2016-02-29

مدخل إلى المادية الجدلية

(الحلقة الاولى)

د. خليل إندراوس

كان لثلاثة اكتشافات كبرى في علم الطبيعيات أهمية خاصة في تشكيل وتعليل النظرة المادية الجدلية إلى الطبيعة، وهذه الاكتشافات هي قانون بقاء الطاقة وتحولها، ونظرية البنية الخلوية للكائنات الحية ونظرية داروين عن التطور.

فقدم قانون بقاء الطاقة وتحولها الذي اكتشفه على حدة كل من العالم الروسي العظيم لومونوسوف (جامعة موسكو تحمل اسمه) والعالم الألماني مايير وعالم الفيزياء البريطاني جول برهانًا دامغًا على الوحدة المادية للعالم، وسرمدية المادة والحركة وعدم فنائهما.

وفي نفس الوقت يؤكد هذا القانون ان المادة الحركة يتنوعان كيفًا ويتغيران ويمكن ان ينتقلا من شكل إلى آخر.

وأوضحت نظرية البنية الخلوية للأنسجة الحية وهي النظرية التي توصل إليها عالم النبات الروسي جوريانينوف وعالم النبات التشيكي بوركينيه والعالمان الألمانيان شلايدين وشوان، ان عنصرًا ماديًا – الخلية – هو الأساس لأي كائن معقد إلى هذا الحد أو ذاك.

وإذ أوضح هؤلاء العلماء قابلية الخلية للتغير فقد فتحوا الطريق إلى فهم صحيح لتطور الكائنات ووضع العالم الانجليزي الكبير شارلز داروين بنظريته عن التطور حدًا لفكرة ان أنواع النباتات والحيوانات عرضية لا ترتبط بشيء وغير قابلة للتغيير واثبت علميًا ان الكائنات المعقدة الأرقى قد تشكلت من كائنات بسيطة أدنى نتيجة فعل قانون الانتقاء الطبيعي الكامن في الطبيعة ذاتها. كما أوضح داروين ان الإنسان أيضًا نتاج الطبيعة ونتيجة لتطور طويل للمادة الحية. وقد اثبت بذلك الفكرة الأساسية للجدل، فكرة التطور والانتقال من الأدنى إلى  الأرقى، من البسيط إلى المركب.

بالإضافة إلى انجازات العلوم الطبيعية، كانت انجازات الفكر الفلسفي في هذه الفترة قد اتسمت بأهمية بالغة فيما يخص تشكيل النظرة الماركسية إلى العالم.

فخلال عمل ماركس وانجلز في وضع المادية الجدلية والتاريخية قاما بدراسة عميقة لتاريخ الفلسفة واستخدما أفضل ما أنتجه الفكر الفلسفي خلال قرون طويلة من تطوره. وكانت الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في القرن التاسع عشر، وفي المقام الأول فلسفة هيغل وفورباخ – هي المصدر النظري المباشر للفلسفة الماركسية.

وقد قطع ماركس وانجلز طريقًا معقدة في تطورهما الفلسفي والسياسي. فلم يتمسكا رأسًا بمواقف المادية الجدلية وجذبتهما في شبابهما فلسفة هيجل (1770-1831) المثالية التي كانت واسعة الانتشار في ألمانيا في ذلك الحين. كان هيغل مثاليًا موضوعيًا، وكان يرى ان العالم هو نتيجة لنشاط وإبداع وعي موجود موضوعيًا خارج الإنسان وهو "الفكرة المطلقة" و"الروح الشاملة". واسهم هيغل رغم كون منطلق مذهبه الفلسفي خاطئًا بقسط جدي في تطوير الفكر الفلسفي، حيث وضع مذهبًا قويمًا للجدلية  المثالية. وصاغ  هيغل قوانين الجدل الأساسية التي تتحكم في تطور الأفكار، وأوضح ان هذا التطور لا يسير في دائرة مغلقة، بل يتقدم من الأشكال الأدنى إلى الأعلى الأرقى.

وانه في هذه العملية تتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية، وان التناقضات هي مصدر التطور. كما حدد هيغل المفاهيم (المقولات) الأساسية للجدل، وأوضح ترابطها وتحولها المتبادل.

وكان الجدل هو الشيء الايجابي الذي اقتبسه ماركس وانجلز من فلسفة هيغل واستخدماه بعد تفسيره من المواقع المادية في وضع المادية الجدلية والمادية التاريخية.

وأثرت مادية فورباخ (1804-1872) تأثيرًا كبيرًا على تكوين آراء ماركس وانجلز. كان فورباخ ماديًا بارزًا في عصره. فقد رفض المثالية وأشار إلى ان الفلسفة يجب ألا تنحصر في إطار الفكر الخالص، وان من واجبها دراسة الطبيعة والإنسان. والطبيعة موجودة خارج الإنسان وهي كائن أول، أما الإنسان فهو جزء من الطبيعة ونتاج لتطورها الطويل الأمد. والوعي في رأي فورباخ، لا يسبق الطبيعة بل يعكسها ويستوعبها. وان المادة الطبيعة قابلة للمعرفة وهي في متناول إدراك الإنسان وجميع حواسه.

إن الأفكار المادية الواردة في فلسفة فورباخ ساعدت ماركس وانجلز على التخلص من المثالية الهيغلية، وقد استخدماها في وضع المادية الجدلية والمادية التاريخية.

بيد ان مؤسسَي الماركسية عندما استخدما فلسفة فورباخ قد أدركا محدوديتها ومثاليتها فيما يخص تفسير الحياة الاجتماعية ولم يرضيا عن طابعها التأملي وانعزالها عن الحياة وعن نضال الشعب من اجل التحرر.

فقد كان ماركس وانجلز على يقين من ان المهام الفلسفية والاجتماعية الرئيسية ينبغي ان تحل في الممارسة، في الصراع السياسي الثوري، لا في حجرات المكاتب.

وأسفرت مشاركة ماركس وانجلز في الصراع الاجتماعي والسياسي إلى جانب الشغيلة والدراسة العميقة للعلوم الطبيعية والفلسفة والتاريخ عن اقتناعهما ببطلان المثالية ودفعتاهما إلى الانتقال بحزم إلى مواقع الشيوعية العلمية، إلى مواقع البروليتاريا. وقد تجلى هذا الانتقال، من الناحية الفلسفية في وضعهما لفلسفة جديدة نوعيًا هي المادية الجدلية والمادية التاريخية.

كان ماركس قد أصبح ماديًا منذ عام 1844-1845، أي في الفترة التي تكونت فيها أفكاره: لقد كان بوجه خاص من أتباع فورباخ. ولكن ماركس انتقد فورباخ، لعدم الكفاية في منطق ماديته وشمولها. ولكن مادية فورباخ ساعدت ماركس على التخلص والإقدام على القطيعة النهائية مع مثالية هيغل.

كتب ماركس: "يرى هيغل ان عملية التفكير، هذه العملية التي يحولها حتى تحت اسم الفكرة إلى ذات مستقل، هي "الديميورج" (الخالق، الصانع) للواقع... أما أنا فاني أرى العكس: إن المثالي ليس سوى المادي منقولا إلى دماغ الإنسان ومحولا فيه" (كتاب رأس المال، المجلد الأول، تذييل للطبعة الثانية).

ووفقًا تمامًا لفلسفة ماركس المادية هذه كتب فريدريك انجلز عند شرحه لها في كتابه "ضد دوهرينغ" – وهذا الكتاب قد اطلع عليه ماركس قبل طباعته - : "إن وحدة العالم ليست في كيانه بل في ماديته. وهذه المادية قد أثبتها تطور طويل وشاق للفلسفة وعلوم الطبيعة... الحركة شكل وجود المادة. لم يوجد قط ولا يمكن ان يوجد أبدًا، في أي مكان، مادة بدون حركة ولا حركة بدون مادة... وإذا تساءلنا عن ماهية الفكر والمعرفة وعن مصدرهما، وجدنا انهما نتاج الدماغ الإنساني، وان الإنسان نفسه هو نتاج الطبيعة الذي نما وتطور في محيط معين، ومع هذا المحيط. وإذ ذاك يغدو من البداهة ان نتاج دماغ الإنسان الذي هو أيضًا، عند آخر تحليل، نتاج للطبيعة، ليس في تناقض بل في انسجام سائر الطبيعة".

"لقد كان هيغل مثاليًا، أي ان أفكار دماغنا لم تكن، في نظره انعكاسات (في الأصل ABBILDER، صور وأحيانا يستعمل انجلز كلمة "نسخ") مجردة، إلى هذا الحد أو ذاك عن الأشياء والتطورات الواقعية، بل على العكس من ذلك، فالأشياء وتطورها كانت في نظر هيغل صورًا تعكس فكرة ما كانت موجودة في مكان ما قبل وجود العالم".

وقد كتب انجلز في مؤلفه "لودفيغ فورباخ" الذي عرض فيه أفكاره وأفكار ماركس حول فلسفة فورباخ والذي لم يدفعه إلى الطبع إلا بعد ان أعاد قراءة المخطوطة القديمة حول هيغل وفورباخ والمفهوم المادي عن التاريخ التي وضعها بالتعاون مع ماركس في 1844-1845 يقول: "إن المسألة الأساسية العظمى في كل فلسفة، ولا سيما الفلسفة الحديثة، هي مسألة علاقة الفكر بالكائن، أو علاقة العقل بالطبيعة.. أيهما يسبق الآخر، العقل أم الطبيعة... وكان الفلاسفة تبعًا لإجابتهم على هذا السؤال قد انقسموا إلى معسكرين كبيرين، فأولئك الذين كانوا يؤكدون أولوية العقل على الطبيعة ويقبلون على هذا النحو... في آخر تحليل بخلق العالم، أيًا كان نوع هذا الخلق... ألفوا معسكر المثالية، والآخرون الذين يعتبرون الطبيعة المنشأ الأساسي انتموا إلى مختلف مدارس المادية".

وإن أهم تعبير عن الانقلاب الثوري الذي أجرته الماركسية في الفلسفة هو تحقيق الوحدة العضوية بين المادية والجدلية. فالعيب الأساسي في المادية القديمة قبل ماركس انها كانت "ميكانيكية" في الغالب وانها لم تكن تاريخية ولا ديالكتيكية (كانت ميتافيزيائية بمعنى انها منافية للديالكتيك ولم تكن تطبق وجهة نظر التطور من جميع نواحيها على نحو منسجم إلى النهاية. وإنها تفهم جوهر الإنسان على نحو تجريدي لا بمثابة "مجموعة العلاقات الاجتماعية كافة" (التي يحددها التاريخ على نحو ملموس) وهكذا لم تقم إلا بتفسير العالم مع ان المقصود كان تغييره وبتعبير آخر ان المادية القديمة قبل ماركس لم تكن تدرك شأن النشاط العملي الثوري.

يـتـبـع...