتل من إرهابيين. فلا غرابة ان يعتبر الرأي العام العالمي الولايات المتحدة الأميركية أعظم خطر على السلام".

فتحت الليبرالية الجديدة قناة التسلح لإثراء الاحتكارات. فبعد انتهاء الحرب الباردة أصر المحافظون الجدد على مواصلة التسلح بوتائر أسرع مما سبق كي ترغم جميع الأطراف على التسليم بالهيمنة الأميركية وتجريم التطور المستقل ودولة الرفاه. كان ذلك قبل تفجيرات نيويورك التي انتظرها المحافظون على احر من الجمر. خلال أقل من عقد فاقت ميزانية اميركا العسكرية مثيلاتها في أقوى عشر دول تليها مجتمعة. بات التسلح وعسكرة الحياة الاجتماعية أحد منافذ العولمة الاقتصادية وتغلغل الاحتكارات عابرة الجنسية في اقتصادات الدول الأخرى، وافتراسها وتركها كعصف مأكول، ثم الخروج بالأرباح الاحتكارية. ابتكرت الدبلوماسية الأميركية نهج مكافحة الإرهاب أثناء رئاسة ريغان في عقد الثمانينات. وانتهزت فرصة تفجيرات نيويورك 11 أيلول 2001 لفرض حق العدوان على أي بلد ترى فيه مصدرا للإرهاب. 

بصدد إسقاطات نشاط التسلح الأميركي على المجتمع الأميركي التقط الكاتب الأميركي روبرتس من تقرير البنك المركزي في الولايات المتحدة، أن 52 بالمائة من الاميركيين لا يوفر واحدهم 400 دولار إلا من خلال بيع مقتنياته الخاصة او الاقتراض. وعزا الكاتب ضعف قدرة الادخار في مقال نشره في 9 آذار الماضي، إلى تعاظم تكاليف "الحرب على الإرهاب" في القرن الحادي والعشرين، حيث أضيفت آلاف مليارات الدولارات على جباية الضرائب لتصب في خزائن التجمع الصناعي – العسكري - الأمني تحت ستار مواجهة المخاطر الأجنبية. طوال المدة عمل النظام المالي يدا بيد مع صناع السياسة ملحقا بالشعب الأميركي أضرارا تفوق ما قد ينزله الإرهابيون من أضرار. 

ابتدع الليبراليون الجدد بدعة "استثنائية" أميركا( وكل من ترضى عنه الدبلوماسية الأميركية) لتبرير انتهاك القانون الدولي الإنساني وممارسة دور شرطة العالم. السياسة الأميركية لا تتردد في التدخل الفظ في شئون كل بلد لتطويعه وفق مشيئة الاحتكارات الأميركية. ومثال ذلك حملاتها المتجنية على نظام الأرجنتين التقدمي حتى سقط، ثم حملتها على البرازيل حتى ضمنت إفلاته من قبضة اليسار وشروع الحكام اليمينيين الجدد تقليص برامج الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والثقافة وإطلاق اليد لبرامج التصحيح الاقتصادي. والآن تشن حملات إعلامية واقتصادية وسياسية ضد نظام فنزويلا التقدمي.

ويقبع نفس المصير على منعطف قريب لدول اخرى مثل بوليفيا والأكوادور وتشيلي ينتظرها نفس الهجوم الضاري . في هذا الهجوم يشارك إعلام محلي وقوى اقتصادية تمارس عمدا التخريب وصنع الأزمات الاجتماعية . فالتحولات التقدمية التي جرت في بلدان اميركا اللاتينية أبقت على الأنشطة الاقتصادية والإعلامية الخاصة. هي ليست قوى قومية ولا مجرد رجعية ؛ إنما هي طغم مالية واقتصادية وإعلامية مندمجة عضويا بالاحتكارات عابرة القارات.

وتطالب اميركا من قوى اليمين في كل بلد أن تنفصل تماما عن ما تدعوه القيم "المتخشبة" للانتماء الوطني وتدخل في التنميط الدولي حسب المثال الأميركي كقوة جديدة بازغة على مسرح الحضارة الرأسمالية الجديدة، كما يزعمون.

مهدت الليبرالية الجديدة ل "أممية" من طراز فريد بترويج قيم العنف والقسوة ومثال رأسمالية الكازينو، حيث لا تضامن ولا تعاطف مع من يتخلف في منافسة السوق، المنظم الأعظم للاقتصاد، او كل ضحايا خطط "التصحيح الاقتصادي" والنهب الضاري للعمال ولشعوب البلدان المنضوية تحت إيديولوجيا السوق. يجري تقليص الديمقراطية امام سطوة أصحاب المليارات على الهيئات المنتخبة وارتباطهم العضوي بماكنة الدولة. قوى النهب والهبش والحروب المعلنة وغير المعلنة، مثل ضربات الطائرات الأميركية بدون طيار في عشرات البلدان، ترهق الشعوب وتنشر الإرهاب إنها الدينامية الذاتية للتجمع الصناعي العسكري- الأمني، التي حذر من أخطارها المهلكة على المجتمع الاميركي وعلى العالم كله الرئيس الأميركي الأسبق، جنرال آيزنهاور. يتجسد في الواقع الاقتصادي والسياسي الدوليين، دينامية تتالي أجيال منظومات التسلح التي يفترض على كل من يتسلح من اميركا ويتعامل مع التجمع اقتناء منظومات التسلح الجديدة والإذعان للأسعار الاحتكارية المفروضة. وهذا ما ادركه الجنرال رئيس الجمهورية وهو يلقي خطاب الوداع لدى انتهاء فترة رئاسته.

بجانب أسلوب العنف وإسقاطاته على الأميركيين تدخل المنتجات الأميركية ميدان التنافس في التجارة الدولية عبر تخفيض كلف الإنتاج من خلال تخفيض اجور الشغيلة. خلص البروفيسور ألان نصر، أستاذ الاقتصاد السياسي والفلسفة بكلية الدولة إفرجين، إلى أن العمال الأميركيين ينحدرون إلى مستوى أقنان البلدان الفقيرة المعتمد قتصادها على التصدير. ونقل الخبير الاقتصادي خطة الليبرالية الجديدة في ميدان التجارة الدولية – مغانم للرأسمال ومغارم على العمال- نقل عن خطاب ألقاه الرئيس اوباما امام اجتماع بنك الاستيراد والتصدير عام 2010، أشارفيه إلى أن الحقبة الراهنة تشهد تنافسا شديدا على التصدير ، وان تخفيض الأجور يشكل العامل الرئيس لتخفيض تكلفة الإنتاج، ورفع القدرة التنافسية للصادرات الأميركية. 

وكذلك وزير الدفاع الأميركي يسترشد باعتبارات الليبرالية الجديدة. تحدث بتفصيل اوضح من رئيسه في العام الماضي، فقال ان التنافس سوف يحتدم على أسيا والباسيفيكي ، حيث ستستوعب نصف سكان العالم بحلول العام 2050. استخلص أن اكثر من نصف الطبقة الوسطى في العالم وما يلازمها من قدرة استهلاكية، سوف توجد في تلك المنطقة. وبدهي انه والرئيس اوباما يؤكدان أن البيزنيس سوف يدخل في المنافسة على هذه السوق.

يبقى الطلب على الإيديولوجيا لتحويل سياسات الليبرالية الجديدة إلى قيم موجهة ومعايير ترشد قناعات الجمهور. والتحالف متين بين التجمع الصناعي –العسكري -الأمني والميديا . يقال في أميركا "اليد التي توقع على الشيكات لا تعضها الميديا". تسخَّر الميديا لنشر قيم العنف والقسوة ومعاييرهما الملائمة للاحتكارات. في الولايات المتحدة لا يتقدم على لوبي البندقية سوى اللوبي اليهودي. وبسبب ضغوط جمعية البندقية فشلت الجهود المتواترة للحد من اقتناء السلاح وحمله في الولايات المتحدة ، التي لا يتفوق عليها بلد في العالم من حيث نسبة الأسلحة بأيدي المدنيين. الميديا تصنّع الجهل والتضليل وتؤجج الكراهية والعنصرية وتشوه الحقائق والوقائع. الاستثنائية الأميركية تدخل مكونا رئيسا في الثقافة السياسية ومناهج التدريس. وحيث بات الانترنت أحد اشكال التربية والتثقيف، ووسيلة اتصالات اجتماعية، فقد غدا احد قنوات الصراع من أجل القوة والتمثيل وتحديد المستقبل .

تشن الليبرالية والأصولية الدينية، كما لاحظ غيروكس، الهجوم الضاري على التعليم لتفريغه من كل ما يدمج الأجيال بقضايا مجتمعهم وقضايا الإنسانية وتجريد الشباب من مواهب التفكير النقدي، ووسائل المعرفة والتبصر والتحاور . ركز الليبراليون الجدد الجهود على إعطاب الوعي الاجتماعي لدرجة تشويه إنسانية البشر. يجد الليبراليون الجدد في الذاكرة الجمعية وفي قيم الخدمة الاجتماعية أعداء ألداء. وكذلك الذاكرة الجماعية كفكر نقدي ، يجري تقويضها في مناهج التدريس، أو الحط من قيمتها على أقل تقدير. وبتأثير الليبراليين الجدد في مجال التعليم والمجالس المنتخبة يجري باضطراد إعادة كتابة المناهج الدراسية لإفراغها من التفكير النقدي او مناقشة القضايا العامة والقضايا الإنسانية . فالتعليم ، في نظر الليبراليين الجدد، ينبغي أن يقتصر على التدريب المهني ورفع الكفاءة الإنتاجية. 

تكافح الليبرالية الجديدة كالوباء مناهج مثل الفلسفة والفنون والعلوم الإنسانية وتاريخ الثقافة الإنسانية والمنطق والتفكير النقدي وصنع القرارات بحافز اخلاقي وكل مضامين لا تباع ولا تشترى في عالم البيزنس. الكليات الجامعية الأميركية تقلص بصورة متعمدة، او حتى تقتل أقسام الفلسفة والعلوم الإنسانية في التعليم العالي، وذلك لسببين رئيسين: تعليم من هذا النمط لا عائد ماليا يقدمه لعالم البيزنس، كما ان التفكير النقدي وكل من المعارف الغزيرة تشكل خطرا على هيمنة الشركات الكبري.

يشير الدكتور روبرت ابيلي، أستاذ الفلسفة في ديابو فالي كوليدج، بولاية كاليفورنيا ومؤلف كتاب " تشريح الخداع: تحليل منطقي واخلاقي لقرار غزو العراق"، إلى الفلسفة التي ترى في التعليم، خاصة في مستوى كليات المجتمع، إعداد الطلبة لشغل وظائف في عالم العمل لدى التخرج، بدلا من الانشغال بدورات لا تباع او تشترى في عالم البيزنس، مثل الفلسفة والفنون والعلوم والتاريخ والثقافة الإنسانية والمنطق والتفكير النقدي. يلاحظ في نهج الليبراليين الجدد تعمد إلغاء وشطب برامج توسع آفاق الطلبة وتعلمهم كيف يتأملون بصورة عقلانية ويحللون مجتمعهم والاتجاهات الفاعلة داخله. وفي احد خطابات اوباما دعا إلى تحويل الكليات الجامعية إلى مراكز للتدريب المهني. وعزا تدهور التعليم الأميركي إلى ضيق أفق سياسيين ومدراء كليات لا يرون سوى تدفق النقود، فيسمحون بتجريف مؤسسات التعليم وموتها عن طريق تسخيرها لخدمة الرأسمال. 

صب الزيت على المحرقة الفلسطينية

الشعب الفلسطيني احد الفضلات الموعودة بالإقصاء والزوال لأنها مكرهة اجتماعية في نظر الليبراليين الجدد والمحافظين الجدد دعاة الصهيونية المسيحية. حمل الليبراليون الجدد منذ صعودهم في سبعينات القرن الماضي موقفا منحازا ضد شعب فلسطين. حملوا إلى سدة الرئاسة الأميركية ريغان الذي دشن رئاسته، ولأول مرة في تاريخ الدبلوماسية الأميركية ، بإجازة الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة. ومنذ ذلك التاريخ انتهجت اميركا في الأمم المتحدة نقض قرارات إدانة الاستيطان اليهودي في الضفة والقدس الشرقية، الأمر الذي فتح شهية الاستيطان لدى حكومات إسرائيل وحول الاستيطان إلى ثقافة عنصرية تحرض على كراهية شعب فلسطين ورفعت وتيرة دعاية الترانسفير. دعم الليبراليون الجدد المرشح ريغان في انتخابات الرئاسة ضد الرئيس كارتر بسبب معارضته البرنامج الاستيطاني لحكومة الليكود برئاسة ميناحيم بيغن. كان هدف البرنامج الاستيطاني المعلن تقويض مشروع الدولة الفلسطينية. لم يحفظ الصهاينة وحلفاؤهم  المحافظون الجدد صنيع كارتر الذي سحب مصر من الجبهة المناهضة لإسرائيل بموجب اتفاق كامب ديفد 1978، وألزموه بدفع ثمن معارضة الاستيطان. ضج بيغن بالشكوى من (ميونيخ جديدة) خذلت إسرائيل، معلنا ان إسرائيل "ليست جمهورية موز" تتلاعب الولايات المتحدة بمقدراتها!!

الليبرالية الجدية مرحلة سطوة الرأسمال وتحكمه المباشر بمفاصل السياسة. شهدت الرأسمالية تراكم المليارات بأيدي الأفراد نتيجة النهب الطفيلي؛ ورفعت الأموال سلطة الرأسمال السياسي على الناخبين في شراء الممثلين في المجالس المنتخبة ؛ فتقوضت الديمقراطية في الولايات المتحدة وبلدان الراسمالية المتقدمة في غرب اوروبا. تحول الرأسمال المالي عن الاستثمار في الإنتاج إلى المضاربة وانتهج اساليب غاية في الطفيلية، حيث النهب الافتراسي وتسخير الحكم للإثراء.

اوحت الممارسة أن الرأسمال بحاجة إلى خدمة ربع البشرية والباقون فائضون عن الحاجة، او فضلات ينبغي التخلص منها، وبات شعب فلسطين مختبر تجارب لدراسة سبل التخلص من الفضلات. ولهذه الغاية انفقت مجموعة الاتحاد الأوروبي على مشروع السلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة.  اتضح تواطؤ اوروبا الغربية في دعم إدارة الحكم الذاتي حين بادرت دول المجموعة بتقديم اقتراح للجمعية العمومية بتنصيب مندوب إسرائيل، داني دينون، رئيس اللجنة القانونية بالجمعية العمومية، وهي أهم لجانها. فهذه الخطوة تزكية لنهج إسرائيل في إنشاء نظام ابارتهايد كرس اضطهاد شعب تحت الاحتلال، وانتهك القانون الدولي الإنساني وداس بالجزمة العسكرية على ميثاق حقوق المدنيين في اوقات الحرب. بتعيين مندوب إسرائيل رئيسا للجنة القانونية إعفاء لدولة إسرائيل من جرائم الحرب المقترفة، وتسويغ تلك الجرائم على صعيد السياسات الدولية.

تشكل اوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان منظومة دولية مقررة لشئون العولمة الرأسمالية، يطلق عليه اللجنة الثلاثية، او نادي بيلديربيرغ، ويحكم سياساتها الدولية مجلس يعقد جلساته بسرية محكمة يحول دون الصراع الداخلي بين الاحتكارات ضامنا هيمنة الاحاتكارات الأميركية عابرة الجنسية، ويقرر مواقف مشتركة ضد الدول الرافضة لهيمنة العولمة الرأسمالية على مقدرات شعوب العالم، مثل روسيا والصين والدول التي تنهج سياسة التطور المستقل. وحظيت سياسة الاستيطان اليهودي بمساندة اللجنة الثلاثية.

إن انتخاب مندوب إسرائيل للمنصب السامي بالأمم المتحدة إنما يشير إلى موقع متميز لإسرائيل داخل المجموعة الثلاثية؛ لابد ان يثير القلق على نظام العلاقات الدولية والنظام الدولي المراد فرضه سماح الدول المقررة للسياسات الدولية باحتلال شخصية معروفة بماضيها الإرهابي واختراق القانون الدولي الإنساني موقع رئيس اللجنة القانونية للأمم المتحدة. فهو من كبار المحرضين على العنف العنصري ضد الفلسطينيين داخل غسرائيل وعلى الأراضي المحتلة ، مؤيد بلا تحفظ للاستيطان وانتهاك حرمة المسجد الأقصى وحرض على مواصلة العدوان على غزة وتدمير كامل بنيتها التحتية.

تزامن صعود الليبرالية الجديدة وقوامها سطوة المحافظين الجدد على السياسات الأميركية وعلى اقتصادها وعلى نشاط مراكز الأبحاث واحتكارات الثقافة والإعلام مع انتصار إسرائيل في حرب حزيران 1967،وإحياء التيار السلفي وتمكينه من المدارس والجامعات، حيث وظف المال النفطي في إنجاح دعوة الليبرالية الجديدة لخصخصة التعليم والرعاية الصحية معززرا بذلك نفوذه في اوساط الفقراء وضحايا "التصحيح الاقتصادي". تحولت إسرائيل  إلى حليف استراتيجي للامبريالية الأميركية وعامل هام في سياسة التحالف الامبريالية تجاه الشرق الأوسط، يحدوها التطلع لدولة إقليمية وكيلة للهيمنة الامبريالية على المنطقة. ورغم انحياز مصر بجانب التحالف الامبريالي وانفتاحها الاقتصادي على الرأسمالية واندماجها في الليبرالية الجديدة بتطبيق برامج "التصحيح " وتطبيق نظم الخصخصة، إلا أن إسرائيل لم تفقد مكانتها المتميزة ضمن المجموعة الثلاثية. عهد لإسرائيل مهمة تنفيذ مشروع استنزاف الأقطار العربية في حروب طائفية وعرقية وصراعات عشائرية . افلحت إسرائيل في تصدير الأزمات داخل المجتمعات العربية – الإسلامية مسخرة الأنظمة الأبوية الاستبدادية. تعرضت الأقطار العربية لتداعيات أفشلت مشاريع التنمية وقوضت سياساتها ووسعت دائرة الفقر وخربت الحركات الديمقراطية والتنظيمات العمالية، فتشكل مناخ اجتمعي انعش التيار السلفي والحركات التكفيرية. وكانت النتيجة عزلة المقاومة الفلسطينية عن بعدها الاستراتيجي القومي، وعجزها عن الصمود والتصدي لنهج الاستيطان والتهويد.

وللحروب والصراعات وظيفة مهمة تخدم هدفاً حاسماً لمشروع تراكم رأس المال على المستوى العالمي. فمزيج الإفراط في الحروب العدوانية والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية شوهت وبحدة الوعي العربي ومسخته من ايديولوجيا ثورية تطمح لتغيير العالم بعملها على توحيد دول الجنوب كلها في مواجهة الاستعمار الغربي في زمن عبدالناصر إلى أفكار قدرية رجعية متخلفة تمزقنا إلى مذاهب وطوائف وأديان وجماعات محلية وجهوية متصارعة فيما بينها في عهد آل سعود ووهابيتهم.

العدوان الصهيوني المتواصل على العرب، بالإضافة للعنصرية الغربية ضد العرب والمسلمين، وارتباط كليهما بآليات تراكم رأس المال على المستوى العالمي بسحقهما لقيمة الإنسان، كانت حاسمة للمسار الكارثي الذي أخذه الوطن العربي منذ النكسة، وهما الأب الشرعي الوحيد لكل أداة تدمير ذاتي ينتجها الفكر الوهابي من آل سعود ذاتهم وحربهم على فكر العرب الوجودي إلى القاعدة وداعش (واهم من يبحث عن إجابة لداعش أو النصرة أو آل سعود في القرآن أو في التاريخ العربي ـ الإسلامي، وعدمي من يسعى لإثبات لا إسلاميتهم. هؤلاء أبناء الغرب الاستعماري ورأس المال والنيوليبرالية

وبرغم التعاطف الذي ابدته البعثة مع المشروع الصهيوني، فإنها أكدت أن «الانجازات الاقتصادية الإسرائيلية» هي «بشكل كبير نتيجة لعاملين: شعب قادر ومصمم مع قاعدة عريضة من السكان المتعلمين والنشيطين الذين أثبتوا قدرتهم على تجاوز تحديات التنمية الاقتصادية ببراعة، وأيضاً تدفق كبير نسبياً ومستمر من رأس المال الأجنبي مصدره الأساسي تبرعات يهود أميركا ودفعات التعويضات من ألمانيا الغربية. «معجزة إسرائيل» كانت ستكون مستحيلة لو أن أحد هذين العاملين ــ المهارات البشرية ورأس المال الأجنبي ــ كانت غائبة».

الحروب العدوانية المتواصلة على وطننا العربي والصراعات المحلية مضاف إليها سياسات اقتصادية نيوليبرالية فظة في جرأتها ووقاحتها جردت الوطن العربي من كل قدراته على النمو وسحقت قيمة الإنسان العربي ومسخته لمستوى السلع الأقل سعراً في الكون حتى يستمر تصاعد تراكم رأس المال العالمي. بعد تسعة وأربعين عاماً على كارثة الهزيمة في حزيران يتفكك وطننا العربي أمام أعيننا فيما أجهزة الدولة القِطرية تتحلل تحت الضربات المتواصلة لمشاريع النيوليبرالية وقواها المتوحشة. بعد تسعة وأربعين عاماً على هزيمتنا المرة في حزيران ١٩٦٧ تتعرض شعوبنا في الوطن العربي لكل كارثة يمكن، أو حتى لا يمكن، للعقل البشري ان يتخيلها أقل من حدود الإبادة الكلية. بعد تسعة وأربعين عاماً يجب أن نستنتج أن وطننا العربي ومحيطه لن يعرف السلام طالما أن هناك كياناً اسمه «إسرائيل» في وسطنا، وأن خيارنا الوحيد الممكن هو الوحدة في مواجهة التجزئة، وأن مسارنا الوحيد الممكن للنجاة لا يمكن أن يكون رأسمالياً.

وأخيراً، بعد تسعة وأربعين عاماً، علينا أن نعترف أن مفهوم «النكسة» يبدو أكثر قصوراً من أي وقت منذ الهزيمة وحتى اليوم. نحن بحاجة ماسة الى مفهوم جديد.