2016-02-27

الإستراتيجية الفلسطينية.... وضرورة التغيير 2/3

(الحلقة الثانية)

الحركة بفعل القصور الذاتي

الكاتب: عبد المجيد حمدان

قلنا أن عرفات، والثورة الفلسطينية الحديثة، بدآ من حيث انتهى الحاج أمين، رغم أن الفاصل الزمني بينهما كان أيضا ، ويا لغرائب الصدف، 18 سنة – من 49 إلى 67 -، تجدد فيها بقاء الشعب الفلسطيني المشتت بلا قيادة. فترة شهدت متغيرات كثيرة وعميقة؛ وطنيا، عالميا، عربيا وإسرائيليا، أو كما يقال، مرت فيها مياه كثيرة من تحت الجسر. ومن حقنا الآن أن نسأل: هل وعى عرفات والقيادة الجديدة هذه المتغيرات، وتأثيراتها المتبادلة، قبل أن يتخذوا قرارهم بالبدء من حيث انتهى الحاج أمين ؟ أو بعبارة أخرى، قبل تبني نفس إستراتيجية النضال الوطني، والتي كما سبق وأوضحنا في الحلقة السابقة، ولدت وتبلورت عشوائيا قبل أن تتبناها قيادة الحاج أمين؟ إذن وقبل محاولة الإجابة  تعالوا نتوقف قليلا عند بعض الخطوط العريضة لتلك المتغيرات. 

1- وطنيا : 

كانت النكبة قد أضافت لحالة تمزيق جسد الشعب وتفرقه في تيه الشتات، والعصف بهويته الوطنية، بعد إلحاق الضفة الغربية بالأردن، وإخضاع قطاع غزة لحكم عسكري مجحف، أضافت تمزيق بناه السياسية، الثقافية، الاقتصادية والاجتماعية، وخلقت واقعا جديدا، ومخالفا تماما للواقع القديم. ولم تكتف النكبة بتمزيق الأحزاب السياسية، كما فعلت بالهيئات والحياة الثقافية، بل ووأدت أكثرها، ولم يتبق غير شتاتي الحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين، اللذين تواءمت أجزاؤهما مع الأوضاع الجديدة. ولأن الحياة لا تقبل الفراغ، فقد التحق الفلسطينيون، خصوصا منتسبو الأحزاب المنحلة، في الشتات وفيما تبقى من فلسطين، بأحزاب وحركات سياسية جديدة؛ وطنية، قومية وإسلامية، ظلت أجزاء من أحزاب وحركات عربية عابرة للقطرية. أما الهيئة العربية العليا، وبعد موت سريري طال لبضع سنوات، فذهبت دون أن يترحم عليها أحد، وحتى دون سرادق عزاء. 

وكانت النكبة قد أطاحت بكامل التركيبة الاجتماعية لأغلبية الشعب ، عقب تجريد الطبقات والفئات السابقة من ممتلكاتها. خلقت طبقة جديدة ، تتساوى في الفقر وفي انعدام أدنى مقومات الحياة الإنسانية، عرفت باسم اللاجئين. صحيح أن التركيبة الاجتماعية، في الأجزاء المتبقية من فلسطين، بقيت على حالها، لكن إغراقها بالطبقة الجديدة المعدمة من جهة، وإلحاقها بالتركيبة الاجتماعية للدولة الحاضنة – إسرائيل، مصر والأردن -، من جهة أخرى، قضى على ما كان لها من قوى ونفوذ. ولأن الحياة لا تعرف السكون، فقد تواصل الفرز الاجتماعي في الظروف الجديدة، ونشأت نواة لطبقة رأسمالية وطنية وكومبرادورية، حلت محل طبقة الإقطاع وكبار الملاكين المنهارة، إلى جانب فئة فلاحين ضعيفة، واصلت البقاء في ريف الضفة والقطاع. 

 وكان منطقيا أن يبحث اللاجئون أولا، وباقي الفئات الاجتماعية، عن تعويض لحالة الفقر وكوابيس المعاناة التي وجدوا أنفسهم فيها، وأن يجدوا ضالتهم في التعليم الذي وفرته وكالة الغوث، وطورته لغير اللاجئين الأردن ومصر. وجاءت النتيجة بفئة واسعة من المتعلمين، الموظفين والمثقفين، لعبت أدوار متعاظمة في كل من الحياة السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية أولا، ثم الثورية فيما بعد. ومن هذه الفئة الأخيرة، انحدرت القيادة الجديدة، والشابة، للثورة الحديثة. أي من أصول اجتماعية مغايرة لسالفتها، الهيئة العربية العليا، وبرصيد وتأهيل سياسي ومعرفي مغاير تماما.

2- عالميا :

على الصعيد العالمي، وفي فترة أل 18 سنة الجديدة – من 49 إلى 67 -، والتي بقي الشعب الفلسطيني فيها بلا قيادة، تعززت نتائج الحرب العالمية الثانية، وكان أبرزها: 1- سقطت الإمبراطوريتان الاستعماريتان؛ بريطانيا، صاحبة وعد بلفور، راعية تطبيقه، وحليفة وحاضنة الحركة الصهيونية، وفرنسا المستعمرة للمغرب العربي، والحليفة للحركة الصهيونية، من على عرشهما العالمي، متحولتين إلى دولتين من الدرجة الثانية. 2- صعد الاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة، كقوتين عظميين، إلى موقع قيادة العالم. 3- دشنت نتيجة الحرب بداية انقسام العالم لكتلتي الاشتراكية والرأسمالية، ووضعت حجر الأساس لنهاية عصر الاستعمار . 4- نشأ العديد من حركات التحرر الوطني، ونشب العديد من الثورات الاشتراكية والوطنية، والتي تكلل أكثرها بالنجاح. 5- ولم ينقض عقد الستينات حتى كانت عشرات المستعمرات قد تحولت إلى دول مستقلة، حظيت بعضوية الأمم المتحدة. وفي العديد منها ،انتقلت حركاته الوطنية وبنجاح، من طور الثورة الوطنية إلى طور الثورة الاشتراكية، وليتسع معها تفهم قضيتنا الوطنية، والتضامن معها، تضامنا واتساعا غير مسبوق. 6 – ولأن الحرب الباردة نشبت مباشرة عقب انتهاء الحرب، ولأن العالم انقسم إلى كتلتين اقتصاديتين اجتماعيتين كبيرتين، الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي ، والرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة، كان بديهيا أن تنشأ الأحلاف العسكرية، وأن ينحاز الاتحاد السوفييتي إلى، وأن يحتضن حركات التحرر الوطني، وأن تحتضن الولايات المتحدة القوى المحافظة، وأن تنشئ، تمول، تسلح، وتقود الثورات المضادة، وأن تتخذ من إسرائيل قاعدة متقدمة لها في المنطقة . 

3- عربيا:

العالم العربي لم يكن بعيدا عن هذه التطورات. ففي هذه الفترة – من 49 – 67 - انتقلت دول الاستقلال الشكلي، في ظل الحماية البريطانية والفرنسية، إلى الاستقلال الفعلي. وبثورات مجيدة حققت أكثرية المستعمرات العربية استقلالها. وفيه نشأت، إلى جانب الأحزاب الشيوعية وجماعة الإخوان المسلمين، أحزاب وحركات وطنية وقومية وإسلامية جديدة، كلها عابرة للقطرية الوليدة، كما سبق وأشرنا. وفي هذه الأحزاب والحركات انخرط الفلسطينيون، مؤمنين أن طريق الوحدة العربية، والوحدة الإسلامية، هو الطريق لتحرير فلسطين. ونجح ممثلو الأحزاب والحركات القومية في اعتلاء سدة الحكم في كل من مصر، سوريا، العراق والجزائر. ومع أنها كلها، باستثناء مصر، تعرضت لسلسلة من الانقلابات العسكرية، وبالتالي عدم استقرار الحكم، إلا أن كل انقلاب كان يستهل بيانه بشعار تحرير فلسطين، باعتبار قضيته المركزية. 

 ومثل كل العالم ، انقسم العالم العربي بين ملتصق بالقائم، ويسعى للحفاظ عليه، ولم يجد مجالا غير اللجوء للحماية الأميركية، وبين ثائر على هذا القائم ، يسعى إلى تغييره والتخلص من إرثه الثقيل، ويمهد الأرض للانطلاق إلى أمام. ومن ثم وجد نفسه، مضطرا أو مختارا، في الجبهة العالمية للتحرر الوطني. ومبكرا جدا أدى هذا الانقسام إلى صراعات عربية عربية. الطرف الأول وجد في الأحلاف التي دعت لها بريطانيا وأمريكا فرصته، فيما وجد الطرف الثاني نفسه مجبرا على رفضها وقيادة الشعوب العربية وحركاتها التحررية لمواجهتها. وفي هذه المعركة الضارية، والتي امتدت على مساحة الوطن العربي، حقق الطرف الثاني انتصارا مؤقتا ، ساهم مساهمة فعالة في انجاز استقلال من تأخر منها على الاستقلال . 

ولأن فترة مواجهة الأحلاف وإسقاطها شهدت فورانا شعبيا هائلا، وصعودا للنشاط السياسي غير مسبوق، فقد دفع هذا الفوران النظم العربية إلى تجريب تحقيق الوحدة. وحدة بين دول ترفع لواء التحرر الوطني، مصر وسوريا أولا، ثم مصر، سوريا والعراق ، ثم مصر وليبيا، ومصر والسودان فيما بعد. كما شهد وحدة مضادة بين مملكتي الأردن والعراق وبمباركة السعودية وأمريكا بالطبع .....الخ . وجاءت النتائج بفشل كل هذه التجارب، حتى أن دولتين – سوريا والعراق - حكمهما حزب واحد هو البعث، انتقلتا من حالة حسن الجوار، إلى حالة الخصومة القاسية.

ولسخرية القدر شذت وحدة الضفة الغربية مع الأردن، وهي الوحدة الإلحاقية ، والمطيحة بهوية الشعب الفلسطيني، وبحقه في تقرير المصير، وبدولته المستقلة، كما أقرتها قرارات الأمم المتحدة، شذت عن حالة الفشل العامة تلك، وثبتت. والمدهش، في الفكر الفلسطيني، أن القوميين الفلسطينيين، ورغم معرفتهم بدور النظام الأردني في ضياع فلسطين، رأوها، وباقتناع تام ، بداية الطريق للوحدة العربية الشاملة، ولتحرير فلسطين . 

4- إسرائيليا: 

ولقد جرت العادة فلسطينيا، وعلى الأخص ما بين 49 و 67، ألا نتوقف عند المتغيرات والتطورات التي حدثت وتحدث في إسرائيل. لماذا ؟ لأن إسرائيل، من منظور رؤانا الحقوقية، القانونية، التاريخية، الإنسانية، الثقافية ....الخ، ليست دولة، وإنما كيان غاصب، وحتمية زواله مؤكدة. وهذه الحتمية هي ما يتوجب أن تكون مدار الاهتمام، ومقتضى التركيز، وليس المتغيرات والتطورات العابرة في، وعلى كيان عابر .

وكي لا نستبق الأمور، ونقول أن هذا الفهم، فالتعامل مع بند الحق التاريخي في إستراتيجية النضال الوطني الفلسطيني، كشف عن عيب، وعن خلل خطير، في هذه الإستراتيجية، تعالوا نطالع بعض تلك المتغيرات، والتطورات الكبيرة التي سبقت ولادة القيادة الفلسطينية الجديدة. 

أولاها أن القيادة الصهيونية، وقد لاحظت تحول بريطانيا، عقب الحرب العالمية الثانية، إلى دولة من الدرجة الثانية، وصعود الولايات المتحدة لقيادة العالم الرأسمالي، لم تتوان عن الانتقال للحضن الأميركي، وعن تركيز نشاطها الإعلامي، الدعائي، الدبلوماسي....الخ في الأرض الأمريكية، مع الحفاظ على قوة تحالفها مع كل بريطانيا وفرنسا، ودول أوروبية أخرى. وبهذا التغيير لم تضمن سندا وحاميا دوليا لمشروعها فقط، بل وتثبيت وحماية مكتسباتها المنتظرة، وصيانتها من أي تهديد خارجي. 

وثانيها أن حصول إسرائيل على عضوية الأمم المتحدة ، لم يكسبها الشرعية الدولية، القانونية والحقوقية فقط، بل ووفر لها ضمانات بقائها وتطورها. ولأننا أدركنا خطورة هذه العقبة الجديدة ، والتي تجعل من مشروع تحرير فلسطين بإزالة إسرائيل ، ضربا من الخيال، كانت التعبئة عندنا بالنقمة على الأمم المتحدة، والرفض للشرعية الدولية، والذي ساد خطابنا السياسي قبل الإعلامي .

وثالثها أن إسرائيل لم تكتف بكل هذه الضمانات الجديدة لتأكيد بقائها وحفظ أمن مكتسباتها، ونصف أرض الدولة الفلسطينية في مقدمتها. عملت على تحويل قوتها العسكرية إلى قوة ردع باطشة ، انتقلت بها سريعا من الاعتماد على الجيوش العربية في حفظ أمن حدودها، من تسلل أصحاب الأرض، وأخذ ما يسدون به الرمق، إلى التهديد والغارات الإجرامية عبر هذه الحدود . 

ورابعها أنها أخذت على محمل الجد، تهديدات بيانات الانقلابات العربية بإزالتها. طورت إستراتيجيتها العسكرية، استنادا لدعم الحليفة أمريكا، لتحقيق تفوق مطلق على الجيوش العربية مجتمعة، وذلك عبر امتلاكها لأحدث التكنولوجيات العسكرية، اعتمادا على بنيتها الحضارية، والتي سبق وأشرنا لها في الحلقة السابقة، من جهة، والإسراع، بمساعدة الحلفاء، فرنسا وأمريكا ...الخ، في بناء وتشغيل مفاعلها النووي، وامتلاك ترسانة نووية من جهة أخرى. الأمر الذي جعل أي تفكير مسؤول في إزالتها، نوعا من مغامرة مهلكة.

وخامسها أنه وفي نهاية العام 48 انتقلت حيازة الحركة الصهيونية، ثم إسرائيل، من 7 % إلى 78 % من مساحة فلسطين. ذلك عنى أن القيادة الصهيونية واجهت فراغا، احتاجت فيه لمساعدة النظم العربية في الحفاظ على حدود هذا الفراغ من جهة ، والسرعة في تعبئته السكانية من جهة أخرى. وكان قانون حق العودة ومنح اليهودي الجنسية لحظة أن تطأ أقدامه أرض فلسطين، أول ثمارها. ورغم أن تدفقا هائلا في الهجرة قد حدث، إلا أنه لم يسد غير جزء من ذلك الفراغ. وجريا على العادة في كل العقود الماضية، سارعت النظم العربية لمد يد العون، وفتح طاقة الفرج. فتحت مزاعم الثأر والانتقام من الهزيمة العربية، تم اقتلاع وطرد الجاليات اليهودية من أوطانها العربية، وإلقاؤها في فلسطين. ومن عجب أننا، نحن الفلسطينيين، قبلنا هذه الجريمة وبررناها. كما قبلتها الشعوب العربية وبررتها. والأنكى أن حركات تحرر وطنية وقومية، وتيارات إسلامية شاركت فيها. والكل نظر إليها كنوع من الثأر لما حل بنا، ولم ير الحقيقة المرة أن كل النظم العربية، وبلا أي استثناء، شاركت فيها ، وأكثرها بتعاون مباشر مع القيادة الإسرائيلية . أيضا تغافلنا، أو غفلنا عن حقيقة أن عدد هؤلاء المطرودين من أوطانهم ، 650 ألفا ، قارب عدد لاجئينا، وأنهم حلوا بديلا لهؤلاء اللاجئين في بيوتهم وحقولهم . وبكلمات أخرى تمت تعبئة الفراغ السكاني، نتيجة الفرار الجماعي لأهلها .

وسادسها أن القيادة الصهيونية استغلت كارثة المحرقة النازية أبشع استغلال. ليس فقط أنها، باحتكارها تمثيل الضحايا، نجحت في إخراس كل الأصوات اليهودية المعارضة للمشروع الصهيوني، وإلى حد دمغها بالخيانة لذكرى الضحايا، بل وذهبت أبعد من ذلك، وإلى حد ابتزاز الضمير الإنساني، تحت زعم السكوت على جريمة معاداة السامية. وانتقل هذا الابتزاز إلى طور أعلى، بجعل أي نقد لجرائم إسرائيل في فلسطين معادلا لمعاداة للسامية، وخالقا لمناخ وقوع محرقة جديدة ، وبأيد عربية هذه المرة  وسابعها أن البنية الحضارية التي عملت القيادة الصهيونية عليها في عقود الانتداب، أهلت إسرائيل، الدولة الناشئة، لتحتل مكانة متقدمة بين دول العالم الأول، فيما بقيت الدول العربية تستقر قريبا من قاع العالم الثالث. أكثر من ذلك ساعدت هذه البنية المتقدمة؛ التعليمية ، الثقافية، القانونية، الديموقراطية، السياسية، الصحية، الإدارية، الاقتصادية، الاجتماعية ......الخ، على استيعاب وصهر هذا الخليط المتنافر، عرقيا وثقافيا وإنسانيا ....الخ ، من مهاجري يهود العالم، في بوتقة المجتمع الجديد، وليغدو أكثر وحدة وأشد تماسكا من أي مجتمع عربي محيط . 

والآن: 

والآن، وبعد هذا الاستعراض السريع لبعض ، أهم المتغيرات التي وقعت مابين العامين 49 و67 ، نعود للسؤال الذي سبق وطرحناه: هل وعى عرفات ، والقيادة الجديدة، هذه المتغيرات، وانعكاساتها على قضيتنا، وتأثيراتها المتبادلة ، قبل أن يقرر البدء من حيث انتهى الحاج أمين ؟ هل فكرت مليا، أو سريعا، في صلاحية إستراتيجية النضال الوطني، ومدى ملاءمتها للأوضاع الجديدة ، أي ذلك التغير الكبير على هدف ومهمات النضال ؟ 

ففي الفترة التي سبقت النكبة، وعلى مدى يزيد على السبعين عاما، تركز هدف النضال، على الحيلولة بين الحركة الصهيونية، وحليفتها بريطانيا، وبين تنفيذ مشروع إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وكان أن تناسبت المهمات، وتحددت الوسائل والأساليب، بالقدر الذي تلاءم مع الوعي الشعبي آنذاك، مع هذا الهدف. وبعد النكبة وتحقق المشروع الصهيوني، وقيام دولة اسمها إسرائيل ، وتشرد الشعب الفلسطيني، فقد تبدل الهدف من منع تنفيذ المشروع الصهيوني البريطاني، إلى تحرير الأرض المحتلة، وإزالة هذا الكيان الغاصب. أو بعبارة أخرى، العودة لما كان عليه الحال في ثلاثينات القرن الماضي. ومع ذلك لم يتم طرح السؤال: ألم يستلزم تغير الهدف تغيير الإستراتيجية، ومن ثم تغيير المهمات، الأساليب، الوسائل والآليات؟ 

الانطلاقة: 

كانت التحضيرات للثورة الحديثة قد وقعت أواسط الستينات. وفيها استلهمت القيادة الجديدة تجربة الحركة الفدائية / قطاع غزة ، العام 55. وحفز ضرب إسرائيل لهذه الحركة، وإذلال مصر، الرئيس عبد الناصر لإعادة تسليح الجيش، فخوض معركة كسر احتكار السلاح. وبعد دحر العدوان الثلاثي، أو حرب السويس العام 56، بدا لنا نحن الفلسطينيين، أن معركة تحرير الوطن باتت قريبة. فليست مصر وحدها من نجح في تحديث الجيش، ونقله من قوة محدودة العدد والتسليح، إلى قوة ضخمة، بل وانضم إليها كل من سوريا والعراق، وهي معا من تتجه له الأنظار لإنجاز مهمة التحرير.

ورغم فشل تجارب الوحدة بين الدول الثلاث، وانعكاسه على العلاقات بينها، وعداء النظم العربية الأخرى، شديد الشراسة لها، واصطفافها الواضح مع إسرائيل، رغم كل ذلك، بقي الأمل في وفاء الدول الثلاث لالتزامها بالتحرير قائما. ذلك أن إعلامها واصل المبالغة في دغدغة حواس الجماهير، عن تنامي قوة هذه الجيوش، وفعالية أسلحتها، واقتراب لحظة الحسم ...الخ . لكن الانتظار طال، والصبر الفلسطيني أخذ في النفاذ. إذ بدا أن هذه الدول، خصوصا مصر عبد الناصر، منشغلة في معالجة مشاكلها الداخلية. ولهذا كله، جاء استلهام تجربة الحركة الفدائية، العام 55، لغرض الضغط على مصر عبد الناصر، وفض حالة السكون القائمة، والدفع لبدء معركة التحرير الواقعة على عاتق هذه الدول الثلاث. وكما قلت في كتابي: "دخول إلى حقل المحرمات"، وقفت أهداف الثورة الفلسطينية الحديثة، عند حدود التحريك لا التحرير، رغم تصدر عبارة التحرير لأسماء الفصائل الفلسطينية الناشئة. 

لكن وقبل أن تدخل استعدادات الثورة دائرة الفعل ، وقبل أن يكون لها أي دور في التحريك ، انفضت حالة السكون، وجاءت حرب حزيران، العام 67 ، بتلك الهزيمة المروعة للجيوش العربية المشاركة، وسقوط فلسطين كلها في قبضة الاحتلال، ومعها سيناء المصرية والجولان السورية، وشكلت لحظة الولادة الفعلية للثورة الفلسطينية الحديثة . وكما نعرف كلنا، نقلت الفصائل قواها المنظمة من الداخل الفلسطيني إلى الخارج، ولتباشر منه فعل المقاومة. لكن، ورغم الاندفاع الكثيف على عضوية التنظيمات، فقد توفرت دلالات، أشكال التنظيم، الإدارة والانضباط، وعمليات العبور والاشتباك، أن مهمة التحرير بقيت موكلة إلى الجيوش العربية. ورغم أن عبد الناصر باشر فورا في إعادة بناء الجيش، تفعيلا لمقولته الشهيرة؛ "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها"، ورغم أن الحليف السوفييتي سارع لمد حليفتيه؛ مصر وسوريا، بما تحتاجانه من أجل إعادة البناء، إلا أن هدف المقاومة بقي على حاله؛ الضغط على مصر وسوريا، للإسراع في إعادة بناء جيوشها، واستئناف حرب التحرير .

وفي "دخول إلى حقل المحرمات" طرحت السؤال التالي: هل لو تحقق للعرب، في حرب حزيران، أو في أية حرب لاحقة ، نصر كامل على إسرائيل، يمكن إعادة عقارب الساعة إلى وراء، إلى وضع ما قبل نكبة 48 ؟ وأضفت : ولو افترضنا أن حلفاءها ، الولايات المتحدة ، فرنسا وبريطانيا وآخرين، التزموا موقف الحياد، وهو المستحيل بعينه، فماذا عن ترسانتها النووية ؟ وأجبت أن عرفات كان يعرف، ومعه كل قادة الفصائل، أن مثل هذا النصر، لو حصل، لن يفعل أكثر من تحسين شروط العرب في مفاوضات سياسية، سقفها الأعلى تطبيق قرار التقسيم، وإعادة اللاجئين إلى بيوتهم وممتلكاتهم. وفوق ذلك، فإن إسرائيل، في حال تحقق قادتها من هزيمة قد تنذر بالإزالة، ستلجأ إلى استخدام ترسانتها النووية، تطبيقا لخطة شمشون التاريخية المعروفة ؛ علي وعلى أعدائي يا رب. هذا استنتاج كان عبد الناصر قد أشار له مطلع الستينات، وجر عليه غضب الشعب الفلسطيني آنذاك، الأمر الذي اضطره إلى التفكير، فإقناع جامعة الدول العربية، العام 64، ومع تحفظات عربية كثيرة، بإعادة إحياء القيادة الفلسطينية، تحت مسمى منظمة التحرير الفلسطينية هذه المرة. حينها، وبعد كل ما مرت به الثورة من تطورات؛ نجاحات وانتكاسات ، لم يطرح في أي من أروقتها السؤال: إذن ولما كان الأمر كذلك، فلماذا تم تبني إستراتيجية للنضال، نشأت وتطورت في ظروف أخرى مغايرة تماما؟ ولماذا تمت تعبئة الجماهير على أهداف التحرير، مستحيلة التحقيق في الظروف الدولية الجديدة؟ ومن أي حالق ستسقط الجماهير، حين تحين لحظة الحقيقة، ويتم التفاوض على أهداف أدنى بكثير من هدف التحرير الشامل؟

ربما وقف التطور الصاعق للثورة، وراء ذلك التأجيل غير المبرر، لطرح الأسئلة السالفة والإجابة عليها. إذ لم تمض سوى شهور قليلة على انطلاقة الثورة، حتى حظيت بدعم شعبي، وطني، عربي وعالمي هائل. كما حظيت بمساندة دولية عربية وعالمية؛ سياسية، مادية، معنوية وأدبية ...الخ، غير مسبوقة في التاريخ المعاصر. لكن وبدل استيعاب التطورات الجديدة، ومنها سقوط مقولة عداء العالم، والأمم المتحدة لقضيتنا، أصيبت القيادة، وفصائلها، بداء الغرور القاتل لأية ثورة تواجه عدوا بشراسة ولؤم وخبث وقدرات العدو الإسرائيلي، وحلفائه على امتداد العالم، والإدارة الأمريكية في المقدمة. وبدل استثمار هذا الدعم المتنوع، وطرح إستراتيجية نضال جديدة، وتعبئة الجماهير على الهدف القابل للتحقيق، هدف استعادة الدولة الفلسطينية التي أطاحت بها النكبة، جرى رفع سقف الأهداف. ويا ليت الأمور وقفت عند هذا الحد. ذلك أن الفعل على الأرض جرى على عكس النوايا والأماني تماما. كيف ؟ ....

يتبع...(الحلقة الثالثة .. والأخيرة)