2016-06-06

الآن جاء دور عادل مناع: تسطيح وافتراء على الشيوعيين وتاريخهم

عصام مخول

تقديم:
صدر مؤخرا كتاب عادل مناع – الباحث في معهد فان لير في القدس -"نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلّوا في حيفا والجليل 1948-1956"، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

ويأتي هذا "الكتاب الأكاديمي" في هذا الوقت بالذات، ليندمج في إطار حملة التحريض والنبش والافتراء الممنهج والمتزامن، على تاريخ الحزب الشيوعي وعصبة التحرر الوطني ومواقف الشيوعيين إبان نكبة الشعب الفلسطيني، والطعن في مواقفهم الوطنية المعادية للامبريالية والصهيونية والرجعية العربية من جهة، وليصب من الجهة الاخرى في مصب الحملة المستميتة والممولة جيدا لتبرئة الانظمة العربية الرجعية العميلة للامبريالية والصهيونية،والتي شكلت في عام 1948 الضلع الثالث في مثلث النكبة والخيانة والتآمر الدنس على الشعب الفلسطيني وعلى حقوقه الوطنية وفي طليعتها حقه في تقرير المصير، ولا زالت تلعب هذا الدور بقوة في ايامنا هذه. وكان مناع قد حاضر في حزيران 2009 في مركز مدى الكرمل في حيفا عن الفصل الثالث من كتابه الخاص بدور الشيوعيين العرب في حرب عام 1948، وقد رد عصام مخول رئيس معهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والاسرائيلية وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاسرائيلي بمقال نشر في الاتحاد بتاريخ 13.6.2009، وتعيد الاتحاد نشر المقال هنا لما يحمله من راهنية وصلة اليوم ايضا مع صدور كتاب مناع. وسيكون لهذا النقاش تتمة.

* الهدف تلطيخ تاريخ الشيوعيين وتبييض خيانة الرجعية العربية وعمالتها *

ماذا ومن وراء الانفلات المكثف الان بالذات لتشويه تاريخ الشيوعيين العرب وعصبة التحررالوطني ودورهم في التصدي لنكبة الشعب الفلسطيني؟ من المعني بتزوير التاريخ بسطحية أكاديمية فاقعة من خلال اتهام الشيوعيين في موقفهم الوطني واخلاصهم لقضية شعبهم ووطنهم؟ هل يعتقد بعضهم أننا شعب بلا مؤرخين ولا تاريخ مكتوب ولا ذاكرة، حتى "يشقبع" الذاكرة الشعبية ويشوه الموقف التاريخي الوحيد، الذي طرح على الشعب الفلسطيني بديلا يجنبه النكبة؟ وهل يسمح المؤرخ لنفسه بأن يخلط الحابل بالنابل، فقط لان هذا المؤرخ يعتمد أرشيف جهاز المخابرات التابع للهجاناة؟ ما الذي يزعج هذا النوع من المؤرخين حتى يقوم بالغمز واللمز على تاريخ الشيوعيين وعصبة التحرر الوطني، وحتى يقوم بالتساؤل المريب وبلهجة المتهم ( بكسر الميم) فيقول: "في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين" لم يوضح د. ايلان بابيه لماذا بقيت الناصرة وقراها طالما كانت هناك خطة تهجير.

كيف حدث في بداية يوليو/ تموز أن ارتكبت الصهيونية مجازر فظيعة في اللد والرملة وطردت نحو 70 الف نسمة، وفقط بعدها بنحو اسبوع تم احتلال الناصرة ولم يتم تهجير سكانها أو تدميرها؟.. وان كانت قدسية وحساسية المدينة فكيف اذن بقيت معظم قرى الناصرة خاصة الاسلامية منها؟" (صحيفة المدينة، ووديع عواودة 5.6.2009). ويشتم من اللهجة الاستنكارية التي طرح فيها هذا التساؤل احدى رائحتين كريهتين، فإما رائحة التنكر لوجود مخطط صهيوني لتهجير الشعب الفلسطيني , وإما اعتبار بقاء الناصرة وأخواتها أمرا مشبوها يجب ان يدفع ثمنه الشيوعيون وتاريخهم، لان هذا البقاء يزعج نظرية المؤرخ ويسيء الى ادواته التحليلية والى المؤسسة التي تقف من وراء بحثه. 

 ونحن نقول للمؤرخ في مؤسسة "فان لير" وكل المنكبّين على اعادة كتابة التاريخ الفلسطيني وتشويه دور الشيوعيين فيه، وللقائمين على تمويل هذه الدراسات، ان الشيوعيين يعترفون "بالتهمة الموجهة اليهم" ويفخرون بأنهم قادوا بنجاح المعركة لمنع تهجير الناصرة وقراها، وقادوا معركة البقاء في الوطن في كل موقع استطاعوا أن يؤثروا فيه، ومجدوا معركة البقاء، ليس في الناصرة وحدها بل في قرى الشاغور الذي يعرفه مناع جيدا، وفي الجليل وحيفا وعكا حتى مجدل عسقلان وأخواتها، حيث طالت أيديهم، وطرحوا على شعبهم مشروع البقاء والتشبث بالوطن بكل ثمن، بديلا عن النكبة والاقتلاع. وتصدوا للدعوات التي أطلقها "جيش الانقاذ" لحث الناس في الجليل والساحل على الرحيل الى لبنان والدول العربية الاخرى لاسبوعين أو ثلاثة، ريثما يتسنى له تحرير فلسطين.

ما الذي اختلط على المؤرخ؟!

ان المؤرخ مناع الذي أعلن أن هدفه أن "يفكك الخطاب التاريخي والشمولي للنكبة"("المدينة")، يعزو الى جيش الانقاذ دور من "رابط على مداخل الناصرة ومنع السكان من المغادرة، أحيانا تحت تهديد السلاح.." (المصدر السابق(.

ان هذا الكلام مناف للحقيقة التاريخية وللذاكرة الشعبية الحيّة. لقد لفت نظري في صورة من محاضرة د.مناع في مركز "مدى الكرمل"، حضور الشاعر حنا أبو حنا صاحب كتاب السيرة "مهر البومة"، الذي تطرق الى احتلال الناصرة حيث يذكر (صفحة 121): "الاذاعات العربية تتحدث عن معارك تدور في شوارع الناصرة والاغنية "خلّ السيف يقول" تطعن الاّذان بالمفارقة المأساوية. ويضيف على لسان الشارح:"لم ترتفع في الناصرة يد تقاوم، حين دخلها الجيش الاسرائيلي. قوة "جيش الانقاذ" كانت قد غادرت المدينة في الصباح قبل أي هجوم. أما القاوقجي فلم يعد الى المدينة بعد يوم مجيئه مع فرقته في حينه. ويزيدنا أبو حنا تفصيلا:"ألجأ الذعر الناس الى بيوتهم وخلت الشوارع. "أبو شلميش" المجنون لم يع ما يدور حوله. وحيدا كان يتسكع في الشوارع عندما تصدت له رصاصة فقتلته... لم تجر معارك في شوارع المدينة. وما كاد يحل المساء حتى أحضر (بضم الهمزة) بعض الوجهاء ليوقعوا على وثيقة الاستسلام.. واعتبرت المدينة منذ ذلك الحين في القبضة الاسرائيلية. "  ومن حقنا أن نتساءل كيف تستوي هذه الشهادة وكل أدبيات عصبة التحرر والوثائق التاريخية المتوفرة، مع صك الغفران الذي قدمه مناع لجيش الانقاذ. 

ان من يتابع النشر الذي رافق محاضرة مناع يشعر أن البحث التاريخي الذي يقوم به موجّه بالاساس ليس "لتفكيك الخطاب التاريخي للنكبة" وانما  لتشويه مواقف عصبة التحرر الوطني ودور الشيوعيين بشكل منهجي، ليس من خلال مقارعة وثائقهم وأدبياتهم الوفيرة، المتوفرة بغزارة لدى المؤرخ، وانما من خلال إدارة ظهره المتعمدة لهذه الوثائق والادبيات، واقتصاص المواقف من سياقاتها التاريخية وانتزاعها من رؤيتها المتكاملة للصراع وللحظة التاريخية. فكيف يمكن أن يقوم المؤرخ "بتنبيه" مستمعيه، وكأنه يكشف لهم سرا مكتوما، الى أنه: "بعد دخول الجيوش العربية لمساعدة فلسطين أصدرت عصبة التحرر منشورا يدعو الجيوش العربية لمغادرة فلسطين والعودة الى بلادهم" وأصدرت "مناشير مماثلة حرضت فيها جيش الانقاذ على ترك فلسطين"، وأن صحيفة "الاتحاد" بدأت تتحدث عن "تحرير الجليل" من جيش الانقاذ ومن القاوقجي، مع العلم أنه وحسب قرار التقسيم الذي أيدته كان من المفروض أن يكون الجليل ضمن الدولة الفلسطينية"..

الجيوش العربية لم تدخل فلسطين للقضاء على الدولة اليهودية بل لمنع قيام الدولة العربية الفلسطينية!

ان المشكلة مع طرح عادل مناع أعلاه، هي ليس فيما قاله بقدر ما هي فيما يعرفه جيدا ورفض قوله وأخفاه عنوة عن سامعيه. وهو أراد أن يوحي لمن لا يعرف بأن الحديث عن "تحرير الجليل"، هو "تحرير" الجليل من أهله العرب وضمه الى دولة اسرائيل مع كل ما في هذا الايحاء السطحي، من تزوير وافتراء لا يمكن السكوت عليه. وهو أراد بذلك أن يمنع عن الجمهور حقيقة موقف عصبة التحرر التي رأت بالجليل جزءا من الدولة العربية الفلسطينية التي كان يفترض أن تقوم وفق قرار التقسيم الذي قبلت به، وأراد ان يشوه موقف العصبة التي رأت ان المعركة القادمة فلسطينيا يجب أن تتركز في اقامة الدولة الفلسطينية على ما تبقى من المناطق المخصصة لها بما فيها الجليل، ورأت بدخول جيوش الانظمة الرجعية العربية، ليس "مساعدة لتحرير فلسطين" كما يصور المؤرخ، وانما جزء من المؤامرة لمنع قيام الدولة العربية الفلسطينية،  الذي اعتبره الشيوعيون الخيار الوحيد الذي كان بمقدوره أن ينقذ حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وأن يجنبه النكبة المبيتة. لقد كانت العصبة دون غيرها هي التي حذرت في نيسان 1947 من خطر تقسيم فلسطين اذا ما استمرت القيادة التقليدية والرجعية العربية المرتمية في احضان الاستعمار البريطاني بالمراهنة عليه والدوران في فلك مخططاته ومؤمراته. والحقيقة التي يعرفها المؤرخ ورفض أن يبوح بها لمستمعيه، تتمثل في أن عصبة التحرر التي تمسكت بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني وبإقامة الدولة الفلسطينية ولو على جزء من فلسطين، استوعبت وبرؤية ثاقبة (وربما كانت وحدها التي استوعبت) الطابع الحقيقي لدور جيوش النظام العربي الرجعي في فلسطين، التي لم تأت لمنع قيام الدولة اليهودية بعد قرار التقسيم، وإنما دخلت فلسطين لمنع قيام الدولة العربية على القسم المخصص لها وفق هذا القرار. وتقسيم الاجزاء التي بقيت خارج الدولة اليهودية بين الدول العربية في اطار دورها في خدمة مخططات الاستعمار البريطاني. إن مصير الضفة الغربية وإلحاقها بالملك الهاشمي عبدالله وإلحاق قطاع غزة بمصر الملك فاروق لم يكن جزءا من انقاذ فلسطين وشعبها وانما جزءا من الاجهاز على ما تبقى منها، وهذا ما استوعبته عصبة التحرر ووعاه الشيوعيون في اللحظة الحاسمة. 

لقد أصدرت عصبة التحرر الوطني في فلسطين وثيقة في حيفا في أيلول 1948 صاغها القائد التاريخي توفيق طوبي تحت عنوان " لماذا يجب أن نناضل في سبيل الدولة العربية الفلسطينية"، جاء فيها: " ان مصير هذا الشعب (الفلسطيني) الذي ضحى غاليا في سبيل حريته مهدد اليوم بعبودية مختلفة الالوان من عربية ويهودية.. فمن واجب شعبنا إذا أراد أن يكون مصيره مصير شعب مستقل، مصيرا عاليا من العزة والكرامة الوطنية , مصيرا يؤمّن تطور البلاد وتقدمها الاجتماعي ورفاهيتها ,.. فعليه أن يناضل في سبيل اقامة دولة عربية مستقلة في فلسطين، دولة يحكمها الشعب نفسه لصالح الجماهير الكادحة ولا يحكمها حفنة من الرجعيين الخونة الذين يبيعون شعبهم كل يوم في سوق المساومات الاستعمارية."

على هذا النهج كان يدور النقاش قبل إحدى وستين عاما، وعلى هذا يدور اليوم، ليس مع التاريخ وانما مع نوع من المؤرخين أيضا. ان الطريق الذي دعا اليه الشيوعيون لم تتم ممارسته ولا يزال يواجه التحريض، أما النقيض البديل الذي لا زال يدافع عنه بعضهم، فقد أودى بالشعب الفلسطيني الى نكبته.

ان ذنب الشيوعيين الاكبر الذي لا يغتفر، انهم استطاعوا وفي اللحظة التاريخية الحقيقية ( أون لاين) أن يروا ما لايريد أن يراه المؤرخ مناع حتى يومنا هذا من عمق المؤامرة وطابعها، وانهم استطاعوا أن يحددوا بدقة الثلاثي المسؤول عن المؤامرة وعن نكبة الشعب الفلسطيني، وتقاسم الادوار فيها: الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية. وهو الثلاثي الذي لم يكن بمقدور أي مركب منفرد فيه أن يرتكب نكبة الشعب الفلسطيني من دون المركبين الاخرين. 

ان هذا الثلاثي، لايزال فاعلا بقوة حتى يومنا هذا في اعادة انتاج النكبة واحتجاز الحقوق القومية للشعب الفلسطيني ولا يزال يبحث بكل ثمن عمن يؤرخ لرواية تتستر على المسؤولين الحقيقيين عن نكبة الشعب الفلسطيني وعلى دور كل من مركبات هذا الثلاثي الدنس في انتاجها ومواصلتها.