2016-05-25

السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي:

الاشتراكية تبقى هدفاً تناضل البشرية من أجله

 حاوره/ حمدي العطار

 بغداد: نشرت صحيفة "طريق الشعب"، لسان حال الحزب الشيوعي العراقي، المقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة "الزمان"ونشرت في عددها الصادر في العاشر من أيار الجاري 2016، مع الرفيق عزيز محمد، السكرتير السابق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وتعميماً للفائدة نعيد نشر المقابلة كما وردت لنا.

مذكرات الرفاق تمثل وجهات نظرهم

ما هو تقييم عزيز محمد لمذكرات قادة شيوعيون عاصرهم لسنوات عديدة مثل رحيم عجينة- باقر ابراهيم- بهاء الدين نوري. هؤلاء ذكروا مجموعة من الحقائق، وكانوا يؤكدون بأن الحزب في أكثر من مرة كان بحاجة ماسة لوجود سكرتير اللجنة المركزية بينهم،وكنت انت بعيدا عنهم ودورك– كما يقولون- ضئيل- في هذه المراحل الحرجة من تاريخ الحزب؟

لا شك أني مطلع على مذكرات الرفاق المذكورين وغيرهم وفي تلك المذكرات حقائق معينة إلا أن كل منهم كتب حسب وجهة نظره للأحداث وفهمه التطورات وتقيمه مسيرة الحزب النضالية ،وإن ابتعادي عن الساحة السياسية لفترات قصيرة مرتبط بالظروف الأمنية وبتوجيه من قيادة الحزب.

توفير الصلاحية والاستقلالية للحزب الشيوعي الكردستاني

هل يمكن تفسير تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني ؟ وهل أعطت هذه النقلة النوعية قوة دفع للحركة أم عادت عليها بالضعف؟

أن الحزب منذ البداية شكل فرع كوردستان ومع تطورات الحركة الكردية وبعد ثورة (14 تموز 1958) والظروف المستجدة بعد ذلك أقرت اللجنة المركزية للحزب تغيير الفرع الى أقليم كوردستان وعقد الأقليم أول مؤتمر له في عام 1969. وبعد التطورات الحاصلة في الوضع السياسي ونمو وتطور الحركة الكوردية ودور منظمتنا في كردستان سعينا إلى تحويل الإقليم الى الحزب الشيوعي الكردستاني- العراق وذلك لتوفير الاستقلالية والصلاحية لمنظمتنا ولمعالجة ما يواجهه، من قضايا تخص كردستان والإبقاء على العلاقة بالحزب الشيوعي العراقي وديمومتها ولحمل الرفاق مسؤوليتهم في التصدي لمعالجة المشاكل وطرح برامجهم حسب الظروف المستجدة بعد انتفاضة آذار1991، أن الرفاق في الحزب الشيوعي الكردستاني (حشك) يشاركون في مؤتمرات الحزب الشيوعي العراقي وسكرتير الحزب(حشك) وعدد من أعضائه، اعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.

تراجع الحزب .. انهيار الاشتراكية .. والصحوة الاسلامية

كان للشيوعيين في انتفاضة سنة 1991 دور مؤثر في كردستان، لقد حرروا نصف اربيل، بينما الآن نجده خارج التمثيل البرلماني وخارج الحكومة؟ ما هي أسباب هذا التراجع؟

لا شك أن الشيوعيين لعبوا دورا كبيرا في انتفاضة 1991، وأن الحزب شارك في حكومة إقليم كردستان منذ أول تشكيلة لها. إن تراجع الحزب له أسبابه الذاتية والموضوعية،بعضها يتحمله رفاق الحزب والقسم الآخر خارج إرادتنا ومرتبط بالتطورات السياسية ليس في العراق وكردستان فحسب بل في الظروف الدولية وانهيار الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي كذلك بموجات ما يسمى بـ (الصحوة الإسلامية) والتغييرات الحاصلة بعد سقوط الدكتاتورية 2003، والهجمة الشرسة ضد الشيوعية والنزعة الطائفية والمذهبية والتخلف السياسي والاجتماعي في البلد.

الاشتراكية حلم البشرية للتخلص من الاضطهاد الطبقي

عشت عمرك من سن الشباب الى مرحلة متقدمة من العمر في داخل الحزب الشيوعي، وهو تاريخ لظهور الاشتراكية وصعودها وانحداراها وانهيارها؟ كيف يمكن ان يحلل لنا عزيز محمد ظاهرة الاشتراكية؟

لا شك أن الاشتراكية حلم البشرية للتخلص من الاضطهاد الطبقي والاثني وإرساء العدالة الاجتماعية وخلق مجتمع يليق بالإنسان كأثمن رأسمال وتسوده الحريات، إن انتصار الثورة الاشتراكية في 1917، رغم الهجوم الشرس على الدولة السوفيتية الفتيه من قبل الدول الرأسمالية وصمود الثورة كان ملهما لكل الثوريين في العالم، وكل من قرأ ما كتب عن تلك الثورة من مؤلفات مثل (الفولاذ سقيناه وعشرة أيام هزت العالم) وكذلك انتصار السوفيت على الهتلرية في الحرب العالمية الثانية، وأيضاً موقف السوفيت من حركات التحرر الوطنية لشعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لا شك أنها اضافت قوة دفع جديدة للحركات الثورية للشعوب ضد الكولونيالية والاستعمار ومن أجل الاستقلال والحرية. وأن انهيار الاشتراكية أو دول المعسكر الاشتراكي لا يتعلق بفشل الاشتراكية، بل يرتبط بالممارسة والتطبيق والأخطاء المرتكبة من قبل الأحزاب الشيوعية الحاكمة، التي فقدت مصداقيتها وتحولت الى أحزاب النخبة ذات الامتيازات العديدة والتمييز بين المواطنين على أساس الانتماء الحزبي وفقدان الحريات الأساسية،بعيدا عن جوهر الاشتراكية وأهدافها وقيمها. إن الاشتراكية ستبقى هدفا تناضل البشرية من أجله، ما دام هناك اضطهاد وتفاوت طبقي واجتماعي لا بد أن تنتصر الاشتراكية في النهاية.

لست نادما لاختيار طريق الشيوعية

قادة أحزاب شيوعية يمتلكون الجرأة للنقد والندم مثل (جيفكوف) الذي قال لم أكن أتصور بأن الشيوعية قبيحة الى هذا الحد بحيث تخرج الناس ضدنا بهذا الكثافة البشرية؟هل انتقد عزيز محمد الشيوعية او الأخطاء التي حدثت؟

أولا أنا أستبعد أن تيودور جيفكوف قال ذلك، وأين نشر هذا القول؟ وأنا لست نادما لاختيار هذا الطريق وأنا مؤمن بأن الشيوعية تحقق العدالة الاجتماعية وتخلق مجتمعاً يليق بالإنسان، أنا انتقدت وأنتقد الأخطاء المرتكبة في التطبيق، ولا أنتقد الشيوعية والفكر الاشتراكي وأنا ما زلت عضواً في الحزب. أما فيما يتعلق بالانتقاد الشخصي، لقد مارست ذلك في الكلمة للمؤتمر الوطني الرابع للحزب حيث جاء نصا : أن موقعي الحزبي يجعلني المسؤول الأول عن الحزب وسياسته ولكي لا أسيء لحزبنا وتقاليده لا بد لي من القول بشأن مسؤوليتي بالدرجة الأساسية .. كما وأني مسؤول أيضا في كل الاسهامات والمبادرات التي قمت بها شخصيا لتطبيق هذه السياسة والتقصيرات التي انتابت هذا التطبيق. وقلت كذلك : أن اللجنة المركزية تتحمل المسؤولية الأدبية الأولى بعدي ، أنا أتحمل المسؤولية الأولى في نطاق القيادة ولم أتفرد بالقرارات ، بل دائما مع القرارات الجماعية.

لم اقدم نفسي زعيما كورديا بل شيوعيا مسؤولا اولا للحزب

الحزب الشيوعي ،حزب وطني أممي، هل قدم عزيز محمد نفسه للقيادات الشيوعية، للنخبة الثقافية في العراق وفي الوطن العربي والعالم ،هل لديكم علاقات مع المثقفين اليساريين العرب ؟ام فضل ان يكون زعيماً كردياً فقط؟

أنا لم أعتبر نفسي قائدا أو زعيما للحزب، بل كنت المسؤول الأول منتخبا من قبل اللجنة المركزية ،ممارسا صلاحياتي الحزبية، مخولا من قبل الحزب، لم أقدم نفسي زعيما كرديا، بل شيوعيا مسؤولا اولا للحزب، وخلال هذه الفترة لم أكن بعيدا عن لقاءات الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وعلاقاتي بهم جيدة.

المؤتمر الثامن كان ايجابيا

عزيز محمد حضر المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي المنعقد في بغداد ما هي انطباعات عزيز محمد عن جلسات المؤتمر؟

إن انطباعاتي عن المؤتمر الثامن كانت ايجابية.

المسؤولية يقدرها الرفاق

هناك من يحمل عزيز محمد المسؤولية التاريخية عن تحول أقوى حزب شيوعي في الشرق الأوسط الى حزب لا يستطيع ان يكون له ممثل واحد في البرلمان في بغداد او كردستان؟

خلال 29 عاما كنت المسؤول الأول في الحزب، ودوري في مجمل المسؤولية يبقى تقديره لرفاق الحزب.

عزيز سباهي قدم وثيقة قيمة وشاملة عن الحزب

اين نجد تاريخ الحزب؟وما هي الدراسات والمذكرات التاريخية التي يوصي السيد عزيز بقراءتها؟

أعتقد أن جهد الرفيق عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي " في 3 أجزاء، يعتبر وثيقة قيمة وشاملة إلى حد كبير وكذلك مذكرات رفاق الحزب التي نشرت فهي تحتوي على حقائق تاريخية يمكن الاستفادة منها.

حنا بطاطو دراسته أكاديمية لا يمكن الاستغناء عنها

هل اطلع عزيز محمد على كتاب حنا بطاطو المعنون (العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى قيام الجمهورية) وهل يمكن عده مرجعا أساسيا ورئيسا حول تاريخ الحزب؟

نعم أطلعت على مؤلفات الباحث حنا بطاطو في ثلاث أجزاء ومن ترجمة منيف الرزاز، انها دراسة أكاديمية رصينة وجيدة وتحتوي على حقائق غير قليلة عن تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، لا يمكن الاستغناء عنها ، وكذلك يمكن الاستفادة من مذكرات الشخصيات السياسية الوطنية العراقية وما كتب عن تجربة الشيوعية والثورية في العراق، كمؤلفات د.كاظم حبيب وسالم عبيد النعمان وزكي خيري وغيرهم.

تم إعادة الاعتبار للرفاق اليهود

يلاحظ وجود نوع من التعتيم المتعمد من الحزب حول الدور النضالي للشيوعيين العراقيين اليهود ما هو السبب برأيك؟

لا شك أن الدور النضالي للشيوعيين العراقيين اليهود في الأربعينيات كان واضحا وكبيرا قبل ترحيلهم وإسقاط الجنسية عنهم، ومن المؤسف أن جرت في الخمسينات محاولة لطمس دورهم، هنا نذكر دور الرفاق شاؤل طويق ويعقوب مصري فقد كان كبيرا وإن قيادة حزبنا كانت مؤلفة من مختلف القوميات والأديان ولقد جرت إعادة الاعتبار للرفاق اليهود ولدورهم واعتبر الرفيق ساسون دلال شهيدا للحزب.

انا منتخب من اللجنة المركزية واعيد انتخابي من المؤتمرات الحزبية

اختيار القيادات الشيوعية من خلال مؤتمرات الحزب، وإذا علمنا أن الفترة الزمنية الفاصلة بين انعقاد المؤتمر الأول للحزب عام 1945 والمؤتمر الثاني عام 1970 يعني ما يقارب الربع قرن فكيف كان يتم أختيار القيادات خلال هذه الفترة؟

بعد استشهاد الرفيق فهد لم يتمكن الحزب من عقد مؤتمرات أو كونفرنسات، لذلك كانت اللجان الحزبية غير المفوضة من قبل مؤتمر حزبي تتولى مهمة إدارة شؤون الحزب، وكان هدف هذه اللجان أو الرفاق تيسير دفة الحزب في تلك الظروف الحرجة، بعد كل ضربة واعتقال للكوادر المسؤولة إلى حين انعقاد الكونفرنس الثاني أيلول 1956 ، حيث انتخب الكونفرنس الرفيق الشهيد سلام عادل سكرتيرا للحزب حتى استشهاده في عام 1963. وإن اللجنة المركزية للحزب في 1964 انتخبتني سكرتيرا للحزب وفي المؤتمر الثاني وبعده في المؤتمرات (الثالث والرابع) انتخبت من قبل المؤتمر.

الرفيقان فهد وسلام عادل لعبا دورا تاريخيا في اصعب الظروف

تناوبت على قيادة الحزب الشيوعي قيادات شيوعية متعددة لكننا نلاحظ ان أدبيات الحزب الشيوعي تركز على قيادة الرفيق فهد والرفيق سلام عادل، ما هو السبب في رأيك؟

جاء دور الرفيق فهد التاريخي لكونه مؤسسا للحزب ، مضحيا بحياته من أجل الشعب. إن دوره التاريخي في النضال وكنموذج شيوعي جريء ومقدام يجعلنا نركز عليه ونشيد به، وأما الرفيق سلام عادل فدوره تاريخي لعمله من اجل وحدة الحزب وقيادته وثباته المبدئي وصموده وتضحيته بحياته في سبيل الحزب والشعب والوطن ، وأن الرفيقين فهد وسلام عادل لعبا دورا تاريخيا في أصعب الظروف وهذا لا يعني بأن الحزب لا يشيد بغيرهم من الرفاق الشجعان والأبطال في مسيرة حزبنا كالرفاق الشهداء جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وغيرهم.

كنت اعتقد بأني غير مؤهل لقيادة الحزب الشيوعي

يشتكي السيد عزيز محمد من قلة تأهيله الثقافي في وقت تشير فيه بعض المصادر انه في عام 1964 كان يدرس في معهد الدراسات الماركسية اللينينية في موسكو؟

في عام 1964 كنت ضد ترشيح نفسي لسكرتير الحزب وأنا صوت للرفيق سلام الناصري وكنت على اعتقاد بأنني غير مؤهل لقيادة حزب كالحزب الشيوعي العراقي ، فلم أكن أمتلك من الثقافة الماركسية ما يؤهلني لتولي هذا المنصب ولأنني كنت أقل الرفاق دراسة، حيث كان بعض الرفاق حاملي شهادات جامعية عالية ورغم ذلك حملني الرفاق هذه المسؤولية آنذاك وتكرر انتخابي في المؤتمرات (الثاني والثالث والرابع) ورغم إمكاناتي المتواضعة خلال هذه الفترات كلها فكان الاعتماد الكلي على الرفاق الذين كنت أعمل معهم خلال 29 عاما، واكتسبت خبرة وتجربة غنية لا بأس بها.

اكدت على تعميق الديمقراطية في الحزب وتجديده

في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي 1993 والذي تنحى فيه عزيز محمد من قيادة الحزب ،أطلق على المؤتمر (مؤتمر الديمقراطية والتجديد) ما هو التجديد الذي حدث على الحزب من وجهة نظر عزيز محمد؟

لقد أكدت في كلمة المؤتمر الخامس للحزب ما يلي: إننا نريد لحزبنا أن يتجدد فكرا وسياسة وتنظيما ونريد لقيادة حزبنا ان تتجدد وتضم كفاءات شابه ودماء جديدة وأكدت على ضرورة تعميق الديمقراطية في الحزب وتجديده على كل الصعد. سابقا كنا نطمح الوثوب الى السلطة بقوة السلاح إلا أننا اليوم نأمل عن طريق صناديق الاقتراع، ان عامل الزمن والتطورات في العالم جعلتنا نغير أساليبنا وبرامجنا ورؤانا.

وفي ختام المؤتمر الخامس أكدت على ضرورة فسح المجال للرفاق الجدد الذين هم أكفأ منا، فلكل زمان ولكل ظرف أشخاصه ورفاقه لذا لم أرشح نفسي ولم اقبل بترشيحي حتى نفسح المجال لرفاق آخرين وأكدنا على ان نضع كل إمكاناتنا تحت تصرف القيادة الجديدة.