2016-05-12

البديل الديمقراطي: في البرنامج والتجديد والتجربة الديمقراطية

* حنا غريب

يسرنا أن نعبّر عن ارتياحنا لكل ردود الفعل الأولية على نتائج المؤتمر الحادي عشر لحزبنا، سواء عبر المقالات أو التعليقات التي صدرت في وسائل الإعلام المحلية، أو عبر الرسائل والاتصالات الخاصة التي وردت الى قيادة حزبنا وإليّ شخصيا، وهي مشكورة لإهتمامها وتقديرها.

وقد تميّزت هذه الردود بطابع إيجابي عموماً، ومع ذلك فإن بعضها طرح أسئلة وتساؤلات حول مواقف الحزب إزاء عدد من القضايا اللبنانية والعربية الشائكة. وبما أن الصيغة المعتمدة في عقد المؤتمر لم تسمح للبنانيين بالاطلاع على مجريات النقاش المتعلق بمشاريع الوثائق المقدمة أمام المؤتمر، وما إستدعته من تعديلات على هذه الوثائق، فسوف نصدر في وقت قريب الوثيقة السياسية والبرنامج المرحلي والنظام الداخلي وخطة العمل، في ضوء ما خلصت إليه أعمال المؤتمر.

لقد شكّل المؤتمر حلقة أساسية في سياق عملية التجديد الجارية منذ فترة في حزبنا، وهو سياق قد يتطلب اكتماله أكثر من مؤتمر. إننا نؤكد أن عملية التجديد هذه سوف تطال مختلف جوانب حياة الحزب، الفكرية والسياسية والتنظيمية، وصولاً إلى الموقف من التطورات العاصفة على المستويين العربي والدولي، التي تتطلب قدراً أكبر من التوضيح والتفصيل، مع وعينا التام لجملة التغيرات الكبيرة التي طرأت على البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية في إطار تزايد تبعيتها المتعددة الأشكال للرأسمالية المعولمة، وما نتج عنها من تعديلات جوهرية في آليات فعل القوانين الرأسمالية في مجتمعاتنا، الأمر الذي لم يجر رصده ومتابعة تداعياته بالقدر الكافي من الاهتمام، سواء على الصعيد النظري أو على الصعيد العملي.

وبالرغم من هذا التقصير، فإننا ما زلنا نعتقد أن أفق تطور مجتمعاتنا – ومن ضمنها لبنان - يندرج ضمن السعي لمواصلة النضال في سبيل التحرر الوطني والانعتاق من قيود التبعية والسيطرة الامبريالية على بلادنا ومواجهة مشاريعها في فرض " الشرق الأوسط الجديد".

ويجب أن نعترف أن ضيق الأطر التنظيمية في عملنا الحزبي قد حال دون تعبئة الشيوعيين وأصدقائهم في مهمات النضال المطلبي اليومي، وفي النضالات الديمقراطية والوطنية العامة، وهذا ما ينطبق أيضاً على أطر عملنا الجماهيري. ونحن بالتأكيد لسنا سعداء لتراجع دورنا في المدن الكبرى ولإنقطاعنا المتمادي عن قطاعات واسعة من الشعب اللبناني، من عمال واُجراء ومزارعين وذوي مهن حرة وصغار ومتوسطي الصناعيين ومثقفين وفنانين،علماً أن الثقافة كانت حاضرة على الدوام في صلب اهتمام الحزب وكنا نفخر دائماً بأن معظم كبار مثقفي لبنان انتموا إلى الحزب أو كانوا أصدقاء دائمين له.

إن ما أنجزناه في هذا المؤتمر هو، من جهة أكبر، من مجرّد انتخاب قيادة جديدة بشكل ديموقراطي، ومن تمتين للوحدة الداخلية، ولكنه من جهة أخرى، أقل من قفزة نوعية كفيلة بأن تخرج الحزب من أزمته. فالمؤتمر أنتج وضعا يمكن فيه لكل الشيوعيين أن يشاركوا في صياغة خيارات الحزب عبر الاجتهاد الطوعي والمشاركة في النقاش الحر بروح نقدية عالية ومسؤولة، من دون تردد وبعيدا عن الوقوع أسرى هواجس الخوف والتبعات. وهذا أمر مهم وضروري لتحفيز المشاركة في التنفيذ. لقد نجحنا في توسيع وتعميق الممارسة الديمقراطية في الحياة الداخلية للحزب لجهة إتاحة الفرصة للشيوعيين بالاطلاع الشفّاف على أمور الحزب ومناقشتها وتقييمها عشية انعقاد المؤتمرات، من خلال ما نشر من وثائق وكتب وكراسات وزعت في الاجتماعات المؤتمرية وتمت مناقشتها جميعها وإدخال تعديلات عليها كمقدمة لترجمة محصلة نقاشاتها في توجهات برنامجية محددة وواضحة المعالم يلتزم الحزب ومنظماته القطاعية والمناطقية بتطبيقها.

نحن الآن أمام مهمتين كبيرتين متقاطعتين:

أ) مهمة التحضير للمؤتمر الثاني عشر على نحو يحاكي المؤتمر الثاني من حيث مضمونه وأهميته التاريخية.

ب) مهمة إخراج منظمات الحزب للانخراط في النضال الميداني المباشر الى جانب صفوف شعبنا من أجل القضايا الوطنية والاجتماعية التي تطال مصالح أوسع الفئات الاجتماعية، بدل بقائها أسيرة حال من الركود والتقوقع والصراعات الداخلية التي هدرت موارد الحزب وطاقات أعضائه منذ ثمانينيات القرن الماضي .

وهاتان المهمتان متقاطعتان وتتطلبان إيلاء الاهتمام للأوضاع التنظيمية في الحزب ، بما يعزز العلاقات الرفاقية السليمة بين الشيوعيين ومن بينهم الرفاق خارج التنظيم، ويقدم حلولاً للمشكلات الأخرى ذات الصلة، ويعيد الإعتبار لعملية إنتاج الكادر الحزبي، ويطلق ورشة التثقيف ويجدّد أطر العمل الجماهيري.

إننا، من خلال فهمنا لتحولات البنية الاجتماعية ولمصالح الفئات الاجتماعية التي نحرص على تمثيلها، نعتبر مسألة التحالفات وآليات التعاون مع القوى الديمقراطية مسألة مركزية، وأساسها في المرحلة الراهنة هو بناء الدولة المدنية العلمانية، الديمقراطية، دولة مقاومة، دولة للرعاية الاجتماعية.

إن برنامجنا يهدف لبناء الأطر التحالفية التي تشدّد، من جهة، على القضايا الوطنية المتعددة المتعلقة بالتصدي للعدوان الإسرائيلي والإرهاب الأصولي، ومن جهة ثانية على بناء الاقتصاد الوطني المستقل وتعزيز مناخات العدالة الاجتماعية والحريات العامة تجسيدا لحقّ اللبنانيين في حياة كريمة. وسنكون منفتحين لتعزيز أطر وآليات العمل المشترك على اختلاف مستوياته بالتحالف مع كل من يتبنى هذه القضايا ضمن برنامج مشترك، وبالتعاون والتنسيق حول هذه القضية أو تلك. كما أننا سنعمل على ضمان ما يوحد القوى المستعدة للنضال في سبيل المسائل الوطنية والاجتماعية هذه. وسنبقى نعمل جاهدين لتجميع وتأطير القوى اليسارية وتجاوز الظروف التي حالت دون تحقيق هذه المهمة، ونحن نرى في تحقيق هذا الهدف رافعة لإقامة أوسع إطار جماهيري ديمقراطي في البلاد.

لقد وقفنا وسنبقى نقف إلى جانب شعبنا الفلسطيني وقضيته المركزية، وسنؤكد على انحيازنا الدائم للشعوب العربية وانتفاضاتها في وجه أنظمة الاستبداد والتبعية ومن أجل إقامة البدائل الديمقراطية وتحقيق التحرر الوطني والاجتماعي، ذلك أن تحررها هو تحرر لنا في الوقت عينه. كما أكدنا على إدراكنا لمخاطر القوى الإمبريالية وبمساعدة من عملائها من الرجعيات العربية، للتدخل في الشؤون الداخلية لشعوبنا ولإجهاض حركة تحررنا في دعم الثورات المضادة.

أن ما نؤكد عليه، يستدعي رسم إستراتيجية تحررية وبرنامجاً واضحاً نتصدى عبره للمشروع الأميركي - الصهيوني الرجعي العربي ولوليده الإرهاب الأصولي، يغطي مهمات التغيير الديمقراطي . إن الوضع المأزقي الذي تعيشه الأمة العربية يتطلب إعادة النظر في فهم البنية الاجتماعية في بلداننا لابتكار أساليب النضال الملائمة وتأطير الجماهير صاحبة المصلحة في التغيير والتحرر. إن هذا الواقع يطرح ضرورة تعزيز دور اللقاء اليساري العربي، وبناء شتى أشكال أطر التعاون والعمل المشترك الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، على الصعيد العربي ككل وعلى صعيد كل بلد على حدة.

إن التعقيدات المتصاعدة كماً ونوعاً في الوضع العربي تفرض علينا التعمق فيها خصوصاً وأننا بصدد التحضير لورشة فكرية سياسية حول المسائل العربية ولبلورة التصور الذي تتطلبه المواجهة النضالية والثورية.

فالبرنامج المرحلي الذي أقره المؤتمر الحادي عشر يتمحور حول مهمات إجراء الاصلاحات السياسية المتجسدة في بناء الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية كبديل عن الدولة الطائفية، وما يستدعيه ذلك من اصلاحات تشريعية تطال قانون الانتخاب وقانون الأحوال الشخصية...

أما الشق الاقتصادي فيقتضي ضرورة استبدال النسق الاقتصادي التهجيري والتدميري بنسق قائم على قطاعات الإنتاج المادي وإجراء تغيير جوهري في السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية لتحرير قرارنا الوطني من التبعية للخارج وبناء اقتصاد مقاوم لدولة مقاومة، ويجعل من المقاومة قضية وطنية للتحرير والتغيير.

من جهته ، يحتل الشأن المطلبي حيزاً مهماً في برنامجنا لجهة الاصرار على ضمان حقوق اللبنانيين في العمل والحصول على الدخل والتعليم والعناية الصحية والتقاعد والسكن، وما ألى ذلك من حقوق تشكل بمجموعها القيمة الحقيقية للمستوى اللائق بحياة الإنسان ومعيشته .

ختاماً، لا بد لنا من توجيه التحية لكل الرفاق الشيوعيين واليساريين والديمقراطيين وكذلك ، لشباب الحراك الشعبي والنقابي والمدني ومواطنات ومواطنين ولكل المنخرطين في لوائح المعارضة لسلطة الفساد في معركة الانتخابات البلدية في المحافظات كافة، والتي إن دلَت على شيء، فهي تدل بنتائجها في بيروت والبقاع مدى انفكاك فئات شعبية واسعة عن هذه الطبقة السياسية الفاسدة، وهي تفتش عن البديل . فأين نحن الآن من هذا البديل؟

* الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني

افتتاحية النداء وينشر المقال بالتزامن مع جريدة السفير