2016-04-24

عن الخيِّر (الإتحاد الأوروبي) والشرِّير (صندوق النقد الدولي)

وحكومة حزبي سيريزا و اليونانيين المستقلين

ذيميتريس كوتسوباس

الأمين العام للجنة المركزية في الحزب الشيوعي اليوناني

أبرزت نقاشات كوادر صندوق النقد الدولي التي نشرت في موقع ويكيليكس على شبكة الإنترنت، التناقض الحاد القائم بين صندوق النقد الدولي، وقطاعات من الرأسمال الأمريكي من جهة وبين الاتحاد الأوروبي وقطاعات معينة من الرأسمال الألماني من جهة أخرى، وهي التي تتجلى بمناسبة البرنامج اليوناني وصعوبات استكمال التقييم الحالي.

هذا ولأن من السذاجة الإعتقاد بأن نشر هذه المحادثات في هذا الوقت، ولكن أيضا كل ما تلى ذلك، كلقاء مِركل- لاغارد، هي أمور ذات علاقة حصراً، بمسار تفاوض الحكومة اليونانية و موقف التكنوقراط كتومسن و فلكوليسكو.

فالأسباب أعمق من ذلك بكثير وهي متعلقة بإدارة الديون إجمالاً، وليس فقط اليونانية منها، وتتعلق أيضا بمسار منطقة اليورو، ذاتها.  فعلى سبيل المثال، تبرز الولايات المتحدة، وبالتالي صندوق النقد الدولي استكمال عملية التقييم كشرط مسبق "لإعادة جدولة " ديون الدولة اليونانية، وهو ما ستتحمله ألمانيا بشكل أساسي في حال حصوله.

حيث تبدي ألمانيا رد فعلها أمام هذا المنظور، وتطرح استكمال عملية التقييم كوسيلة للضغط، من أجل تسريع عمليات إعادة الهيكلة، و تحافظ على احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو، مفتوحاً.

ولذلك، فإن عرض هذا السجال من خلال المنشورات، ليس بأمر عرضي أو لم يسبق له مثيل. ونذكِّر هنا بأن السجال الأمريكي الألماني الذي جرى على أعقاب كشوفات عميل وكالة الأمن القومي سنودن عن عمليات التجسس على مسؤولين أوروبيين من قبل وكالات الإستخبارات الأميركية، والتي جرت حينها مع تورط ويكيليكس.

 إلى جانب ذلك، يجري في الآونة الأخيرة، تداول العديد من السيناريوهات المتضاربة أكثر من أي وقت مضى، حول مستقبل الإتحاد الأوروبي، و ذلك في ترابط دائماً، مع مستقبل منطقة اليورو، حيث تتمثل الجهات الرئيسية الفاعلة في هذا الصراع في:  بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وهذا كله على خلفية المخاوف بشأن الاقتصاد العالمي، ما دام النمو الرأسمالي العالمي كان قد تباطأ خلال عام 2015، في حين ولج هذا النمو عام 2016 مع رسائل خطيرة. حيث يصب تهديد وقوع هزات متزامنة جديدة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي المزيد من "الزيت على نار" مزاحمات المجموعات الإقتصادية الكبرى والدول المعنية والتحالفات الدولية، التي تتصرف على غرار تصرف عصابات لصوص.  حيث متوجهة هي تحالفاتها البينية، وفي المرتبة الأولى ضد الشعوب، وهي تحتفظ بهذه التحالفات قائمة على مدى اتساق مصالحها وفي المجالات ذات الصلة.

أما فيما يتعلق بالحكومة، فمن الواضح أنها تستغل نشر محادثات كوادر صندوق النقد الدولي، لاستعادة ابتزازها المعروف والمختبر، وهو القائل أن: "هناك ما هو أسوأ"، في سبيل تسريع عملية التقييم، أي تمرير حزمة إجراءات جديدة وتجميل المذكرة التي وقعتها مع  الاتحاد الأوروبي. إن ما هو مثير للاهتمام، هو أنه في حين أن حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين كانت قد عولت في الفترة السابقة على دور صندوق النقد الدولي - الولايات المتحدة، يبدو أنها الآن متواجدة على نحو أقرب مع مواقف الاتحاد الأوروبي- ألمانيا.  إن تبادل لعب دوري "الخيِّر- الشرِّير" لا يمكن أن يخفي، بالطبع، أن كِلا صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، يمتلكان هدفاً مشتركاً يتمثل في تنفيذ التدابير المناهضة للشعب و حماية ربحية مجموعاتهما على حساب الشعب اليوناني.

لقد انتُخبت حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين مع شعارات إلغاء المذكرات، وقد وصلت اليوم إلى نقطة معينة، بعد مرور15 شهرا، حيث لا تطبق فحسب المذكرات السابقة الموقعة من قبل حزبي الجمهورية الجديدة و الباسوك، بل وقعت ضمنها على مذكرة إضافية و هي ترفع راية " التطبيق الحرفي للمذكرة" باعتبارها "فعل مقاومة" ضد مطالب صندوق النقد الدولي!.

وهي تحاول عبر أسلوبها هذا، التغلب على صعوبات في عملية استكمال التقييم، وهي التي تعود أسبابها إلى التناقضات القائمة بين "المؤسسات"، ولكن أيضا إلى التحركات الشعبية ومعارضة التدابير الجديدة، في مجالات الضرائب، والضمان الإجتماعي وغيرها. حيث تُفضِّل الأركان البرجوازية وعلى حد السواء داخل وخارج اليونان "إنهاء" حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين لمسألة "التقييم"، ولكن أيضا مع استعداد الحكومة لمواجهة احتمالات سياسية محتملة أخرى. في حين تطرح أحزاب المعارضة الأخرى، وعلى وجه الخصوص حزب الجمهورية الجديدة، مسألة تغيير الحكومة، إما من خلال الانتخابات أو من قبل البرلمان الحالي.

إن كل من ذكر، يجب أن يكون على بينة من الشعب اليوناني، لكي لا يراقب التطورات على نحو سلبي، ولكي لا يُحصر بين "خيارين أحلاهما مر" ولكي لا ينجر من الألاعيب الدعائية التي تقوم بها أحزاب الحكومة  والأحزاب البرجوازية الأخرى، لكي يكون الشعب ذاته، والعمال والحركة، قادرين  وبشكل أساسي على وضع بصمتهم على التطورات في ضوء مصالحهم الخاصة، لا من اجل الهدف "الوطني" التضليلي حول الانتعاش، وهو الذي ليس بمؤكد على كل حال، كما ولأن هذا الهدف في حال تحقيقه سيكون محققاً فوق أنقاض حقوق الشعب.  وفي المقام الأول ليكون الشعب قادراً على تنظيم وتوجيه كفاحه من أجل الدفاع عن حقوقه وبناء تحالف شعبي كبير جديد، سيستهدف تقويض هذا النظام الفاسد بعينه والمجموعات الاحتكارية.

حيث هناك تفكُّرٌ و حيرة موجودة سلفاً، في صفوف الناس الذين يعترفون بكفاحية وثبات الحزب الشيوعي اليوناني في صالح مصالح الشعب. بإمكان هؤلاء أن يُقدموا ويجب أن يقوموا بخطوتهم هذه اليوم، وأن يدعموا بنحو فاعل اقتراح المنفذ السياسي من الأزمة، المطروح من قبل الحزب الشيوعي اليوناني حول تنظيم اجتماعي جديد، من شأنه أن يلغي علاقات الاستغلال الهمجية، وأن يقوم بتنظيم وتوجيه الإنتاج، والاقتصاد، الخدمات الاجتماعية، والعلاقات مع البلدان الأخرى لصالح رفاهية الشعب، والحاجات الفعلية الشعبية وضمان عمل دائم ومستقر للجميع.

وبقدر اكتساب هذا الاقتراح لمساحات أوسع، سيكون بإمكاننا تأخير التدابير المناهضة للشعب ووضع العقبات أمامها، والمطالبة بتحسين حياتنا وتحقيق مكاسب. ومع ذلك، فإن الشعب لم يستغل حتى الآن قوته الفعلية. حيث ينبغي عليه أن يجربها وهو قادر على ذلك. وعلى الحكومة ألا تخدع نفسها وألا تعتقد بأنها إذا أحضرت مشروع القانون لإقراره في البرلمان في تزامن مع توقيت الصلب والجناز، فإن الشعب لن يخرج للتظاهر في الشوارع.

صحيفة "إثنوس".